نظرية ترتيب الأولويات Agenda- Setting Theory:
تهتم بحوث "ترتيب الأولويات" بدراسة العلاقة التبادلية بين وسائل الإعلام والجماهير التي تتعرض لتلك الوسائل فى تحديد أولويات القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تهم المجتمع. وتفترض هذه النظرية أن وسائل الإعلام لا تستطيع أن تقدم جميع الموضوعات والقضايا التي تقع في المجتمع، وإنما يختار القائمون على هذه الوسائل بعض الموضوعات التي يتم التركيز عليها بشدة، والتحكم في طبيعتها ومحتواها. هذه الموضوعات تثير اهتمامات الناس تدريجياً، وتجعلهم يدركونها، ويفكرون فيها، ويقلقون بشأنها، وبالتالي تمثل هذه الموضوعات لدى الجماهير أهمية أكبر نسبياً من الموضوعات الأخرى التي لا تطرحها وسائل الإعلام. ترجع الأصول النظرية لبحوث "ترتيب الأولويات" إلى "والتر ليبمان Lippman" من خلال كتابه بعنوان "الرأى العام" (1922) حيث يرى "ليبمان" أن وسائل الإعلام تساعد في بناء الصورة الذهنية لدى الجماهير، وفى كثير من الأحيان تقدم هذه الوسائل (بيئات زائفة) في عقول الجماهير Pseudo - Environments، وتعمل وسائل الإعلام على تكوين الرأي العام من خلال تقديم القضايا التي تهم المجتمع. وتركز هذه النظرية على أن في مقدور وسائل الإعلام أن تغير الاتجاهات حسب نموذج الآثار الموحدة فى دراسات الإعلام المبكرة. وقد تم تجاهل هذه النظرية تماماً في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين.
وبعد ذلك بنحو أربعين سنة أعاد الباحث "كوهين" إحياء وجهة نظر "ليبمان" حين زعم أن وسائل الإعلام: "لا تنجح دائماً في إبلاغ الجماهير كيف يفكرون (الاتجاهات)، ولكنها تنجح دائماً في إبلاغهم عما يجب أن يفكروا فيه (المعلومات)". (13 :1963 ,Cohen).
وعند حديثه عن الاستخدامات الرمزية للسياسات أشار "إيدلمان" إلى أن: "السياسات عبارة عن سلسلة من الصور الذهنية التى يتم نقلها من خلال أخبار التليفزيون والصحف والمجلات والمناقشات لدى غالبية الناس في معظم الأوقات، وتكون هذه الصورة الذهنية بانوراما متحركة تقع أحداثها في عالم لا يدركه معظم الجمهور العام" (5: 1964 ,Edelman).
وقد دعم كل من "لانج" و"لانج" هذا الانطباع من خلال تقريرهما الذي يشيران فيه إلى أن: "وسائل الإعلام هي التي تطرح الموضوعات، وتقترح ما الذي ينبغي أن يفكر فيه الأفراد باعتبارهم أعضاء فى الحشد، وما الذي ينبغي أن يعرفوه، وما الذي ينبغي أن يشعروا به (126 :1966 .Lang & Lang). وفي دراسة أخرى ركّز الباحثان السابقان على التأثير المتراكم للمعلومات التي تنقلها وسائل الإعلام فى رسم الصور الذهنية السياسية لعامة الناس في فترة رة الانتخابات ويزعم الباحثان أن "وسائل الإعلام هي التي تبنى القضايا وتحدد الشخصيات، وتقوم بتلك الوظيفة على فترة طويلة، وبالتالي يكون من الصعب إدراك هذا التأثير ورؤيته على الطبيعة، وغالباً ما يتم هذا التأثير بشكل غير مباشر من خلال تهيئة المناخ السياسي، ورسم الصور الذهنية للأحزاب والمرشحين، وبالتالى تؤثر وسائل الإعلام في النهاية على أصوات الناخبين"
ويتفق "نيمو" مع هذا الرأي حيث يقرر أن "وسائل الإعلام تساعد على تحديد أولويات الجمهور من خلال تحديد القضايا التى تختلف بشأنها وجهات النظر، وتصلح للنقاش الجماهيري" (15 :1970 ,Nimmo).
