يمكن تقرير هذا البرهان [برهان النظم] بشكل ... يعتمد على الانسجام السائد على العالم، والاتصال البديع بين أجزائه فيستدل بالانسجام والاتصال على أنّ ذاك النظام المتصل المنسجم إبداع عقل كبير وعلم واسع، ولو لا وجوده لما تحقق ذلك النظام المعجب المتصل المتناسق.
إنّ الأبحاث العلمية كشفت عن الاتصال الوثيق بين جميع أجزاء العالم وتأثير الكل في الكل ، حتى أنّ صفصفة أوراق الشجر غير منقطعة عن الريح العاصف في أقاصي بقاع الأرض ، وحتى أنّ النجوم البعيدة التي تحسب مسافاتها بالسنين الضوئية ، مؤثرة في حياة النبات والحيوان والإنسان ، وهذا الانسجام الوثيق ، الذي جعل العالم كمعمل كبير يشدّ بعضه بعضا ، أدل دليل على تدخل عقل كبير في إبداعه وإيجاده بحيث جعل الكل منسجما مع الكل.
وبعبارة واضحة ، إنّ الضبط والتوازن في الكون السائدين على الطبيعة أوضح دليل على تدخل عقل كبير في طروئهما ، ولأجل أن تتبين ملامح هذا التقريب نأتي بالأمثلة التالية:
1 ـ إنّ حياة كل نبات تعتمد على مقدار صغير من غاز ثاني أو كسيد الكاربون ، الذي يتجزأ بواسطة أوراق هذا النبات إلى كاربون وأوكسجين ، ثم يحتفظ النبات بالكاربون ليصنع منه ومن غيره من المواد ، الفواكه والأثمار والأزهار ويلفظ الأوكسجين الذي نستنشقه في عملية الشهيق والزفير الأساسية في حياة الإنسان.
ولو أنّ الحيوانات لم تقم بوظيفتها في دفع ثاني أوكسيد الكاربون ، أو لم يلفظ النبات الأوكسجين ، لانقلب التوازن في الطبيعة واستنفذت الحياة الحيوانية ، أو النباتية كل الأوكسجين أو كل ثاني أوكسيد الكاربون ، وذوى النبات ومات الإنسان.
فمن ذا الذي أقام مثل هذه العلاقة بين النبات والحيوان وأوجد هذا النظام التبادلي بين هذين العالمين المتباينين؟ ألا يدل ذلك على وجود فاعل مدبر وراء ظواهر الطبيعية هو الذي أقام مثل هذا التوازن؟.
2 ـ منذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبّار في أوستراليا كسياج وقائي ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة واسعة وزاحم أهالي المدن والقرى ، وأتلف مزارعهم ولم يجد الأهالي وسيلة لصده عن الانتشار وصارت أوستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت ، يتقدم في سبيله دون عائق!!.
وطاف علماء الحشرات في أرجاء المعمورة إلى أن وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلّا على ذلك الصبار ، ولا تتغذى بغيره وهي سريعة الانتشار وليس لها عدو يعوقها في أوستراليا وما لبثت هذه الحشرة أن تغلبت على الصبار ، ثم تراجعت ولم يبق منها سوى بقية للوقاية تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد (1).
فكيف عرفت هذه الحشرة أنّ عليها أن تقضي على الزائد من الصبار وتكف عن الباقي لتحفظ أشجار الصبار على توازنها فلا تطغى على الأشياء الأخرى؟ ألا يكشف هذا التوازن والضبط عن خالق مدبر حكيم؟
3 ـ كان ملّاحو السفن الكبيرة في العهود الماضية يصابون بمرض الأسقربوط (وهو من أمراض سوء التغذية وينشأ عن نقص فيتامين (ث))، ولكن أحد الرحالة اكتشف دواء بسيطا لذلك المرض وهو عصير الليمون، ترى من أين نشأت هذه العلاقة بين الفواكه التي تحوى فيتامين (ث) وهذا المرض، ألا يدل ذلك على أنّ خالق الداء خلق الدواء المناسب له، ولو لا هذا التوازن لعمّت الكارثة وانعدم النوع الإنساني وغاب كلية عن وجه البسيطة؟
4 ـ عند ما نزل المهاجرون الأولون أوستراليا واستقروا فيها ، استوردوا اثني عشر زوجا من الأرانب وأطلقوها هناك ، ولم يكن لهذه الأرانب أعداء طبيعيون في أوستراليا ، فتكاثرت بشكل مذهل ، مما تسبب بإحداث أضرار بالغة بالأعشاب والحشائش ، ولم تنفع المحاولات الكثيرة لتقليل نسل هذه الأرانب حتى اكتشف فيروس خاص يسبب مرضا قاتلا لها ، فعادت المروج الخضراء يانعة ، وزاد على أثر ذلك إنتاج الأغنام والمواشي.
أليس هذا التوازن الدقيق المبرمج في مظاهر الطبيعة والذي يؤدي أي تخلخل فيه إلى أضرار بالغة ، دليلا قاطعا على وجود الخالق الخبير والإله المدبر وراء الطبيعة؟
5 ـ الماء هو المادة الوحيدة المعروفة التي تقل كثافتها عند ما تتجمد ، ولهذه الخاصية أهميتها الكبيرة بالنسبة للحياة إذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عند ما يشتد البرد ، بدلا من أن يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأنهار ، ويكون تدريجيا كتلة صلبة لا سبيل إلى إخراجها وإذا بتها. والجليد الذي يطفو على سطح البحر يكون طبقة عازلة تحفظ الماء تحتها عند درجة حرارة فوق درجة التجمد ، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية ، فإذا جاء الربيع ذاب الجليد بسرعة وبلا عائق.
فهل يمكن إعزاء كل هذا الضبط والدقة في المقاييس والنسب إلى فعل المادة الصمّاء العمياء البكماء ، والحال إنّه يكشف عن تدبير وحساب ويحكي عن نظام متقن وعظيم ويدل على أنّ وراء كل ذلك خالقا حكيما هو الذي أوجد هذا التوازن المدهش والضبط الدقيق.
أجل إنّ ذلك التوازن وهذا الضبط يشهدان على دخالة الشعور والحكمة والعقل في إدارة هذا العالم وتدبيره وتسييره وهي أمور لا تتوفر في الصدفة بل تتوفر في قوة عليا شاعرة هادفة تدرك مصلحة الكون واحتياجات الحياة إدراكا كاملا وشاملا ، فتخضع الكون لمثل هذه الضوابط والعلاقات.
____________
(1) العلم يدعو للإيمان ، ص 159.