0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

مبادئ النصرانية بين العرب

المؤلف:  لويس شيخو

المصدر:  النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية

الجزء والصفحة:  ص 27-34

2026-10-22

29

+

-

20

إن الإفادات التي خَلَّفها كَتَبة العرب عن الأديان الشائعة في جزيرتهم قبل الإسلام نَزْرَة قليلة، وهذا القول يصحُّ أيضًا في النصرانية مع أنها كانت أقرب إليهم عهدًا، فإذا ذَكَروا الدين المسيحي لا يكادون يذكرون من تاريخه غير شيوعه في بعض القبائل، هذا إذا اعتبرت فصولهم الوجيزة التي خصوها بالأديان، بيد أنهم في عرض كلامهم عن بعض عادات العرب وقصصهم وأمثالهم ولهجاتهم حدَا بهم الأمر إلى أن يأتوا بمعلومات أخرى عديدة تجدها متفرقة متشعثة في تآليفهم لم يجمعها حتى الآن العلماء المستشرقون لانشغالهم بالبحث عن آلهة العرب وعن فَكِّ رموز دياناتهم القديمة، ونشر ما وجده السائحون في بلادهم من الكتابات الحجرية في اللغات الحميرية والنبطيَّة والصفويَّة فضلًا عن اليونانية واللاتينية أو ما استخرجوه بالحفر من الآثار بعد مخاطرتهم بالحياة.

 

وكذلك ورد في كُتب نصارى أهل الشرق، ولا سيما قدماء الروم والسريان وبعض الكَتبة اللاتينيين فوائد شتى عن النصرانية في أنحاء العرب دوَّنوها في معرض رواياتهم التاريخية وأوصافهم الاجتماعية ورِحَلهم العلمية وفي أخبارهم عن أولياء الله القديسين الشهداء أو النساء المُتعبِّدين في بوادي العرب مَمَّا رأَوه بالعيان أو استفادوه من شهود عيانيين أو كَتَبة موثوق بهم فهذه المعلومات أيضًا عظيمة الشأن غالية الأثمان لم تُجمع حتى اليوم تمامًا وإنما روى منها بعض الكتبة فصولًا تحتاج إلى توسيع وتكملة نخص منها بالذِّكْر الكتب والمقالات الآتية، ما عدا ما ذُكِر من ذلك في التآليف التي عدَّدناها سابقًا:

(1) أعمال البولنديين: مقالة للأب كربنتيه اليسوعي في النصرانية بين العرب E. Carpentier S. j.: De SS. Aretha et Ruma Commentarius (Acta SS., X, Octob., 661–697).

(2) أصول النصرانية في بلاد العرب للعلامة رَيْت Wright: Early Christianity in Arabia , London,1855.

(3) الشرق المسيحي للأب لوكيان Lequien: Oriens Christianus.

(4) دي ساسي: مقالة عن تاريخ العرب قبل محمد Le Bon de Sacy (S.): Mémoire sur l’Histoire des Arabes avant Mahomet.

(5) تاريخ الدول العربية بين المسيح ومحمد J. J. Reiskii: Primæ lineæ Historiæ Regnorum Arabicorum inter Christum et Mohammedem.

اعلم أن أقدم الآثار النصرانية — كما لا يخفى — الأناجيل الأربعة، وتاريخ أعمال الرسل للقديس لُوقا، ورسائل بعض تلاميذ الرَّب الأولين، وكلها من القرن الأول للمسيح كما يقر به معظم العلماء من الإباحيين، فضلًا عن المؤمنين وإن كان أولئك يخالفون الكاثوليك في تعيين سَنة كتابة هذه الأسفار وأصحابها، فهذه الآثار لا تخلو من الدلائل على أن العرب نالوا شيئًا من أنوار النصرانية منذ بزوغ شمسها.

