حاول «تشانغي» ضرب التحالف الرأسي والدعوة للتحالُف الأفقي، ومن ذلك فإنه ذهب لمقابلة الملك «هواي»، حاكم تشو، في محاولة لإقناعه بآرائه، وقال له أثناء لقائه «إن نصف أراضي الممالك تقع في حوزة تشين، هذا بالإضافة إلى ما تملِكه من قوة عسكرية قادرة على مواجهة الدويلات؛ فوق ما تتميز به من ظروف وأحوال طبيعية تحميها من الخطر الداهم إذ تُحيط بها الجبال وتدور بها الأنهار وتترامى على حدودها، من الجهات الأربع، طبيعية ثابتة، ويزيد عدد مقاتليها على المليون جندي، وتبلغ حصيلة عرباتها العسكرية ألف مركبة مقاتلة، بجانب عشرة آلاف فارس، ثم إن الحبوب في مخازنها مكدسة في أكوام تكاد تُغالب قِمم الجبال طولًا، وقد سادت هيبة القانون في أرجائها، واستعد جنودها للخطر، غير هائبين ملاقاة الردى، ومليكها يلحظ بعين الحرص مكانتها وشدة بأسها بين الأمم، ووراءه قادة ورجال النجابة والشجاعة والعزم من أبرز خصالهم، يُغيرون على أعاديهم، ويقذفون في قلوبهم الرُّعب حتى قبل أن يرفعوا لواء الحرب، فإذا ما أقدموا على الزحف، انطوت تحتهم الجبال وانهارت الحصون وانقصم ظهر الممالك [هكذا حرفيًّا] وكان آخِر من أذعن لهم بالغلبة من الأمراء هو أول الهالكين.
ثم إني أرى أولئك الداعين إلى تأليف حلف رأسي لمحاربة التحالف الأفقي وكأنهم يسوقون النعاج الضالة للنزال مع سبعٍ شديد الافتراس، فتأمل كيف يكون القتال بين نمِر ضارٍ ونعاج مُضطربة، وإلامَ تنتهي نتيجة مثل تلك المواجهة؟ ألا ترى أن النصر والهزيمة، في مثل تلك الحال مسألة بديهية لا تحتاج إلى كثير جدل، وإني إذ أرى جلالتكم تنأَون بأنفسكم عن الدخول في صف النمور الضارية وتذهبون إلى صفوف النعاج والخراف، وأقرر بأن خطتكم، في هذا الشأن، من وجهة نظري الشخصية، يشوبها الخطأ البالغ.
ليس على الأرض من الدول القوية إلا واحدة من اثنتَين: إما دولة «تشين» أو دولة «تشو»، فإن لم تكن هذه هي القوية، فلا بد أنها تلك الأخرى، فإذا ما قام صراع مسلح بينهما، وهما على هذا النحو من التكافؤ في ميزان القوة، فستتعاظم حدَّة التناقض بينهما بطريقةٍ تهدد بقاء كليهما وهكذا فإنك إذا لم تبادر إلى إقامة الصلات مع تشين، فسوف تدفع بقواتها للنزول شرقًا حيث ستتقدم للاستيلاء على مدينة إيانغ، وهو ما سيؤدي بالتالي إلى إغلاق طريق «شان طانغ» المار بدولة «هان»، وباطِّراد تقدُّم قوات «تشين» نحو منطقة «خدونغ» تصبح قادرة على احتلال منطقة «تشين قاو»؛ مما سيفرض على دولة هان الخضوع تحت سطوة «تشين»، وعندئذٍ تُطأطئ دولة وي رأسها للعاصفة وتسير مع ركب الخاضِعين تحت جناح «تشين»: وهكذا يتيسر لهذه أن تُهاجم دولتكم من جهة الغرب، بينما تقوم حليفتاها «وي»، و«هان» بشن الغارة عليكم من الجهة الشمالية، ولا أدري، كيف لبلادكم أن تتخلَّص من ذلك المأزق الداهم والخطر الوشيك؟»
«هذا من ناحية، أما من جهة أخرى، فإن تلك الدول المقبلة على توقيع ميثاق التحالف الرأسي، لا تُمثل إلا حفنة من الكيانات المتهافتة الضعيفة التي تدبر لمهاجمة أكبر وأقوى دولة على وجه الأرض. ومن المعلوم أن تحدي أطراف ضعيفة لدولة قوية، والتسرُّع في الإقدام على اشتباك عسكري معها دون تقدير كافٍ لحجم قواتها، بالإضافة إلى اضطلاع دول فقيرة بمجهود قتالي كبير يتجاوز طاقة احتمالها كل ذلك يُعد طريقًا محفوفًا بالمخاطر، ومنذرًا بالتهلكة، وقد بلغني أنه لا ينبغي لبلدٍ يتضاءل حجم قواته عما يملِكه عدوه أن يُقدِم على استفزازه، وليس لدولة يقلُّ مخزونها من الحبوب عما يتوافر لدى أعدائها أن تشرع في حربٍ طويلة الأمد.
