يُعد التعامل مع المراهقين فنا تربويا يحتاج إلى مهارات وأساليب متوازنة، تساهم في بناء علاقة قائمة على الفهم، والثقة، والتوجيه السليم. ومن خلال هذه المهارات، يتمكن المربي من تحقيق تواصل فعال، وتوجيه سلوك المراهق دون صدام أو قمع مما يساعد في تكوين شخصيته بشكل إيجابي ومتزن.
وهناك العديد من المهارات التي ينبغي إتقانها في هذا المجال نذكر منها الآتي:
ـ تعزيز الثقة بالنفس لدى المراهق
تعزيز الثقة بالنفس لدى المراهق هو عملية تربوية تهدف إلى ترسيخ شعوره بالكفاءة والقدرة على اتخاذ القرارات، مما يجعله قادرًا على مواجهة التحديات وتطوير ذاته بثبات، بعيدا عن مشاعر التردد والخوف من الفشل.
تنبع هذه الثقة من تفاعل المراهق مع بيئته ودعم الأهل والمجتمع له، وهي عامل أساسي في بناء شخصية قوية ومستقلة.
التساؤل المطروح هو:
كيف يكتسب المراهق مهارة الثقة بالنفس؟
الثقة بالنفس لا تنبع من الفراغ، بل مصدرها الرئيسي هو الثقة بالله تعالى، فمن أدرك أن الله سبحانه وتعالى معه، وأنه مصدر القوة والعون، فإنه يستمد منه الطمأنينة والشجاعة في مواجهة التحديات. روي عن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((الثقة بالله حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن أمين))(1).
الحديث يبين أن الثقة بالله هي حصن منيع يحمي الإنسان من المخاوف والمصاعب، ولكن لا يدخل هذا الحصن إلا من كان مؤمنا صادق الإيمان، وأمينا في دينه وأفعاله. فالثقة الحقيقية بالله تحتاج إلى إيمان راسخ وأمانة في العمل ويقين بأن الله لن يخذله إن سعى واجتهد.
بالإضافة إلى ذلك، فإنها تُكتسب من خلال المعرفة الذاتية، أي إدراك الإنسان لقدراته ونقاط قوته التي يمنحها الله له ويعينه عليها في كل لحظة، والعمل على تطويرها، ومن الخبرات والتجارب التي يخوضها المراهق في حياته، حيث يتعلم كيف يواجه التحديات ويتعامل مع الفشل والنجاح. كما أن الدعم العائلي والاجتماعي يلعب دورًا جوهريا، إذ يحتاج المراهق إلى بيئة تشجعه وتمنحه الفرصة للنمو بدلاً من تثبيطه أو فرض القيود التي تجعله مترددا وضعيف الإرادة.
وبذلك، فإن الثقة بالنفس ليست مجرد إحساس داخلي، بل هي نتاج الإيمان بالله، وفهم الذات، والممارسة الفعلية، والتجربة المستمرة، والدعم الصحيح من البيئة المحيطة، مما يمكن المراهق من بناء شخصية قوية ومتزنة قادرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات. ويمكن للمربي زرع قيمة الثقة بالنفس في نفوس أولاده باتباع النقاط الآتية:
1- الإيمان بالله والتوكل عليه
روي عن الإمام الجواد (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((الثقة بالله تعالى ثمن لكل غال، وسلم إلى كل عال))(2).
إن زرع الإيمان بالله والتوكل عليه يجعلنا نثق به تعالى، مما يؤدي إلى شعوره بالطمأنينة والقدرة على مواجهة التحديات، مما يعزز ثقته بنفسه المستمدة من ثقته بالله.
مثال: عندما يواجه المراهق امتحانا صعبا، بدلاً من الخوف والقلق، يتذكر أن الله لا يضيع سعي الإنسان، فيتوكل عليه، ويجتهد دون أن تهتز ثقته بقدراته.
2ـ منحه فرصة لاتخاذ القرارات بنفسه
المراهق يشعر بالقوة عندما يدرك أن رأيه له قيمة، وأنه قادر على اتخاذ قراراته الشخصية. إذا استمر الأهل في اتخاذ كل القرارات عنه، فإنه سيكبر وهو غير قادر على تحمل المسؤولية.
مثال: بدلاً من فرض ملابسه عليه، يمكن منحه حرية الاختيار ضمن حدود مقبولة، فيشعر بأنه صاحب قرار وليس تابعا.
3ـ التشجيع بدل الانتقاد
كلمات الأهل تُبنى داخل المراهق كجدران إما تحميه أو تحبسه في دائرة الخوف. عندما يسمع كلمات مثل: ((لن تنجح أبدا))، أو ((أنت دائما مخطئ))، فإنها تصبح جزءًا من صوته الداخلي، وتقلل من ثقته بنفسه.
