من صفات الله تعالى أنَّه صادق الوعد، وحينما يقول: إنّي منجّيك، فهو سبحانه صادق الوعد، ولا يخلف ميعاده، ومعيب على العاقل الحكيم أن يحنث في وعده، ولكن ليس معيبًا أن يحنث في وعيده، والإنسان حينما يُهدّد إذا فعلت كذا سأفعل بكَ كذا، فليس معيبًا أن يتراجع عن تهديده، بل الذي يتراجع يُقال له كريم، وقالوا: من شيم العقلاء الأتقياء الصّلحاء العفو عند المقدرة، والله تعالى قادر على أن ينتقم فبيده سلطان كلّ شيء، ولكن الله تعالى يفي بالوعد، ولذلك نحن نأتي إلى الله تبارك وتعالى ونقول له: "سكنًا، اطمأننا؛ لصدق وعدك"، ولا يتصوّر شخص أنَّ السّكينة والطّمأنينة أمر سهل، وأنَّ الإنسان يكون دومًا ساكنا ومطمئنًّا بحيث لا ينتابه شكّ، فقد يبتلى الإنسان إذا تأخّر رزقه بسوء الظّنّ بالله تعالى مع أنَّه مؤمن، ويعلم أنَّ الرّزق أوّلاً وأخيرًا على الله تبارك وتعالى، فعلينا أن نسكن ونطمئن.
إنَّ السّكينة والطّمأنينة مطلب من مطالب الأنبياء (عليهم السلام)، فهذا خليل الله تعالى، وله المقام الهائل، لكن نبي الله إبراهيم أراد في مقام أن يرى بعينه شيئاً؛ حتّى يزداد يقينًا، فقد أراد من الله أن يريه كيف يُحيي الموتى، بعد أن أصبحت عظاماً مبعثرة في التراب، واختلطت هذه العظام بغيرها، وهنا إبراهيم (عليه السلام) أراد مرتبة أعلى، وإن كان (عليه السلام) في مراتب عالية، وعلى الدّرجة العظمى من الإيمان واليقين، وقد نقل لنا القرآن الكريم بعض قصصه (عليه السلام) التي تبين هذه الجوانب: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]، ونحن نعلم أنَّ نبي الله إبراهيم (عليه السلام) جاءنا بالشريعة، وجاء بالتوحيد، وجاء بالمعاد، ومن أركانه إحياء الموتى، وليس لديه أي شكّ، ولكن؛ حتّى يطمئن قلبه، وهذا أمر محبوب ومطلوب. إنَّ اطمئنان القلب حالة مطلوبة، وحتّى في رسالة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) نجد هذه الحوادث موجودة، وعلى سبيل المثال: ما حدث في صلح الحديبية، وأن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) صالح في ذلك العام، ومع وعد الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله) والأصحاب في هذه الحرب بالانتصار، ولكن البعض لم يعجبهم هذا التصرف من النبي (صلى الله عليه وآله) وعارضوه في ذلك معارضة شديدة، ودخل إلى قلوب البعض الشك، وكان يقول بعضهم: ((أولست كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ فقال: لا، قال: فإنّك آتيه ومطوف به...)) (1)، مع أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يأتي بأخبار السماء عن جبرائيل (عليه السلام) وأين نزلت وفيما نزلت، ولكن عندما أراد أن يدخل إلى مكّة حدث ما حدث في قضية الصّلح، وكان البعض يقول: أنا شككت، ألم تعدنا أن ندخل مكّة؟
وهذا دليل أنّه لا توجد هناك سكينة، ولا اطمئنان، بل لا توجد هناك حالة من الرّضوخ للحق، بل على العكس نجد النّفوس قلقة، وهذا درس كبير من الإمام (عليه السلام) حين يُبيّن أنَّ سبب دعائه ليس الاستحقاق والوجوب، وإنَّما ثقتي بكرمك، وسكوني الى صدق وعدك، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وهنا توظيف رائع من الإمام (عليه السلام) حينما وظّف هذه الجملة الشرطيّة، وجعل من نفسه أن لا يستحق شيئًا، وإنّما الذي دعاه الى ذلك؛ لأنَّ الله تعالى وعد بالإجابة، والله صادق الوعد، ولكن بحاجة الى توطين الاطمئنان في داخل النفس.
وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ((لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً)) (2)؛ لأنَّ القضية واضحة عنده، ولو بعث النبي (صلى الله عليه وآله) من جديد، فليس من المعلوم أنَّ كلّ الناس تؤمن به، بل تحتاج إلى دليل ومعاجز، وتحتاج إلى شواهد، ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله) لا يحتاج إلى دليل وبرهان، فالبراهين إنَّما جُعلت للذين يشكّون، ويستفسرون، وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجَانَسَةِ مَخْلُوقَاتِه)) (3)، وهذا قمّة التّوحيد يكشفه الإمام (عليه السلام) في هذه الكلمات القليلة في عددها العظيمة في محتواها ومضمونها.
