0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

النصرانية في النجب وطور سينا

المؤلف:  لويس شيخو

المصدر:  النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية

الجزء والصفحة:  ص 53-61

2026-11-08

8

+

-

20

إن انحدرتَ من فلسطين جنوبًا فَسِرتَ من غزة على سيف البحر مارًّا بالعريش حتى ترعة سويس ثم مددت من هاتين النقطتين خطَّين متوازيين إلى الجنوب انبسطت أمامك البراري الواسعة كبَرِّيَّة سين، وبَرِّية سُور وبلاد الشراة والنجب، ثم يتشكَّل لك شبه مثلث مخروط رأساه الأعليان عند خليج سويس غربًا وخليج عقبة شرقًا والرأس الثالث يدخل في البحر ويعرف برأس محمد، فهذا المثلث الكبير هو شبه جزيرة سينا، فيه بادية التيه التي تَنَقَّل فيها بنو إسرائيل سنين عديدة وبَرِّيَّة فاران، وهناك سلسلة جبال شاهقة كجبل غرندل، وجبل سرابيط الخادم، وجبل التِّيه، وخصوصًا طور سينا أو حوريب، وجبل موسى، وجبل سربال، وجبل كاترين، مع ما فيها من الأودية (انظر في المشرق، 9: 1068، خارطة طور سينا) فتلك البلاد كانت شمالًا في أيام بني إسرائيل مواطن للأدوميين ولِلعَمالقة وللمدينيين، وقد كثرت فيها بعد ذلك قبائل العرب من بني إسماعيل والنَّبَطيين، فاستولَت عليها واقتسَمَتْها وكانت تتجول فيها على حسب حاجاتها كما يتجول الملك في مملكته والسيد في أملاكه دون أن تركز في محل مخصوص إلا أهل المدر منها، فإنها وجدت في بعض بقعها وواحاتها ما يقوم بلوازمها ومناجع مواشيها فاستوطنتها.

 

فهذه البلاد الواسعة قدم إليها تلامذة المسيح ليدعوا الناس إلى دين سيِّدهم. وممن ذكرهم القدماء الرسول برتلماوس فقالوا عنه: إنه «تَلْمَذ بلاد العرب والنبط.» يريدون جنوبي الجزيرة وهذه الجهات خصوصًا. وجاء في تاريخ القبط للمقريزي (Wetzer: Macrizii Historia Coptorum, p. 14) أن متيَّاس (وهو الرسول الذي أقيم بدلًا من يهوذا الأسخريوطي) سار إلى بلاد الشراة (1)، فبشَّر فيها بالمسيح.

وكأن النصرانية وجدت في تلك الأنحاء ملجأ في قرون الميلاد الأولى، نزعت إليه ولاذت به رغبة في التنسك والزهد، أو فرارًا من اضطهادات الوثنيين، فكان نصارى مصر والشام يرون في شبه جزيرة سينا مقامًا آمنًا، لا يستطيع العالم أن يكدِّر فيه صفاء حياتهم الملائكية، ولا يقدر أعداؤهم القبض عليهم، فكانوا يسكنون في أوديتها ووهادها أو يَرْقَون جبالها ليعيشوا فيها عيشة سماوية في مناجاة الله.

 

ولنا على ذلك عدة شواهد تَرتقي إلى أواسط القرن الثالث للميلاد منها رسالة للقديس ديونيسيوس أسقف الإسكندرية كتبها إلى فابيوس أسقف أنطاكية وصف فيها المحن والبلايا المتعددة التي نالت نصارى مصر بسبب اضطهادات الحنفاء وعبدة الأوثان، لا سيما في عهد القيصر دقيوس (2) فمما قاله (3): إن أسقف مدينة نيلوس هرب إلى جبال العرب مع عدد كبير من النصارى فبعضهم ماتوا وبعضهم استعبدهم العربان إلى أن افتداهم النصارى بالمال الكثير، وبقي غيرهم منقطعين إلى العيشة النسكية، وقد أثبت البولنديون في أعمال القديسين وبعض مُؤرِّخي الكنيسة أن العيشة الرهبانية في شبه جزيرة سينا، وما وراء بحر القلزم سبقت عهد القيصر ديوقلطيانوس.

