0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم

علوم القرآن

أسباب النزول

التفسير والمفسرون

التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل

مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج

التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين

القراء والقراءات

القرّاء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة

تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن

الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة

قصص قرآنية

قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله

سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة

حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية

العقائد في القرآن

أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية

التفسير الجامع

حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص

حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة

حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر

حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن

حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات

حرف الدال

سورة الدخان

حرف الذال

سورة الذاريات

حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن

حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة

حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ

حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح

حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف

حرف الضاد

سورة الضحى

حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق

حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر

حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية

حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق

حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش

حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون

حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل

حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد

حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس

حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة

حرف الواو

سورة الواقعة

حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس

آيات الأحكام

العبادات

المعاملات

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

اعتراضات بني إسرائيل

المؤلف:  الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي

المصدر:  تسنيم في تفسير القران الكريم

الجزء والصفحة:  ج11، ص628-638

2026-10-25

41

+

-

20

إن الكفاح للتخلص من الاستعمار ونيل الاستقلال هو مطلب إلهي، ويعد قتالاً في سبيل الله. لكن لما لم يكن إحياء دين الله هو الهدف الأصلي منـه بعـنـوان (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا) [التوبة: 40] فقد تكتنفه بعض الهفوات نظير (أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) [البقرة: 247] وأمثال ذلك؛ بحيث لم يروا بأساً بأن يتفوهوا بمثل هذا الحديث الباطل الصريح مع نبي زمانهم. وهذا الارتباك يصير سبباً للتفكيك بين العلم والإيمان؛ إذ مع أنه كان قد ثبت لبني إسرائيل ـ أو على الأقل لملأهم وأشرافهم الذين هم المتحدّثون الرسميون عن جمهور بني إسرائيل ـ أن نبيهم يتحدث من قبل الله لا غيره؛ فقد تمرّدوا ولم يقبلوا قيادة طالوت، كما سقط عدد آخر غيرهم في امتحانات منتصف المسيرة.

لقد كان الأشراف والملأ من بني إسرائيل يرون أنهم شعب الله المختار؛ وذلك لما أنعم الله به عليهم من فضله العميم امتحاناً لهم واختبـاراً لكيفية شكرهم له، لكنهم كانوا قد اعتادوا على العناد والمخالفة واختلاق الأعذار والتبريرات. ومن هنا كان جوابهم عند سماعهم باختيار الله لطالوت كي يتولّى قيادتهم هو الاعتراض. ورغم ما قدّمه نبيّهم من إجابات صريحة على إشكالاتهم فقد بقي العديد منهم مصرين على موقفهم وطالبوه بأن يأتيهم بالمعجزات.

الاعتراض الأول: أشار القرآن الكريم إلى أول اعتراضات الملأ والأشراف من بني إسرائيل فقال: (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) [البقرة: 247]. وكانت استجابتهم لأمر الله هي قولهم: «لماذا؟ وذلك مثلما كان يوجد في الأمة الإسلامية أيضاً أفراد يعترضون على أمر الله حتى منعهم الله من هذا العمل: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: 36].

والسر في عدم امتلاك المرأة أو الرجل المؤمنين حق الاختيار أمام قضاء الله ورسوله وحكمهما يكمن في أمورٍ أحدها هو أن الإنسان يجهل المبدأ والمعاد وأسرار العالم، ولا يعرف ما ينفعه مما يضره، ومن الواضح أن مثل هذا الموجود يجب أن يسلّم مقاليده إلى من هو عالم بمبدئه ومنتهاه وجميع ما في العالم مثلما هو عارف بخصوصيّاته الفردية وحاجاته والعوامل التي لها دور في تلبية احتياجاته ويتمتع بالقدرة على إجابة تلك الحاجات.