معنى ذلك أنه حين تقرر وسائل الإعلام تخصيص معظم الوقت أو المساحة في التغطية الإخبارية لقضية الإرهاب، فإن هذه القضية سوف تكتسب أهمية قصوى لدى الجماهير التى تتعرض لتلك الوسائل، وإذا كان التركيز من جانب وسائل الإعلام بعد ذلك على موضوع البطالة، فإن هذه القضية سوف تحتل المرتبة الثانية في تفكير الجمهور واهتماماته وأولوياته. وهكذا تهتم بحوث ترتيب الأولويات بدراسة العلاقة بين أولويات القضايا التي تطرحها وسائل الإعلام، وأولويات القضايا التي تشغل تفكير واهتمامات الجمهور كعلاقة تبادلية يمكن تحديدها من خلال الموضوعات والقضايا الإخبارية التي تطرحها وسائل الإعلام (385 :1987 ,Wimmer, & Dominick).
ويؤكد عالما السياسة "كوب" و"الدر" على أهمية وضع الأولويات في تحديد القضايا التى يتم الاختيار من بينها، والتي تلعب دوراً مهماً في وضع تلك الأولويات للناس (91-1971:892,Cobb, & Elder).
ويرجع الفضل إلى "مكومبيس" و "شاو" في إجراء أول اختبار إمبيريقي لنظرية ترتيب الأولويات. وكان الفرض الرئيسى لدراستهما هو: "بينما قد يكون لوسائل الإعلام تأثير محدود على نوع أو شدة الاتجاهات، إلا أنه يفترض أن تقوم وسائل الإعلام بتحديد الأولويات للحملات السياسية، ويكون لتلك الوسائل تأثير على شدة الاتجاهات نحو القضايا السياسية المثارة".
واعتمدت هذه الدراسة على أسلوب تحليل المحتوى للتعرف على الكيفية التي قدمت بها الصحف والمجلات والتليفزيون للأخبار السياسية عن المرشحين والقضايا الانتخابية خلال فترة زمنية معينة، كذلك أجرى الباحثان مسحاً على الجمهور فى منطقة "شابيل هيل" Chapell-Hill ومنطقة شمال كاليفورنيا خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 1968. وأشارت نتائج الدراسة إلى صحة فرض الدراسة، حيث لاحظ الباحثان وجود علاقة ارتباط قوية بين التصويت الانتخابي، وأولويات القضايا التي طرحتها وسائل الإعلام ( 1972 McCombs, & Shaw . (:176-187
وظل هذا الاتجاه المنهجى مسيطراً على بحوث وضع الأولويات حتى الوقت الحاضر، حيث يتم الربط بين الموضوعات التي تطرحها وسائل الإعلام، وبين إدراك الجمهور لتلك الموضوعات.
أنواع بحوث وضع الأولويات:
حدد "شاو" و "مارتن" (220 - 202 :1992 ,Shaw, & Martin) أربعة أنواع لقياس ترتيب الأولويات، وهي:
1- نموذج يركز على قياس أولويات اهتمامات الجمهور، وأولويات اهتمامات وسائل الإعلام اعتماداً على المعلومات التجميعية.
2- نموذج يركز على مجموعة من القضايا، ولكن ينقل وحدة التحليل من المستوى الكلي الذى يعتمد على معلومات تجميعية إلى المستوى الفردى.
3- نموذج يعتمد على دراسة قضية واحدة في وسائل الإعلام، وعند الجمهور انطلاقاً من فكرة أن التأثير يختلف من وقت لآخر.
4- نموذج يدرس قضية و واحدة، وينطلق من الفرد كوحدة للتحليل.
وتوجد استراتيجيتان أساسيتان لوضع الأولويات هما:
1- دراسة مجموعة القضايا السائدة فى وسائل الإعلام وعند الجمهور على فترة زمنية واحدة أو فترتين.
2- دراسة قضية واحدة على فترات زمنية مختلفة؛ أي دراسة ممتدة.
ويستخدم أسلوب تحليل المحتوى لحصر الموضوعات التي تؤكد عليها وسائل الإعلام، ومن الأفضل أن يشمل تحليل المحتوى كل وسائل الإعلام مثل: الصحف والمجلات والراديو والتليفزيون، غير أن الباحثين يركزون غالباً على وسيلة واحدة أو وسيلتين على الأكثر، وعادة ما يتم اختيار التليفزيون والصحف اليومية، وعقد مقارنات بينهما (450 - 531 :1978 ,Williams, & Semlak).