إن أولئك الداعين إلى التحالف الرأسي يُزيفون الأدلة والبراهين، ويزينون القول لملوكهم بما يمتدحون من حكمتهم وشرفِهم وهيبتِهم، ولا يذكرون لقادتهم إلا النواحي الإيجابية في مشروع التحالُف، دون أن يعرِّجوا على جوانبه السلبية المُنذرة بالويل؛ مما يُعرض الجميع لنكبةٍ مروعة تتمثل في تعرُّض دولة «تشو» لهجوم «تشين» المُدمر، الذي لن يُبقي ولن يذَر، ولن يمكن تفاديه إذا ما تفاقمت الأوضاع ووصلت إلى نقطة يتعذَّر معها الابتعاد عن حافة الانزلاق إلى كارثة؛ لذلك كله، فإني أرجو من جلالتكم مراجعة تلك الأمور بتأنٍّ ودقة شديدة.»
«وإذا ما قُدر لدولة «تشين» أن تستولي على إقليم «باجو» فستُبادر على الفور إلى تسيير سفينتَين محملتَين بالحبوب من منطقة جبل «مين» حيث تُطلَقان بين شاطئي نهر «اليانغتسي» وتنحدران مع مياهه صوب الشرق، فتصلان بعد مسافة ثلاثة آلاف لي إلى العاصمة «إينغ دو» وعلى ظهر كلٍّ منها عدد هائل من الجنود حيث تتَّسع السفينة الواحدة لما مقداره خمسون مقاتلًا، بالإضافة إلى شحنات من الحبوب تكفي لمدة ثلاثة أشهر، وتقطع السفينة الواحدة منهما ما يبلُغ ثلاثمائة «لي» في اليوم الواحد، وبرغم تلك السرعة الهائلة، إلا أنها لن تؤثر على أو تستنزف المجهود القتالي للقوات، فما هي إلا عشرة أيام حتى تكون الرحلة قد بلغت مضيق «هانكون» الذي ستتملَّكه الدهشة والفزع، مما ستسري آثاره صوب الشرق، فتهب مدن وقرى المنطقة الواقعة شرقي مدينة «جين لين». فتصف الجنود وتتأهَّب للدفاع، إلا أن منطقتي «تشيان جون» و«أوجون» ستقعان تحت سيطرة الغزاة وتخرجان من دائرة أملاك جلالة الملك إلى الأبد؛ وحينئذ، ستدفع «تشين» بقواتها من إقليم «أوكوان» وتقوم بمهاجمة تشو من الجنوب وهو ما سيؤدي إلى قطع الطريق المار بمُحاذاة الحدود الشمالية، وهنالك تقوم قوات دولة «تشين» بمهاجمة «تشو»، التي ستجد نفسها تحت ظلال الخطر مدة لا تقلُّ عن ثلاثة أشهر كاملة، في حين أن ما يمكن أن يصل إليها من الإمداد والعون لن يأتي قبل ستة أشهر في أحسن تقدير، فمن ثم تجد «تشو» نفسها في موقف أسوأ مما تواجهه «تشين» وأقول لك يا مولاي: «إن أكثر ما يُثير القلق عليكم والإشفاق بكم، هو ما يبدو في ظاهر أحوالكم من الارتكان إلى مساعدة الدول الضعيفة، بينما تتغافلون عما تحمِله لكم «تشين» في أنيابها من السمِّ الناقع، هذا