1. تابوت بني اسرائيل وخصوصياته: في تفسير علي بن ابراهيم: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) [البقرة: 248] وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى فوضعته فيه أمه وألقته في اليم فكان في بني اسرائيل معظما يرتكبون به. فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح وما كان عنده من آيات النبوة وأودعه يوشع وصيه. فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلم يزل بنو اسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم فلما سألوا النبي بعث الله طالوت عليهم يقاتل معهم رد الله عليهم التابوت[1].
عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) [البقرة: 248] فقال: رضاض الألواح[2] فيها العلم والحكمة. العلم جاء من السماء فكتب في الألواح وجعل في التابوت[3].
سأل علي بن أسباط أبا الحسن الرضا عليه السلام فقال: فأي شيء في التابوت الذي كان في بني إسرائيل؟ قال: كان فيه ألواح موسى التي تكسرت، والطست التي تغسل فيها قلوب الأنبياء[4].
عن الرضا عليه السلام أنه قال: وكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفار، فإن تقدم التابوت رجل لا يرجع حتى يُقتل أو يُغلب، ومَن رجع عن التابوت كفر وقتله الإمام[5].
تنويه: طبقاً لهذه الروايات تكون صفات تابوت النبي موسى عليه السلام هذه:
أ. إن هذا التابوت هو نفس التابوت الذي أنزله الله تعالى على موسى والذي وضعته أمه فيه وألقته في البحر؛ ولهذا السبب كان معظماً لدى بنـي إسرائيل يتبركون به وأنّ النبي موسى عليه السلام عند وفاته وضـع فـيـه الألواح (التوراة) ودرعه وما كان لديه من علامات النبوة، ثم أودعه أمانة لدى وصيه يوشع عليه السلام.
وقد ظل هذا التابوت محترماً لدى بني إسرائيل، حتى استخفوا به وصار لعبة يلعب بها صبيانهم.
وفي مقابل ذلك كان العز والشرف حليفاً لبني إسرائيل ما داموا محافظين على هذا التابوت، حتى لوثتهم الذنوب وأهملوا التابوت، فأخذه الله منهم حتى جاء الوقت الذي اختار الله لهم فيه طالوت قائداً عليهم، فجعل نفس هذا التابوت علامة على ملكه وأعاده عليهم.
ب. إن هذا التابوت كان يحتوي على قطع من ألواحهم فيها العلم والحكمة والسكينة، وهو العلم الذي أنزله الله من السماء وكتب في تلك الألواح. كما كان ذلك التابوت يحتوي على الطست الذي كانت قلوب الأنبياء تُغسل فيه، إضافةً إلى وجود عصا موسى عليه السلام فيه أيضا.
ج. إن هذا التابوت متى وضع أمام المسلمين والكفار، فإذا تقدم أحدهم أمامه، لا يعود إلّا منتصراً أو مقتولاً، أما من لا يعتني به ويرجع عنه فيصير كافراً ويقتله الإمام.
وهذا التقسيم يطابق العبارة المشهورة (إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) [التوبة: 52]، مثلما يستشف عين هذا المطلب من آية (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ... فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) [التوبة: 111]. أَي إن المجاهد الصلب ليس أمامه إلا طريقان الفتح أو الشهادة.
2. علامة الملك والنبوة والإمامة: عن سعيد السمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل أي أهل بيت وُجد التابوت على بابهم أُوتوا النبوة، فمن صار إليه السلاح منا أُوتي الإمامة[6].
عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل؛ حيثما دار التابوت دار الملك، فأينما دارَ السلاح فينا دار العلم[7].
عن صفوان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل؛ حيثما دار التابوت أُوتوا النبوة، وحيثما دار السلاح فينا فثَمَّ الأمر. قلت: فيكون السلاح مزايلاً للعلم؟ قال: لا[8].
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: سئل أبو الحسن عليه السلام: الإمام بأي شيء يُعرف بعد الإمام؟ قال: والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل؛ يدور مع الإمام حيث كان[9].
تنويه: تم تشبيه سلاح النبي (صلى الله عليه وآله) في هذه الروايات بتابوت بني إسرائيل، فكما كان التابوت هو علامة الملك والنبوة والعلم لدى بني إسرائيل، فكذلك سيف الرسول (صلى الله عليه وآله) أيضاً متى كان لدى أي إنسان كامل ومعصوم فهو علامة على وجود وديعة الإمامة وعلم الغيب وأمر الخلافة لديه أيضاً.
2. المراد من (السكينة): عن علي بن أسباط، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: جعلت فداك،... قلنا: أصلحك الله ما السكينة؟ قال: ريح تخرج من الجنّة لها صورة كصورة الإنسان ورائحة طيبة، وهي التي نزلت على إبراهيم عليه السلام فأقبلت تدور حول أركان البيت [الكعبة]، وهو يضع الأساطين. [فـ] قيل له: هي من التي قال الله (عز وجل): (فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) [البقرة: 248]؟ قال: تلك السكينة في التابوت، وكانت فيـه طست تغسل فيها قلوب الأنبياء[10].
عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت: وما السكينة؟ قال: روح الله يتكلم كانوا إذا اختلفوا في شيء كلّمهم وأخبرهم ببيان ما يريدون[11].