مثال: عندما يفشل المراهق في اختبار دراسي، بدلاً من التوبيخ، يمكن للأب أن يقول: ((أعلم أنك بذلت جهدًا، وفي المرة القادمة ستنجح إن واصلت المحاولة)). هذه الكلمات تمنحه الأمل بدلاً من الشعور بالعجز.
4ـ تحفيزه على خوض تجارب جديدة
إنَّ أهل البيت (عَلَيْهِم السَّلَامُ) شددوا على أن الثقة بالنفس تتعزز عندما يواجه الإنسان التحديات بشجاعة، بدلاً من الخضوع للخوف. قال الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((إذا هِبتَ أمرًا فَقَع فيه، فإن شِدّة توقّيه أعظم مما تخاف منه))(3).
المراهق الذي يُمنح الفرصة لتجربة أشياء جديدة يصبح أكثر ثقة بنفسه، لأن التجربة هي المعلم الأكبر. ولكن عدم تحفيزه أو منعه من المحاولة بحجة الخوف عليه يجعله مترددا وخائفًا من المجهول.
مثال: مراهق يخشى التحدث أمام الناس، لكنه إذا قرر مواجهة هذا الخوف والمشاركة في إلقاء كلمة في المدرسة، فإنه سيكتسب الثقة بنفسه تدريجيا.
5ـ تعليمه مواجهة الفشل والتعامل معه
الفشل جزء من الحياة، والمراهق الواثق بنفسه هو الذي يتعلم كيف ينهض بعد السقوط. كثير من الأهل يزرعون في أبنائهم الخوف من الفشل، مما يجعلهم يتجنبون أي تحد جديد خشية الإحباط.
مثال: إذا حاول المراهق البدء بمشروع صغير، لكنه لم ينجح، بدلاً من توبيخه، يمكن تشجيعه بالسؤال: ((ماذا تعلمت من هذه التجربة؟))، ليشعر أن الفشل مجرد خطوة في طريق النجاح.
6ـ إعطاؤه المسؤولية ومنحه الثقة
عندما يتحمل المراهق مسؤوليات صغيرة، فإنه يشعر بقيمته وينمو لديه حس الاستقلالية والثقة بقدراته المبالغة في حمايته من كل شيء تجعله يشعر بالعجز.
مثال: يمكن للأهل تكليف المراهق بمهام حقيقية مثل: ترتيب ميزانية مصروفه الشخصي أو التخطيط لنشاط عائلي، ليشعر أن قراراته تحترم وله دور في الأسرة.
7ـ احترام رأيه والإصغاء إليه
عندما يشعر المراهق أن صوته مسموع، وأن أفكاره تحترم، فإنه يثق بنفسه أكثر. تجاهله أو السخرية من آرائه تجعله يشعر بأنه غير مهم، فيتجنب التعبير عن نفسه.
مثال: عندما يناقش المراهق قضية اجتماعية، بدلا من قمعه بقول ((أنت لا تفهم))، يمكن الاستماع إليه ومناقشته بعقلانية، مما يعزز شعوره بأن أفكاره ذات قيمة.
الآثار الإيجابية لتعزيز الثقة بالنفس
* قدرة المراهق على اتخاذ قراراته بنفسه دون تردد.
* تحفيزه لخوض تجارب جديدة دون خوف من الفشل.
* تعزيز استقلاليته واعتماده على ذاته في تحقيق أهدافه.
* بناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة التحديات بثبات.
* تحسين قدرته على التعبير عن آرائه دون خجل أو قلق من الرفض.
الآثار السلبية لضعف الثقة بالنفس
* التردد المستمر في اتخاذ القرارات، مما يجعله تابعا للآخرين.
* الخوف من التجربة والفشل، مما يؤدي إلى تراجع مستواه الأكاديمي والاجتماعي.
* قابلية عالية للتأثر بالضغوط الاجتماعية والانجراف وراء الآخرين دون قناعة.
* الشعور بالنقص والدونية مقارنة بالآخرين، مما قد يؤدي إلى العزلة والانطواء.
* زيادة احتمالية تعرضه للتنمر أو الاستغلال نتيجة ضعف شخصيته.
نستنتج من هذه المهارة: الثقة بالنفس ليست هبة تُمنح للمراهق، بل مهارة تُزرع فيه عبر إيمانه بالله وكلمات الأهل وأفعالهم. كل تجربة يخوضها، وكل قرار يتخذه، إما أن تبني شخصيته أو تجعله مترددا. الأهل الواعون لا يُجبرون أبناءهم على تقليدهم، بل يساعدونهم ليصبحوا أفضل نسخة من أنفسهم.
_____________________________
(1) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 - ص 3660.
(2) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 ـ ص 3660.
(3) نهج البلاغة - الحكمة 175.