وجاء في أعمال القديسين الشهيدين غلاقتيون وامرأته إبيستام المولودين في حمص (4) أنهما نذرَا لله عِفَّتَهما في الزواج ورحلَا إلى طور سينا، حيث وجدَا عشرة من النُّسَّاك كانوا يعيشون هناك عيشة الأبرار، فأخذ العرسان عنهم آداب السيرة النسكية وعاشَا مُتفرِّدَين لأعمال البر، غلاقتيون بين الرجال وإبيستام مع النساء حتى بلغ خبر أولئك السُّيَّاح والي الرومان سنة 250م فطلبهما وقتلهما شهيدين.

ومع ما كان يلقى أولئك السُّيَّاح من أنواع المشقات من القبائل الوثنية التي تسكن جهات الطور والبراري المجاورة لأرض مصر لم يلبث أن يؤثر في بعضها مثل أولئك الأبرار حتى ارتد منهم قوم إلى الإيمان، ونظن أن القديس ديونيسيوس الإسكندري يشير إلى هؤلاء المُتَنَصِّرين في كتابه إلى البابا القديس إسطفانوس الأول نحو 255م، حيث يبشره بموافقة الكنائس الشرقية على تعليمه بخصوص معمودية الهراطقة قال (5): «وقد ترى رأيكم كل الأقاليم السورية مع بلاد العرب التي تقومون من حين إلى آخر بضرورياتها، والتي وجَّهتم إليها رسائلكم الآن.» فقوله: «بلاد العرب» يدلُّ خصوصًا على ما جاوَر منها مصر كما يظهر من القرائن، وقوله: «تقومون بضرورياتها» دليل حي على عناية الكرسي الرسولي في القرون الأولى بكل كنائس العالَم حتى أقصاها لمساعدتها في حاجاتها الروحية والمادية.

وفي هذه البلاد العربية المجاورة لمصر بَشَّر بالإيمان أحد الشهداء في عهد ديوقلطيانوس، وهو القديس كيروس كما ورد في أعماله التي نشرها الكردينال ماي (6)، ونصَّر جمًّا غفيرًا من أهلها بكلامه ومعجزاته ثم قُتل شهيدًا.

وأشهر منه أربعون شهيدًا قتلهم العرب الوثنيون في سنة 309م، وكان هؤلاء تنسَّكوا في لحف جبل موسى فيعيشون هناك في الصوم والشغل اليدوي، فوثب عليهم أهل البوادي وقتلوا منهم أربعين، وقد أقيم لذكرهم دير ترى حتى يومنا آثاره ويُدعى بدير الأربعين (7)، ويُعيَّد لهؤلاء الشهداء في تاريخ 28 ك1.

ولمَّا فازت النصرانية بتنصُّر قسطنطين رسخ الدين النصراني في أنحاء طور سينا والبلاد العربية الواقعة بجواره، وقد أخبر المؤرخون أن القديسة هيلانة شيَّدت كنيسة على طور سينا تذكارًا لما جرى فيه من الأعاجيب في عهد موسى وشعب إسرائيل، وزاد النُّسَّاك عددًا وانتشارًا في سائر أصقاع تلك الجهات، ففي غزَّة ونواحيها الشرقية والجنوبية اشتهر القديس هيلاريون المار ذكره، ولا تزال آثار هذا الرجل العظيم باقية هناك، وقد وصفها في المشرق (1: 213–215) السائح الهمام الكاهن لويس موسيل نزيل كُلِّيَّتنا سابقًا مع بيان موقعها، وذكر تلامذة القديس الذين أخذوا عنه الطريقة النسكية، وفي ترجمة حياته التي كتبها القديس هيرونيموس معاصره ما ينبئ بأعماله الرسولية بين عرب تلك النواحي، وقد أقام عدة أديرة في ظهرانيهم في برية غزة وجهات عين قادس، وكان يتردد إليها ويرافقه الرهبان في سياحته زرافات بلغ أحيانًا عددهم ألفي راهب (8). ولما شاع خبر قداسته كان الأهلون يخرجون إليه أفواجًا أفواجًا وجماهير مجمهرة يتقدمهم الأساقفة والكهنة، وذكرنا سابقًا إكرام العرب له في خَلَصة، وأخبر الثقة أنهم كانوا يقصدونه في كل حاجاتهم فتارة كان يلتمس لهم المطر في سنتهم، وتارة كان يشفي نوقَهم من عاهاتها، وكان يخرج منهم الشياطين أو ينال لهم من الله البرءَ من أمراضهم فرد النظر في مدينة العريش (Rhinocolure) لامرأة عمياء، وأبرأ من مرض عُضَال شيخ مدينة أَيْلة النصراني المدعو أوريون (9)، وذكر سوزومان في تاريخه الكنسي (ك5، ف15) أن القديس شفى أيضًا في غزة جدَّه ألافيان الذي اشتهر بَعدئذٍ بتقاه وشَيَّد أديرة وكنائس.