أما قياس أولويات الجمهور فيتم من خلال أسلوب المسح بإحدى طريقتين هما:
1- توجيه الأسئلة المفتوحة.. مثل: ما هي أكثر القضايا السياسية من حيث الأهمية في المجتمع؟ ويتيح هذا الأسلوب حرية كبيرة من جانب المبحوثين فى تحديد القضايا وترتيبها حسب إدراكهم الشخصي ويفضل استخدام هذا الأسلوب مع الأشخاص الذين لديهم القدرة على التحقق مع أفكارهم والتعبير عنها.
2- توجيه الأسئلة المغلقة من خلال إمداد المبحوث بقائمة مختارة من الموضوعات التي يمكن أن تشكل الأولويات، على أن يقوم المبحوث بترتيب هذه القضايا حسب إدراكه الشخصى لكل منها. وميزة هذه الطريقة أنها تتيح للباحث أن يتأكد من أن كل المبحوثين لديهم نفس المصطلحات الشائعة ولكن عيب هذه الطريقة أنها تفترض أن المبحوث واع بكل القضايا العامة التي تتضمنها القائمة، ولا تتيح له التعبير عن رأيه الشخصي في القضايا التي تخلو منها القائمة (.(Wimmer, & Dominick, 1987: 387
العوامل المؤثرة في وضع الأولويات:
يتأثر ترتيب الأولويات بمجموعة من المتغيرات الخاصة بطبيعة القضايا من حيث هي ملموسة أم مجردة، ودرجة فضول الجمهور نحو القضايا، وأهمية القضايا، والخصائص الديموغرافية للجمهور، ومدى استخدام الاتصال المباشر، وتوقيت إثارة القضية، ونوع الوسيلة الإعلامية المستخدمة، والمدى الزمني المطلوب لإحداث التأثير، وذلك من خلال تحليل دراسات ترتيب الأولويات خلال الفترة من 1977 حتى 1991 (824-813 :1992 ,McCombc).
ويلاحظ أن أغلب هذه الدراسات استخدمت أسلوب تحليل المحتوى للمادة الإعلامية، ثم مقابلة المبحوثين لمعرفة أثر وسائل الإعلام على ترتيب أولويات الجمهور للقضايا المثارة، وفى جميع الأبحاث تم قياس المعرفة كمتغير تابع يتأثر بعوامل مستقلة ووسيطة، ويمكن إجمال هذه المتغيرات فيما يلي:
1- طبيعة القضايا:
يقصد بطبيعة القضايا مدى كونها مدركة أو ملموسة Concrete من جانب أفراد الجمهور، أو أن تكون القضية مجردة Abstract أو غير ملموسة، والقضايا الملموسة هى التى يكون لأفراد الجمهور خبرة مباشرة بها. وقد أجرى "زوكر Zucker" أول دراسة إمبيريقية تهدف إلى قياس تأثير طبيعة القضية خلال فترة زمنية ممتدة لثمانية أعوام من 1968 - 1976، وتم نشر هذه الدراسة عام 1978. وقد أجرى الباحث القياس على ست قضايا، منها ثلاث قضايا اعتبرها غير ملموسة وهى التلوث، والمخدرات، والطاقة.. وثلاث قضايا ملموسة هى تكاليف المعيشة، والبطالة، والجريمة وخلص "زوكر" إلى وجود تأثير كبير لوسائل الإعلام على القضايا الملموسة.
وفى دراسة أخرى أجراها "بلود" (1981) Blood خلصت إلى نتائج مشابهة للدراسة الخاصة "بزوكر" (812 -793 :1989 ,.Demers et al).
وأشارت دراسة "ياجاد" و "دوزیر" (3-9 :1990 ,Yagade & Dozier) بدراسة قضايا الأسلحة النووية، وعجز الميزانية كقضيتين مجردتين، مقابل قضايا المخدرات والطاقة كقضيتين ملموستين إلى زيادة وظيفة وضع الأولويات للقضايا الملموسة، عن القضايا التي تنطوي على أفكار مجردة، وتتسم بالعمومية، وذلك على عكس افتراضات الدراسات السابقة.
وقد وجد "ويفر وزملاؤه" (1981) Weaver أن آثار وضع الأولويات تكون قوية بالنسبة للقضايا غير الملموسة، في حين يرى باحثون آخرون أن القضايا غير الملموسة ظاهرياً، قد تصبح ملموسة بعد حوالى ستة أشهر من التغطية الإعلامية المتكررة.
