إن الذوق الفني والتأمين الصحيح للنشاط والمتطلبات العاطفية لدى كـل مجتمع منوط بعرض أعمال الفنانين الفنية.
وإن الاستقلال والتنمية الاقتصادية لكل مجتمع مرهون بالرؤية التي يحملها ذلك المجتمع إزاء ظاهرة العمل. وقد عنى الإسلام لتنظيم المجتمع وتكامله والتنمية الاقتصادية فيه بأصول وقواعد للعمل حيث يتم تأمين احتياجات الشعب الجسدية والروحية في ضوء مراعاتها. وفيما يلي نتعرض إلى جملة منها:
1- التخصص والالتزام
لا شك أن لأصلي التخصص والالتزام تأثير في تطور العمل كمياً وكيفياً، لأن الإنسان الملتزم والمتخصص يتصف بالانضباط والوجدان المسلكي في حوزة مسؤولية عمله وإن الله يحب مثل هذا الإنسان: «إن الله يحب المحترف الأمين»(1)، وبريء ممن يقترح التصدي لشغل ما ويعلن استعداده لذلك وهـو لا يمتلك جناحي التخصص والالتزام كما قال النبي (صلى الله عليه وآله): «فمـن دعـا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة»(2)، أي أنه يحرم فـي المعاد من نظرة عناية الله ورؤية تشريفه.
وإن المجتمع الذي لا يوكل العمل إلى الخبير يسير دوماً باتجاه التنازل والتسافل فقد روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((ما ولّت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى مـا تركوا))(3).
وإن الالتزام في العمل يؤدي إلى أن ينظر الشخص في اختيار شغله إلى حاجة المجتمع والربح الاقتصادي العام ويبتعد عن الأشغال الكاذبة التي تتبعها تكاثر وأرباح طائلة للشخص وتخلف أضراراً على اقتصاد المجتمع.
2- الإتقان وجمال الأثر
إن الإسلام يهتمّ في جميع شؤون الحياة بعنصرين محوريين ويعتبر الجميع ولاسيما رجال الدولة مسؤولون عن تأمين هذين الركنين الأساسيين: أحدهما الإتقان في العمل والآخر الفن والجمال فيه، فالعمل الذي لا يطابق الأصول العلمية غير مقبول لكونه خال من الإتقان والإحكام والعمل الذي لا يتصف بالفن والجمال فهو رغم إتقانه وإحكامه غير مطبوع ومطلوب.
وقد قال رسول (صلى الله عليه وآله) الليلة بشأن المحور الأول: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه))(4)، وقال حول المحور الثاني: «يحب الله العامل إذا عمل أن يُحسن»(5).
وإن الله أيضاً قد خلق العالم على أساس أصلي الإتقان والجمال ويُحب أن يكون خليفته إنساناً ورعاً تتصف هندسة أعماله بالعلم وجمالها بالفن، فإن مراعاة هذين الأصلين المذكورين يحفظ جميع الأصول والمعايير البيئية، لأن الإتقان والجمال سببان لتنقية فضاء الحياة والفضاء النقي ثابت ومستقر كما أن المحيط الملوّث زائل وبائد.
وإن آثار العمل الذي يقام من دون النظر إلى قواعده آثار فاشلة جهيضة. وإن كان الهدف من العمل تلبية الحاجة العامة وتعزيز الأسس الاقتصادية للمجتمع لا التكاثر، يكون الإنسان ملزماً بمقتضى وجدانه لإتقان العمل المتصدي له وإنجازه في غاية الدقة والإحكام.
فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال بعد الفراغ من بناء عمله في غاية الدقة والإتقان: «إني لأعلم أنه سيبلى ويصل البلى إليه ولكن الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه»(6).
وقد ورد الذم في الإسلام بشدة حول التقاعس والخيانة والتزوير والخداع وإخفاء الحقيقة في العمل ونهى القرآن الكريم عن هذه المسألة بصورة شاملة عامة قائلاً: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الشعراء: 183]. فإن رسالة هذه الآية جامعة بحيث تشمل جميع الأشياء والأمور الخاضعة لقانون العمل سواء كانت من سنخ نقول وانتقالات العمل المادي أو من صنف العمل المعنوي.
3- الثبات في العمل
إن الله يدعو النبي والمسلمين في القرآن إلى الاستقامة والثبات حيث يقول: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود: 112]. فإن الاستقامة في العمل تؤدي إلى أن يغض العامل الطرف عن المتاعب المؤقتة والحرمان الموسمي ويبذل قصارى جهده للوصول إلى الهدف السامي.
و ُستفاد من القرآن الكريم أن الاستقامة تؤول إلى ثبات القلب واستقراره(7) وسعة في الرزق(8).
ولا ينبغي أن نعتبر طريق العلاج مُغلقاً والمَخلَص منتفياً، لأن البحث المستمر والسعي الحثيث يوصل بالتالي إلى النتيجة فقد ورد عن علي (عليه السلام) أنـه قال: «من طلب شيئاً ناله أو بعضه»(9).