وفي هذا القرن الرابع نُفي إلى براري سينا والنبط رجال أفاضل من الأساقفة والكهنة نفاهم الملك قنسطنسيوس الآريوسي كالقديسين أوجان وبروتوجان المنفيين من الرُّهَا إلى براري العرب (عِيدُهما في 5 أيَّار) وفي ترجمة القديس هيلاريون ورد ذكر الأسقفين دراكُنْتيس وفيلون المنفيَّين إلى نواحي غزة، وإلى أَيْلة نفى الإمبرارطور أنستاس القديس إيليا بطريرك أورشليم، وكان عربي الأصل كما مر (10)، وكذلك أسقف أَيْلة الذي أمضى أعمال المجمع الخلقيدوني سنة 451م كان عربيًّا ويدعى غَوْثًا.

وأخذت الأديرة تمتد في أواسط بلاد سينا وتكثر حولها القبائل المتنصِّرة وأخص هذه الأديرة دير فاران الذي ورد ذكره في كتاب المرج الروحي تأليف حنا موسكوس في القرن السادس للمسيح (11)، وقد أثنى هناك على رئيسه غريغوريوس الذي صار بعد ذلك بطريركًا على أنطاكية، وكان دير فاران حافلًا بالرهبان الوطنيين وغيرهم، ذكر الآباء منهم القديس سلوانس رئيسه ثم موسى الفاراني الشهير بقداسته وكراماته.

وفاران هذه كانت شهيرة في عهد الدولة الرومانية، وأصبحت مدينة كبيرة وافرة السكان، وهي اليوم قرية حقيرة نحو الخمسين بيتًا وهي تُدعوا فيران موقعها في واد كثير الخصب تنمو فيه الأشجار، لا سيما النخيل وتجري فيه المياه الطيبة، فالنصارى دخلوا فاران ونشروا فيها دينهم حتى كاد يعم كل أهلها منذ القرن الرابع، وكان فيها كرسي أسقفي يذكر الروم في الميناون في 18 شباط أسقفها المدعو أغابيطوس أو محبوب في عهد قسطنطين الكبير، وممن لا يشك في تاريخه الأسقف نثراس أو نثير في النصف الثاني من القرن الرابع وتلميذ القديس سلوانس، وكان أمير فاران نصرانيًّا يُدعى عوبديان أو عبدان، وقد بقيت فيها النصرانية معزَّزة رفيعة الشان إلى القرن السابع، وحجت إليها القديسة سيلفيا «أوكارية» في أواخر القرن الرابع في رحلتها إلى الأراضي المقدسة، والقديس أنطونينوس الشهيد نحو سنة 580م، وترى بين أخربتها حتى اليوم بقايا من كنيستها ومدافنها النصرانية عليها النقوش المسيحية كالصلبان والرموز الدينية واسم السيد المسيح مختصرًا.

 

ومن الأديرة الشهيرة في التاريخ الكنسي دير رَيْث الذي موقعه بجوار مدينة الطور، فهذا الدير توارد إليه الرهبان ونمت شهرته حتى طمعت فيه قبيلة همجية كانت تسكن في سواحل مصر يدعونها بلاميس (Blemmeys) فاجتازت بحر القلزم واغتالت رهبانه سنة 371م وفرت هاربة، فلمَّا بلغ الخبر أهل فاران ساروا مع أسقف البلد وعوبديان الأمير إلى دير ريث، وجمعوا جثث الشهداء ودفنوهم بكل إكرام، وقد روى أخبارهم أمُّونيوس الراهب الشاهد العياني لاستشهادهم.