 

ولعل أول من استحق أن يُنظم من العرب بين تَبعَة السيد المسيح أولئك الشيوخ الذين عُرِفوا بالمجوس فأتوا إلى بيت لحم وأَهْدَوا الرب ألطافهم وسَجَدوا له في مَهْده، كما أخبر متى في إنجيله (ف2)، أما كونهم من العرب أو على الأقل بعضهم فلنا على ذلك عدة بيِّنات تُرجِّح هذا الرأي إن لم تجزم به قطعيًّا، فمن ذلك أقدم نصوص الآباء والكتبة الكنسيين من القرن الثاني للمسيح إلى القرن الخامس الذين يجعلونهم عربًا كالقديس يوستينوس في القرن الثاني في مباحثه مع تريفون، وترتوليان المعلم في كتابيه ضد اليهود (ف9) وضد مرقيون (ك3، ف13)، وكالقديس قبريانوس في القرن الثالث في ميمرهِ عن كوكب المجوس، وكالقديس إبيفانيوس في القرن الرابع في شرحه لدستور الإيمان (عدد 8)، والقديس يوحنا فم الذهب معاصره في الميمر الثاني على شرح إنجيل متى، وهكذا فَسَّر هؤلاء الكتبة آية إشعيا النبي عن المسيح (ف60، ع6): «كثرة الإبل تغشاكِ بُكرانُ مِديَن وعيفة كلهم من شبأ يأتون حاملين ذهبًا ولبانًا يُبشِّرون بتسابيح الرب.» وسبق داؤد فقال (مز، 71): «ملوك سبأ وشبأ يقربون له العطايا.» فإن مِدْيَن وعيفة وشبأ كلها تدل على نواحي العرب.

 

وعليها تدل أيضًا الألطاف التي قدمها هؤلاء المجوس للمسيح؛ أي الذهب واللبان والمر، وكلها من مرافق بلاد العرب، فإن ذهب أنحاء العرب كان مشهورًا (1)، وتنبأ داؤد بتقدمته للمسيح (مز، 71) فقال: «يؤدون إليه مِن ذَهَب شبأ.» أما اللبان والمر فلا يكادان يُستَخْرَجان من غير جزيرة العرب فَيَتَّجر بهما أهلها كما شهد على ذلك قدماء الكتبة بعد سفر التكوين (37: 25).

ثم يؤيد هذا الرأي قول المجوس في الإنجيل لهيرودس بأنهم رأوا نجم المسيح في الشرق فأتوا ليسجدوا له، فقولهم: «في الشرق» يدل على بلاد العرب أكثر من سواها لوقوعها شرقي فلسطين، فضلًا عن كون العرب يُعْرَفون بالأسفار المقدَّسة ببني الشرق (وبالعبرانية קרם פב بمعناها) بل شاع هذا الاسم عند الرومان واليونان فاشتقوا منه Sarraceni وΣαραϰηνοί.

وزد على ذلك أن النجم الذي رآه المجوس هو الكوكب الذي سبق وأنبأهم به بلعام في مشارف مُؤاب (سفر العدد 24: 17) لما قال: «إنه سيطلع كوكب من يعقوب ويقوم صولجان من إسرائيل.» فتحققت النبوءة حيث تنبأ بها بلعام مرغومًا فتناقل العرب نبوءته ابنًا عن أب، وراقَبوا كوكبه حتى رأوه، ولا بأس من كون هؤلاء القادمين إلى مهد المسيح يُدعون مجوسًا، فإن هذا الاسم كان يطلق عند العبرانيين على حكماء الشرق عمومًا، وكثيرًا ما أثنى الكتاب الكريم على حكمة العرب في سفر أيوب، وسفر الملوك الثالث (4: 30)، وسفر باروك (3: 23)، وقد شهد كتبة اليونان بأن فيثاغورث الفيلسوف رحل إلى جزيرة العرب ليأخذ الحكمة عن أهلها، بل صرح بلينيوس الطبيعي بأن بلاد العرب كانت بلاد مجوس (2).