كذلك يختلف الباحثون بشأن تحديد نوع القضايا الملموسة، ففي حين يرى "زوكر" أن الجريمة قضية ملموسة، يرى "ويفر" وزملاؤه أنها قضية غير ملموسة.
2- أهمية القضايا:
افترضت دراسة "كارتر وزملاؤه" (874-868 :1992 ,.Carter, et al) وجود علاقة ارتباط إيجابي بين درجة اهتمام الجمهور بالقضية، وزيادة حصولها على أولويات أكبر، وأشارت النتائج إلى زيادة الاهتمام بالقضية التي تسبب التهديد والخوف مثل التلوث والإيدز عن القضايا التي لا تشكل تهديداً مباشراً مثل: الإجهاض والحرب النووية.
3- الخصائص الديموغرافية:
تشير بعض الدراسات إلى وجود علاقة ارتباط بين الخصائص الديموغرافية وترتيب الأولويات، فقد خلصت دراسة "ويتنى" Whitney إلى أن متغير التعليم يلعب دوراً أساسياً في ترتيب الأولويات نحو القضايا المثارة في وسائل الإعلام حيث تزيد قدرة تلك الوسائل في وضع أولويات المتعلمين عند المقارنة بغير المتعلمين (141-1980:138 ,Whitney) . ومن جانب آخر أشارت دراسة "شاو" و "مارتن" إلى عدم وجود ارتباط بين المتغيرات الديموغرافية وترتيب الأولويات (921-903 :1992 ,Shaw, & Martin) .
كذلك أشارت دراسة بسيونى حمادة (1987) ودراسة "حسن عماد مكاوى" (1991) إلى أن الخصائص الديموغرافية ليست من العوامل المؤثرة في تحديد الأولويات.
4- الاتصال الشخصى:
تستطيع الاتصالات الشخصية تقرير تأثير وضع الأولويات للقضايا التي تحظى بتغطية إعلامية مكثفة. ومن أمثلة ذلك دراسة "موتز Mutz" (1987) الخاصة بإدراك الجمهور لقضية المخدرات بوصفها قضية شخصية أو مشكلة اجتماعية، ودراسة "ويفر" (1982) حول دور الاتصال الشخصي في نقل المعلومات وترتيب الأولويات، وأيدت هذه الدراسات دور الاتصال الشخصى فى ترتيب أولويات الاهتمام (867 : 856 :1992 ,Weaver).
5- توقيت إثارة القضايا:
أشارت دراسات عديدة إلى أن وسائل الإعلام تقوم بدورها في ترتيب الأولويات أيام الانتخابات بشكل أقوى منها في غير أوقات الانتخابات ومن أمثلة هذه الدراسات دراسة "روبرتس" حول التنبؤ بسلوك التصويت الانتخابي. (856-867 :1992 ,Roberts)، ودراسة "بروسياس" و "كيبلنجر" حول تأثير وسائل الإعلام على الميول الانتخابية فى ألمانيا (,Beosius & Kepplinger .(1992: 893-901
6- نوع الوسيلة المستخدمة:
انتهت دراسة "باترسون" و "مكلور" حول تأثير الأخبار والإعلانات التليفزيونية على تحديد أولويات الجمهور فى الانتخابات الأمريكية لعام 1972، إلى أن أخبار التليفزيون ذات تأثير محدود على وعي الناس بالقضايا الانتخابية، في حين يكون تأثير الإعلانات أكبر على وعى الجمهور بأوضاع المرشحين في هذه القضايا (1976 Patteron & McClure).
وفي دراسة "أتكين وهيلد" حول تقسيم أثر الإعلانات السياسية في التليفزيون لاحظ الباحثان وجود علاقة ارتباط إيجابية متواضعة بين حجم التعرض للإعلانات التليفزيونية، ومعرفة الناخبين بالمرشحين والقضايا الانتخابية (228 -216 :1976 ,Atkin, & Heald).
كذلك قسم "بنتون" و"فرازير" في دراستهما وظيفة وضع الأولويات إلى ثلاثة مستويات يتضمن المستوى الأول: وضع قائمة واسعة من الموضوعات والقضايا، ويطرح المستوى الثاني قضايا فردية أكثر تخصصاً من المستوى الأول، ويركز المستوى الثالث على معلومات أكثر تخصصاً حول القضايا الفرعية التي يحددها المستوى الثاني. ووجد الباحثان أن الصحف تقدم المستويات الثلاثة لقرائها، في حين يقدم التليفزيون المستوى الأول فقط ويهمل المستويين الثاني والثالث، وبالتالي فإن وظيفة وضع الأولويات لا تنطبق على كل وسائل الإعلام.
كذلك أشارت دراسة "ماكومبس" إلى أن الصحف تقدم وظيفة وضع الأولويات لقرائها، في حين لا يقدم التليفزيون هذه الوظيفة للمشاهدين : 1977 ,McCombs (89-105)
وبعد استعراض مجموعة من الدراسات الخاصة بوضع الأولويات يخلص "خالد صلاح الدين" إلى أن الصحف والتليفزيون يحققان وظيفة وضع الأولويات للجمهور، ولكن الاختلاف يكمن فى المدى الزمني لوضع الأولويات، حيث ثبت أن التليفزيون يحقق تأثيرات فعالة على المدى القصير Short-term، في حين تحقق الصحف تأثيرات أقوى على المدى البعيد.
7- المدى الزمنى لوضع الأولويات Time Lag:
يحظى المدى الزمني الذي تحقق فيه وسائل الإعلام أقصى تأثير تراكمي على أولويات الجمهور، باهتمام كبير ضمن الإطار العام لنظريات الاتصال. فقد أشار المنظرون فى بدايات تناولهم لنظريات الاتصال إلى أن تأثيرات الرسالة لا تحدث قصراً أو بشكل إلزامي كما أنها لا تحدث بشكل مباشر وسريع. وحول هذا التأثير أشار "هو فلاند" Hovland إلى فكرة التأخر أو التباعد ما بين تقديم المصدر للرسالة من ناحية، وقبول المتلقى لها من ناحية أخرى، وعرف ذلك "بالتأثير النائم" Sleeper Effect، فبعد فترة من الزمن ينسى المتلقي المصدر في حين يتذكر الرسالة.
وأشارت نتائج دراسات عديدة إلى أن هذا التأثير يحدث تدريجياً، وعبر فترة من الزمن. ومع ذلك فإن طبيعة القضية المثارة قد تفرض زمناً قصيراً أو طويلا للتأثير على الجمهور، ولكن بوجه عام يكون المدى الزمني لوضع الأولويات فى التليفزيون أقصر منه في الصحف.
الانتقادات الموجهة لنظرية وضع الأولويات:
وجه "كاراجيه وزملاؤه" العديد من الانتقادات لبحوث وضع الأولويات يمكن إجمالها على النحو التالي:
1- تعدد الأساليب المنهجية المستخدمة في إجراء هذه البحوث.
2- ضيق المجال الذي تتحرك فيه هذه البحوث.
3- إغفال الطبيعة التراكمية التي تبثها وسائل الإعلام، والتركيز على الآثار قصيرة الأمد.
4- غياب الأسس النظرية التى ترتكز عليها هذه البحوث، لأنها تركز على موضوعات وقضايا متخصصة، بدلاً من فحص مجالات الاهتمام الممكنة التي تنقلها وسائل الإعلام لعامة الناس حيث تكمن قدرة وسائل الإعلام في تحديد الموضوعات المثيرة للجدل من بين سياق أكبر من الموضوعات العامة (43 - 1987:41 .Carragee, et al).
كذلك أشار كل من "روجرز" و "دينج" إلى ضرورة اهتمام الباحثين بما يلي:
1- ضرورة فهم العمليات المعرفية المتضمنة في عملية وضع الأولويات على المستوى الفردي.
2- وضع مؤشرات للواقع لتحديد مدى بروز القضايا سواء أكان ذلك على مستوى وسائل الإعلام، أم على مستوى الجماهير.
3- اختيار تصميمات بحثية تسمح بالتحكم في المتغيرات الأخرى المحتملة في عملية وضع الأولويات.
وعلى الرغم من تلك الانتقادات، فهناك إجماع لدى الباحثين على أن بحوث ترتيب الأولويات ساهمت فى زيادة فهم دور وسائل الإعلام في المجتمع، وعززت من استخدام مفهوم الآثار بعيدة المدى للتأثير الاجتماعي لوسائل الإعلام.