في العراق اعتاد الناس أن يسمعوا الكثير من الوعود لكنهم نادراً ما يرون شيئاً يتحقق فعلاً على أرض الواقع لذلك صار المواطن البسيط يقيس أي مؤسسة بما تفعله لا بما تقوله وبالأثر الذي تتركه في حياته لا بعدد الشعارات التي ترفعها ومن بين التجارب التي استطاعت أن تترك حضوراً واضحاً في وجدان الناس تبرز تجربة العتبة الحسينية المقدسة بوصفها واحدة من النماذج التي خرجت من إطار العمل الديني التقليدي إلى مساحة الخدمة الإنسانية الواقعية .
فالعتبة الحسينية اليوم لم تعد مجرد مكان يقصده الزائر للصلاة والدعاء فقط بل تحولت إلى جهة يشعر الإنسان معها أن هناك من يفكر بمعاناته اليومية بصحته بكرامته وحتى بلقمة عيشه أحياناً ولهذا أصبح اسمها قريباً من الناس لا باعتبارها مؤسسة دينية فحسب بل باعتبارها جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية .
حين تمشي في كربلاء اليوم تسمع الكثير من القصص الواقعية عن مرضى وجدوا علاجهم في مستشفيات العتبة الحسينية بعدما أغلقت الظروف أبواب الأمل أمامهم وتسمع عن عائلات فقيرة وصلتها المساعدة بصمت وعن أيتام وجدوا من يحتضنهم وعن طلبة استطاعوا إكمال دراستهم بفضل مشاريع دعمتهم في أصعب الظروف .
هذه التفاصيل البسيطة هي التي تصنع الصورة الحقيقية لأي مؤسسة لأن الناس لا تتذكر الأبنية وحدها بل تتذكر كيف شعرت بالأمان داخلها وكيف وجدت من يقف معها في وقت الحاجة .
لقد مرت العتبة الحسينية المقدسة خلال السنوات الماضية بمراحل تطوير كبيرة لكن المختلف في هذه التجربة أن التطوير لم يكن شكلياً أو عمرانياً فقط نعم هناك توسعات ومشاريع وإنجازات هندسية واضحة لكن الأهم أن مفهوم “ الخدمة ” نفسه تغير فلم تعد الخدمة مقتصرة على الزائر داخل الحرم بل امتدت إلى كل محتاج أينما كان .
وهذا التحول لم يأتِ من فراغ بل كان نتيجة رؤية تبناها سماحة عبد المهدي الكربلائي الذي حاول أن يجعل المؤسسة الدينية جزءاً من حياة الناس اليومية لا جهة بعيدة عن مشاكلهم وهمومهم .
وربما أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة العتبة الحسينية هو حضورها الواضح وقت الأزمات ففي اللحظات التي يشعر فيها المواطن بالخوف أو العجز تظهر القيمة الحقيقية لأي مؤسسة وهذا ما حدث خلال سنوات الحرب على الإرهاب حين كانت آلاف العائلات النازحة تبحث عن مأوى وطعام ودواء يومها لم تكن العتبة الحسينية منشغلة بالكلام أمام الكاميرات بقدر ما كانت حاضرة ميدانياً تفتح أبوابها للناس وتحاول أن توفر ما تستطيع توفيره .
الأمر نفسه تكرر خلال جائحة كورونا حين عاش العراقيون حالة قلق كبيرة بسبب الضغط على الواقع الصحي في تلك الفترة لم يكن الناس يبحثون عن خطابات طويلة بل كانوا يبحثون عن سرير لمريض أو جهاز أوكسجين أو بارقة أمل وسط الخوف وهنا لعبت المؤسسات الطبية التابعة للعتبة الحسينية دوراً مهماً في دعم القطاع الصحي سواء عبر المستشفيات أو المراكز العلاجية أو الدعم الطبي والخدمي .
