إنّ دلالة الأثر تتجلى بصورتين :
أ ـ وجود الأثر يدل على وجود المؤثر ، كدلالة المعلول على علّته ، والآية على صاحبها ، وقد نقل عن أعرابي أنّه قال : «البعرة تدل على البعير ، وأثر الأقدام يدل على المسير» ، إلى غير ذلك من الكلمات التي تقضي بها الفطرة. وهذه الدلالة مما لا يفترق فيها المادّي والإلهي ، وإنما المهمّ هو الصورة الثانية من الدّلالة.
ب ـ إنّ دلالة الأثر لا تنحصر في الهداية إلى وجود المؤثر ، بل لها دلالة أخرى في طول الدلالة الأولى، وهي الكشف عن خصوصيات المؤثر من عقله وعلمه وشعوره ، أو تجرده من تلك الكمالات والصفات وغيرها. ولنوضح ذلك بمثال :
إنّ كتاب «القانون» المؤلف في الطب ، كما له الدّلالة الأولى وهي وجود المؤثر ، له الدّلالة الثانية وهي الكشف عن خصوصياته التي منها أنّه كان إنسانا خبيرا بأصول الطب وقوانينه ، مطّلعا على الدّاء والدّواء، عارفا بالأعشاب الطبية ، إلى غير ذلك من الخصوصيات.
والملحمة الكبيرة الحماسية لشاعر إيران (الفردوسي) لها دلالتان : دلالة على أنّ تلك الملحمة لم تتحقق إلا بظل علّة أوجدتها ، ودلالة على أنّ المؤلف كان شاعرا حماسيا مطلعا على القصص والتواريخ ، بارعا في استعمال المعاني المتناسبة مع الملاحم. ومثل ذلك كل ما تمر به مما بقي من الحضارات الموروثة كالأبنية الأثرية ، والكتب النفيسة ، والصنائع المستظرفة اليدوية والمعامل الكبيرة والصغيرة ، إلى غير ذلك مما يقع في مرأى ومنظر كل إنسان.
وعلى ضوء هذه القاعدة يقف العقل على الخصوصيات الحافة بالعلة ، ويستكشف الوضع السائد عليها ، ويقضي بوضوح بأنّ الأعمال التي تمتاز بالنظام والمحاسبة الدقيقة ، لا بد أن تكون حصيلة فاعل عاقل ، استطاع بدقته أن يوجد أثره وعمله ، هذا.
كما يقضي بأنّ الأعمال التي لا تراعى فيها الدّقة اللازمة والنظام الصحيح ، تكون ناشئة عن عمل عامل غير عاقل ، وفاعل بلا شعور ولا تفكير ، فهذا ما يصل إليه العقل السليم بدرايته.
ولتوضيح الحال نأتي بالمثالين التاليين :
المثال الأول : لنفترض أنّ هنا مخزنا حاويا لأطنان عدة من مواد البناء بما فيها الحجر والحديد والإسمنت والجص والخشب والزجاج والأسلاك والأنابيب وغيرها من لوازم البناء ، ثم وضع نصف ما في هذا المخزن تحت تصرف أحد المهندسين أو المعماريين ، لينشئ به عمارة ذات طوابق متعددة على أرض منبسطة.
وبعد فترة من الزمن جاء سيل جارف وجرف ما تبقى في المخزن من مواد الإنشاء وتركها على شكل تل على وجه الأرض.
إنّ العمل الأول (العمارة) قد نتج عن عمل وإرادة مهندس عالم.
أمّا الثّاني (التل) فقد حدث بالفعل الطبيعي للسيل من دون إرادة وشعور.
فالعقلاء بمختلف مراتبهم وقومياتهم وعصورهم يحكمون بعقلانية صانع العمارة ، ومدى قوة إبداعه في البناء ، من وضعه الأعمدة في أماكنها المناسبة وإكسائه الجدران بالمرمر ، ونصبه الأبواب في مواضعها الخاصة ، ومدّة الأسلاك وأنابيب المياه الحارة والباردة ووصلها بالحمامات والمغاسل ، وغير ذلك مما يتبع هندسة خاصة ودقيقة.
ولكن عند ما نخرج إلى الصحراء كي نشاهد ما صنعه السيل ، فغاية ما نراه هو انعدام النّظام والترتيب فالحجر والمرمر قد اندثر تحت الطين والتراب ، والقضبان الحديدية قد طرحت إلى جانب ، والأسلاك تراها مقطعة بين قطعات الآجرّ ، والأبواب مرمية هنا وهناك ، وغير ذلك من معالم الفوضى والتبعثر. وبشكل عام ، إنّ المعدوم من هذا الحشد هو النظام والمحاسبة ، إذ لا هندسة ولا تدبّر.
فالذي يستنتج أنّ المؤسس للبناء ذو عقل وحكمة ، والمحدث للتل فاقد لهما ، فالمهندس ذو إرادة والسيل فاقد له ، والأول نتاج عقل وعلم ، والثّاني نتاج تدفق الماء وحركته العمياء.
المثال الثاني : لنفترض أنّنا دخلنا إلى غرفة فيها شخصان كل منهما جالس أمام آلة طابعة يريدان تحرير قصيدة لأحد الشعراء فالأول يحسن القراءة والكتابة ، ويعرف مواضع الحروف من الآلة والآخر أمّي لا يجيد سوى الضغط بأصابعه على الأزرار ، فيشرعان بعملهما في لحظة واحدة. الذي نلاحظه أنّ الأول دقيق في عمله يضرب بأصابعه حسب الحروف الواردة في القصيدة دون أن يسقط حرفا أو كلمة منها.
وأمّا الآخر ، الأمي البصير ، فيضرب على الآلة دون علم أو هدى ولا يستطيع أن يميز العين من الغين ، والسين من الشين : ونتيجة عمله ليست إلّا الهباء وإتلاف الأوراق ، ولا يأتي بشيء مما أردناه :
فنتاج الأول محصول كاتب متعلّم ، ونتاج الثاني محصول جاهل لا علم له ولا خبرة ولو أعطي المجال للألوف ممن كف بصرهم وحرموا لذة العلم والتعلم أن يحرروا نسخة صحيحة من ملايين النسخ التي يحررونها لاستحال ذلك ، لأنهم يفقدون ما هو العمدة والأساس.
ولعلّنا نشاهد في كل جزء من هذا الكون مثل تلك الصفحة التي حررت فيها قصيدة الشاعر وترانا ملزمين بالاعتراف بعلم ومعرفة وحسن أسلوب كاتبها ونجزم بأنه بصير لم يكن فاقدا للعلم ، ولم يكن فعله مشابها لفعل صبي رأى نفسه في غرفة خالية ، فطرق في خياله أن يلهو ويلعب على آلة طابعة كي ينتج تلك الصفحة من قصيدة الشاعر.
وبعد ذكر الأمثلة المتقدّمة يتّضح لنا الفرق بين الأعمال التي تصدر عن إرادة وتدبّر ، والتي تحدث عن طريق الصدفة ، إذ لا إرادة فيها ولا تدبر.
وهذه القاعدة التي يدركها العقل (لا بفضل التجربة بل في ظل التفكر والتعقل) هي روح برهان النّظم الذي هو من أوضح براهين الإلهيين في إثبات الصانع ورفض الإلحاد والمادية ، واشملها لجميع الطبقات.