وتعد الحرب والسلام من أهم مقومات حياة المجتمع، وتسليم روح ومال وكرامة ووطن الإنسان وغير ذلك هي من هذا النوع، وجميع هذه الأمور يجب ألا تسلّم إلا إلى الشخص الذي هو أشفق على الإنـسـان مـن نفسه؛ لأن الله هـو (أرحم الراحمين) على الإطلاق، ومن المستحيل وجود موجود يكون أشفق عليه أو على الآخرين من الله سبحانه. إذن، فلا أحد يعرف مصلحة الأفراد كما يعرفها الله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) كما أنّ الله يريد الخير للإنسان أكثـر ممـا يريده الإنسان لنفسه؛ لأنه لا أحد غيره أرحم الراحمين. كما لا يمكن لأحد الادعاء بأنه أقدر على عمل الخير من الله: (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). ومن هنـا فـلا معنى لأن يتوكل الإنسان على غير الله، أو أن يكل أعماله إلى نفسه أو الآخرين، ومن ثم يرفع عقيرته بالاعتراض على أمر الله. إذن، فلا يحق لبني إسرائيل الاعتراض على حكم الله.

تنبيه: رغم أن الردّ على اعتراضات بني إسرائيل سوف يتم التطرق إليه لاحقاً، فإن مجرد المبادرة به تهيئ الأرضية لقبوله.

الاعتراض الثاني: كان الملأ من بني إسرائيل وأشرافهم يرون أنفسهم ألـيـق مـن طالوت للحصول على منصب قيادة الجيش (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) [البقرة: 247]. واعتراضهم هذا كان يستند إلى عاملين:

1. ما حباهم الله به من كثرة تفضّله عليهم مقارنة بالأقوام الآخرين فإن أكثر الأنبياء الإبراهيميين من أبناء يعقوب كانوا يلقبون بلقب إسرائيل (أي عبد الله) وكان البعض منهم قد صاروا ملوكاً كداود وسليمان، وهذا ما لم ينله غيرهم. كما أن من بين بني إسرائيل كان هناك العديد من الملوك الذين يعملون تحت إشراف وقيادة الأنبياء، وهذه أيضاً نعمةٌ كبرى لم يعطها الله لغيرهم من الأقوام الآخرين: (إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) [المائدة: 20].

لكن بني إسرائيل بدلاً من أن يعتبروا هذه النعم الإلهية امتحاناً لهم، ولا يجعلوها سبباً لشعورهم بالغرور؛ ظنّوا أنهم أحق من الآخرين بالقيادة. وهذا بالضبط هو نفس منهج التفكير الشيطاني القائم على الغرور والعُجب الذي خامر إبليس عند خلق آدم عليه السلام: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) [الأعراف: 12] وقد رأيناه تجسّد في بني إسرائيل عندما قالوا إن طالوت ليس من بيوتات الأشراف والملوك، في حين نحن أحفاد سلسلة النبوة والأسر الحاكمة.

وخلاصة الكلام أن أسباط يعقوب عليه السلام كانوا قد انقسموا قسمين: أولهما أبناء لاوي الذين نالوا مقام النبوّة السامي، وثانيهما أبناء يهودا الذين صاروا ملوكاً، وطالوت لم يكن لا من نسل الأنبياء ولا من الأسر الحاكمة؛ لذا كان نصيبه أن جابهوه بالرفض قائلين: (أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) [البقرة: 247][1].

2. توهم بني إسرائيل القائم على إنكار النسخ في التشريع ونفي البداء في التكوين: فهؤلاء كانوا يزعمون أن الله قد خلق العالم، وأنه بعد الخلق لا يتدخل في الأمور التكوينية، كما أنه لا دور تشريعي له بعد أن أنزل شريعة موسى عليه السلام فدوره يقتصر على قيامه بمحاسبة الأفراد في الآخرة، ويديه الآن مغلولة: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: 64] ومن هنا، فمن المستحيل أن تنسخ شريعة موسى الكليم ا، أو أن تنتقل السلطنة من العائلة المختصة بهـا مـن بنـي، إسرائيل، أي أحفاد يهودا؛ لأن الشيء الذي يجب أن يجري في الأزل قد كتب وانتهى الأمر. ونتيجة هذا عدم إمكانية المجيء بشريعة جديدة من نبي آخر من غير بني إسرائيل بعد موسى الكليم عليه السلام مثلما لا يمكن خروج الملك من نسل يهودا الذي لم يكن طالوت واحداً من أحفاده.