وربما ما جعل هذه التجربة قريبة من الناس أن الخدمات لم تكن تميز بين شخص وآخر فالمريض يبقى مريضاً مهما كان انتماؤه والفقير يبقى محتاجاً مهما كان اسمه أو منطقته وهذه الفكرة الإنسانية البسيطة هي التي منحت العتبة الحسينية مكانتها الواسعة في قلوب الناس .
وفي الحقيقة فإن المجتمعات المتعبة لا تحتاج فقط إلى مؤسسات قوية بل تحتاج إلى مؤسسات تشعر بها فهناك فرق كبير بين مؤسسة تدير ملفات على الورق ومؤسسة تنزل إلى الشارع وتحتك بحياة الناس الحقيقية والنجاح الذي حققته المؤسسة الدينية المتمثلة بالعتبة الحسينية المقدسة خلال السنوات الماضية يعود إلى هذا القرب الإنساني من المجتمع .
لقد استطاعت أن تخلق حالة من الثقة عند المواطن خصوصاً حين رأى أن المشاريع ليست موسمية أو إعلامية بل مستمرة وتتوسع عاماً بعد آخر فمن المشاريع الطبية إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية ومن رعاية الأيتام إلى دعم العائلات المتعففة هناك شعور واضح بأن العمل يجري ضمن رؤية طويلة الأمد لا ضمن ردود أفعال مؤقتة .
واللافت أيضاً أن الكثير من هذه المشاريع انطلقت في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة مر بها العراق ففي الوقت الذي كانت فيه بعض المؤسسات تتراجع بسبب الأزمات كانت العتبة الحسينية تتوسع في مشاريعها الصحية والخدمية والتعليمية وهو ما جعلها تقدم نموذجاً مختلفاً في الإدارة والتنظيم واستثمار الإمكانات .
لكن بعيداً عن لغة الأرقام والمشاريع تبقى القيمة الأهم هي الأثر النفسي الذي تتركه هذه الأعمال في نفوس الناس فالأم التي تجد علاج طفلها والطالب الذي يحصل على فرصة تعليم واليتيم الذي يشعر أن هناك من يهتم به هؤلاء لا ينظرون إلى المؤسسة كعنوان رسمي فقط بل كجزء من حياتهم وذاكرتهم الإنسانية .
إن ما يميز تجربة العتبة الحسينية المقدسة أنها حاولت أن تقدم الدين بصورته العملية القريبة من الإنسان فالدين هنا ليس مجرد كلمات تُقال على المنابر بل أفعال تتحول إلى مستشفى ومدرسة ووجبة طعام ومساعدة وإنقاذ حياة وهذا بالضبط ما يجعل رسالة الإمام الحسين عليه السلام حاضرة في الواقع لا في الذكرى فقط .
فالحسين الذي خرج من أجل كرامة الإنسان لا يمكن أن تبقى رسالته محصورة في الحزن وحده بل يجب أن تتحول إلى مشروع يحفظ حياة الناس ويخفف معاناتهم وربما هذا ما تحاول العتبة الحسينية أن تفعله اليوم حين تربط بين الشعائر والخدمة وبين العقيدة والإنسان .
وفي زمن أصبحت فيه الثقة نادرة يحتاج الناس دائماً إلى نماذج تمنحهم شيئاً من الأمل فالنجاح الحقيقي لأي مؤسسة لا يُقاس بحجم بناياتها فقط بل بقدرتها على أن تكون قريبة من الناس حين يحتاجونها وهذا ما جعل العتبة الحسينية المقدسة حاضرة في الوجدان العراقي ليس لأنها تحمل اسماً دينياً عظيماً فقط بل لأنها حاولت أن تجعل هذا الاسم قريباً من الإنسان وهمومه اليومية .
وربما لهذا السبب حين يتحدث الناس اليوم عن العتبة الحسينية فإنهم لا يتحدثون فقط عن مكان مقدس بل عن تجربة إنسانية متكاملة… تجربة حاولت أن تقول إن خدمة الإنسان قد تكون أحياناً أعظم أشكال الوفاء لـ الإمام الحسين عليه السلام







وائل الوائلي
منذ 1 ساعة
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
ماء المتفوق
العمامة والشعر
EN