وفي الإنجيل الطاهر شاهِد آخَر على سَبْق العرب في معرفة السيد المسيح، وذلك لما ذكر المبشرون متَّى (ف4، عدد: 24-25)، ومرقس (3: 7)، ولوقا (6: 17) في جملة الجموع المتقاطرة إلى استماع تعاليم الرب أهل آدوم والمدن العشر وما وراء الأردن، فلا شك أن صيته يكون بَلَغ العرب القاطنين في تلك الجهات، بل ذكر الإنجيل (متَّى، 8: 31؛ ومرقس، 7: 31) أن السيد المسيح عَبَر الأردن وتَجوَّل في المدن الواقعة ما وراء ذلك النهر، ومر بالمدن العشر(3) وصَنَع الآيات في بقعة الجرجاسيين، وكان أهل الحَضَر والمَدَر من العرب يسكنون تلك الأنحاء، فلا يقبل العقل أنهم لم يقتبسوا شيئًا من أنوار ابن الله الكلمة.

ثم ما لبث العرب أن نالوا نصيبًا طيبًا من الدعوة المسيحية، وذلك يوم حلول الروح القُدُس على التلاميذ في العليَّة الصهيونية كما أخبر القديس لوقا في سفر الأعمال (ف2) فإنه صرح بأن العرب كانوا في جملة الذين عاينوا آيات ذلك اليوم الشريف وسمعوا الحَواريين يتكلمون بلغتهم العربية، فلا جرم أن بعضًا منهم كانوا في عِداد الثلاثة الآلاف المصطبغين ذلك اليوم (أعمال، 2: 41) فلما عادوا إلى بلادهم نشروا بين مواطنيهم ما رأوا وسمعوا من أمر المسيح وتلاميذه.

 

وبعد مُدَّة قليلة أثار اليهود على تلامذة الرب تلك الاضطهادات التي ذَكَرها صاحب الأعمال (ف8) فكانت على شبه الرياح التي تُقَوِّي الشجرة النامية وتُؤصِّل جذورها في الأرض وتنقل بذورها إلى أمكنة أخرى فتزداد وتَتوفَّر، وأول مَن يُذْكَر من الرُّسل أنه دخل بلاد العرب هو الإناء المصطفى القديس بولس فإنه أخبر عن نفسه في رسالته إلى أهل غلاطية (ف1، ع17) أنه بعد اهتدائه إلى الإيمان بظهور السيد المسيح له على طريق دمشق واعتماده على يد حنانيَّا التلميذ هرب من دسائس اليهود إلى جزيرة العرب، حيث أقام مدة، فمن البديهي أن ذلك الرسول الذي خصه الله بدعوة الأمم باشَر مذ ذاك الحين بالتبشير فدعا إلى النصرانية من رآهم من العرب مُستعِدِّين لقبول دين الخلاص؛ لئلا يحل به ذاك الويل الذي كان يوجس منه فزعًا، حيث قال3 (كور، 9: 16): «الويل لي إن لم نبشر.» وعليه فنصادق على قول الذين يجعلون بولس الرسول كأحد رسل العرب، وقد عَدَّه بعض كتبة الروم كأول الدعاة إلى المسيح في بُصرى حاضرة حوران.