تنويه: إن السكينة هي ريح ذات رائحة طيبة تهب من الجنة، لها وجه كوجه الإنسان. وهي نفس ذلك الشيء الذي نزل على إبراهيم عليه السلام وصار يدور حول أركان الكعبة حينما كان إبراهيم عليه السلام. ينصب أعمدة الكعبة. وهذه السكينة كانت في التابوت، كما كان فيه طست تُغسل فيه قلوب الأنبياء عليهم السلام.
ووفقاً للحديث الثاني فإنّ السكينة هي روح الله التي متى اختلف بنو إسرائيل حول أمر من أمورهم تحدثت معهم وأخبرتهم بما يريدون.
وجدير بالذكر أن السكينة التي وردت في آيات قرآنيـة أخرى قد فرت هناك بالإيمان.
4. المراد من (البقية) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن، قول الله عزّ وجل: (وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) [البقرة: 248] فقال: ذرّيّة الأنبياء[12].
في حديث جابر بن يزيد الجعفي أنه لمـا شـكـت الشيعة إلى زين العابدين عليه السلام مما يلقونه من بني أُمية دعا الباقر عليه السلام وأمر أن يأخذ الخيط الذي نزل به جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ويحركه تحريكاً خفيفاً... سألته: عن الخيط؟ قال: هذا من البقية. قلت: وما البقية يا ابن رسول الله؟ قال: يا جابر بقية تما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ويضعه جبرئيل لدينا[13].
تنويه: إن المراد من (البقيّة) في الآية الشريفة هو ذرية الأنبياء عليهم السلام وإن الرواية الثانية قد بينت مصداق ذلك. فبعد أن شكت بعض الشيعة لدى الإمام السجاد عليه السلام من ظلم بني أُمية دعا الإمام ابنه الإمام الباقر عليه السلام وطلب منه أن يأخذ الخيط الذي نزل به جبرئيل عليه السلام على الرسول (صلى الله عليه وآله) وأن يحركه تحريكاً خفيفاً، ثم ذهب الإمام الباقر عليه السلام إلى المسجد وصلى ركعتين ودعا بدعاء ثـم حرّك الخيط بهدوء فوقعت على إثر ذلك زلزلة شديدة أبادت أكثر من ثلاثين ألف شخص. وهنا يقول جابر إنه سأل الإمام عليه السلام عن هذا الخيط فأجابه بأن هذا الخيط من البقية، وأنه سأله عن البقية فأجابه بأنها بقية ما ترك آل موسى وهارون، وأن هذا الخيط من هذه البقية وقد وضعه جبرئيل عليه السلام عندنا.
تنبيه وهنا يجب الالتفات إلى النقاط التالية:
أ. إن التمثيل الجسماني لمعنى السكينة والمقصود من الحمل والملائكة ليس من الأمور اليسيرة، كما أنه لا يمكن الدفاع عن النفي المحض لهذه المعاني، فاللازم هو إيكال الخلفيات المعنوية لهذه المعاني إلى الأمور المعقولة وغير المحسوسة في نفس الوقت الذي يتم فيه حفظ معانيها الظاهرية.
ب. لا يمكن إثبات مثل هذا النوع من المطالب العلمية وغير العملية إلا من خلال إثبات صحة سند الروايات، في حين أن بعض ما ذكرناه من الأخبار وأمثالها لا تتمتع بما يدعمها من الأسناد المعتبرة، مع غض النظر عن ما فيهـا مـن تعارض غير قابل للعلاج.
ج. يجب التخفيف من غلواء بعض المفسرين[14]، وإن كان من الصعب إثبات مطالب كتاب اليهود حول التابوت ومن المحتمل أن ما تم بيانه لبني اسرائيل أحيانا بعنوان التصوير وأحيانا أخرى بصورة التجسيم إنما كان بسبب أنسهم بالتقاليد الوثنية المصرية[15].
د. إن العديد من الأخبار المأثورة حول التابوت وحمل التابوت والسكينة والبقية التي كانت في التابوت و...، إنما وردت في تفسير الطبري الذي يوصف بأنه أم التفاسير[16]. وقد قال الطبري بعد نقل بعض المطالب حول البقية التي كانت في التابوت وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم ولا خبر عند أهل الاسلام في ذلك للصفة التي وصفنا واذا كان كذلك فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول[17].
[1] تفسير القمي ج1 ص81-82
[3] تفسير العياشي، ج 1، ص 133؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 246-247
[4] تفسير العياشي، ج 1، ص 133-134؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 247.
[5] تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 247؛ بحار الأنوار، ج 13، ص 440.
[6] الكافي، ج 1، ص 238؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 250.
[7] الكافي، ج 1، ص 238؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 250.
[8] الكافي، ج 1، ص 238؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 250.
[9] كتاب الخصال، ص 116-117؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 249.
[10] الكافي، ج 3، ص 471-472؛ البرهان، ج 1، ص 521.
[11] معاني الأخبار، ص 284-285.
[12] تفسير العياشي، ج 1، ص 133؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 247.
[13] تفسير كنز الدقائق، ج 1، ص 590-591
[14] راجع تفسير المنار ج2 ص483
[15] راجع تفسير المنار ج2 ص483
[16] المصدر نفسه ص484-485