تنبيه: هناك فرق بين سؤال بني إسرائيل المطروح في الآية التي هي مورد البحث (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ) [البقرة: 247] وبين سؤال الملائكة عـند خلـق آدم عليه السلام الذي طرحوه عندما أخبرهم الله بذلك (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) [البقرة: 30] لأن سؤال الملائكـة عند خلق الإنسان كان نوعاً من الاستفهام الحقيقي حول خلافة آدم[2]، لا اعتراضاً عليها؛ وذلك خلافاً لكلام الملأ من بني إسرائيل الاستكباري: (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ) [البقرة: 247] وكلام الشيطان المتفاخر: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) [الأعراف: 12].

الاعتراض الثالث: إن الملأ من بني إسرائيل وأشرافهم كانوا يظنون أن قائدهم يجب أن يكون من أهل القدرات المالية الواسعة كي يتمكن من قيادتهم في الحرب، وطالوت لم يكن لديه شيء من ذلك: (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) [البقرة: 247] فاتخذوا ذلك ذريعة لاعتراضهم على تعيينه بهذا المنصب.

وهذه الطريقة من التفكير يمكن مشاهدتها لدى آل فرعون أيضاً؛ إذ في الوقت الذي بدأ موسى الكليم عليه السلام فيه دعوته، فإنّ فرعون ـ الذي كان جالسا في شرفة قصره والأنهار تجري تحت هذا القصر. قال إنّي أنا سلطان مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي وهي من أهم المقومات الاقتصادية، فلماذا لم يأتِ موسى مطوّقاً بأساور الذهب؟ ولماذا لم ترافقه صفوف من الملائكة؟ (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ  * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) [الزخرف: 51-53] وهكذا يكون تفكير فرعون القبطي قد أثر أثره في أشراف بني اسرائيل فدفعهم اتخاذهم الاصنام وعبادة المال الى أن يعرضوا على قيادة طالوت.

وجدير بالإشارة أن عقلية عبادة المال كانت موجودة في جاهلية الحجاز ولا يزال الناس في دنيا اليوم أيضا واقعين في شراكها لقد كان جاهليو الحجاز يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لماذا لم ينزل القرآن الذي هو دليل زعامة من يأتي به على واحد من أغنياء مكة أو الطائف المشهورين؟ لقد كان هؤلاء يعتقدون أن النبي يجب أن يكون رجلا عظيما والعظمة في نظرهم تأتي من امتلاك الأموال الطائلة: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31].

وبعد أن بينا اعتراضات الملأ والأشراف من بني اسرائيل نتقل الآن الى بيان الاجوبة القاطعة عليها وإن كنا قد أشرنا الى بعض جوانب الجواب عند بياننا للاعتراضات.

وكانت اعتراضات الملأ من بني اسرائيل تتمحور حول شيئين هما: لياقتهم وعدم لياقة طالوت.

أما عدم لياقة طالوت فقد صرحوا بذلك كما لو حوا به أيضا فتصريحهم يتمثل بهذه العبارة التي تفوهوا بها (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) [البقرة: 247] أما تلويحهم فيتمثل بذلك الشيء الذي كانوا يظنون أنه دليل لياقتهم وبناء على ماكنوا يظنونه من وضوح هذه الفكرة فلم يروا حاجة الى إسنادها بما يدل عليها: (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) [البقرة: 247] لأن طالوت لم يكمن من اخلاف احدى سلاسل النبوة كما أنه لم يكن من العائلة المالكة خلافا لهم هم الذين كانوا من هذه العائلة.

الجواب الاول: كان بنو اسرائيل يعتقدون بأنهم أكثر لياقة من طالوت لتسلم مقاليد قيادة الجيش وتفاخرهم هذا كان يستند الى حالات معدودة من أحوال بعض أسلافهم إلا أن الرجوع الى الوراء قليلا يظهر أن أسلافهم لم يكونوا أكثر من ناس عادين عدا بعض أجيالهم السابقة بل كانوا من المستضعفين الواقعين تحت رحمة سلطة آل فرعون كما أن الجد الاعلى لجميع الناس هو آدم عليه السلام وهو لم يكن سلطانا ولا حاكما وهم لم يكونوا صنفا مختلفا يمتاز بشيء يجعله متفوقا على بقية الناس.