ولما جرى نحو السنة خمسين للمسيح افتراق الرُّسل إذ ساروا إلى أقطار المعمور ليقوموا بمهنة التبشير التي أمرهم بها سيدهم كان لبلاد العرب نصيب حسن في هذه القسمة المباركة، فإن التقاليد القديمة تتواصل وتتفق على أن بعض الرسل تلمذوا أمم العرب وقبائلهم من جهات مختلفة، وقد جمع العلامة يوسف السمعاني في مكتبته الشرقية في المجلد الثالث القسم الثاني (Bibl. Or. III2, 1–30) كثيرًا من شواهد كتبة اليونان والسريان والعرب التي تثبت كرازة الرسل في أحياء العرب وفي أقطارها المتباينة كبادية الشام وجهات طور سينا واليمن والحجاز والعراق يذكرون منهم متى وبرتلماوس وتدَّاوس ومتيَّا وتوما، وقد نقل بعض هذه الشواهد المؤرخون المسلمون نفسهم كالطبري في تاريخه (ج1، ص737-738) وأبي الفداء في تاريخه (1: 38)، والمقريزي في الخطط (2: 483)، وابن خلدون في تاريخ العبر (2: 47)، والمسعودي في مروج الذهب (1: 127)، هذا فضلًا عن بعض تلاميذ الرسل كفيلبس الشَّماس وتيمون وإدي أو تدَّاي ممن تناقل الرواة خبر بشارتهم بين العرب، وكفى دليلًا بهذه الشواهد المتعددة على أن الدعوة النصرانية التي امتدت إلى أقاصي المعمور لم تهمل جزيرة العرب القريبة من مهد الدين المسيحي، بل كان أهلها يقبلون كل يوم إلى فلسطين ويمتزجون بسكانها امتزاج الماء بالراح فيعاملونهم ويتاجرونهم، وقد ذكر القديس إيرونيموس في شروحه على نبوة أرميا (ف31) ونبوة زكريا (ف11) أن أسواقًا سنوية كانت تقام قريبًا من سيحم (نابلس) يأتي إليها عدد عديد من نصارى ويهود ووثنيين يقصدونها للمتاجرة من بلاد الشام وفينيقية والعرب، فلا نتعدى إذن طورنا إن أكدنا انتشار النصرانية في بلاد العرب منذ عهد الرسل، وبذلك تحققت نبوءات الأنبياء الذين سبقوا وتنبَّئوا باهتداء العرب وإيمانهم بالمسيح، قال النبي إشعيا بعد وصفه العجيب للسيد المسيح (ف11، ع1–10) ذاكرًا للشعوب التي تقبل شريعته فجعل منها آدوم ومؤاب، وكرر ذلك في الفصل 42 وعدد قبائل قيدار وبلاد سلع (Pétra) وفي الفصل 60 ذكر بين المستنيرين بأنوار أورشليم وملكها الموعود مدين وعيفة وسبأ وقيدار والنبط، وفيه يذكر قدومهم على المسيح ليُهْدوه ألطافهم من ذَهب ولبان، وكان النبي داؤد (في مزمورَيْهِ، 67، ع32؛ و71: 80–10) سبق إشعيا في ذكر سجود العرب للمسيح وطاعتهم له، ومثلهما أرميا في فصله التاسع، حيث ذكر «افتقاد الرب للأمم المختونين مع الغُلْف … أدوم وبني عَمُّون وموآب وكل مقصوصي الزوايا الساكنين في البريَّة.»

وفي السنة 70 للميلاد تَمَّت نبوءة المسيح عن خراب أورشليم فلم يبقَ فيها حجر على حجر وتَفرَّق بقايا اليهود شَذَرَ مَذَر بعد أن قُتل منهم وسُبي الألوف ومئات الألوف إلا أن من كانوا تنصَّروا منهم كانوا بأمر الرب سبقوا وخرجوا من المدينة وعَبَروا الأردن وسكنوا في مُدن العرب التي هناك كما أخبر أوسابيوس المؤرخ (4)، فاستوطَنوا تلك الأصقاع وكان يرعاهم أساقفة من جنسهم، وقد وجد أصحاب الآثار في أيامنا عددًا دثرًا من كتبهم الدينية كالأناجيل الأربعة وبعض أسفار التوراة وقطعًا طقسية وأناشيد وصلوات وغير ذلك مما يشهد على نصرانيتهم وسُكناهم زمنًا طويلًا في تلك النواحي، وهذه البقايا كانت مكتوبة باللغة الفلسطينية؛ أي الآرامية الشائعة في فلسطين، ولا ريب أن العرب الذين حل بينهم هؤلاء النصارى أخذوا شيئًا من تعاليمهم واستضاءُوا بأنوار دينهم.

وإذا استفتينا أقدم آثار النصرانية وما كتبه آباء الكنيسة الأولون في القرون الأولى للميلاد وجدناهم يذكرون الدعوة المسيحية في جزيرة العرب إما تعريضًا وإما تصريحًا.

 

فمن تنويههم بذلك قولهم جميعًا بأن الإيمان المسيحي «منتشر في العالم كله» فإنْ صحَّ هذا القول في البلاد القاصية حتى الهند والعجم وجزائر البحر أفلا يكون أيضًا صح بالحري في بلاد العرب المُجاوِرة لمنبع الدعوة المسيحية، فترى القديس مرقس في آخر إنجيله (16: 20) مؤكدًا بأن تلاميذ الرب «خرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات.» وبعده بقليل كان يشكر بولس الرسول أهل رومية في رسالته إليهم (1: 8) «على أن إيمانهم يبشَّر به في العالم كله.» وفي رسالة القديس إغناطيوس النوراني تلميذ الرسل إلى أهل أفسس (PP. GG., V, col, 647) يذكر «الأساقفة الذين يرعون المؤمنين في العالم كله ويتفقون جميعًا بالإيمان.» ومثله معاصره القديس بوليكربوس الذي كان يدعو المسيح «راعيًا للكنيسة الكاثوليكية المنتشرة في العالم كله.» (ibid., col. 1035) فهذه النصوص وغيرها كثير تثبت صريحًا انتشار الدين المسيحي في العالم كله فتشمل أيضًا بلاد العرب، ولولا ذلك لما أمكن القديس أوغسطينوس أن يقول في شرحه على المزمور 66 (PP. LL. t. 36, col., 669): «نحن الكاثوليك مُنبَثُّون في الأرض كلها لأننا نعلن بكل مكان ما للسيد المسيح من المجد ونشترك به.» ولَمَا استطاع قبله كيرلس الأورشليمي أن يقول في تعليمه الثامن عشر (PP. GG., t. 33, col. 1043): «تُدعى كنيستنا كاثوليكية لأنها منتشرة في كل المسكونة من أقاصي تخوم الأرض إلى أقصى حدودها.» وسبقهما القديس قبريانوس فقال فقي كتاب وحدة الكنيسة (PP. LL., IV. Col. 502): «إن الكنيسة تلقي أشعتها في كل المعمور. » وقال معاصره القديس إيريناوس في كتابه ضد الهرطقات (PP. GG. VII. Col. 550): «إن الكنيسة المنتشرة في سائر العالم قد وَرِثت الإيمان من الرسل وحفظته بكل حرص. »

وزاد عن هؤلاء إيضاحًا في أواسط القرن الثاني للمسيح القديس يوستينوس الشهيد من أهل نابلس في مباحثته مع تريفون اليهودي (PP. GG., VI, col. 750) فَعدَّ بين مَن دانوا بدين المسيح «الساكنين في الخيم وأهل البادية» قال: «ليس مطلقًا جنس من البشر سواء كانوا من اليونان أو البرابرة وبأي اسم تسمَّوا حتى العائشين في العربات «الإسقيثيين» والساكنين في الخيم الذين يرعون المواشي وأهل البادية الذين لا يحلون في بيت إلا وبينهم جموع يقدمون الصلوات والقربات للرب باسم يسوع المصلوب.»

وقال إيريناوس معدِّدًا الشعوب التي دخلت بينهم النصرانية (PP, GG. VII. Col. 554) ، وقد دعا العرب بأهل الشرق كما روى مفسروه: «هذا الإيمان المسيحي هو اليوم مُنْبَث في العالم كله … فترى الألسنة مختلفة والنفس واحدة والقلب واحدًا سواء اعتبرت آل جرمانية أو الأيبريين أو القلتيين أو سكان الشرق أو مصر أو ليبية والأمم التي في أواسط الدنيا فكلهم يعتقدون اعتقادًا واحدًا يشبه إيمانهم الشمس التي تضيء العالم كله وهي واحدة. »

وللمعلم ترتليان في أوائل القرن الثالث نصوص متعددة يؤكد فيها انتشار النصرانية بين كل شعوب زمانه مهما كانت بعيدة أو مجهولة فما قولك بالعرب؟ قال في كتابه إلى الأمم (Ad Nationes, c. 8): «تأمَّلوا أنه لا يوجد اليوم أمة إلا ودخلتْ فيها النصرانية.» (non ulla gens non christiana)، وفي الفصل السابع من رده على اليهود يعدد في جملة المُتَنَصِّرين ليس فقط الأمم الخاضعة للرومان «لكن غيرها كثيرة كالسرماتيين والداقيين والجرمانيين والإسقيثيين وقبائل مجهولة وأقطار متفرقة وجزائر البحر ففيها كلها يعرف اسم المسيح وفيها يملك.»