وقبل أن يقدس هؤلاء وادي فيران وسواحل جبل الطور كان رقي قوم آخرون أعالي جبل موسى حيث كان التقليد عيَّن موقع مناجاة الكليم لربه، وحيث صعد إليَّا إلى جبل الله فانقطعوا على مثالهما للإلهيَّات، وقد مر بك ذكر بعض هؤلاء النسَّاك في أواسط القرن الثالث، وأخبر سولبسيوس ساويرس (12) في سياحته إلى جبل سينا نحو السنة 380م أنه رأى راهبًا كان يقطن أعالي سينا منذ خمسين سنة، ثم كثر عددهم فابتنوا لهم مآوي ليسكنوا فيها، على أن لصوص العرب الوثنيين والمعادين لأهل الحضر المتنصِّرين قدموا من شمالي الجزيرة وجهات الشراة وهجموا بغتة على محابس الرهبان المتفرقة في أنحاء جبل موسى، ووقع ذلك نحو سنة 390م كما رواه أحد الشهود العيان والكاتب اليوناني القديس نيلوس الذي مر ذكره وكان هذا من أسرة شريفة تولَّى نظارة الأمور على مدينة القسطنطينية ثم استعفى ليتجرَّد لخدمة الله فرحل إلى طور سينا مع ابنه تاودولوس وتنسَّكا في ذلك المقام، فقتل العرب في هذه الزحفة سبعة من السياح وأسروا غيرهم، وكان من جملتهم ابن القديس نيلوس الذي روينا شيئًا من أخباره في باب تاريخ أديان العرب، وقد نجا من أيدي الغزاة في مدينة الخَلَصة بِهِمَّة أهلها النصارى وأسقفها (13).

ومذ ذاك الحين أخذ رهبان جبل سينا يتحصَّنون في وجه الغزاة، ولمَّا صار الأمر إلى يوستنيان الملك ابتنى لهم الكنائس الفخيمة والأبنية الحصينة، وجعل في خدمة الرهبان بعض قبائل العرب المُتَنَصِّرين أخصهم بنو صالح، وقد عرفوا بالجبلية، وكان الزوَّار إذا ما قصدوا الأراضي المقدسة يزورون أيضًا هذه الأديرة لينالوا بركتها وبركة أهلها، وقد ازداد عدد رهبانها حتى جُعل لطور سينا أساقفة عدَّدنا أسماءهم في مقالة نشرناها في أعمال المكتب الشرقي (14).

وكذلك اشتهر بين الرهبان بعض القديسين والكتبة كالقديس أنستاس السينوي في القرن السادس، وليس أقل منه شهرة القديس يوحنا رئيس طور سينا المعروف بالسلمي أو كليماكوس باسم كتاب ألفه دعاه سُلَّم الكمال، وكان معاصرًا للقديس البابا غريغوريوس الكبير، وكان بين القديسين مكاتبات رواها جامعو آثار الحبر الأعظم، وقد ذكرنا في المشرق (7: 993) ما تبرع به ذلك البابا من الحسنات لدير طور سينا، حيث أنشأ يوحنَّا مأوى للعجزة والزوار.

 

وفي أعمال القديس صفرونيوس بطريرك القدس تكرر ذكر طور سينا ورهبانه والزوار المترددين إليه (15).

وبعد ذلك بقليل استولى العرب المسلمون على شبه جزيرة سينا، وقد قيل: إن بين آثار دير الطور سجلًّا أعطاه محمد كامان لأهله وبقي عندهم إلى أيام السلطان الغازي سليم الأول، فأخذه إلى القسطنطينية (راجع في المشرق، 12: 609 و679) مقالتنا في عهود نبي الإسلام والخلفاء الراشدين للنصارى.