وإذا كانوا قد امتازوا في السابق بفضيلة ما فقد كان ذلك نتيجة لانتخاب إلهي إذن فمحور لياقة الافراد هو الاصطفاء والانتخاب الالهي الذي ان وقع على شخص ما صار ذلك الشخص مصطفى وصفوة الله وحاز لياقة القيادة: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33] نعم إن الله الحكيم يختار الاشخاص أصحاب القلوب السليمة حتى لو لم يكن في عوائلهم سابق نبوة أو ملك.

وعلى هذا الاساس فالله سبحانه اختار طالوت للقيادة وهو شخص لائق لها يتمتع بصفاء القلب والملكات الأخلاقية والله الحكيم ينتخب الأفضل فيكون طالوت هو الأليق من غيره لتسلم القيادة بسبب الانتخاب الالهي: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 247] لأن مفردة (الاصطفاء) إذا جاءت مع (على) أفادت الترجيج فكأنه قال: إن الله رجحه عليكم.

الجواب الثاني: إن عدم امتلاك الأموال الطائلة لا يعني عدم القدرة على القيادة لأن القائد يحتاج إضافة الى التقوى الإلهية الى ميزتين اثنتين هما التخصص العلمي والقدرة البدنية والله تفضل بكلتا هاتين على طالوت: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) [البقرة: 247] إذن فالقائد يجب أن يكون ذا جوهر طاهر واستعداد ممتاز وأن يكون منتخبا من الله ومتلزما: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 247] كما يجب أن يكون شخصا متخصصا من الناحية العلمية كفوءا وعالما بقضايا الحرب اضافة الى تمتعه بالقدرة البدنية اللازمة لإرادة العمليات الحربية بحيث يكون أقوى من جميع معاونيه.

والحاصل أن المستفاد من الاية الشريفة هو أن قائد الجيش يجب أن يمتاز بصفات ثلاث:

أ. الألتزام واللياقة اللازمة: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 247].

ب. التخصص والمعرفة الكافية بالمسائل العسكرية والحربية: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ) [البقرة: 247].

ج. القابليّات والقدرات البدنية المناسبة: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) [البقرة: 247]، اذ لو كانت القضية تقتصر على مسألة إدارة الحرب واعداد الخرائط في غرفة العمليات لكان الالتزام والتخصص العلمي كافيا كان ولكن لما كان عليه أن يقاتل في ميادين الحرب والخطوط الأمامية صار من اللازم أن يكون متمتعا بالقوة الجسمية اضافة الى الاصطفاء والتخصص العلمي وذلك كي يستطيع قيادة الجيش في جميع الميادين وعند ذلك لو احتاج الى شيء ما مع توفر جمع ما ذكرناه فالله كفيل بتلبية تلك الحاجة: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ) [البقرة: 247].

وبعد ما ذكرناه نرى أن الملأ والاشراف من بني اسرائيل لا يتصفون بأي واحدة من هذه الصفات.

تنبيه: 1. لما كان العلم الواسع أكثر أهمية من القوة البدنية فقد جاءت الاشارة اليه قبلها عند ذكر صفات القائد: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) [البقرة: 247].

2. أن عبارة (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ) [البقرة: 247] الدالة على علم طالوت وتخصصة باعتباره قائدا للجيش هي نص بالنسبة الى مسائل الحرب والخطط العسكرية والآمرية والقيادة أما بالنسبة الى بقية فروع علوم الحكومة الاسلامية فظهورها اطلاقي.

الجواب الثالث: قلنا بأن بني إسرائيل قد اعترضوا على انتخاب طالوت للقيادة منطلقين من إنكارهم للنسخ في التشريع ونفيهم البداء في التكوين وقد رد القرآن الكريم على هذا التفكير الخاطئ لبني إسرائيل بقوله إن يدي الله سبحانه مبسوطتان وله القدرة على أن يفعل مايريد سواء كان نسخا في تشريع أم بداء في تكوين: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [المائدة: 64].

وربما كان السر في توجيه الطلب الى النبي بدلا من الله يكمن في دعوى التفويض هذه وإن أشرنا سابقا الى احتمال آخر أيضا.