وكثيرًا ما دعا الكتبة جزيرةَ العرب باسم الهند لا سيما جهات اليمن، وقد شاع هذا الاسم بهذا المعنى (اطلب: البولنديين، في المجلد العاشر من أعمال القديسين، من شهر ت1، ص670)، وإليها أشار القديس يوحنا فم الذهب في رده على اليهود (PP. GG., XXX. 500.) قال: «انظر بأي سرعة انتشرت الكنيسة في كل أطراف المسكونة وبين كل الشعوب، وذلك بمجرد فضل الإقناع حتى إن أممًا كثيرة تركت أديانها وتعاليم أجدادها وشَيَّدت هياكل لتعبد فيها الرب، فمنها ما هو واقع في ممالك الرومان كالإسقيثيين والمغاربة وأهل الهند، ومنها ما هو خارج عن تخوم الرومان إلى جزائر بريطانية وأقاصي العالم.»

وبعضهم قد دَعَوهم صريحًا باسم العرب أو الإسماعيليين، قال أرنوبيوس في القرن الثالث للمسيح يذكر الشعوب الوثنية التي بَشَّر بينها الرسل، فأنشئت الكنائس لمن تنصر منهم (ك2، ف5 و12): «انظروا العجائب التي جرت في أنحاء المعمور منذ ظهور المسيح حتى إنه لا يكاد يوجد الآن أمة عريقة بالهمجية إلا لطفت خشونتها محبة به وأخضعت عقلها للإيمان بتعاليمه، فاتفقت على ذلك أجيال الناس المتباينة المختلفة طباعًا وآدابًا، ومما نقدر أن نحصيَهُ من هذه الشعوب أهل الهند والصين والفرس والماديين والذين يسكنون في بلاد العرب ومصر وجهات آسية وسوريَّا … وفي كل الجزائر والأقاليم.»

 

فترى أنه أحصى بلاد العرب في جملة من دان للمسيح في ذلك العهد، وقد ذكرهم المؤرخ سوزمان (PP. GG. t, 67, 1476.) في القرن الرابع وأفاد «إن بعض قرى العرب ودساكرهم يوجد فيها أساقفة.» وكذلك صرح بذِكْرهم تاودوريطس في القرن الخامس في كتابه المعروف بدواء أضاليل اليونان (PP. GG. T, 88, p. 1037.) قال: «ليس فقط قد خضعت للمسيح الأمم الخاضعة لشرائع الرومان كالحبش المتاخمين لتيبة وقبائل الإسماعيليين … بل حتى غيرهم من الأمم أحنوا رءوسهم لتعاليم الصيادين وشرائع الإنجيل كالسرماتيين والهنود والعجم والصينيين (Seræ) والبريطانيين والجرمانيين»، وقال مثل ذلك في محل آخر في كتابه المسمَّى التاريخ الرهباني (PP. GG. t,. 82, p. 1471).

...........................................

(1) قال سترابون: إن الذهب لا يُعدَّن في بلاد العجم، لكن في بلاد العرب In Perside aurum nullum effoditur, effoditur tamen in Arabia (Strabo, I. XVI).

(2) اطلب تاريخه الطبيعي: Fuere in Arabia quos Græci et ariali “Magos” vocant (Plin., Hist. Nat., XXV, S).

(3) اطلب في المشرق (11: 81) مقالة للأب الفرد دوران في رحلة السيد المسيح إلى فينيقية والمدن العشر.

(4) اطلب تاريخه الكنسي: ك 3، ف5 (Migne, PP. GG., XX, 221).

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد