لا ريب أن حُسن التدبير في المعيشَة يعتبر عمل استراتيجي مطلوب ليصدق على حياتنا التي نحياها أنها حياة طيبة، والاستراتيجية بمعناها الشامل تعني: ((البرامج العامة التي يجب اتّباعها، لتسخير شتى الموارد، من أجل تحقيق أهداف معينة ترتبط بتدبير شؤون الحياة على مستوى الأفراد والأسرة والمجتمع.
والاستراتيجية في المعيشة، تعني اتباع برامج محددة، لاستثمار المصادر المُتاحة خير استثمار، بغية التمكن من تحقيق الأهداف المعيشية البعيدة الأمد والقريبة الأمد بشكل أمثل.
أما استراتيجيات تدبير المعيشة، فهي عبارة عن البرامج التي من خلالها تتحقق الطمأنينة، والضمان الاقتصادي، وزوال مشاكل المعيشة، وهذا لا يحصل إلا في ظل إدارة رصينة ونشير في ما يلي إلى أهم هذه الاستراتيجيات:
ـ العمل والسعي الحثيث
لا يختلف اثنان في أن السعي الحثيث يُعد من الاستراتيجيات الأساسية في تدبير المعيشة. ويُعتبر هذا الأمر بالنسبة للقوانين الحاكمة على وجود الإنسان ـ وسيلةً لبناء شخصيته وترسيخها، وفي الوقت نفسه هو داعٍ لاكتمال قدراته البدنية والفكرية، ونضوج طاقاته الفطرية والذاتية، وقد ذكر الله سبحانه العمل والسعي في مواطن عديدة من كتابه المجيد، وأكد على أهمية ذلك في نظام التكوين والتشريع، فقال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4].
وقال خاتَم النبيين (صلى الله عليه وآله): ((إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن يزرع خيراً يوشك أن يحصد رغبة، ومن يزرع شراً يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارعٍ ما زرع))(1).
وفي الحقيقة: إنّ بذل الجهد والسعي الحثيث يصقلان شخصية الإنسان في الحياة الدنيا، وحسب قانون الطبيعة، فإن الحركة والعمل والكبد (المعاناة) هي أمور ضرورية في حياة البشر، ولا بد لكل إنسان من مكابدتها. لذا، يعد الإنسان بذاته ظرفًا للحاجة، وبإمكانه أن يلبي حاجاته مما هو موجود في الطبيعة من ثروات. وبالتأكيد، فإن هذه الثروات ليست معدة على طبق من ذهب، بل إن استثمارها بحاجة إلى بذل جهد وعمل دؤوب، وهذه الضرورة فرضتها قوانين الطبيعة على الإنسان، من أجل أن يتسنى له الخلاص من الفقر، والحرمان وكل ما من شأنه الإخلال بنظم حياته الفردية والاجتماعية.
ولا ريب أن الحياة الطيبة الكريمة ستكون من نصيب المجتمع الإسلامي، متى ما اتخذ أبناؤه العمل منهجا لهم، لأن العمل شعار المؤمن، وجزءٌ من الإيمان(2).
ومن هذا المنطلق، فإن ترك العَمَل يُعدّ من الأخطاء التي تؤدي إلى الخمول، وتحول دون نضوج شخصية الإنسان وانتعاش المجتمع.
وللعمل فوائد على جسد الإنسان وروحه، لا ينكرها إلا منطمس البصيرة، فالإنسان لا يكون فعالاً في مجتمعه إلا من خلال عمله وجهده.
ومن الواضح لكل ذي فكر، أن البطالة لها تأثيرٌ سلبيٌّ على معنويات الإنسان والمجتمع، وقد تطرق الإمام الصادق (عليه السلام) إلى هذا الأمر في حديث مفصل أملاه على المفضل بن عمر، جاء فيه: ((فانظر كيف كُفيَ (الانسان) الخِلقَة التي لم يكُن عندَه فيها حيلةٌ، وترك عليه في كل شيء من الأشياء موضع عمل وحركة، لما لهُ في ذلك من الصلاح، لأنه لو كُفي هذا كُلَّهُ حَتَّى لا يكون له في الأشياء موضع شغل وعمل، لما حملته الأرض أشرا وبطرًا، ولبلغ به ذلك إلى أن يتعاطى أمورًا فيها تلفُ نفسه. ولو كُفَيَ النَّاسُ كُل ما يحتاجون إليه، لما تهنؤوا بالعيش، ولا وَجَدُوا لَهُ لَذَّةٌ. أَلَا تَرَى لَو أَنَّ امرءاً نَزلَ بقومٍ فَأَقامَ حِينًا، بَلَغَ جميع ما يحتاج إليه من مطعم ومشرب وخدمة، لتَبرَّمَ بالفراغ، ونازعَته نفسُهُ إلى التشاغل بشيء! فكيف لو كان طول عمره مكفيا لا يحتاج إلى شيء؟! وكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خُلِقَتْ للإنسان أن جعلَ لَهُ فيها مَوضَعَ شُغل، لكي لا تُبْرِمهُ البطالة، ولِتَكْفُّهُ عَن تعاطي ما لا يَنَالُهُ ولا خَيْرَ فِيهِ إِنْ نَالَهُ. واعلم يا مُفضّل أن رأس معاش الإنسان وحياته: الخبز والماء، فانظر كيف دبر الأمر فيهما))، إلى أن قال (عليه السلام): ((وهكذا الإنسان: لو خلا من الشغل، لخرَجَ مِن الأشر والعبث والبطر، إلى ما يعظم ضرَرَهُ عَليهِ، وَعَلَى مَن قَرُبَ مِنْهُ، واعتبر ذلكَ بِمَن نَشَأ في الجدة ورفاهية العيش والترفه والكفاية وما يُخرجه ذلك إليه))(3).
فيتوجب علينا أن نتخذ من مضامين الروايات الشريفة التي تحفّز على العمل، منهجا نسعى لتطبيقه اقتداءً بأنبياء الله تعالى وأوصيائهم الكرام الذين كانت لهم نشاطات على جميع المستويات، مثل: التجارة، والمضاربة، والزراعة، وتربية الماشية، والسقاية، وما إلى ذلك من أعمال كريمة شجعوا العباد على مزاولتها(4).
__________________________
(1) الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 526.
(2) انظر ما سطره عبد الواحد بن محمد ابن عبد الواحد الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، حكمة (1507).
(3) من بيان الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) لصاحبه المفضل بن عمر الجعفي الكوفي توحيد المفضل، ص 76.
(4) الكليني، الكافي، ج 5، ص 73ــ 77.