والنقطة الاساسية التي دفعت ملأ بني إسرائيل الى التقدم بطلبهم هي أنهم كانوا لا يتوقعون مدفوعين برغبتهم في الانفراد بالامتيازات أن يتبوأ هذا المنصب أحد من غير سلالتهم وعلى هذا فيكون الطلب المذكور قد جاء نتيجة لهذا التوهم بحيث يكون متناغما مع فكرة إنكار النسخ والبداء من جهة وتثبيتا لما يرونه من حقهم باحتكار السلطة عبر اقرار الله ورسوله لذلك.

وفي المقابل كان الوحي الالهي صريحا في القول بانحصار النبوة والملك والسلطنة بالله الذي يستطيع أن يعطيها لمن يرى مصلحة في إعطائها له دون أن يكون لأي واحد كان الحق في الاعتراض على ذلك (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ) [البقرة: 247] وان كانت عبارة (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ) [البقرة: 247] قضية مهملة إذ إن الله الحكيم له مشيئة وارادة حكيمة وقد جعل (الصلاح) و(التقوى) معيارا لعطائه في مثل هذه الموارد: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: 105] و( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128] فيكون الصالحون والمتقون هم اللائقين بإعطاء الملك والسلطنة وهم الذين سيرثون الأرض في النهاية.

ملاحظة: يكمن سر إضافة كلمة (ملك) إلى الضمير(ملكه) في عدم وجود إشارة في صدر الآية إلى كون الله مالكاً للملك، فإذا أضفنا الملك إلى الله صار ذلك إيحاء بأنّ الله الحكيم يعطي الملك بحكمة لمن يشاء، خلافاً للآيـة الشريفة (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَ...) [آل عمران: 26] التي لم تتم إضافة كلمة (الملك) فيها إلى الضمير؛ لأن الإشارة إلى كون الله مالكاً للملك موجودة في بداية الآية.

الجواب الرابع: تتضمن جملة (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247] ردا على اعتراضات ملا وأشراف بني إسرائيل، وهذا الرد يكون على الشكل التالي:

1. أنّ الله واسع على الإطلاق، فكما اختار أسلاف بني إسرائيل لإعطائهم الملك في السابق، يستطيع الآن أيضاً أن يضع غيرهم في هذا المنصب، وهـو عـلـى علم تام بمن هو اللائق لهذا المنصب: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247].

2. أن الله قادر على العطاء في كل المجالات، فكما أنال بعض الناس عطاءه المالي، يستطيع عند اللزوم أن يعطي الامكانيات المالية الواسعة لمن يشاء (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247]. وعلى هذا فلا يمكن أن يكون عدم امتلاك طالوت للمال الوفير سبباً وجيهاً للاعتراض على انتخابه للملك.

تنبيه: أ. أن الستر في مجيء اسم (الله) المبارك في الأجوبة الثلاثة المذكورة وعدم الاستفادة من الضمير فيها، هو أهميّة وعظمة الموضوع، وكذلك للتأكيد على ضرورة ترك الاعتراض على إرادة (الله).

ب. أن ما ورد في ذيل الآية هو حجّةٌ إلهية، وله دور حاسم في تعليل المطلب؛ إذ إنّ هاتين العبارتين إما أن تكونا كلام الله أو كلام رسوله، وفي كلتا الحالتين هما وحي الله وكل واحدة منهما تصلح أن تكون حداً أوسط للبرهان، كما استفيد منهما في تقرير الاستدلالات السابقة.


[1] راجع: التفسير الكبير مج3 ج6 ص173

[2] مما يدل على كون سؤال الملائكة استفهامياً أمران: أ. إن كلام الملائكة حين سؤالهم كان يبتدئ بتسبيح الله وتنزيه: (سُبْحَانَكَ) سورة البقرة، الآية 32؛ أي إنّك منزّه عن أي نوع من النقص والعيب، فبين لنا المسألة. ب. اعتراف الملائكة بعدم علمهم بأسرار الخلق: (...لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) [البقرة: 32] فلو لم يكن كلامهم مسبوقاً بالتسبيح؛ لكان يستشم منه رائحة الفخر والتكبر، ولو لم يكن ملحوقاً بالاعتراف؛ لأوهم الاعتراض.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد