

التوحيد

النظر و المعرفة

اثبات وجود الله تعالى و وحدانيته


صفات الله تعالى


الصفات الثبوتية

القدرة و الاختيار

العلم و الحكمة

الحياة و الادراك

الارادة

السمع و البصر

التكلم و الصدق

الأزلية و الأبدية

الصفات الجلالية ( السلبية )

الصفات - مواضيع عامة

معنى التوحيد و مراتبه


العدل

البداء

التكليف

الجبر و التفويض

الحسن و القبح

القضاء و القدر

اللطف الالهي

مواضيع عامة


النبوة

اثبات النبوة

الانبياء

العصمة

الغرض من بعثة الانبياء

المعجزة

صفات النبي

النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

مواضيع متفرقة

القرآن الكريم


الامامة

الامامة تعريفها ووجوبها وشرائطها

صفات الأئمة وفضائلهم ومودتهم

العصمة

امامة الامام علي عليه السلام

إمامة الأئمة الأثني عشر

الأمام المهدي عجل الله فرجه الشريف

الرجعة


المعاد

تعريف المعاد و الدليل عليه

المعاد الجسماني

الموت و القبر و البرزخ

القيامة

الثواب و العقاب

الجنة و النار

الشفاعة

التوبة


فرق و أديان

علم الملل و النحل ومصنفاته

علل تكون الفرق و المذاهب

الفرق بين الفرق

الشيعة الاثنا عشرية

أهل السنة و الجماعة

أهل الحديث و الحشوية

الخوارج

المعتزلة

الزيدية

الاشاعرة

الاسماعيلية

الاباضية

القدرية

المرجئة

الماتريدية

الظاهرية

الجبرية

المفوضة

المجسمة

الجهمية

الصوفية

الكرامية

الغلو

الدروز

القاديانيّة

الشيخية

النصيرية

الحنابلة

السلفية

الوهابية


شبهات و ردود

التوحيـــــــد

العـــــــدل

النبـــــــوة

الامامـــــــة

المعـــاد

القرآن الكريم

الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

الزهراء (عليها السلام)

الامام الحسين (عليه السلام) و كربلاء

الامام المهدي (عليه السلام)

إمامة الائمـــــــة الاثني عشر

العصمـــــــة

الغلـــــــو

التقية

الشفاعة والدعاء والتوسل والاستغاثة

الاسلام والمسلمين

الشيعة والتشيع

اديان و مذاهب و فرق

الصحابة

ابو بكر و عمر و عثمان و مشروعية خلافتهم

نساء النبي (صلى الله عليه واله و سلم)

البكاء على الميت و احياء ذكرى الصاحين

التبرك و الزيارة و البناء على القبور

الفقه

سيرة و تاريخ

مواضيع عامة

مقالات عقائدية

مصطلحات عقائدية


أسئلة وأجوبة عقائدية


التوحيد

اثبات الصانع ونفي الشريك عنه

اسماء وصفات الباري تعالى

التجسيم والتشبيه

النظر والمعرفة

رؤية الله تعالى

مواضيع عامة

النبوة والأنبياء

الإمامة

العدل الإلهي

المعاد


القرآن الكريم

القرآن

آيات القرآن العقائدية

تحريف القرآن

النبي محمد صلى الله عليه وآله

فاطمة الزهراء عليها السلام

الاسلام والمسلمين

الصحابة


الأئمة الإثنا عشر

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

أدلة إمامة إمير المؤمنين

الإمام الحسن عليه السلام

الإمام الحسين عليه السلام

الإمام السجاد عليه السلام

الإمام الباقر عليه السلام

الإمام الصادق عليه السلام

الإمام الكاظم عليه السلام

الإمام الرضا عليه السلام

الإمام الجواد عليه السلام

الإمام الهادي عليه السلام

الإمام العسكري عليه السلام

الإمام المهدي عليه السلام

إمامة الأئمة الإثنا عشر

الشيعة والتشيع

العصمة

الموالات والتبري واللعن

أهل البيت عليهم السلام

علم المعصوم


أديان وفرق ومذاهب

الإسماعيلية

الأصولية والاخبارية والشيخية

الخوارج والأباضية

السبئية وعبد الله بن سبأ

الصوفية والتصوف

العلويين

الغلاة

النواصب

الفرقة الناجية

المعتزلة والاشاعرة

الوهابية ومحمد بن عبد الوهاب

أهل السنة

أهل الكتاب

زيد بن علي والزيدية

مواضيع عامة

البكاء والعزاء وإحياء المناسبات


احاديث وروايات

حديث اثنا عشر خليفة

حديث الغدير

حديث الثقلين

حديث الدار

حديث السفينة

حديث المنزلة

حديث المؤاخاة

حديث رد الشمس

حديث مدينة العلم

حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه

احاديث متنوعة

التوسل والاستغاثة بالاولياء

الجبر والاختيار والقضاء والقدر

الجنة والنار

الخلق والخليقة

الدعاء والذكر والاستخارة

الذنب والابتلاء والتوبة

الشفاعة

الفقه

القبور

المرأة

الملائكة


أولياء وخلفاء وشخصيات

أبو الفضل العباس عليه السلام

زينب الكبرى عليها السلام

مريم عليها السلام

ابو طالب

ابن عباس

المختار الثقفي

ابن تيمية

أبو هريرة

أبو بكر

عثمان بن عفان

عمر بن الخطاب

محمد بن الحنفية

خالد بن الوليد

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

عمر بن عبد العزيز

شخصيات متفرقة

زوجات النبي صلى الله عليه وآله

زيارة المعصوم

سيرة وتاريخ

علم الحديث والرجال

كتب ومؤلفات

مفاهيم ومصطلحات


اسئلة عامة

أصول الدين وفروعه

الاسراء والمعراج

الرجعة

الحوزة العلمية

الولاية التكوينية والتشريعية

تزويج عمر من ام كلثوم

الشيطان

فتوحات وثورات وغزوات

عالم الذر

البدعة

التقية

البيعة

رزية يوم الخميس

نهج البلاغة

مواضيع مختلفة


الحوار العقائدي

* التوحيد

* العدل

* النبوة

* الإمامة

* المعاد

* الرجعة

* القرآن الكريم

* النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

* أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)

* فضائل النبي وآله

* الإمام علي (عليه السلام)

* فاطمة الزهراء (عليها السلام)

* الإمام الحسين (عليه السلام) وكربلاء

* الإمام المهدي (عجل الله فرجه)

* زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)

* الخلفاء والملوك بعد الرسول ومشروعية سلطتهم

* العـصمة

* التقيــة

* الملائكة

* الأولياء والصالحين

* فرق وأديان

* الشيعة والتشيع

* التوسل وبناء القبور وزيارتها

* العلم والعلماء

* سيرة وتاريخ

* أحاديث وروايات

* طُرف الحوارات

* آداب وأخلاق

* الفقه والأصول والشرائع

* مواضيع عامة
برهان النظم
المؤلف:
أبحاث الشيخ جعفر السبحاني بقلم الشيخ حسن محمد مكي العاملي
المصدر:
الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل
الجزء والصفحة:
ج1، ص 34 - 55
2026-03-30
16
يبتني برهان النّظم على مقدمات أربع:
الأولى : إنّ وراء الذهن الإنساني عالما مليئا بالموجودات ، محتفا بالظواهر الطبيعية. وإنّ ما يتصوره الإنسان في ذهنه هو انعكاس للواقع الخارجي ، وهذه المقدمة قد أطبق عليها الإلهيّ والماديّ رافضين كل فكرة قامت على نفي الواقعية ولجأت إلى المثالية ، بمعنى نفي الحقائق الخارجية.
إنّ كل إنسان واقعي يعتقد بأنّ هناك قمرا وشمسا وبحرا ومحيطا وغير ذلك. كما يعتقد بوجوده ، وذهنه والصور المنعكسة فيه ، وهذه هي الخطوة الأولى في مضمار معرفة الله ، وهي التصديق بالواقعيات. ويشترك فيها الفلاسفة الواقعيون ، دون المثاليين بمعنى الخياليين.
وبذلك يظهر أنّ رمي الإلهي بالمثالية بمعنى نفي الواقعيات ، افتراء وكذب عليه ، إذ لا يوجد على أديم الأرض من يكون إليها وفي الوقت نفسه ينفي واقعيات الأشياء والظواهر الطبيعية. ولو وجد هناك إنسان بهذه العقيدة فليس من تلك الزمرة ، وإنما هو من المنحرفين عن الفطرة السليمة الإنسانية.
وما ربما يحكى عن بعض العرفاء من أنّ الموجود الحقيقيّ هو الله سبحانه وما سواه موجود بالمجاز ، فله معنى لطيف لا يضرّ بما قلناه ، وهذا نظير ما إذا كان هناك مصباح في ضوء الشمس ، فيقال : إنّ الضوء ضوء الشمس ولا ضوء لغيرها ، فهكذا وجود الممكنات ، المفتقرات المتدليات بالذات ، بالنسبة إلى واجب الوجود القائم بالذات.
الثانية : إنّ عالم الطبيعة خاضع لنظام محدد ، وإنّ كل ما في الكون لا ينفك عن النّظم والسنن التي كشفت العلوم الطبيعية عن بعضها ، وكل ما تطورت هذه العلوم خطى الإنسان خطوات أخرى في معرفة الكون والقوانين السائدة عليه.
الثالثة : أصل العلية ، والمراد منه أنّ كل ما في الكون من سنن وقوانين لا ينفكّ عن علة توجده وأنّ تكون الشيء بلا مكوّن وتحققه بلا علة ، أمر محال لا يعترف به العقل ، بالفطرة ، وبالوجدان والبرهان. وعلى ذلك فكل الكون وما فيه من نظم وعلل نتيجة علة أوجدته وكونته.
الرابعة : إنّ دلالة الأثر تتجلى بصورتين :
أ ـ وجود الأثر يدل على وجود المؤثر ، كدلالة المعلول على علّته ، والآية على صاحبها ، وقد نقل عن أعرابي أنّه قال : «البعرة تدل على البعير ، وأثر الأقدام يدل على المسير» ، إلى غير ذلك من الكلمات التي تقضي بها الفطرة. وهذه الدلالة مما لا يفترق فيها المادّي والإلهي ، وإنما المهمّ هو الصورة الثانية من الدّلالة.
ب ـ إنّ دلالة الأثر لا تنحصر في الهداية إلى وجود المؤثر ، بل لها دلالة أخرى في طول الدلالة الأولى، وهي الكشف عن خصوصيات المؤثر من عقله وعلمه وشعوره ، أو تجرده من تلك الكمالات والصفات وغيرها. ولنوضح ذلك بمثال :
إنّ كتاب «القانون» المؤلف في الطب ، كما له الدّلالة الأولى وهي وجود المؤثر ، له الدّلالة الثانية وهي الكشف عن خصوصياته التي منها أنّه كان إنسانا خبيرا بأصول الطب وقوانينه ، مطّلعا على الدّاء والدّواء، عارفا بالأعشاب الطبية ، إلى غير ذلك من الخصوصيات.
والملحمة الكبيرة الحماسية لشاعر إيران (الفردوسي) لها دلالتان : دلالة على أنّ تلك الملحمة لم تتحقق إلا بظل علّة أوجدتها ، ودلالة على أنّ المؤلف كان شاعرا حماسيا مطلعا على القصص والتواريخ ، بارعا في استعمال المعاني المتناسبة مع الملاحم. ومثل ذلك كل ما تمر به مما بقي من الحضارات الموروثة كالأبنية الأثرية ، والكتب النفيسة ، والصنائع المستظرفة اليدوية والمعامل الكبيرة والصغيرة ، إلى غير ذلك مما يقع في مرأى ومنظر كل إنسان. فالمهم في هذا الباب هو عدم الاقتصار على الدلالة الأولى بل التركيز على الدلالة الثانية بوجه علمي دقيق.
وعلى ضوء هذه القاعدة يقف العقل على الخصوصيات الحافة بالعلة ، ويستكشف الوضع السائد عليها ، ويقضي بوضوح بأنّ الأعمال التي تمتاز بالنظام والمحاسبة الدقيقة ، لا بد أن تكون حصيلة فاعل عاقل ، استطاع بدقته أن يوجد أثره وعمله ، هذا.
كما يقضي بأنّ الأعمال التي لا تراعى فيها الدّقة اللازمة والنظام الصحيح ، تكون ناشئة عن عمل عامل غير عاقل ، وفاعل بلا شعور ولا تفكير ، فهذا ما يصل إليه العقل السليم بدرايته. ولتوضيح الحال نأتي بالمثالين التاليين :
المثال الأول : لنفترض أنّ هنا مخزنا حاويا لأطنان عدة من مواد البناء بما فيها الحجر والحديد والإسمنت والجص والخشب والزجاج والأسلاك والأنابيب وغيرها من لوازم البناء ، ثم وضع نصف ما في هذا المخزن تحت تصرف أحد المهندسين أو المعماريين ، لينشئ به عمارة ذات طوابق متعددة على أرض منبسطة.
وبعد فترة من الزمن جاء سيل جارف وجرف ما تبقى في المخزن من مواد الإنشاء وتركها على شكل تل على وجه الأرض.
إنّ العمل الأول (العمارة) قد نتج عن عمل وإرادة مهندس عالم.
أمّا الثّاني (التل) فقد حدث بالفعل الطبيعي للسيل من دون إرادة وشعور.
فالعقلاء بمختلف مراتبهم وقومياتهم وعصورهم يحكمون بعقلانية صانع العمارة ، ومدى قوة إبداعه في البناء ، من وضعه الأعمدة في أماكنها المناسبة وإكسائه الجدران بالمرمر ، ونصبه الأبواب في مواضعها الخاصة ، ومدّة الأسلاك وأنابيب المياه الحارة والباردة ووصلها بالحمامات والمغاسل ، وغير ذلك مما يتبع هندسة خاصة ودقيقة.
ولكن عند ما نخرج إلى الصحراء كي نشاهد ما صنعه السيل ، فغاية ما نراه هو انعدام النّظام والترتيب فالحجر والمرمر قد اندثر تحت الطين والتراب ، والقضبان الحديدية قد طرحت إلى جانب ، والأسلاك تراها مقطعة بين قطعات الآجرّ ، والأبواب مرمية هنا وهناك ، وغير ذلك من معالم الفوضى والتبعثر. وبشكل عام ، إنّ المعدوم من هذا الحشد هو النظام والمحاسبة ، إذ لا هندسة ولا تدبّر.
فالذي يستنتج أنّ المؤسس للبناء ذو عقل وحكمة ، والمحدث للتل فاقد لهما ، فالمهندس ذو إرادة والسيل فاقد له ، والأول نتاج عقل وعلم ، والثّاني نتاج تدفق الماء وحركته العمياء.
المثال الثاني : لنفترض أنّنا دخلنا إلى غرفة فيها شخصان كل منهما جالس أمام آلة طابعة يريدان تحرير قصيدة لأحد الشعراء فالأول يحسن القراءة والكتابة ، ويعرف مواضع الحروف من الآلة والآخر أمّي لا يجيد سوى الضغط بأصابعه على الأزرار ، فيشرعان بعملهما في لحظة واحدة. الذي نلاحظه أنّ الأول دقيق في عمله يضرب بأصابعه حسب الحروف الواردة في القصيدة دون أن يسقط حرفا أو كلمة منها.
وأمّا الآخر ، الأمي البصير ، فيضرب على الآلة دون علم أو هدى ولا يستطيع أن يميز العين من الغين ، والسين من الشين : ونتيجة عمله ليست إلّا الهباء وإتلاف الأوراق ، ولا يأتي بشيء مما أردناه :
فنتاج الأول محصول كاتب متعلّم ، ونتاج الثاني محصول جاهل لا علم له ولا خبرة ولو أعطي المجال للألوف ممن كف بصرهم وحرموا لذة العلم والتعلم أن يحرروا نسخة صحيحة من ملايين النسخ التي يحررونها لاستحال ذلك ، لأنهم يفقدون ما هو العمدة والأساس.
ولعلّنا نشاهد في كل جزء من هذا الكون مثل تلك الصفحة التي حررت فيها قصيدة الشاعر وترانا ملزمين بالاعتراف بعلم ومعرفة وحسن أسلوب كاتبها ونجزم بأنه بصير لم يكن فاقدا للعلم ، ولم يكن فعله مشابها لفعل صبي رأى نفسه في غرفة خالية ، فطرق في خياله أن يلهو ويلعب على آلة طابعة كي ينتج تلك الصفحة من قصيدة الشاعر.
وبعد ذكر الأمثلة المتقدّمة يتّضح لنا الفرق بين الأعمال التي تصدر عن إرادة وتدبّر ، والتي تحدث عن طريق الصدفة ، إذ لا إرادة فيها ولا تدبر.
وهذه القاعدة التي يدركها العقل (لا بفضل التجربة بل في ظل التفكر والتعقل) هي روح برهان النّظم الذي هو من أوضح براهين الإلهيين في إثبات الصانع ورفض الإلحاد والمادية ، واشملها لجميع الطبقات. وملخص بيانهم في تطبيق هذه المقدمة على العالم ، هو أنّ العلم لم يزل يتقدم ويكشف عن الرموز والسنن الموجودة في عالم المادة والطبيعة والعلوم كلها بشتى أقسامها وأصنافها وتشعبها وتفرعها تهدف إلى أمر واحد وهو أنّ العالم الذي نعيش فيه ، من الذرة إلى المجرة عالم منسجم تسود عليه أدق الأنظمة والضوابط ، فما هي تلك العلّة؟ أقول : إنها تتردد بين شيئين لا غير.
الأول : إنّ هناك موجودا خارجا عن إطار المادة عالما قادرا واجدا للكمال والجمال ، قام بإيجاد المادة وتصويرها بأدق السنن ، وتنظيمها بقوانين وضوابط دقيقة ، فهو بفضل علمه الوسيع وقدرته اللامتناهية ، أوجد العالم وأجرى فيه القوانين ، وأضفى عليه السنن التي لم يزل العلم من بدء ظهوره إلى الآن جاهدا في كشفها ، ومستغرقا في تدوينها ، وهذا المؤثر الجميل ذو العلم والقدرة هو الله سبحانه.
الثاني : إنّ المادة الصّماء العمياء القديمة التي لم تزل موجودة ، وليست مسبوقة بالعدم ، قامت بنفسها بإجراء القوانين الدقيقة ، وأضفت على نفسها السّنن القويمة في ظل انفعالات غير متناهية حدثت في داخلها وانتهت على مر القرون والأجيال إلى هذا النظام العظيم الذي أدهش العقول وأبهر العيون.
إذا عرضنا هاتين النظريتين على المقدمة الرابعة لبرهان النظم ، وهي قادرة على تمييز الصحيح من الزائف منهما ، فلا شك أنها ستدعم أولاهما وتبطل ثانيتهما لما عرفت من أنّ الخصوصيات الكامنة في وجود المعلول والأثر ، تعرب عن الخصوصيات السائدة على المؤثر والعلّة ، فالسّنن والنّظم تكشف عن المحاسبة والدقة ، وهي تلازم العلم والشعور في العلّة ، فكيف تكون المادة العمياء الصمّاء الفاقدة لأي شعور هي التي أوجدت هذه السّنن والنّظم؟
وعلى ضوء ذلك فالسّنن والنّظم ، التي لم يتوفق العلم إلا لكشف أقل القليل منها ، تثبت النظرية الأولى وهي احتضان العلّة واكتنافها للشعور والعلم وما يناسبهما ، وتبطل النظرية الثانية وهي قيام المادة الصّماء العمياء بإضفاء السّنن على نفسها بلا محاسبة ودقة بتخيل أنّ انفعالات كثيرة ، حادثة في صميم المادة ، انتهت إلى ذاك النظام المبهر تحت عنوان «الصدفة» أو غيرها من الصراعات الداخلية التي تلوكها ألسنة الماركسيين.
وعلى ذلك فكل علم من العلوم الكونية ، التي تبحث عن المادة وخصوصياتها وتكشف عن سننها وقوانينها ، كعملة واحدة لها وجهان ، فمن جانب يعرّف المادة بخصوصياتها ، ومن جانب آخر يعرّف موجدها وصانعها. فالعالم الطبيعي ينظر إلى واحد من الوجهين كما أنّ العارف ينظر إلى الجهة الأخرى والعالم الربّاني ينظر إلى كلتا الجهتين ويجعل الأولى ذريعة للثانية. وبهذا نستنتج أنّ العلوم الطبيعية كلها في رحاب إثبات المقدمة الرّابعة لبرهان النظم ، وأنّ اكتمال العلوم يعين ذلك البرهان بأوضح الوجوه وأدقّ الطرق ، وأنّ الاعتقاد بالصانع العالم القادر يصاحب العلم في جميع العصور والأزمان.
وفي الختام نركز على نقطتين :
الأولى : إنّ القرآن الكريم ملئ بلفظة «الآية» و «الآيات» ، فعند ما يسرد نظم الطبيعة وسننها ، ويعرض عجائب العالم وغرائبه ، يعقبه بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أو (يَذَّكَّرُونَ) أو (يَعْقِلُونَ) إلى غير ذلك من الكلمات الحاثة على التفكر والتدبر ، وهذه الآيات تعرض برهان النّظم بأوضح أشكاله على لسان الفطرة ، بدلالة آيوية (1) ، مشعرة بأنّ التفكر في هذه السنن اللاحبة والنظم المحيّرة يكشف بوضوح عن أنّ جاعلها موجود ، عالم ، قادر ، بصير ومن المحال أن تقوم المادة الصمّاء العمياء بذلك. ولأجل أن يقف القارئ الكريم على بعض هذه الآيات نشير إلى ما ورد في سورة النحل في هذا المضمار :
1 ـ قوله سبحانه : (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (2).
2 ـ قوله سبحانه : (وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)(3).
3 ـ قوله سبحانه : (وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (4).
4 ـ قوله سبحانه : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (5).
5 ـ قوله سبحانه : (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (6).
الثانية : إنّ برهان النّظم وإن كان يعتمد على مقدمات أربع غير أنّ الثلاثة الأول مما اتفق فيه جميع العقلاء إلّا شذّاذ الآفاق من المثاليين المنكرين للحقائق الخارجية. وإنما المهم هو التركيز على توضيح المقدمة الرابعة باستعانة من العلوم الطبيعية والفلكية وغيرها التي تعد روحا وأساسا لتلك المقدمة. وفي هذا المضمار نجد كلمات بديعة لخبراء العلم من المخترعين والمكتشفين : يقول «كلودم هزاوي» مصمم العقل الإلكتروني : طلب مني قبل عدة سنوات القيام بتصميم آلة حاسبة كهربائية ، تستطيع أن تحل الفرضيات والمعادلات المعقدة ذات البعدين ، واستفدت لهذا الغرض من مئات الأدوات واللوازم الالكترو ميكانيكية ، وكان نتاج عملي وسعيي هذا هو «العقل الالكتروني».
وبعد سنوات متمادية صرفتها لإنجاز هذا العمل ، وتحمل شتّى المصاعب وأنا أسعى لصنع جهاز صغير ، يصعب عليّ أن أتقبل هذه الفكرة وهي أنّ الجهاز هذا ، يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى مصمم.
إنّ عالمنا مملو بالأجهزة المستقلة لذاتها والمتعلقة بغيرها في الوقت ذاته ، وتعتبر كل واحدة منها أعقد بكثير من العقل الإلكتروني الذي صنعته ، وإذا استلزم أن يكون للعقل الالكتروني هذا مصمم فكيف يمكننا إذن أن ننفي هذا القول بالنسبة إلى أجسامنا بما فيها من خواص حياتيّة وأعمال فيزيائية وتفاعلات كيميائية ، فلا بد من وجود مصمّم حكيم خالق لهذا الكون والذي أنا جزء حقير منه (7).
والعجب من الفرضية التي يعتمد عليها الماديون خلفا عن سلف ، ويقولون بأنّ الانفعالات اللامتناهية اللاشعورية انتهت صدفة إلى هذا النظام البديع.
يقول البروفسور «أدوين كونكلين» في حق هذه النظرية : إنّ هذا الافتراض لا يختلف عن قولنا : «إنّ قاموسا لغويا ضخما أنتجته المطبعة إثر انفجار فيها».
إنّ نظام الكون الدقيق يجعل العلماء يتنبئون بحركة السيارات والأقمار الفلكية ، والتعبير عن الظواهر الطبيعية بمعادلات رياضية.
إنّ وجود هذا النظام في الكون بدلا من الفوضى ، لدليل واضح على أنّ هذه الحوادث تجري وفق قواعد وأسس معينة وأنّ هناك قوة عاقلة ، مهيمنة عليه ، ولا يستطيع كل من أوتي حظا من العقل أن يعتقد بأنّ هذه المادّة الجامدة الفاقدة للحس والشعور ـ وفي إثر الصدفة العمياء ـ قد منحت نفسها النظام ، وبقيت ولا تزال محافظة عليه (8).
إنّ هناك مئات الكلمات حول تشييد برهان النّظم وعرضها بشكل أدبي ، علمي ، موافق لروح العصر ، وقد اكتفينا بعرض هذا المقدار.
برهان النّظم بتقرير ثان:
الانسجام آية دخالة الشعور في وجود الكون إنّ التقرير السابق لبرهان النّظم كان يعتمد على ملاحظة كل ظاهرة مادية ، مستقلة ومنفصلة عن سائر الظواهر ، فالنظام السائد على الخلية منفصلا عن سائر الظواهر ، كان محل البحث والنظر.
ومثله سائر الظواهر المادية ذات الأنظمة البديعة كحركة الشمس والقمر وغيرها ، غير أنّه يمكن تقرير هذا البرهان بشكل آخر يعتمد على الانسجام السائد على العالم ، والاتصال البديع بين أجزائه فيستدل بالانسجام والاتصال على أنّ ذاك النظام المتصل المنسجم إبداع عقل كبير وعلم واسع ، ولو لا وجوده لما تحقق ذلك النظام المعجب المتصل المتناسق.
إنّ الأبحاث العلمية كشفت عن الاتصال الوثيق بين جميع أجزاء العالم وتأثير الكل في الكل ، حتى أنّ صفصفة أوراق الشجر غير منقطعة عن الريح العاصف في أقاصي بقاع الأرض ، وحتى أنّ النجوم البعيدة التي تحسب مسافاتها بالسنين الضوئية ، مؤثرة في حياة النبات والحيوان والإنسان ، وهذا الانسجام الوثيق ، الذي جعل العالم كمعمل كبير يشدّ بعضه بعضا ، أدل دليل على تدخل عقل كبير في إبداعه وإيجاده بحيث جعل الكل منسجما مع الكل.
وبعبارة واضحة ، إنّ الضبط والتوازن في الكون السائدين على الطبيعة أوضح دليل على تدخل عقل كبير في طروئهما ، ولأجل أن تتبين ملامح هذا التقريب نأتي بالأمثلة التالية:
1 ـ إنّ حياة كل نبات تعتمد على مقدار صغير من غاز ثاني أو كسيد الكاربون ، الذي يتجزأ بواسطة أوراق هذا النبات إلى كاربون وأوكسجين ، ثم يحتفظ النبات بالكاربون ليصنع منه ومن غيره من المواد ، الفواكه والأثمار والأزهار ويلفظ الأوكسجين الذي نستنشقه في عملية الشهيق والزفير الأساسية في حياة الإنسان.
ولو أنّ الحيوانات لم تقم بوظيفتها في دفع ثاني أوكسيد الكاربون ، أو لم يلفظ النبات الأوكسجين ، لانقلب التوازن في الطبيعة واستنفذت الحياة الحيوانية ، أو النباتية كل الأوكسجين أو كل ثاني أوكسيد الكاربون ، وذوى النبات ومات الإنسان.
فمن ذا الذي أقام مثل هذه العلاقة بين النبات والحيوان وأوجد هذا النظام التبادلي بين هذين العالمين المتباينين؟ ألا يدل ذلك على وجود فاعل مدبر وراء ظواهر الطبيعية هو الذي أقام مثل هذا التوازن؟.
2 ـ منذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبّار في أوستراليا كسياج وقائي ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة واسعة وزاحم أهالي المدن والقرى ، وأتلف مزارعهم ولم يجد الأهالي وسيلة لصده عن الانتشار وصارت أوستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت ، يتقدم في سبيله دون عائق!!.
وطاف علماء الحشرات في أرجاء المعمورة إلى أن وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلّا على ذلك الصبار ، ولا تتغذى بغيره وهي سريعة الانتشار وليس لها عدو يعوقها في أوستراليا وما لبثت هذه الحشرة أن تغلبت على الصبار ، ثم تراجعت ولم يبق منها سوى بقية للوقاية تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد (9).
فكيف عرفت هذه الحشرة أنّ عليها أن تقضي على الزائد من الصبار وتكف عن الباقي لتحفظ أشجار الصبار على توازنها فلا تطغى على الأشياء الأخرى؟ ألا يكشف هذا التوازن والضبط عن خالق مدبر حكيم؟.
3 ـ كان ملّاحو السفن الكبيرة في العهود الماضية يصابون بمرض الأسقربوط (وهو من أمراض سوء التغذية وينشأ عن نقص فيتامين (ث)) ، ولكن أحد الرحالة اكتشف دواء بسيطا لذلك المرض وهو عصير الليمون ، ترى من أين نشأت هذه العلاقة بين الفواكه التي تحوى فيتامين (ث) وهذا المرض ، ألا يدل ذلك على أنّ خالق الداء خلق الدواء المناسب له ، ولو لا هذا التوازن لعمّت الكارثة وانعدم النوع الإنساني وغاب كلية عن وجه البسيطة؟.
4 ـ عند ما نزل المهاجرون الأولون أوستراليا واستقروا فيها ، استوردوا اثني عشر زوجا من الأرانب وأطلقوها هناك ، ولم يكن لهذه الأرانب أعداء طبيعيون في أوستراليا ، فتكاثرت بشكل مذهل ، مما تسبب بإحداث أضرار بالغة بالأعشاب والحشائش ، ولم تنفع المحاولات الكثيرة لتقليل نسل هذه الأرانب حتى اكتشف فيروس خاص يسبب مرضا قاتلا لها ، فعادت المروج الخضراء يانعة ، وزاد على أثر ذلك إنتاج الأغنام والمواشي.
أليس هذا التوازن الدقيق المبرمج في مظاهر الطبيعة والذي يؤدي أي تخلخل فيه إلى أضرار بالغة ، دليلا قاطعا على وجود الخالق الخبير والإله المدبر وراء الطبيعة؟
5 ـ الماء هو المادة الوحيدة المعروفة التي تقل كثافتها عند ما تتجمد ، ولهذه الخاصية أهميتها الكبيرة بالنسبة للحياة إذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عند ما يشتد البرد ، بدلا من أن يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأنهار ، ويكون تدريجيا كتلة صلبة لا سبيل إلى إخراجها وإذا بتها. والجليد الذي يطفو على سطح البحر يكون طبقة عازلة تحفظ الماء تحتها عند درجة حرارة فوق درجة التجمد ، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية ، فإذا جاء الربيع ذاب الجليد بسرعة وبلا عائق.
فهل يمكن إعزاء كل هذا الضبط والدقة في المقاييس والنسب إلى فعل المادة الصمّاء العمياء البكماء ، والحال إنّه يكشف عن تدبير وحساب ويحكي عن نظام متقن وعظيم ويدل على أنّ وراء كل ذلك خالقا حكيما هو الذي أوجد هذا التوازن المدهش والضبط الدقيق.
أجل إنّ ذلك التوازن وهذا الضبط يشهدان على دخالة الشعور والحكمة والعقل في إدارة هذا العالم وتدبيره وتسييره وهي أمور لا تتوفر في الصدفة بل تتوفر في قوة عليا شاعرة هادفة تدرك مصلحة الكون واحتياجات الحياة إدراكا كاملا وشاملا ، فتخضع الكون لمثل هذه الضوابط والعلاقات.
برهان النظم بتقرير ثالث:
الهادفية آية تدخل الشعور في تطور النظم :
إنّ النظرة الدقيقة في عالم الكون تهدينا إلى نظام خاص نسميه بنظام الخدمة ، بحيث نرى أنّ أنظمة خاصة في الكون جعلت في خدمة أنظمة كونية أخرى بحيث لا بقاء للثانية بدون الأولى ، ولذلك نلاحظ صلة قويمة بين المظاهر المختلفة. فعندئذ يطرح السؤال التالي : إنّ هذه الكيفية الملموسة في عالم الكون كيف برزت في عالم الوجود؟.
أمن ناحية الصدفة ، وهي أقل شأنا من أن تبدع أنظمة يكون قسم منها في خدمة القسم الآخر ، وهي عاجزة عن إيجاد فرد بهذا الشكل الدقيق فكيف بهذه المجموعة الكبيرة؟.
أم من ناحية «خاصية المادة» التي ربما يلتجئ إليها بعض الماديين. وهي أيضا أعجز عن القيام بالتفسير. فإنّ «فرضيّة الخاصية» تهدف إلى أنّ لكل خلية ، أو لكل ذرة من الذرات أثرا خاصا ينتهي إلى موجود خاص وهو ذو نظام. وأمّا كون أنظمة كبيرة في خدمة أنظمة مثلها فلا يمكن أن يفسر بخاصية المادة ، فإن هذا أثر المجموع لا أثر كل جزء من أجزاء المادة. ولنأتي بمثال : لا شك أنّ لتكون المرأة والأجهزة التي خلقت بها عللا مادية تظهرها على صفحة الوجود ، فلها مع ثدييها والخصوصيات الحافّة بها واللبن الذي يتكون في صدرها عللا مادية تنتهي إلى تلك الظواهر.
كما أنّ لتكون الطفل في رحمها وولادته على نحو يتناسب والخصوصيات القائمة بها وتكونه بفم خاص ومجاري تغذية خاصة تعتمد على اللبن فقط ، إنّ لكل ذلك عللا مادية لا تنكر.
إلا أنّ هناك أمرا ثالثا وهو كون المرأة بأجهزتها الماديّة في خدمة الظاهرة الثّانية بعامة أجهزتها بحيث لو لا الأولى لما كان للثانية مجال العيش وإدامة الحياة. فعندئذ نسأل عن هذه الكيفية التي سميناها بنظام الخدمة ، هي وليدة أية علة؟ هل الصدفة جعلت الأولى وسيلة للثانية ، وهي عاجزة عن إيجادها بهذه الكمية الهائلة ، ولو صح التفسير بها لصح في مولود أو مولودين لا في هذه المواليد غير المتناهية وغير المعدودة ، إلّا بالأرقام النجومية.
أو من ناحية خاصية المادة وهو إذن عقيم ، لأن فرضية الخاصية ، على فرض صحتها ، تهدف إلى تفسير النظام الجزئي بخاصية المادة ، وأمّا تفسير الكمية من النّظم التي يقع بعضها في خدمة البعض بخاصية المادة فهو مما لا تفي به تلك الفرضية ، ولا يقول به أصحابها ، والانسجام والتخادم مما لا يمكن أن يكون أثرا لخلية واحدة أو نحوها.
إنّ العقل في هذا الموقف يقضي بوجه بات بأنّ هذا النظام وهذه الخصوصية وليدة مبدع عالم قادر قد نسّق هذه النّظم بأطروحة علمية ، وخريطة خاصة جعلت الظاهرة الأولى ذريعة للثانية ، وأوجد الأولى قبل أن يبدع الثانية بزمن ، وهذا ما نسميه بالهادفية ، وأنّ الخلقة غير منفكّة عن الهدف ، كما أنّ القول به لا ينفك عن إشراف مبدع عالم قادر على الكون وهو الذي يتبناه الإلهيون باسم إله العالم.
وبعبارة واضحة نرى أنّ يد القدرة والإبداع قد هيّأت قبل ولادة الطفل بأعوام ، أجهزة كثيرة يتوقف عليها عيش الطفل وحياته في مسيرة الحياة ، وتداركت ما يتوقف عليه حياة الطفل في أوليات عمره بوجه بديع ، وهذا أوضح دليل على أنّ الكون لا يخلو من هدف ، وأنّ مبدعه كان هادفا. وهو لا ينفك عن تدخل الشعور ، ورفض الصدفة عن قاموس تفسير الكون وتحليله.
وكم ترى من نظائر بارزة وأمثلة رائعة لهذا النوع من الهادفية في صفحة الكون طوينا عنها الكلام.
برهان النّظم بتقرير رابع
برهان حساب الاحتمالات في نشأة الحياة:
ويمكن تقرير برهان النّظم بصورة رابعة وليست هي دليلا مستقلا وإنما هو اختلاف في التقرير ، فروح البرهان واحدة ، وصور التقرير مختلفة ، وهذا التقرير ما نسميه ب «برهان حساب الاحتمالات في نشأة الحياة».
الحياة رهن قيود وشروط:
إنّ تكوّن الحياة فوق الأرض نتيجة اجتماع شروط عديدة يكون كل شرط منها بمثابة جزء علّة لوجود ظاهرة الحياة ، وتكون ظاهرة الحياة مستحيلة بفقدان واحد منها فضلا عن كثير منها أو جميعها ، وهذه الشروط منها ما يرتبط بالفلك ، ومنها ما يرتبط بالهواء المحيط والغازات ، ومنها ما يرتبط بالأرض وما فيها من نبات وحيوان وجماد. وقد تكفلت العلوم الطبيعية بتبيين تلك الشروط ونحن في غنى عن سردها ، غير أنّا نقول : إنّ هذه الشروط من الكثرة إلى درجة يكون احتمال اجتماعها بالترتيب والنسق الذي يؤدي إلى استقرار ظاهرة الحياة عن طريق الصدفة ، احتمالا في مقابل ما لا يحصى من الاحتمالات ، ويكون الاحتمال في الضالّة على وجه لا يعتمد عليه. مثلا إنّ تحقق الحياة يحتاج إلى عوامل وأسباب نشير إلى أقل القليل منها :
1 ـ يحيط بالأرض التي نعيش على متنها غلاف سميك من الغازات يسمى بالغلاف الجوي يبلغ سمكة ثمانمائة كيلومتر وهو بمثابة مظلة واقية تصون الكرة الأرضية من التعرض لخطر النيازك التي تنفصل يوميا من الكواكب وتتناثر في الفضاء منذ ما يقرب من عشرين مليونا من السنين ولو لا هذا الغلاف لسقطت على كل بقعة من الأرض ملايين النيازك المحرقة.
2 ـ الأرض تبعد عن الشمس مسافة 93 مليون ميلا ، ولأجل ذلك تكون الحرارة التي تصل إليها من الشمس بمقدار يلائم الحياة ، ويتناسب مع متطلباتها ، فلو زادت المسافة بين الشمس والأرض على المقدار الحالي إلى الضعف مثلا لنقصت كمية الحرارة التي تتلقاها من الشمس ، ولو نقصت هذه المسافة إلى النصف لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض الضعف ، وفي كلتا الصورتين تصير الحياة غير ممكنة.
3 ـ إنّ الهواء الذي نستنشقه مزيج من غازات شتى منها النيتروجين 78% والأوكسجين 21% ، فلو تغير المقدار وصارت نسبة الأوكسجين في الهواء 50% لتبدلت جميع المواد القابلة للاشتعال إلى مواد محترقة ، ولبلغ الأمر إلى درجة لو أصابت شرارة غابة ، لأحرقت جميع ما فيها دون أن تترك غصنا يابسا ، ولو تضاءلت نسبة الأوكسجين في الهواء وبلغت 10% لفقدنا أكثر العناصر التي تقوم عليها حضارتنا اليوم.
هذه نماذج من الشروط العديدة التي يتوقف عليها إمكان الحياة في هذه الكرة ، وهي إلى درجة من الكثرة تكاد لا تعد فيها ولا تحصى. وعلى هذا الأساس نرجع إلى صلب الموضوع فنقول : إنّ لظهور الحياة على وجه البسيطة عوامل ضرورية لا بدّ منها فإذا ما فقدت عاملا من عواملها اللامتناهية انعدمت الحياة واستحال على الكائنات الحية استمرارها.
وعلى ذلك فإنّ فرض توفر هذه الشروط اللازمة المتناسقة ، بانفجار المادة العمياء بنحو الصدفة ، احتمال ضئيل لا يعتمد عليه ، لأن المادة الأولى عند انفجارها كانت تستطيع أن تظهر بما لا يحصى من الصور المختلفة التي لا تستقر فيها الحياة إلّا بصورة خاصة أو بحالة واحدة ، فعندئذ يتساءل كيف تفجّرت المادة الأولى بلا دخالة شعور وعقل واسع إلى هذه الصورة الخاصة التي تمكّن الحياة من الاستقرار.
فلنأخذ من جميع الظواهر الحيوية حشرة صغيرة بما تحويه من ملايين العناصر المختلفة وقد ركبت بنسبها المعينة الخاصة. فبوسع المادة الأولى أن تظهر بأشكال مختلفة غير صالحة لحياة الحشرة ، وإنّما الصالحة لها واحدة منها. وعندئذ نتساءل : كيف استطاعت المادة الأولى عن طريق «الصدفة» ، من بين الصور الكثيرة ، الخضوع لصورة واحدة صالحة لحياتها؟!
وهذا البرهان هو البرهان المعروف في العلوم الرياضية بحساب الاحتمالات ، وعلى توضيحه نأتي بمثال:
نفترض أنّ شخصا بصيرا جالسا وراء آلة طابعة ويحاول بالضغط على الأزرار ، وعددها مائة بما فيها الحروف الصغيرة والكبيرة ، أن يحرر قصيدة لشاعر معروف كقصيدة لبيد التي يقول فيها :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
وكلّ نعيم لا محالة زائل.
فاحتمال أنّ الضربة الأولى أصابت صدفة الحرف الأول من هذه القصيدة (أ) ، والضربة الثانية أصابت كذلك الحرف الثاني منها (لا) ، والضربة الثالثة أصابت صدفة الحرف الثالث منها (ك) ، وهلم جرّا ... هو احتمال في مقابل احتمالات كثيرة لا يمكن بيانها بالأرقام الرياضية المقروءة. وإن أردت تحصيل ذلك الرقم الرياضي فعليك أن تضرب عدد حروف الآلة الطابعة في نفسها بقدر عدد حروف القصيدة المراد تحريرها ، فلو كانت حروف الآلة الطابعة مائة ، وعدد حروف البيت من القصيدة (38) فسوف يكون عدد الاحتمالات واحد أمامه (76) من الأصفار.
ولو أضفنا إلى البيت الأول بيتا آخر ، فإنّ احتمال تحرير هذين البيتين على يد صاحبنا الأعمى صدفة ، سيصل إلى عدد يقرب من الصفر.
ويستحيل على المفكر أن يتقبل هذا الاحتمال الضئيل ـ الذي هو المناسب لتحقق المراد ـ من بين تلك الاحتمالات والفرضيات الهائلة. وكل من يرى البيتين وقد حرّرا بالآلة الطابعة وبصورة صحيحة ، يقطع بحكمة وعلم محررها. ولم تكن لتحدث عن طريق الصدفة العمياء.
هذا بالنسبة إلى قصيدة فكيف بالكون والحياة الناشئين من اجتماع ملايين الملايين من الشرائط والعوامل بنسب معينة في غاية الإتقان والدّقة ، فهل يصح لعاقل أن يتفوه بأنّ هذه الشرائط للحياة تواجدت عند انفجار المادة الأولى وتحققت صدفة من بين هذه الاحتمالات الكثيرة. ويعد الاعتماد على هذا الاحتمال ، رياضيا ، اعتمادا على صفر ، وفي ذلك يقول العلامة (كريسي موريسن) :
«إنّ حجم الكرة الأرضية وبعدها عن الشمس ، ودرجة الحرارة في الشمس ، وأشعتها الباعثة للحياة ، وسمك قشرة الأرض ، وكمية الماء ، ومقدار ثاني أوكسيد الكاربون ، وحجم النيتروجين ، وظهور الإنسان وبقاءه على قيد الحياة كل هذه الأمور تدل على خروج النظام من الفوضى (أي إنّه نظام لا فوضى) ، وعلى التصميم والقصد. كما تدل على أنه ـ طبقا للقوانين الحسابية الصارمة ـ ما كان يمكن حدوث كل ذلك مصادفة في وقت واحد على كوكب واحد مرة في بليون مرة. كان يمكن أن يحدث هكذا ، ولكن لم يحدث هذا بالتأكيد» (10).
وتقرير هذا البرهان وهذه الصورة الرياضية ، يدل على أنّ برهان النّظم يتماشى مع جميع العصور ، ويناسب جميع العقول والمستويات ، ولا ينحصر تقريره بصورة واحدة. وبهذا يعلم سر تركيز القرآن على ذاك البرهان ، وفي الآية التالية إشارات إليه. قال سبحانه : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (11).
إشكال على برهان النّظم :
اعترض الفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم (12) على برهان النّظم بما حاصله : أنّ أساس برهان النّظم ـ كما توهمه هيوم وفلاسفة الغرب ـ قائم على أنّنا شاهدنا أنّ جميع المصنوعات البشرية المنظّمة لا تخلو من صانع ماهر ، فالبيت لا ينشأ بلا بنّاء ، والسفينة لا توجد بلا عمال ، فلا بدّ للكون المنظّم من صانع خالق أيضا لشباهته بتلك المصنوعات البشرية.
ثم انتقد هذا الاستدلال بأنّه مبني على التّشابه بين الكائنات الطبيعية ، والمصنوعات البشرية. ولكن هذا التشابه بمجرده لا يكفي لسحب وتعدية حكم أحدهما إلى الآخر لاختلافهما ، فإنّ مصنوعات البشر موجود صناعي بينما الكون موجود طبيعي فهما صنفان لا تسانخ بينهما ، فكيف يمكن أن نستكشف من أحدهما حكم الآخر؟
وصحيح أنّنا جرّبنا مصنوعات البشر فوجدناها لا توجد إلا بصانع عاقل ، ولكننا لم نجرّب ذلك في الكون ، فإنّ الكون لم يتكرر وجوده حتى يقف الإنسان على كيفية خلقه وإيجاده ، بل واجهه لأول مرة ، وبهذا لا يمكن أن يثبت له علّة خالقة على غرار مصنوعات البشر إلا إذا جرّبه من قبل عشرات المرات ، وشهد عملية الخلق والتكوّن كما شاهد ذلك وجرّبه في المصنوعات البشرية ، حتى يقف على أنّ الكون بما فيه من النّظام لا يمكن أن يوجد من دون خالق عليم وصانع خبير. هذا هو محصل إشكاله أوردناه بغاية الوضوح.
إنّ ما ذكره من الإشكال ينم عن فهم ساذج وسطحي للغاية لبرهان النّظم ، ويعرب عن فقدان الغرب لمدرسة فلسفية متكاملة تدرك وتستوعب برهان النّظم بصورته الصحيحة ، فإنّ هذا البرهان لا يرتبط أبدا بالتشابه والتمثيل والتجربة ، وإنّما هو برهان عقلي تام ، يحكم العقل فيه بعد ملاحظة طبيعة النظام وماهيته بأنّه صادر من فاعل عاقل وخالق قدير.
توضيح ما ذكرناه أنّ برهان النّظم ليس مبنيا على التشابه بين مصنوعات البشر والموجود الطبيعي كما جاء في اعتراض «هيوم» ، حتى يقال بالفرق بين الصنفين ، ويقال هذا صناعي وذاك طبيعي ، ولا يمكن إسراء حكم الأول إلى الثاني.
ولا على التماثل ـ الذي هو الملاك في التجربة ـ حتى يقال إنّا جربنا ذلك في المصنوعات البشرية ولم نجرّبه في الكون لعدم تكرر وقوعه وعدم وقوفنا على تواجده مرارا ، فلا يصح سحب حكم الأول على الثاني وتعديته إليه.
وإنّما هو قائم على ملاحظة العقل للنّظم والتناسق والانضباط بين أجزاء الوجود ، فيحكم بما هو هو ، من دون دخالة لأية تجربة ومشابهة ، بأنّ موجد النّظم لا محالة يكون موجودا ذا عقل وشعور ، وإليك البيان:
إنّ برهان النّظم مركّب من مقدمتين ، إحداهما حسّية والأخرى عقليّة ودور الحسّ ينحصر في إثبات الموضوع ، أي وجود النظام في الكون والسنن السائدة عليه ، وأمّا دور العقل فهو يرجع إلى أنّ هذا النّظام بالكيفيّة والكميّة المحددة ، لا يمكن أن يكون نتيجة الصّدفة أو أيّ عامل فاقد للشعور.
أمّا الصغرى ، فلا تحتاج إلى البيان. فإنّ جميع العلوم الطبيعيّة متكفلة ببيان النّظم البديعة السائدة على العالم من الذرة إلى المجرة ، وإنّما المهم هو بيان الكبرى ، وهي قضاء العقل بأنه وليد دخالة عقل كبير في حدوثه من دون استعانة في حكمه بمسألة التشابه أو التجربة. بل يستقل به مجردا عن كل ذلك فنقول:
1 ـ الارتباط المنطقي بين النظام ودخالة الشعور
إنّ العقل يحكم بوجود رابطة منطقية بين النظم ودخالة الشعور ، وذلك لأنّ النظم ليس في الحقيقة إلّا أمور ثلاثة :
1 ـ الترابط بين أجزاء متنوعة مختلفة من حيث الكمية والكيفية.
2 ـ ترتيبها وتنسيقها بنحو يمكن التعاون والتفاعل فيما بينها.
3 ـ الهادفية إلى غاية مطلوبة ومتوخاة من ذلك الجهاز المنظم والنظام بهذا المعنى موجود في كل أجزاء الكون من ذرته إلى مجرته ، فإذا نظر العقل في كل جوانب الكون ابتداء من الذرة ومرورا بالإنسان والحيوان والنبات وانتهاء بالنجوم والكواكب والمجرّات ورأى فيها أجزاء مختلفة في الكمية والكيفية أوّلا ، ومنسقة ومرتبة بنحو خاص ثانيا ، ورأى كيف يتحقق بذلك الهدف المنشود من وجودها ثالثا ، حكم من فوره بأنّ ذلك لا يمكن أن يصدر إلّا من فاعل عاقل ، وخالق هادف شاعر ، يوجد الأجزاء المختلفة كمّا وكيفا ، ويرتبها وينسّقها بحيث يمكن أن تتفاعل فيما بينها وتتعاون لتحقيق الهدف المطلوب من وجودها.
وهذا الحكم الذي يصدره العقل لا يستند إلى شيء غير النظر إلى ماهية النظام وطبيعته الآبية للتحقق بلا فاعل عاقل مدبر. وهو يستند لا إلى التشابه ولا إلى التجربة كما تخيل (هيوم) وأضرابه.
إنّ ملاحظة العقل لما في جهاز العين أو الأذن أو المخ أو القلب أو الخلية من النظام ، بمعنى وجود أجزاء مختلفة كمّا وكيفا ، أولا ، وتناسقها بشكل يمكنها من التفاعل فيما بينها ثانيا ، وتحقيق الهدف الخاص منها ثالثا ، يدفع العقل إلى الحكم بأنها من فعل خالق عليم ، لاحتياجها إلى دخالة شعور وعقل وهادفية وقصد.
وبهذا تبين أنّ بين الجهاز المنظّم ، ودخالة العقل والشعور رابطة منطقية. وإن شئت قلت : إنّ ماهية نفس النظام بمقوّماته الثلاثة (الترابط ، والتناسق ، والهادفية) تنادي بلسانها التكويني : إنّ النظام مخلوق عقل واسع وشعور كبير.
2 ـ تقرير الرابطة المنطقية بين النظام ودخالة الشعور بشكل آخر
إنّ العقل عند ما يرى اجتماع ملايين الشرائط اللازمة لاستقرار الحياة على الأرض بحيث لو فقد بعضها لاختلت الحياة ، أو عند ما يرى اجتماع آلاف الأجزاء والعناصر اللازمة للإبصار ، في العين ، بحيث لو فقد جزء واحد أو تقدم أو تأخر عن مكانه المعين لاختلت عملية الرؤية واستحال الإبصار ، يحكم أنّ هناك عقلا جبارا أرسى مثل هذا النظام ، وأوجد مثل هذا التنسيق والانسجام والترتيب والتوفيق ، ويحكم بدخالة الشعور في ذلك ونفي حصوله بالصدفة والاتفاق ، لأنّ اجتماعها عن طريق الصدفة كما يمكن أن يكون بهذه الصورة المناسبة كذلك يمكنه أن يكون بما لا يعدّ ولا يحصى من الصور والكيفيات الأخرى غير المناسبة ، وحينئذ يكون احتمال استقرار هذه الصورة من بين تلكم الصور الهائلة ، احتمالا ضعيفا جدا يكاد يبلغ الصفر الرياضي في ضالته ، وهو ما لا يذهب إليه الإنسان العادي فضلا عن العاقل المحاسب.
أجل ، إنّ هذه المحاسبة الرياضيّة التي يجريها العقل إذا هو شاهد النظام السائد في الكون ، تدفعه إلى الحكم بأنّ هناك علة عاقلة اختارت هذه الصورة من بين تلك الصور الهائلة بقصد وإرادة ، وجمعت تلك الشرائط اللازمة بهذا الشكل المناسب للحياة (13).
وبهذا يبقى برهان النظم قويا صامدا سليما عن أيّ نقد ولا يرتبط بشيء من التمثيل أو التجربة كما تصور «هيوم» ، وإنما هو حكم العقل وحده ينتهي إليه عن طريق ملاحظة نفس ماهية النظام من دون تنظيرها بشيء ، وبهذا يتساوى الموجود الطبيعي والمصنوع البشري. فالعقل إذا رفض الإذعان بأنّ الساعة وجدت بلا صانع أو أنّ السيارة وجدت بلا علة ، فإنما هو لأجل ملاحظة نفس الظاهرة (الساعة والسيارة) حيث يرى أنّها تحققت بعد ما لم تكن ، فبحكم من فوره بأنّ لها موجدا. وليس هذا الحكم إلّا لأجل الارتباط المنطقي بين وجود الشيء بعد عدمه ، ولزوم وجود فاعل له ، وإن شئت قلت لأجل قانون العلية والمعلولية الذي يعترف به العقل في جميع المجالات.
كما أنّ حكم العقل في المقام بأنّ الموجود المنظم مخلوق عقل كبير ، ناشئ من الارتباط المنطقي بين النظام ودخالة الشعور ، أو استحالة ظهور النظام صدفة للمحاسبة الرياضية التي مرّت ، لا لأنّ العقل مثل أو جرّب فتوصل إلى هذه النتيجة.
وحصيلة الكلام : إنّ طبيعة النظام وماهيته في الأشياء التي نراها تنادي بلسان تكوينها أنّها صادرة عن فاعل شاعر وخالق عاقل ، وهذا هو الذي يجعل العقل يذعن بوجود مثل هذا الخالق وراء النظام الكوني، من دون النّظر إلى شيء آخر (14).
_______________
(1) الآيوية : منسوب إلى الآية ، وهي دلالة خاصة ابتكرها القرآن الكريم وراء سائر الدلالات التي كشف عنها المنطقيون في أبحاثهم العلمية ، والمراد من الدلالة الآيوية هو ما ركّزنا عليه من أنّ التعمق في الأثر والتدبر في خصوصياته ، يهدينا إلى وجود المؤثر وخواصه ، ففي تلك الدلالة ، الآية ملموسة ومحسوسة، وإن كان ذو الآية غير محسوس ولا ملموس.
(2) سورة النحل : الآية 11.
(3) سورة النحل : الآية 13.
(4) سورة النحل : الآية 65.
(5) سورة النحل : الآية 67.
(6) سورة النحل : الآية 69.
(7) العلم يدعو للإيمان ، ص 159.
(8) المصدر السابق نفسه.
(9) العلم يدعو للإيمان ، ص 159.
(10) العلم يدعو للإيمان ـ كريسى موريسن.
(11) سورة البقرة الآية 164.
(12) وهو اسكتلندي المولد ، ولد عام 1711 م وتوفي عام 1776 م. وكان يعد من أكبر الفلاسفة المشككين ، وقد أورد هذا الإشكال في كتابه المسمى ب «المحاورات» وهو مؤلف على شكل حوار بين شخصين افتراضيين أحدهما يمثل مشككا في برهان النّظم باسم «فيلون» والآخر يمثل المدافع عنه باسم «كلثانتس».
(13) راجع التقرير الرابع لبرهان النّظم ، فقد أشرنا فيه إلى ما هاهنا مفصّلا.
(14) إنّ الأسئلة المتوجهة إلى برهان النّظم لا تنحصر بما ذكرناه ، وإن كان هو أقواها. وقد ذكر الأستاذ (دام ظله) جميع الإشكالات المطروحة حول هذا البرهان وتربو على السبع ، وأجاب عنها في كتاب «الله خالق الكون» فمن أراد التوسع فيها فليرجع إلى الصفحات التالية منه : (220 إلى 279).
الاكثر قراءة في اثبات وجود الله تعالى و وحدانيته
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)