الطمأنينة والسّكون في التوحيد وفروعه وما يرتبط به مطلوب بالدرجة الأساس؛ لأنَّ تزلزل التّوحيد يعني تزلزل الأصل والأساس التي يستند عليها الشّخص، وبعد ذلك تزلزل كلّ ما يرتبط بالتوحيد ومنها الدعاء، ولذلك فإنَّ الثّقة بالوعد داخل في التّوحيد، والسكون داخل في التوحيد بل من فروعه المهمّة، وهناك فروع أُخر علينا أن نعتقد بها، منها أنَّ الله تعالى صادق الوعد، وأنّه واحد، بل وجميع ما يتعلّق بالله تعالى من الصّفات، فهو كريم، ورازق، وبيده كلّ شيء، وإنَّه رحمن رحيم، وعلينا أن نعلم أنَّ كلّ هذه الأمور مهمّة قبل أن ننتقل الى المراتب الأخرى في الاعتقاد، وهذه الأدعية من فضائلها وفوائدها أنَّها مُعزِّزة ومُثبِّتة لقضية التَّوحيد، وتثبيت هذه الصفات وأمثالها، ليس لأجل الرّزق المادّي فقط، وإنَّما لاستثمارها لتثبيت اعتقادك، وهذه نقطة جوهريّة في أدعية الإمام(عليه السلام) أنَّه يستثمر هذه الصّفات بطريقة الدّعاء، وهذا الباب يجب أن يكون الأوّل عندما نريد استنزال رحمة الله تعالى.
لقد وصل بعض أصحاب الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) وأصحاب أهل البيت (عليهم السلام) إلى مراحل في الإيمان واليقين والطّمأنينة بحيث أصبح يخاف على أحدهم، وجاء في الروايات الشريفة: ((لَوْ عَلِمَ أَبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَه)) (4)، وهنا الرواية لا تشير إلى أنَّ أبا ذر يقتل سلمان، ولكن هنا إشارة إلى أنَّ سلمان أشبع إيمانًا من رأسه الى قدمه، ومنزلته كبيرة، وبيان مناقبه، وحالة الإيمان التي كان يمتلكها قد تؤدّي الى التّفكير في قتله من جهة الأعداء، وأيضًا جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ تَقُولَ فِيكَ طَوَائِفُ مِنْ أُمَّتِي مَا قَالَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ـ عليهما السلام ـ، لَقُلْتُ فِيكَ الْيَوْمَ مَقَالًا لَا تَمُرُّ بِأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا أَخَذُوا التُّرَابَ مِنْ أَثَرِ قَدَمَيْكَ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَة)) (5)، فهذه منازل إيمانية عالية المضامين، لم تأتِ من فراغ.
ولا تعتقد أنَّ الإمام (عليه السلام) حينما يدعو بهذا الدّعاء وبهذه الكلمات، فحاله مثل حالي بالدّعاء، فحينما يلفظ الإمام ويقول: ((ثقة بك))، فإنَّ هذه الكلمة إنَّما مرّ صاحبها بمجموعة من التجارب الهائلة والمصائب العظيمة، فقد رأى والده بكربلاء صلوات الله عليه تقطعه عسلان الفلوات، ولم يتزلزل، ولم يتراجع، بل على العكس، لقد كان يقول ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22].
إنَّ تعاملنا مع الله تعالى له لذّة استثنائية لا مثيل لها، وهذه المفردة من أجمل المفردات لفظًا ومعنى، وحينما يقول الإنسان ويذكر يا الله سيشعر بلذّة تملأه سكونًا وطمأنينة، وثقة بالله تعالى، وقد بين الإمام (عليه السلام) قيمة الثّقة بالله تعالى، فأنا لا أستوجب شيئًا، لكن هذه الثّقة هي التي جعلته يطلب ويكرّر طلبه، لذلك علينا ألّا نستكثر طلباتنا من الله تعالى، فخزائنه لم ولن تنتهِ، ومن كان يستكثر على الله تعالى فهذا لديه مشكلة في عقيدته، ونحن إن لم نطلب من الله، ممّن نطلب؟
ليس البخل من صفات الله تعالى، ولن يمنعنا من الطلب أو الدّعاء، بل قال النبي (صلى الله عليه وآله): ((سَلُوا اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مَا بَدَا لَكُمْ مِنْ حَوَائِجِكُمْ حَتَّى شِسْعَ النَّعْلِ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيَسَّر)) (6)، وقال (صلى الله عليه وآله): ((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَع)) (7)، هذه حقيقة يجب أن تكون متجذّرة في النّفس، لا حيلة لنا إلَّا الله تبارك وتعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع صحيح البخاري من كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد: 2 / 122.
(2) عيون الحكم والمواعظ: 415.
(3) اختيار المصباح الكبير، السيد النقيب مجد الدين علي بن الحسين ابن باقي القرشي الحلي، من أعلام القران السابع الهجري، تحقيق: مهدي دليري، عمران، الأولى1432هـ: 1 / 278.
(4) الكافي: 1 / 401.
(5) المصدر نفسه: 8 / 57.
(6) مكارم الأخلاق، الطبرسي، الحسن بن الفضل (ت: القرن 6)، الشريف الرضي، قم 1412هـ، الرابعة: ص270.
(7) المصدر نفسه.