4- الإخلاص في العمل
إن من مستلزمات العمل تعزيز البنية الاقتصادية وقطع يد الأجانب عن البلد الإسلامي والوصول إلى الاستقلال، بيد أن التعاليم الإسلامية قد أوصت الإنسان إلى جانب ذلك بأن لا يتصدى للعمل إلا طاعة وامتثالاً لأمر الله. فإن الإخلاص يعزز الجانب العبادي في العمل ويهب له صبغة قدسية ويعد بمثابة زينة العمل وحُليته.
فقد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: «أخلصوا إذا عملتم»(10).
5- اختيار الشغل المناسب
إن لمهنة كل فرد أثر مباشر في أخلاقه وسلوكه، فمن لا يُدقق في اختيار العمل والشغل المناسب لما يحمله من حرص اكتناز الأموال فقد أوقع الضرر بنفسه وحطم شخصيته الإنسانية أكثر من الآخرين. إذ لا يمكن من خلال العمل الفاقد للشرعية الاتصاف بالروح النجيبة والعالية وحلّ مشكلة من المشاكل. وأما الشغل الجيد الحسن فهو يحلّ عُقد المجتمع ويؤثر أيضاً في تعالي الإنسان روحياً وأخلاقياً، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها»(11)، وقد نقل سيد الشهداء (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) وحديثاً بهذا المضمون.
ثم إن الإسلام يرى بعض الأشغال واجبة وبعضها محرمة وبعضها مستحبة وبعضها الآخر مكروهة ويعتبر أن من حقوق الولد على والده وضعه فـي موضع صالح وشغل مناسب(12).
6- الإبداع في العمل
إن جوهرة العمل بل العمل الجوهري هو التلاحم الكامل بين القدم والصنعة والتناغم بين الطبيعة والفـن فقـد وضع الله سبحانه جميع المواد الأوليـة والضرورية لأي ضرب من الإبداع في مائدة السنة الإلهية وأودع في سرائر البشر أرضية كل ما للصناعات البديعة والإبداعات من أنواع وأصناف وذلك لتكامل أساس العمل من بساطة الصدف إلى تعقيد الجوهر والابتعاد عن التكرار والاتجاه صوب الإبداع.
وإن الأصل الحاكم على العمل هو تزيين المواد الأولية القديمة بوجه الصنعة الناصع حيث هيّأ الله الأول بيد الطبيعة فـي خـارج الذهن وأشعل الثاني بيد الصنعة في دائرة فكر البشر لتصل جميع طلبات الإنسان من العلم إلى العين ومن السمع إلى العيان، ويُطلق على مثل هذا العمل الجوهري بالكيمياء.
فقد عبر الإمام الصادق (عليه السلام) عن صنعة الزراعة بالكيمياء الأكبر قائلاً: «الكيمياء الأكبر الزراعة»(13)، لأن المواد الجامدة الطبيعية في ضوء مثل هذه الصنعة تتمتع بالحياة النباتية وفن هـذه الصنعة الخاصـة هـو تهيئة أرضية الحركة من مرحلة الجماد والموت إلى منطقة النبات والحياة. فلابد أن يكون أصل العمل بمثابة نفخ روح الفـن فـي مـادة الطبيعة الفاقدة للروح ظاهراً لتكون صنائع الإنسان تبلوراً لحياة الفـن وتجليـاً للحياة والإحياء.
7ـ العمل الهادف
إن العمل يتبلور على نحو الفنّ الحديث إذا نجا من بدعة التساهل والتقاعس والكسل والفشل واتصف بسنة الإبداع والهدفية.
لأن استدامة حياة العامل مع تقبل المسؤولية مرهونة بالعمل البديع والقانوني والإنسان الذي يسعى للخروج من الضمور والوصول إلى الظهور عليه الالتزام بالنقاط التالية:
ألا يكون عمله لنفس العمل بل يكون لهدف أسمى.
أن يكون هدفه معقولاً ومقبولاً لدى المجتمع الإلهي والإنساني.
الأعمال المنوعة كالأعضاء والجوارح والجوانح للجسم الحي النامي يُكمّل بعضها الآخر.
تتبلور الجاذبة الدينية والمدنية لثقافة العمل في تفسير الأعمال المتنوعة مع بعض لتكون الأعمال مُبيِّنة ومُكملة لبعضها الآخر وتلبي جميع الطلبات الصادقة للمجتمع البشري بأحسن وجه.
ومن هذا المنطلق يُقال: إن العمل لهدف أسمى لا لنفس العمل.
_____________________________
(1) الكافي، ج 5، ص 113.
(2) بحار الأنوار، ج 2، ص 110.
(3) بحار الأنوار، ج 10، ص 143.
(4) نهج الفصاحة، ج 2، ص 683.
(5) نهج الفصاحة، ج 2، ص 691.
(6) بحار الأنوار، ج 9، ص 220.
(7) سورة فصلت، الآية 30.
(8) سورة الجن، الآية 16.
(9) نهج البلاغة، الحكمة 386.
(10) شرح غرر الحكم، ج 2، ص 239.
(11) وسائل الشيعة، ج 17، ص 73.
(12) وسائل الشيعة، ج 21، ص 390.
(13) وسائل الشيعة، ج 19، ص 34.