بالإضافة إلى ما تحملتموه من أعباء شديدة في تدبير شئون الدفاع عن المدن والقرى التي اجتاحتها قواتكم إبَّان حربها المُظفرة ضد دولة «أو»، حيث قمتم بإبادة قواتها بالكامل، فأنيط بكم أمر حماية المعاقل والأقاليم، فزادت مسئولياتكم في الوقت الذي تفاقمت فيه الأحوال المعيشية السيئة التي تمرُّ بها الأهالي في ذلك البلد المنكوب. وقد بلغني أنه من المُحتمل لمن يهاجم بلدًا قويًّا أن يصادف أصعب المخاطر. وهو ما يضيق به صدر الأهالي، فتضطرب صدورهم بالغضب، وتمتلئ جوانحهم بالكراهية ضد سلطات الاحتلال. وهكذا فإن احتمال وقوع أزمات شديدة إثر قيام قواتكم بمهمة الدفاع [في دولة أو] بالإضافة إلى عصيانكم وتحديكم لإرادة «تشين» في المنطقة، كل ذلك يُثير لديَّ — وعلى نحوٍ شخصي جدًّا — مشاعر القلق لما يُحيط بكم من الخطر.»
«ولئن كانت دولة «تشين» قد أحجمت، طوال خمس عشرة سنة عن تحريك قواتها لضرب الدويلات، فقد كان السبب في ذلك يكمن فيما تدبره من خططٍ سرية تهدف إلى تحقيق طموحها في ضم كل الدول والإمارات التي تحت السماء.
وقد جاء حينٌ من الدهر، وقع فيه الجفاء بين «تشو» و«تشين»، واشتبكت قواتهما في موقعة «هانجون» حيث كانت الهزيمة من نصيب «تشو» التي فقدت من خيرة نبلائها الحامِلين الألقاب الاجتماعية العُليا ما يزيد على سبعين فردًا، وانتهى الأمر بسقوط منطقة «هانجوان» في أيدي قوات العدو. وهنالك حمي غضب ملك «تشو». فأرسل جيشًا لمهاجمة «تشين»، ودارت بين الطرفَين معارك في منطقة «لانتيان»، ومُنيت «تشو»، في هذه المرة أيضًا، بهزيمة ساحقة.
ولطالما دارت بين الدولتَين معارك طاحنة، فكأنهما فهدان يتعاركان لا يكاد يهدأ أحدهما حتى يثب عليه الآخر يدعوه للنزال، ومع ذلك فهم الخاسران الوحيدان؛ إذ تبذل كلٌّ من «هان»، و«وي» كل جهدهما في تقوية حشودهما الخلفية، لذا كانت خطط «تشين» و«تشو» خرقاء، ينبغي تصويبها، وإني لأرجو من جلالتكم مراجعة تلك الأمور بدقة متناهية.»
«وإذا ما انطلقت قوات «تشين» صوب الشرق، وهاجمت دولة «وي» وإقليم «يانجين»، فسيكون ذلك بمثابة عملية خنق أو كتم أنفاس للدويلات والإمارات المنتشرة تحت السماء، وإذا قمت جلالتك بتحريك قواتك لمهاجمة دولة «سونغ»، فسوف تتمكن من احتلالها، ثم تشرع بعد ذلك في التقدم شرقًا، حتى تخضع لك الاثنتا عشرة دويلة الواقعة بمحاذاة نهر «سيشوي».»