 

ومن الآثار النصرانية كتابات عديدة وُجِدَت منقورة في الصخر أو مكتوبة بالمغرة على جوانب وادي المكتب، فإن السُّيَّاح كانوا إذا مروا هناك كتبوا أسماءهم وطلبوا من الله الرحمة وأعلنوا إيمانهم بالله الواحد ورسموا بعض العلامات المسيحية كالصليب والأنجر وسعف النخل والحرف الأول من اسم السيد المسيح، وهذه الكتابات منها يونانية ومنها قبطية لا شك في نسبتها إلى النصارى، وبينها كتابات أخرى عديدة مكتوبة بالنبطية ومن جملتها ما نصفه يوناني ونصفه الآخر نبطي، وبعض العلماء يرتَئُون أنها للوطنيين المشركين أما غيرهم فيرجِّحون أيضًا أنها للنصارى منهم من قبائل تيم الله وكلب وأوس ممن اعتقدوا النصرانية، بل تُرى العلامات النصرانية عليها كما تُرى على اليونانية والقبطية، وإن لم يكن في منطوقها ما يدل على الدين المسيحي صريحًا ما لم يُقَل: إن تلك العلامات أُضيفت بعد ذلك العهد والله أعلم (16).

ومن البلاد اللاحقة بشبه جزيرة سينا بقعة واسعة في تخوم فلسطين عن جنوبها الشرقي كثيرة النخيل عرفها الكتبة اليونان ودعوها فينيقون (Φοινιϰών) أي مغارس النخل، وقد ظن البعض أن موقعها في وادي فيران إلا أن كلام الكتبة الأقدمين لا ينطبق عليها، والصواب أنها شمالي غربي وادي فيران، وقيل: إن هناك مكانًا يُدعى بالنخل لكثرة نخله، فلعله هو مدلول كتبة اليونان، ففي القرن السادس كان يحتل هذا البقيع قوم من العرب من جذام ولخم، وكان أحد أمرائهم يدعى أبا كرب، فروى عنه المؤرخ بروكوبيوس الغزي (17) أنه كتب إلى يوستنيان ملك الروم يقدم له ولايته فشكره الملك وجعله أميرًا على كل قبائل العرب (phylarque) التي في جواره فتولاها باسم ملك الروم وأخضع العرب لأمره، ولا شك أن هذا الأمير كان نصرانيًّا، ولولا ذلك لما رضي يوستنيان أن يُرَئِّسه على بلاد كان الدين المسيحي قد مد عليهم سيطرته كالنبط وبني كلب وغيرهم، وفيه أيضًا دليل على نصرانية العرب المستوطنين لبقعة النخيل التي كان أبو كرب مالكًا عليها.

وقد جاءت الاكتشافات الجديدة للسياح الأوربيين في بلاد مؤاب وآدوم والنبط مُثْبِتة لهذه الآثار التاريخية القديمة، فإن الكاهن العالم نزيل كُلِّيَّتنا سابقًا الدكتور لويس موسيل الذي تَجوَّل مرارًا في تلك الأنحاء وصف ما رأى بالعيان في مجلدات ضخمة فرسم في تآليفه ما وجده من الآثار كالرسوم والقبور والصلبان وغير ذلك منها في قصر الموقَّر (18)، وفي العويرة (19)، وفي أم الرصاص (20)، ومما تُرى بقاياه إلى يومنا آثار كنائس عديدة في أمكنة شتى كعبد والعوجاء وفار وفينان وحسبان والكسيفة والمكاور والمحي، وقد يُسمَّى بعضها اليوم بأعلام تدل على دين أهلها كالكنيسة والنصرانية والدير (21)، بل وجد بين الأحياء التي تسكن حتى الآن في تلك البوادي عادات نصرانية تدل على أصلها القديم كرسم الصليب والدعاء إلى السيد المسيح (22).

ومثله سائح آخَر جال في تلك الأنحاء سنة 1908م يُدعى دلمان (23)، فإنه وصَف نحو عشرين أثرًا نصرانيًّا وَجدَها في رحلته إلى جهات النبط.

