كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (5)
بقلم: أحمد السراي
حينَ ذُبحَتِ البراءةُ...
في كربلاء لم تستهدفُ الأجسادُ وحدها، بل استهدفَتِ المعاني...
ولم تُشهرِ السيوفُ في وجهِ الرجالِ فحسب، بل رفعَتْ في وجهِ الطفولةِ …
فحينَ يبلغُ الظلمُ ذروتَهُ، لا يعودُ يميّزُ بينَ فارسٍ يحملُ السيفَ، ورضيعٍ لا يملكُ سوى أنفاسَهُ الواهنةَ...
وهناكَ، في اليومِ الذي أثقلَتْ فيه الدماءُ وجهَ الأرضِ، واشتدَّ فيه الظمأ حتى تصدّعَتِ الشفاهُ الصغيرةُ من العطشِ، ارتفعَ بينَ يدي الحسين (عليه السلام) كائنٌ لم يعرفْ من الدُّنيا سوى حضنَ أُمِّهِ، ودفءَ صدرِ أبيه، وهديلَ الحياةِ في مهدٍ لم يكتملْ له العمرُ...
كانَ عبد الله الرضيع (عليه السلام) زهرةً لم يكتملْ تفتُّحها، ونجمةً لم يمهلها الليلُ لتضيءَ، ونبضةً صغيرةً كانَتْ تستعدُّ لتتعلّمَ أولى حروفِ الحياةِ… لكن كربلاء شاءَتْ أن تكتبَهُ شهيداً قبلَ أن تكتبَهُ طفلاً ليلحقَ مع الركبِ الحسيني...
فيا للعجبِ! أيُّ حربٍ تلك التي تخافُ من رضيعٍ؟
وأيُّ نصرٍ هذا الذي يبحثُ عن مجدِهِ في نحرِ طفلٍ؟
وأيُّ قلبٍ ذاك الذي رأى شفتيه اليابستينِ من العطشِ، فلم تهتزّ فيه ذرةُ رحمةٍ؟
لقد حملَهُ الحسين (عليه السلام) لا ليقاتلَ به، ولا ليفاخرَ، بل حملَهُ كما تحملُ الإنسانيّةُ آخرَ حججها أمامَ الجريمةِ، وكأنَّ الأرضَ كلها كانَتْ تختصرُ نفسها في ذلك المشهدِ...
أبٌ يحملُ رضيعَهُ إلى قومٍ ينتسبونَ إلى الإسلامِ، وطفلٌ يفتحُ عينيه على العطشِ بدلَ اللبنِ، وقلبٌ أبويٌّ يمدُّ يديه مستصرخاً ما بقيَ من الرحمةِ في النفوسِ…
لكن حينَ تموتُ الرحمةُ، يصبحُ السهمُ أبلغَ من الجوابِ...
انطلقَ سهمُ الغدرِ... لا نحوَ عنقِ الرضيع وحدَهُ، بل نحو وجهِ الإنسانيةِ أجمعها...
وانشقَّتِ السماءُ عن فاجعةٍ لم تألفها الأزمنةُ...
فأيُّ مصابٍ هذا الذي جعلَ المهدَ يجاورُ الشهادةَ؟
وأيُّ وجعٍ ذاك الذي جعلَ أولَ الطريقِ إلى الحياةِ آخرَ الطريقِ إليها؟
هناك بينَ كفي الحسين (عليه السلام)، تفتّحَتِ المأساةُ على أوسعِ أبوابها، وغدا الدمُ الصغيرُ أكبرَ من أن تحتويَهُ الأرضُ برمّتِها، حتى أنَّ القلبَ يكادُ يتخيّلُ السماءَ وهي ترتجفُ من هولِ ما رأت من مصيبةٍ، فرفعَ الإمامُ الحسين (عليه السلام) دمَ رضيعِهِ نحو العُلا، وكأنَّ الأرضَ عجزَتْ عن حملِ المصابِ، وكأنَّ الفاجعةَ ارتقَتْ من حدودِ الوصفِ إلى مقامِ الشكوى بين يدي الله (تعالى)، فلم يكن ذلك الدمُ دماً عادياً، لا بل كانَ شهادةَ البراءةِ المذبوحةِ، وكانَ صرخةَ الطفولةِ التي خرقَتْ جدرانَ الزمنِ، وكانَ وثيقةَ إدانةٍ بقيَتْ معلقةً في وجهِ الإنسانيّةِ لا تنمحي.
ومنذُ ذلكَ اليومِ لم يعُد عبد الله الرضيع مجرّدَ طفلٍ في ذاكرةِ كربلاء، بل صارَ سؤالاً يطاردُ الضمائرَ:
أيُّ ذنبٍ اقترفَهُ رضيعٌ حتى يُذبحَ ظمآناً؟
وأيُّ دينٍ هذا الذي ادّعوه وهم يوجّهونَ سهامهم إلى مهدٍ لم يعرف إلّا البكاءَ؟
قالوا: ما بالُ الحسين يحملُ الرضيعَ؟
لم يدركوا أنَّ الحسينَ (عليه السلام) لم يكن يحملُ طفلاً فقط، بل كانَ يحملُ آخرَ ما تبقّى من حجةِ السماءِ على أهلِ الأرضِ، وكانَ يحملُ براءةً أرادَ الله (تعالى) أن تبقى شاهدةً على قسوةِ القلوبِ حين تنفصلُ عن الحقِّ…
نسوا أنَّ في كربلاء لم يكُنِ الرجالُ وحدهم قرابينَ للدينِ، بل حتى المهد كانَ له نصيبٌ من الفداءِ، وحتى الرضيع كانَ له سهمٌ في نصرةِ الرسالةِ، وحتى الشفاه التي جفّفها العطشُ كانَتْ تكتبُ بدمها صفحةً من الخلودِ، لذلك بقيَ عبد الله الرضيع (عليه السلام) أكبرَ من عمرِهِ، وأوسع من مهدِهِ، وأبقى من جسدِهِ الصغيرِ، لأنَّ بعضَ الأرواحِ لا تقاسُ بعددِ الأيّامِ التي عاشتها، بل بعظمةِ القضيةِ التي استشهدَتْ من أجلها.
سلامٌ على الرضيعِ يومَ ارتجفَ العرشُ لمصابِهِ، ويومَ بكتِ الملائكةُ عطشَهُ، ويومَ ارتفعَ دمُهُ شاهداً على أنَّ البراءةَ نفسها قد ذبحَتْ في كربلاء…
سلام عليه ما دامَتِ الأمهاتُ تبكي طفلَ الطفِّ، وما دامَ المحبونَ يرفعونَ أكفهم نحو السماءِ، متذكرين أن هناك رضيعاً لم يطلبْ من الدُّنيا سوى جرعةَ ماءٍ، فاستقبلَتْهُ السهامُ لتستقرَّ في نحرِهِ الشريفِ...
غابَ عنهم أن كربلاء لم تكن ساحة حرب فحسب، بل كانت ميزاناً انقسمَتْ عندَهُ الإنسانيةُ إلى الأبدِ، ونسوا أن صغير آل محمد لم يقتل لأنّهُ رضيعٌ، بل قُتلَ لأنَّ الباطلَ حينَ يعجزُ عن مواجهةِ الحقِّ... يوجّهُ سهامَهُ إلى المهدِ.







د.فاضل حسن شريف
منذ 16 ساعة
أبناؤنا بينَ الواقعِ والمواقع
بين الجامعة والوسط الأدبي
أنا عراقي أين أقرأ ؟
EN