«وقد كان سوتشين أكثر من عمل جاهدًا بثقة وعزم راسخ لإقامة التحالف الرأسي وتقريب وجهات النظر والعلاقات بين البلاد، وهو الأمر الذي وضعه موضع التبجيل البالغ، حتى أنعم عليه الملك «سو» حاكم «جاو» بأحد ألقاب التشريف وأقامه رئيسًا لوزراء دولة «يان»، فراح يُخطط سرًّا لمهاجمة دولة تشي؛ وذلك بالاتفاق الودي مع حاكم دولة «يان». على أن يفوز «سوتشين» بنصيبه المُقرر من أراضي «تشي» بعد احتلالها، وهكذا فقد تظاهر «سوتشين» [ذات يوم] بأنه ارتكب جرمًا شنيعًا، وهرب من فوره إلى دولة تشي حيث استقبله الحاكم بكل ترحاب، وأكرم وفادته وشمله برعايته، وعيَّنه رئيسًا لوزراء بلاده، فما كاد ينقضي من الزمن عامان، حتى اكتشفت تفاصيل المؤامرة السرية فاشتاط الملك (حاكم تشي) غضبًا وأصدر حكمه بالإعدام ضد سوتشين؛ حيث جرى تقطيع جسده بواسطة جنازير حادة موصولة بين جسده وعربات ضخمة تجرها الجياد القوية.
(ولذلك فإني أخلص إلى القول إن) الاعتماد على رجل ماكر ومخادع ومتقلب مثل «سوتشين»، بهدف التخطيط لإدارة وقيادة وتوحيد الممالك والدويلات التي تحت السماء، يعد أمرًا مستحيلًا وقد قام الدليل الواضح على ذلك.»
«إننا إذا تأمَّلنا أحوال كل من تشين وتشو، وجدنا أنهما بلدان متجاوران، وحدودهما مشتركة، وطبيعة أرضهما متناظرة، ولا غروَ في ذلك فهما أختان متجاورتان وإذا قبلتَ ما أعرض عليك، فسوف أُبادر إلى إرسال أمير دولة «تشين» ليأتيك فيبقى في كنفك رهينة سلام، بحيث تُرسِل دولتكم إلى «تشين» بالمقابل ولدكم الأمير [الملك شيانغ فيما بعد] ضمانًا للسلام بين البلدَين، كما أرجو أن توافق جلالتكم على مجيء ابنة ملك «تشين» لتُقيم في القصر عندكم، مجرد محظية تقوم بأعمال الخدمة المنزلية البسيطة، كما أن تشين سوف تمنحكم حق الانتفاع بما تجلبه مدينة كبرى (ذات عشرة آلاف أسرة مُقيمة) من ضرائب؛ وذلك ليقوم التآخي الدائم بين بلدَينا، ونضع نهاية للحرب بيننا، فهذا أفضل ما يمكن أن نتوصَّل إليه من الخطط المشتركة. وعلى ذلك، فسوف يقوم جلالة الملك حاكم «تشين»، بإيفاد رسل يقومون بتسليم رجال الحاشية لديكم الوثائق والرسائل ذات الصلة، حتى يصدُر قراركم النهائي في هذا الأمر.»
ثم تكلم ملك «تشو» قائلًا: «إن دولة «تشو» ذات موقع ناءٍ وموارد محدودة، وتعتمد في بقائها على نهر «دونهاي». وقد كنت في شبابي أجهل الكثير من ضرورات التخطيط بعيد المدى، وكم أسعدني أن أتعلم منك اليوم — أيها الضيف الكريم — الكثير مما يتصل بالقرارات المهمة، وأود أن أبلغك بكل تقدير، بعد ما سمعت من قولك، موافقة دولتنا ونزولها على رأيك». ثم إن الملك أرسل (إلى تشين) وفودًا تحمل الهدايا وهي عبارة عن: مائة عربة عسكرية، ومجوهرات ثمينة وتحف نادرة ونوع من اليشب [المستخدم في إقامة الطقوس الدينية] يضاء ليلًا عندما يشتد الظلام.