لم يكن الليلُ تلك الليلةَ ليلًا؛
كأن بئرًا عميقةً تتدلّى فوق المدينة، وتقطر على القلوب خوفًا قديمًا يشبه نواحَ الأمهات حين يضيع الأطفال في الزحام.
كان الشيخُ واقفًا عند باب السوق، يُدير مسبحته بأصابعَ يابسةٍ كأغصان الزيتون العتيق، وعيناه تغيبان بعيدًا، كأنهما تبحثان في وجوه الناس عن شيءٍ سقط منذ أعوام ولم يعثر عليه أحد.
مرّ صبيُّ أمامه مسرعًا.
ثوبٌ ممزق، وقدمان مغبرّتان، ووجهٌ صغيرٌ يحمل من الحزن ما لا تحتمله أعمار الرجال.
ناداه الشيخ:
يا بُنيّ.
التفت الصبيُّ بحذر الذئاب الجائعة.
قال الشيخ:
ما اسمك؟
خفض رأسه وهمس:
منير.
تأمله طويلًا، ثم قال:
أين أهلك؟
أشار الصبيُّ إلى العتمة خلف السوق:
ذهبوا... وبقيتُ.
ولم يسأل الشيخ بعدها شيئًا.
فبعض الأحزان لا تُروى، لأن الكلام يجرحها أكثر.
أخذ بيده، ومضى به بين الدكاكين المغلقة. وكان المطر قد بدأ يهطل خفيفًا، كأنه رحمةٌ تخجل أن تنزل كاملةً على هذه الأرض المتعبة.
ولما بلغا البيت، فتحت المرأة الباب.
كانت عجوزًا، في وجهها سكينةُ الذين طحنهم البلاء .
نظرت إلى الصبي، ثم إلى زوجها.
قال الشيخ بصوتٍ متهدّج:
وجدته عند السوق.
وسكت قليلًا، ثم أردف:
عسى أن ينفعنا... أو نتخذه ولدًا.
فشهقت المرأة.
لأنها سمعتها بقلبها هذه المرة.
كأن التاريخ عاد يدور في الخفاء.
وكأن الكلمات القديمة خرجت من قصر العزيز، بعدما عبرت القرون، لتستقرّ في هذا البيت الفقير.
اقتربت من منير .
مسحت شعره المبلل، وقالت:
ادخل يا بُنيّ... فالقلوب التي ذاقت اليُتم لا تغلق أبوابها.
دخل الصبيُّ مترددًا.
وكان البيت ضيقًا، لكن دفأه يتّسع لأكثر من وطن.
في تلك الليلة، جلس منير قرب الموقد، يأكل بصمت، بينما الشيخ يراقبه خفيةً.
شيءٌ ما كان يتحرك في صدره.
شيءٌ يشبه الخوف... ويشبه الرجاء.
فالناس أحيانًا يلتقطون شخصًا ظنًّا أنهم ينقذونه، ثم يكتشفون بعد أعوام أن الله أرسله لينقذهم هم.
مرّت السنوات.
وشاخ الشيخ أكثر.
أما منير، فكبر كالنخلة؛ هادئًا، مستقيمًا، وفي عينيه نورُ الذين ربّاهم الحزن ولم يكسرهم.
وكان إذا أذّن الفجر، قام قبل الجميع، وأوقد السراج، ثم أيقظ الشيخ برفقٍ جميل.
وفي إحدى الليالي، اشتدّ المرض بالشيخ.
والريح تعصف خلف النوافذ كأن الدنيا تُطوى.
فتح عينيه بصعوبة، فرأى منير جالسًا عند رأسه، يقرأ القرآن بصوتٍ خاشع، تتهادى فيه الآيات كما يتهادى الضوء على صفحة الماء.
بكى الشيخ.
قال منير مذعورًا:
ما يبكيك يا أبي؟
ابتسم الشيخ ابتسامةً واهنة، وهمس:
تذكّرتُ ليلة السوق...
ثم أمسك يده المرتجفة وقال:
كنتُ أظنّ أنّا نحن الذين آويناك.
وسكت، وانحدرت دمعة دافئة على خده.
لكن الله... كان يؤوي بنا أنفسَنا.
ثم أغلق عينيه قليلًا، وتمتم بصوتٍ غارقٍ في السكينة:
ما خاب قلبٌ أحسن إلى مكسور...







وائل الوائلي
منذ 1 ساعة
هويتنا الثقافية وحصان طروادة الجديد
في فقه الاستماع
حينما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه
EN