وليس أقل منها شأنًا ما رواه العالمان برونُّو ودومازفسكي في المجلدات الثلاثة الضخمة التي دوَّنا فيها أعمال بعثتهما العلمية إلى إقليم عربية (24)، وقد مر وصْفُها للأب جلابرت في المشرق (8: 457–461) في المقالة المعنونة السكة الرومانية من مادبا إلى عقبة، وفي هذا التأليف الجليل وَصْف آثار خطيرة للنصرانية لا يسعنا هنا بيانها.

فيؤخذ من كل هذه الأدلة التي استدلَلنا بها أن طور سينا والبلاد اللاحقة أو المحدقة به كاد يعمها الدين النصراني في القرن السادس، وقد أقر بذلك المستشرق دوزي (Dozy) في مقدمة كتابه عن الإسلام (25) قال: «إن شبه جزيرة سينا كلها تقريبًا كانت ارتَدَّت إلى النصرانية، وكانت حاوية لجملة من الأديرة والكنائس، وكان عرب الشام يدينون بالنصرانية» (26).

................................................

(1) وفي طبعة مصر للخطط والآثار (2: 483) أنه سار إلى الشرق، ونظنها تصحيفًا.

(2) أخبر أوسابيوس في تاريخه (Eusébe, H. E., VI, c. 39) «أن كثيرين من النصارى هربوا إلى بلاد العرب لمَّا ثار اضطهاد القيصر دقيوس.»

(3) اطلب: مجموع أعمال آباء اليونان لمين Migne. P. L., X col. 1505-6، وتاريخ أوسابيوس القيصري (ك6، ف41 و42).

(4) اطلب: مجموع متافراست (Migne. P. G., CXVI, col. 102).

(5) أعمال الآباء اليونان (Migne, P. G., X, 1314-5).

(6) اطلب: A. Maï: Spicileg. Romanum, IV, 230–241؛ اطلب أيضًا: أعمال البولنديين (Acta SS, III Janv. 701).

(7) اطلب: سياحة الأب ميشال جوليان اليسوعي إلى سينا (M. Jullien: Sinai et Syrie, p. 140).

(8) اطلب: أعمال القديس هيرونيموس في مين (Migne, P. L., XXXIII, 42).

(9) (ibid. 37).

(10) اطلب ترجمته، للأب جنيه الدومنيكي (Conférences de st Etienne, 1909-1910, p. 287–330).

(11) اطلب: أعمال الآباء لمين Migne, P. L. LXXIV, 188–190.

(12) اطلب: أعمال الآباء اللاتين (Migne, P. L., XX, 194, Sulpice-Sévére, Dial. 1, 17).

(13) أعمال الآباء اليونان (Migne, P. G., LXXIX, col. 678–700).

(14) اطلب: الجزء الثاني من هذا المجموع Les Evéques du Sinaï (Mélanges de la Fac. Or. I1, 408–421).

(15) اطلب: أعمال الآباء اليونان (Migne, P. G. LXXVII, col. 719, 2958, 3035, 3051).

(16) اطلب: المجلة الآسيوية الفرنسوية (J. A., 18591, 5 et 194)؛ وسياحة الأب ميشال جوليان إلى سينا، ص77.

(17)  اطلب كتابه: في الحرب الفارسية Procopius: De Bello Persico I. 19.

(18) اطلب كتابه (A. Musil: ARABIA PETRÆA: I, Moab 194).

(19) فيه Ibid, III, 58.

(20)  فيه Ibid I, 109.

(21) فيه أيضًا Ib. I. 97, 109, 120, 134, 193, 273, 338, etc, II1, 67, 105, 205, 273, 278: etc, II2, 18, 26, 39, 45, 110, 119, 125, 142, etc.

(22) اطلب: المجلد الثالث (Ibid. 111, 297, 304, 316).

(23) اطلب كتاب سياحته (Dr. Gustaf Dalman: Petra und seine Felsheiligtümer, p. 98).

(24) اطلب: R. E. Brünnw et A. V. Domaszewski: Die Provincia Arabia.

(25) اطلب: Dozy: Essai sur l’Hist. de l’Islamisme, traduction de V. Chauvin, p. 13.

(26) وهذا كلامه: La Presqu’île sinaïtique à peu près entièriment convertie, renfermait nombre de couvents et d’églises: les Arabes de Syrie professaient le Christianisme.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد