فتح أنطاكية: بعد أن أمَّن سليمان بن قُتْلُمُش حدود سلطنته من جهة الغرب مع الامبراطورية البيزنطية، التفت نحو الجنوب، ذلك أنه لم يستطع السكوت على ازدیاد نفوذ الإمارة الأرمنية التي أسسها فيلاريت في كيليكيا وشمالي بلاد الشام لأنها تُشكل عقبة في طريق توسعه نحو هذه البلاد، وهو الهدف الذي وضعه نصب عينيه، كما أزعجه تقارب فيلاريت والسلطان ،ملكشاه والمعروف أن فيلاريت كان على عداء مع بيزنطية فتقرَّب من الأمراء المسلمين حتى يُؤمن على سلامة ممتلكاته، وعد هذا التقارب أنه مُوَجّه ضده كما يحد من أطماعه ولذلك قرر القضاء على دولة فيلاريت.
وحدث أن غادر فيلاريت أنطاكية في (عام 477 هـ / 1084م) نتيجة الثورة التي قامت ضد حكمه، وترك فيها حامية عسكرية، فعيَّن السلطان ملكشاه والياً فارسياً على المدينة يُدعى إسماعيل، فانتهز خصوم فيلاريت وبخاصة ابنه الذي كان مسجوناً، فرصة خروجه واتفقوا مع الوالي على تسليم المدينة لسليمان بن قتلمش واستدعوه من أجل ذلك (1).
أسرع سليمان بن قُتُلُمُش مستغلاً فرصة الاضطراب الذي حصل في دولة فيلاريت وهو عازم على مباغتة المدينة، فخرج من نيقية على رأس جيش تألف ثلاثمائة من فارس وكثير من المشاة وفتح أثناء زحفه بعض المدن الكيليكية، منها طرسوس وثوروس وأذنة والمصيصة وعين زربي (2)، وعندما وصل إلى أنطاكية عسكر أمام أسوارها، ثم نصب السلالم عليها وصعد إلى السور حيث عقد اجتماعاً مع الوالي رتب بموجبه أمر دخول الجيش وفعلاً دخل الفرسان السلاجقة إلى المدينة بعد أن فتحت الأبواب، وسيطروا عليها بعد مقاومة فئة قليلة من السكان (3).
أرسل سليمان قتْلُمُش بن بعد سيطرته على أنطاكية رسالة إلى السلطان ملكشاه يخبره بما فتح الله عليه ومظهراً طاعته (4)، وقد هدف إلى اكتساب وده حتى لا يعترض طريق تقدمه إلى بلاد الشام.
محاولة ضمّ حلب: بعد أن ثبت حكمه في أنطاكية أخذ سليمان بن قتلُمُش يعمل على ضم المناطق التابعة لإمارة حلب كمقدمة للسيطرة على حلب نفسها، وقد انضم إليه عدد من الأمراء المرداسيين وبعض عساكر مسلم بن قريش ما سبب تهديداً مباشراً لوضع مسلم بن قريش وحكمه في حلب، لذلك راح يُعد العدة لمقاومته والتصدي له، وعقد، من أجل ذلك، حلفاً مع أمير التركمان جُبق وجموع أخرى من العرب (5).
وتوضحت نية سليمان بن قُتُلُمُش في ضم حلب، بدليل أنه جند جماعة من بني كلاب وأرسلهم مع عسكره للقيام بغارات على حلب وسرمين وبزاعة. وبعد أن تحقق مسلم بن قريش من نيته أرسل إليه كتاباً يطلب منه ما كان يدفعه فيلاريت من المال بوصفه تابعاً له، ويُخوفه في الوقت نفسه من معصية السلطان (6).
لم يكن مطلب مسلم بن قريش سوى ذريعة لشن الحرب وإخراج سليمان بن المنطقة، إلا أن هذا الأخير أجابه أن شعاره طاعة السلطان بدليل إقامة الخطبة له في بلاده، وضرب السكة باسمه وأما المال الذي كان يدفعه فيلاريت فهو جزية رأسه وأصحابه، أما هو فمؤمن ولا جزية عليه (7).
نتيجة لهذا الرفض، دخل الرجلان في صراع مكشوف، فأغار مسلم بن قريش على ضاحية أنطاكية، فرد سليمان. بن بنهب ضاحية حلب في غارات انتقامية (8)، فاتخذ مسلم بن قريش ذلك مبرراً لقتال خصمه وانتزاع أنطاكية منه. وجرى اللقاء بين الرجلين في (24 صفر 478 هـ / 21 حزيران 1085م) في طرف من أعمال أنطاكية على بئر راحل قرب عفرين (9)، وأسفر عن انتصار سليمان بن قتلُمش وقتل مسلم بن قريش في المعركة (10).
...........................................................
(1) ابن العبري: ص 118
(2) المصدر نفسه. ابن الأثير: جـ 8 ص 294.
(3) المصدران نفساهما: ص. 118 ص 294 ابن العديم ج1 ص 313، 314.
(4) ابن الأثير: ص 118.
(5) المصدر نفسه ص 295.
(6) المصدر نفسه ابن العديم ج1 ص 315، 316.
(7) ابن الأثير: جـ 8 ص 295.
(8) سبط ابن الجوزي: ص 277
(9) عفرين: اسم نهر في نواحي المصيصة يخرج إلى أعمال نواحي حلب الحموي: جـ4 ص 132.
(10) العظيمي ص 353. ابن الأثير: جـ 8 ص 295 ابن العديم: ج1 ص 317.