ربما قال البعض ممن قيّد حاكمية أنبياء الله، معتبراً انحصار واجبات بعضهم في التعليم والإرشاد فقط: إن كتب الأنبياء تتضمن قوانين تطبيقية، إلا أنهم في هذا الباب قسمان:
فبعضهم - كرسول الإسلام ﷺ - لا تنحصر وظيفته في تعليم وتربية وإرشاد وهداية الناس، بل هو مأمور بتأسيس الحكومة، أي إنّه كان (قائماً بالسيف) ومسؤولاً عن السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وبعض آخر لا واجب أمامهم سوى التعليم والإرشاد وبيان الأحكام في حين تكون الحكومة في قبضة سلطان عادل. وفي هذه الحالة تقتضي المهام الملقاة على كل واحد منهما أن يكون الرسول الإلهي مؤيداً للسلطان العادل ومطيعاً له، في حين يستفيد السلطان العادل من هداية وتوجيه هؤلاء الأنبياء أيضاً.
وربما استشهد أنصار هذه التصوّرات ببعض الروايات؛ كتلك التي تفيد أن الله أوحى إلى إبراهيم الخليل عليه السلام ألا يسير أمام السلطان يل يمشي خلفه؛ لأنه مسلّط عليه والأرض تحتاج إلى السلطان، صالحاً كان أم طالحاً، وقد فعل عليه السلام ذلك أيضاً[1].
وهذا الكلام مردود من عدة جهات: 1. إن مجيء الأنبياء أصحاب الشرائع هو للتحكيم بين الناس وحل منازعاتهم، مثلما هو لنجاة البشرية من الهلاك؛ لأن الناس بطبيعتهم طغاة ومستغلون. ولا يتحقق إصلاح المجتمع وحل الخلافات الناشبة فيه بالتعليم والإرشاد والموعظة فقط، بل يتحقق ذلك الهدف السامي على يد الأنبياء فقط من خلال إقامتهم للحكومة، وكلام هذا المفسّر لا يناسب الهدف الذي من أجله بعث الأنبياء أصحاب الشرائع.
2. إنّ الرواية المذكورة ضعيفة من جهة السند؛ لأن بعض رواتها مجهول، مضافاً إلى عدم دلالتها على الادعاء المشار إليه؛ فصدرها وساقها ناظران إلى السلطان الفاجر والظالم، في حين أن الادعاء المذكور هو اتباع السلطان العادل.
3. إن السلطان المذكور في القصّة لم يؤمن بالله رغم رؤيته للمعجزات العديدة من نبي الله إبراهيم عليه السلام ونزول الوحي الإلهي، وفي الأخير أقر برفق وحلم وكرامة إله إبراهيم عليه السلام لا إله العالم الذي إلهه هو أيضاً: «أشهد أنّ إلهك لرفيق حليم كريم[2]».
والرواية التي هكذا يكون سندها ومتنها لا تصلح لتأييد نظرية تقييد حاكمية الأنبياء، وأن أصل النبوة لا يستلزم الحكومة.