تربية المحاصيل لتحمل الجفاف
طبيعة تحمل الجفاف في النباتات
يتعين التمييز بين حالتى تجنب الجفاف وتحمله. فبالنسبة لتجنب الجفاف Drought Avoidance. نجد أنه يحدث إما من خلال الإفلات منه Drough Escape ، وإما من خلال خصائص النباتات الصحراوية Xerophytic Characteristics التي اكتسبتها أثناء تطورها في بيئتها الصحراوية .
ويحدث الإفلات من ظروف الجفاف بأن تنبت بذور النبات عقب المطر الغزير، ثم تكمل النباتات نموها الخضرى - الذى يكون غالبا محدودًا جدًّا – وتزهر وتثمر في فترة لا تتجاوز 4-6 أسابيع ؛ وبذا.. تستفيد النباتات من الرطوبة المحدودة الموجودة في التربة وتكمل دورة حياتها قبل أن تتعرض لظروف الجفاف، ويشاهد ذلك كثيرا في المناطق الصحراوية. كذلك يمكن أن يحدث الإفلات من الجفاف في بعض أصناف المحاصيل الزراعية التي تنضج وتعطى محصولها الاقتصادي مبكرا قبل حلول موسم الجفاف (عن Clarke & Townley Smith 1984). ويعيب النباتات التي تتجنب ظروف نقص الرطوبة الأرضية وتفلت منها تماما أنها لا تتحمل ظروف نقص الرطوبة الأرضية إذا تعرضت لها (عن Stevens 1981).
ومن الخصائص الأخرى الهامة للنباتات الصحراوية - التي تمكنها من تجنب الجفاف - تكوين طبقة سميكة من الشمع على مختلف الأسطح النباتية تمكنها من خفض معدل النتح إلى أدنى مستوى ممكن وقلة عدد الثغور بالأوراق، وكبر الفجوات العصارية، مع تراكم المركبات العضوية الذائبة فى السيتوبلازم، وتشعب المجموع الجذري (عن Quisenberry 1979). وجميع هذه الصفات مكتسبة في النباتات الصحراوية ومثبتة Fixed فيها، بمعنى أنه لا تتوفر – في النوع الواحد منها - تباينات فى تلك الصفات.
وبالمقارنة بالنباتات الصحراوية.. فإن النباتات العادية هي التي تتوفر في بعض أنواعها تباينات في الصفات التي تجعل بعض سلالاتها أو أصنافها أكثر – أو أقل – تحملاً لظروف الجفاف من غيرها ويستفاد من هذه التباينات في تربية أصناف تجارية أكثر تحملاً لظروف الجفاف وفى دراسة وراثة تلك الصفات. ويفضل دائما أن تجمع النباتات المرباة (بهدف زراعتها فى المناطق التي تتعرض لنقص في الرطوبة الأرضية) بين صفتي القدرة على تجنب ظروف الجفاف، وتحمل تلك الظروف في آن واحد.
ويمكن للنباتات أن تحد من فقد الماء بأى من المظاهر التالية :
1- زيادة طبقة الشمع على أديم البشرة (كما في أصناف السورجم المتحملة للجفاف)، بما يؤدى إلى خفض النتح الأديمي الذي لا يستفيد منه النبات قدر استفادته من النتح الثغرى الذى تبقى معه الثغور مفتوحة، ويستمر - تبعا لذلك – تبادل الغازات وتثبيت ثانى أكسيد الكربون ويلاحظ أن بقاء الثغور مفتوحة ليلا يزداد معه فقد الماء بالنتح دون أن يستفيد النبات من ذلك.
2- سرعة جفاف وموت الأوراق تفيد في تقليل معاناة النبات من نقص الرطوبة، علما بأن ذلك الأمر يبدأ بالأوراق السفلى الأقل إسهاما في البناء الضوئى ثم يتجه تدريجيًّا نحو الأوراق العليا الأكثر نشاطاً.
3- التعديل الأسموزى، وهو الذي يفيد في المحافظة على امتلاء الخلايا حتى مع نقص محتوى الرطوبة بالأوراق بما يُبقى على الثغور مفتوحة فى ظروف الشد الرطوبي كما أنه يزيد من قدرة الجذور على امتصاص الماء ( Blum 2009).
ومن أهم الخصائص التي تؤثر في قدرة النبات على تحمل نقص الرطوبة الأرضية في المحاصيل الزراعية ما يلى:
قدرة البذور على الإنبات في ظروف نقص الرطوبة الأرضية
يُعتقد بأن قدرة البذور على الإنبات فى ظروف الجفاف (نسبة الإنبات وسرعته) ترتبط بمدى قدرة النباتات الأكبر على تحمل تلك الظروف.
وقد اختلف الباحثون بشأن الارتباط بين صفة القدرة على الإنبات تحت ظروف الجفاف، وتحمل النباتات لتلك الظروف فى مراحل النمو اللاحقة. ويسود الاعتقاد بأن هذا الارتباط ضعيف أو غير موجود وخاصة أن بذور بعض النباتات - مثل القمح - تُبدى قدرًا كبيرًا من التحمل لظروف الجفاف إلى أن يكتمل إنباتها، ولكن بادراتها تكون شديدة الحساسية لنقص الرطوبة الأرضية بمجرد بزوغها من التربة.
قدرة البادرات على النمو فى ظروف نقص الرطوبة الأرضية
وجد فى الذرة ارتباط كبير بين قدرة البادرات على النمو فى ظروف الجفاف وقدرة النباتات البالغة على تحمل تلك الظروف ويمكن الاعتماد على اختبار البادرات في تقييم آلاف النباتات في الأجيال الانعزالية، ثم انتخاب المتميزة منها لاستمرار اختبارها في المراحل المتقدمة من نموها ونظرا لصعوبة توفير مستوى منخفض ثابت من الرطوبة الأرضية في اختبارات البادرات يفضل إجراء التقييم فى مزارع مائية، مع إضافة أحد المركبات التي ترفع الضغط الأسموزى للمحاليل المغذية؛ مثل ال PEG بالتركيز المناسب ؛ ليضعف من قدرة النباتات على امتصاص الرطوبة إلى المستوى الذي يحاكي ما يحدث في الطبيعة فى ظروف الجفاف (عن Clarke & Downley Smith 1984) .
كذلك تعد قوة النمو المبكرة من الصفات الهمة فى تحمل الجفاف؛ نظرا لأنها تساعد على سرعة توفير غطاء نباتي على سطح التربة مما يقلل كثيرا من التبخر السطحي.
النمو الجذرى الكثيف المتعمق
تستطيع النباتات ذات النمو الجذرى الكبير المتعمق والكثير التفريع في التربة أن تمتص الماء من أعماق كبيرة من التربة الأمر الذى يؤخر احتمالات جفاف أنسجتها، بينما تفيد الجذور السطحية الكثيفة فى الاستفادة من زخات المطر الخفيفة. وتوجد اختلافات وراثية كبيرة - داخل النوع النباتي الواحد - فى كثافة النمو الجذري، وفي نسبة الجذور إلى النموات الخضرية علمًا بأن تلك النسبة تتغير - في النبات الواحد - بتغير مرحلة نموه ويكون النمو الجذرى الكثيف - دائمًا - على حساب النمو الخضرى؛ لأن الجذور تحصل على الغذاء اللازم لنموها من النموات القمية التي تقوم بعملية البناء الضوئي.
وتتأثر نسبة الجذور إلى النموات الخضرية بعوامل أخرى لا دخل للجذور فيها؛ مثل سقوط أوراق الأشجار ذات الأوراق المتساقطة، ونقص المساحة الكلية للأوراق، وهو ما يعد أحد أهم أسباب تحمل النباتات الصحراوية البقاء تحت ظروف الجفاف، إلا أن نقص المساحة الورقية الكلية يصاحبه نقص في قدرة النبات على البناء الضوئي (عنParson 1979 Quisenberry 1979) ولا توجد أدلة على توفر اختلافات في صفة سقوط الأوراق داخل النوع النباتى الواحد وقد تأيدت العلاقة بين النمو الجذرى الكثيف وتحمل ظروف الجفاف فى كل من الأرز الـ upland ، والسورجم، وفول الصويا.
ونظرا لصعوبة قياس كثافة النمو الجذرى - فضلاً على تأثره الشديد بالظروف البيئية - فإنه لا يمكن الاعتماد على تلك الصفة عند الانتخاب لتحمل ظروف الجفاف. ومع ذلك.. فقد وجد في محصول الأرز والذرة أن الانتخاب لصفة المحتوى المائي الجيد للأوراق - تحت ظروف الجفاف - يعنى - تلقائيا - تحسنًا في النمو الجذري للنباتات المنتخبة (عن Blum 1989) .
صغر الزاوية التي تصنعها الورقة مع الساق
تتميز بعض النباتات بقدرتها على تحريك أوراقها بحيث تبقى دائما موازية لأشعة الشمس ؛ الأمر الذى يقلل بشدة من الطاقة الإشعاعية التي تكتسبها الأوراق، والتي تؤدى - في حالة اكتسابها - إلى فقدان الرطوبة من الأوراق ؛ وبذا .. فإن حركة الأوراق هذه تعد إحدى وسائل تحمل النباتات للجفاف وهى تعرف فى بعض أصناف الفاصوليا تحت ظروف الجفاف وفى فاصوليا تبارى التى تعد من الأنواع التي تتحمل الجفاف.
زيادة سمك أديم الورقة وزيادة كثافة شعيراتها
يعمل الأديم الشمعي (الذي يترسب فيه الشمع) السميك على سطح الأوراق على زيادة تحمل النباتات للجفاف؛ لأنه يخفض النتح الأديمي، كما يفيد في زيادة انعكاس الأشعة الشمسية من على سطح الأوراق. وقد تأيدت علاقة الأديم السميك بنقص النتح وزيادة المحصول - تحت ظروف نقص الرطوبة الأرضية – في السورجم.
وتزيد طبقة الشمع الأديمي - طبيعيًّا – في النباتات المعرضة للشمس عما في النباتات التي تنمو في الظل، كما يزداد سمك الأديم في ظروف الجفاف والحرارة العالية فهى صفة شديدة التأثر بالعوامل البيئية المحيطة بالنبات (عن Parsons 1979)؛ ولذا.. فإن التعرف على أقصى قدرة للتركيب الوراثي على إنتاج الشمع السطحي يتطلب قياسها تحت ظروف الشد.
كذلك تعكس الأوراق التى تكثر شعيراتها Pubescent Leaves الأشعة الشمسية (بین 400 ، و 700 نانوميتر، وأحيانًا حتى 900 نانومیتر) بدرجة أكبر بكثير من الأوراق العديمة الشعيرات (كما فى الجنس Encelia)؛ الأمر الذي يعمل على خفض درجة حرارة الأوراق ؛ ومن ثم خفض معدل نتح الماء منها (عن Clarke & Townley Smith 1984 ).
ومن جهة أخرى.. درس Denna (1970) العلاقة بين كمية الماء التي يفقدها النبات وسمك طبقة الشمع على الأوراق في عدد من أصناف الكرنب، والقنبيط، والبروكولى ، وكرنب بروكسل والكولارد، وقد اختلفت هذه الأصناف - جوهريا – في كمية الشمع التي توجد في وحدة المساحة من الورقة. وفى كمية الماء التي تفقدها عن طريق أى من: الثغور، أو الأديم (النتح الأديمى).
وأدت إزالة طبقة الشمع إلى زيادة معدلات النتح الأديمى، لكن لم يظهر سوى ارتباط ضعيف بين كمية الشمع التي توجد على سطح الورقة، وبين كمية الماء المفقودة من وحدة المساحة من الورقة ليلا أو نهارا وبناء على هذه النتائج أوصى الباحث بعدم التربية لزيادة الطبقة الشمعية السميكة heavy bloom ، أو لزيادة كمية الشمع بوحدة المساحة من الورقة كوسيلة لزيادة القدرة على تحمل الجفاف في النوع B. oleracea.
انخفاض كثافة الثغور واستجابة سلوكها لشد الجفاف
تتوفر دلائل على أن سلوك الثغور أمر تحكمه العوامل الوراثية، فمثلاً.. لا تغلق الثغور طبيعيًّا فى طفرة الطماطم "الذابلة" التي يوجد فيها مستوى منخفض من حامض الأبسيسيك، ويمكن تحفيز انغلاق الثغور فيها برش النباتات بالحامض. كذلك تعرف طفرات "ذابلة" مماثلة فى البطاطس، وتختلف أصناف القطن في مدة بقاء ثغورها مفتوحة أثناء النهار. ومن المهم أن تستجيب الثغور وتنغلق بسرعة عند نقص الرطوبة الأرضية، بالرغم من أن ذلك الانغلاق يكون على حساب تبادل الغازات والبناء الضوئي. وعموما .. فإن معظم الماء الذي يمتصه النبات يفقد مباشرة بالنتح من خلال الثغور، بينما يفقد جزء يسير منه (من 2-5% حسب النوع النباتي) عن طريق النتح الأديمي (من خلال أديم البشرة مباشرة)، ولا يستفيد النبات – في نموه – سوى بأقل من 5% من كمية الماء الكلية الممتصة، والتي تقدر في الذرة بنحو 205 لترات من الماء خلال موسم النمو. ولخفض كمية الماء التي تفقدها النباتات بالنتح يتعين أن تنغلق الثغور عندما تتعرض للشد الرطوبى. وتختلف درجة الشدّ الرطوبى التى تستحث الثغور على الانغلاق باختلاف الأنواع النباتية فهى - 8 ضغط جوي في الفاصوليا مقارنة بنحو - 28 ضغط جوى فى القطن تحت ظروف الحقل، تنخفض إلى - 16 ضغط جوی تحت ظروف البيوت المحمية (عن Quisenberry 1979 ).
صغر حجم الخلايا وبطء النمو النباتي
يلاحظ أن خلايا النباتات تكون أصغر حجمًا في ظروف نقص الرطوبة الأرضية، كما تكون فجواتها صغيرة الحجم وتتميز الخلايا الصغيرة الحجم بأنها تكون أقل تعرضًا للأضرار الميكانيكية أثناء جفاف الأنسجة النباتية، كما أنها تسمح بانخفاض الضغط الأسموزى فيها ؛ الأمر الذي يزيد من قدرتها على البقاء منتفخة.
وينعكس الحجم الصغير للخلايا - في النباتات التي تتحمل الجفاف - على معدل نمو بادراتها، ونباتاتها الكاملة، وأعضائها المختلفة وخاصة الأوراق؛ حيث تكون صغيرة الحجم نسبيًّا. إلا أن استمرار الخلايا في النمو والزيادة في الحجم – تحت ظروف نقص الرطوبة الأرضية - يعنى تميز النباتات بقدرة أكبر على تحمل الجفاف. ففى ظروف الجفاف.. تموت النباتات الحساسة ويتوقف نمو النباتات المتوسطة التحمل، بينما يستمر نمو النباتات الشديدة التحمل.
التبكير في النضج
يفيد التبكير فى النضج في زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية عند نقص الرطوبة الأرضية، وهو – كما أسلفنا – يعد إفلاتا من ظروف الجفاف؛ لأنه لا يجعل النبات أكثر تحملاً لظروف الجفاف إن تعرض لها.
ويجب الحذر عند الاعتماد على التبكير في النضج بهدف الانتخاب لزيادة المحصول في ظروف الجفاف؛ فهذه الصفة لا تفيد كثيرًا إلا عند اعتماد الزراعة على مخزون الرطوبة فى التربة. أما في السنوات الكثيرة الأمطار، أو عند الاعتماد على الرى في إنتاج المحصول.. فإن الأصناف المبكرة قد تغل محصولاً أقل من نظيرتها المتوسطة النضج أو المتأخرة.
تأخر الوصول لحالة الشيخوخة
بطء الشيخوخة slow senescence أو عدم الشيخوخة non-senece أو تأخر الشيخوخة delayed senescence أو استمرار اللون الأخضر stay-green.. كلها مسميات لحالة لا تفقد فيها الأوراق لونها الأخضر بنفس السرعة التي يحدث بها ذلك في الأصناف العادية. توجد تلك الصفة في عديد من المحاصيل الرئيسية، وهي تفيد في استمرار البناء الضوئى فيها لفترة أطول من الوقت ومن ثم زيادة المحصول. وتفيد تلك الصفة في الحد من تأثير الجفاف الذي يُسرع من شيخوخة الأوراق وتجرى الدراسات على تحسين صفة استمرار اللون الأخضر من خلال إما تحفيز إنتاج النباتات للكينتين، وإما من خلال تثبيط إنتاج الإثيلين بالشفرة المضادة ( Blum2007).
زيادة مخزون الماء في الجدر الخلوية
يفيد تخزين الماء في الجدر الخلوية Apoplastic Water كمخزون احتیاطی يعمل على تأجيل جفاف الأنسجة النباتية حال تعرض النباتات لنقص في الرطوبة الأرضية. وقد لوحظ وجود مخزون كبير من هذا الماء في النباتات التي تتحمل ظروف الجفاف ويعنى ذلك أن الجدر الخلوية السميكة - التي تكون أكثر قدرة على تخزين الماء - تعد من العوامل الهامة فى تحمل النباتات للجفاف.
تحمل الأغشية الخلوية لأضرار الجفاف
وجد أن الكائنات الحية والأعضاء النباتية - التي يمكنها البقاء تحت ظروف الجفاف - تتميز بتمثيل سكر التريهالوز trehalose أثناء فقدها للرطوبة، أو أثناء إعادة اكتسابها للرطوبة بعد جفافها. ويُعتقد أن التريهالوز يغير الخصائص الفيزيائية لليبيدات الفوسفورية Phospholipids التي توجد في الأغشية الخلوية بطريقة تسمح بثبات تلك الأغشية فى ظروف الجفاف. كما ذكر أن الخصائص الفيزيائية لليبيدات الجافة تكون - في وجود التريهالوز - مماثلة لما تكون عليه في الليبيدات الرطبة (1917 Myers) hydrated lipids .
توفر قنوات الماء بالأغشية الخلوية
توجد بالغشاء البلازمي المحيط بالسيتوبلازم، وكذلك الغشاء البلازمي المبطن له حول الفجوات العصارية (الـ tonoplast) ما يعرف باسم قنوات الماء water channels ، أو الثقوب المائية aquaporins وهى بروتينات توجد بتلك الأغشية وتنظم انتقال الماء عبره. وهذه الثقوب تختص بمرور الماء فقط، وتستجيب لإشارات معينة أو محولات جزيئية molecular switches. وتلعب تلك الثقوب دورًا هاما فى العلاقات المائية بالخلايا استجابة للنقص المائى فى النباتات والشد الأسموزى مما يؤدى إلى تحسين انتقال الماء ولا شك أن الفهم الأفضل لطبيعة عمل تلك القنوات أو الثقوب المائية سوف يزيد من فهمنا لطبيعة تحمل شد الجفاف، وهو أمر يحظى باهتمام الباحثين (Blum 2007).
المحافظة على معدل البناء الضوئي المناسب
تؤثر جميع العوامل الفسيولوجية التي سبق بيانها - بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معدل البناء الضوئى فى النباتات ؛ فهو المحصلة النهائية لمدى قدرة النبات على تحمل الجفاف. وقد وجدت بالفعل - اختلافات في معدل البناء الضوئي بين أصناف وسلالات عديد من الأنواع النباتية ولكن ظهور تلك الاختلافات - تحت ظروف الجفاف فقط - أمر لم يمكن إثباته إلا في أنواع قليلة، منها السورجم (عن Clarke & Townley-Smith1984).
القدرة على زيادة إنتاج حامض الأبسيسك في ظروف شد الجفاف
يزداد مستوى حامض الأبسيسك فى النبات بدرجة كبيرة استجابة لشد الجفاف، مما يؤدى إلى انغلاق الثغور، ومن ثم خفض مستوى الفقد المائى بالنتح من الأوراق، وتنشط جينات الاستجابة للشدّ. وهذا التفاعل قابل لأن يُعكس؛ فما أن يصبح الماء متوفرا حتى ينخفض مستوى حامض الأبسيسك، ويعاد انفتاح الثغور. ولذا.. فإن زيادة حساسية النباتات لحامض الأبسيسك تعد أحد الأهداف الهامة لتحسين تحمل الجفاف (2008 ISAAA) .
التعديل أو التنظيم الأسموزي
أن بقاء الخلايا منتفخة يعد أمرًا حيويًا بالنسبة لنموها وزيادة حجمها، وبذا.. فإن انتفاخ الخلايا الدائم يعد ضروريًا لاستمرار النمو النباتى.. ونظرا لأن نقص الرطوبة الأرضية يؤدى إلى فقدان الخلايا لبعض رطوبتها - الأمر الذي يؤدى إلى انكماشها فإن نقص الرطوبة يكون مصاحبًا بنقص في معدل النمو النباتي، بما في ذلك نمو الجذور الضرورى لاستمرار امتصاص الماء من أكبر قدر ممكن من التربة القليلة الرطوبة.
ويمكن المحافظة على بقاء الخلايا منتفخة ببعض وسائل التأقلم؛ مثل: صغر حجم الخلايا، وزيادة مطاطية الأغشية الخلوية، وزيادة الضغط الأسموزى للخلايا، فيما يعرف باسم التنظيم الأسموزى ويحدث التنظيم الأسموزى من خلال تراكم المواد العضوية الذائبة في السيتوبلازم .
ومن أهم المركبات التي تتراكم فى ظروف الجفاف ما يلى (عن Hughes وآخرین 1989).
Ascorbate Betaine
Proline Glutathione
Polyols (mannitol, sorbitol, pinitol) Alpha-tocopherol
ويفيد التعديل أو التنظيم الأسموزى osmotic adjustment فيما يلي:
1- المحافظة على بقاء الخلايا ممتلئة؛ مما يعمل على تأخير الذبول.
2- المحافظة على استمرار النمو والإنتاج فى ظل ضعف الوضع المائي للنبات.
3- حماية بروتينات الخلايا ، والإنزيمات والجزيئات الكبيرة macromolecules، وعضيات الخلية، والأغشية البلازمية من الجفاف والتلف.
4- استمرار الجذور في النمو وامتصاص الماء من الطبقات السفلى من التربة.
5- المحافظة على حيوية الأنسجة الميرستيمية في ظروف الجفاف.
ولقد وجدت علاقة قوية بين التعديل الأسموزى وإنتاج الكتلة الحيوية تحت ظروف شد الجفاف في كل من القمح والذرة الرفيعة وعديد من البقول والصليبيات.
هذا .. وبعد زوال حالة شد الجفاف فإن مختلف المركبات العضوية التي سبق تراكمها أثناء التعديل الأسموزى يُستفاد منها فى استعادة النمو السريع (Blum 2007). يعد البرولين أحد أهم المركبات العضوية الذائبة المتوافقة التى تتراكم في النبات في مواجهة الشدّ الأسموزى، خاصة فيما يتعلق بشد الجفاف وشدّ الملوحة ويحدث هذا التراكم للبرولين بطريقتين : تنشيط تمثيل البرولين وتثبيط تحلله، علمًا بأن الإنزيمين المصاحبين في هذا الشأن تحت ظروف الشد - هما delta-pyrroline-5-carboxylate synthetase (اختصارا : P5CS) و proline dehydrogenase (اختصارا : ProDH). ولقد وضح في التبغ المحول وراثيا أن البرولين يعمل كحامٍ أسموزى، وأن زيادة إنتاجه توفر حماية من حالات الشد الأسموزى فى النباتات المحولة (Yoshiba وآخرون 1997) .
ولقد تراوح محتوى نباتات الطماطم والفلفل والكرنب من البرولين – في ظروف توفر الرطوبة الأرضية من 0,6-0,2 مجم/جم (على أساس الوزن الجاف)، ولكن محتواها ارتفع إلى 50 مجم/جم وزنًا جافًا في ظروف الجفاف (عن Parsons 1979).
ومع ذلك .. فلم تظهر علاقة واضحة بين تراكم البرولين في بعض النباتات وبين قدرتها على تحمل الجفاف. ففى السورجم.. وجدت اختلافات معنوية بين الأصناف في مدى تراكم البرولين فيها، ولكن دون أن يكون لذلك أدنى علاقة بقدرتها على تحمل الجفاف (Clarke & Townley-Smith 1984)، بينما كان تراكم البرولين بدرجة أكبر في سلالات الشعير الأكثر قدرة على تحمل الجفاف .
ووجد أن البرولين تراكم فى جميع أصناف الطماطم المختبرة بزيادة فترة تعرضها للجفاف، بما يعنى عدم إمكان الاعتماد على تلك الخاصية فى التقييم لتحمل الملوحة (1991 Thakur) .
وتبين لدى مقارنة تراكم البرولين في عدد من أصناف الفاصوليا المتحملة للجفاف (مثل Michoacan 12A3 ,Negro 150 )، (مثل Cacahuate 72, Flor de Mayo) ووجد أن البرولين الحر تراكم فى أوراق كل الأصناف وكان أكثر التراكم في الصنفين الحساسين. ولقد اقترح أن تراكم البرولين ربما يكون أحد أعراض شد الجفاف في الأصناف الحساسة وربما يلعب دورًا هاما فى المحافظة على امتلاء الخلايا turger في الأصناف المتحملة للجفاف ( Andrade وآخرون 1995).
القدرة على تكوين مضادات الأكسدة
تمثل الجذور الحرة free radicals والبيروكسيدات peroxides فئة من الجزيئات التي تنتج من أيض الأكسجين، وتعرف باسم المواد أو العناصر النشطة في الأكسدة reactive oxygen species (اختصارا ROS). هذا وتوجد مصادر عديدة للـ ROS يمكن أن تُحدث أضرار أكسدة للكائنات الحية. وتأتى معظمها كنواتج جانبية لتفاعلات طبيعية وضرورية، مثل تلك الخاصة بتوليد الطاقة فى الميتوكوندريا وتكون الجذور الحرة غير ثابتة لأن بها إليكترونات غير متزاوجة unpaired في تركيبها الجزيئي؛ مما يجعلها تتفاعل على التو مع أى مادة حولها ؛ وبذا .. فإنها تتلف الأغشية الخلوية، والإنزيمات، والدنا DNA .
ومضادات الأكسدة مواد نشطة تتكون طبيعيا في كل الكائنات الحية، وتؤدى إلى التخلص من الجذور الحرة. ومن أمثلتها الـ superoxide dismutase ، والـ catalase ، والـ glutathione reductase ، والـ dehydroxyascorbate reductase والـ monodehydroxyascorbate reductase ، والـ ascorbate peroxidase ونجد - مثلاً - أن الـ superoxide dismutase يحول الـ 2O إلى فوق أكسيد الأيدروجين، والـ catalase يحول فوق أكسيد الأيدروجين إلى أكسجين 2O.
يزداد الشدّ التأكسدى فى النباتات فى ظروف الجفاف والشد الأسموزى وبعض حالات الشد الأخرى، ويعمل تواجد مضادات الأكسدة على الحد من أضرار الـ ROS (عن Hughes و آخرین 1989، و Blum 2007).
إنتاج بروتينات الـ LEA
تعرف مجموعة من البروتينات ذات وزن جزيئى صغير يُنظم إنتاجها في البذور أثناء تكوينها كما في الشعير على سبيل المثال. ويلعب تكوينها أثناء تكوين جنين البذرة دورًا فى حماية الجنين أثناء نضج البذور وفقدها للرطوبة خلال تلك المرحلة. وتعرف تلك البروتينات باسم late embryogenesis abundant proteins (اختصارا : LEA proteins). وقد تبين أن تلك البروتينات تشكل عائلة تضم عدة بروتينات متشابهة مثل الديهدرينات dehydrins وأنها ليست قاصرة على أجنة البذور، ويمكن حث إنتاجها تحت ظروف شد الجفاف فى عديد من الأنسجة النباتية. وبعض تلك البروتينات يستجيب لحامض الأبسيسك، بينما لا يستجيب بعضها الآخر، وهي تلعب دورًا فى تحمل شد الجفاف والشدّ الأسموزى عامة ( Blum 2007) .
التقييم لتحمل ظروف الجفاف
إن جميع الأسس الفسيولوجية لتحمل النباتات للجفاف - والتي سبقت مناقشتها تحت موضوع طبيعة تحمل الجفاف - يمكن الاستفادة منها في تقييم النباتات لتحمل الجفاف والشروط اللازمة لإمكان الاعتماد على أى من تلك الأسس كوسيلة للتقييم والانتخاب (والتي تجرى عادة فى حجرات النمو أو فى البيوت المحمية) هو إمكان إجرائها بيسر وسهولة، وعدم تسببها فى موت النبات (ليمكن انتخابه عند اللزوم)، وارتباطها بتحمل النباتات لنقص الرطوبة الأرضية تحت ظروف الحقل.
ونضيف في هذا المقام - إلى ما سبق بيانه من أسس لتحمل الجفاف - ما يلي :
1- الحساسية لاحتراق الأوراق Leaf Firing :
تعد الشيخوخة السريعة للأوراق من الأعراض المعروفة للشدّ الرطوبي، وتدل على موت أنسجة الورقة بسبب ارتفاع حرارتها الناشئ عن توقف النتح فيها، علما بأن درجة الحرارة العظمى المميتة لأوراق معظم النباتات تتراوح من 45 - 55 م, ويمكن الاعتماد على ظاهرة احتراق الأوراق كدليل على مدى حساسية النباتات للجفاف. فمثلاً.. تقيم نباتات الأرز لتحمل الجفاف بتقدير مدى جفاف قمة الأوراق بعد 39 يوما من آخر رية للحقل.
2- التفاف الأوراق Leaf rolling :
يعد التفاف الأوراق من الأعراض المميزة للشدّ الرطوبى في النباتات، كما يعد وسيلة – من جانب النباتات – لتقليل فقد الرطوبة بالنتح، وقد لوحظ وجود اختلافات بين أصناف وسلالات الحبوب فى مدى التفاف أوراقها تحت ظروف الجفاف، وارتباط تلك الاختلافات بظواهر أخرى فسيولوجية وثيقة الصلة بقدرة النباتات على تحمل الجفاف. ففى الأرز.. كان مردّ قلة التفاف الأوراق في بعض السلالات – تحت ظروف الجفاف – إلى تمتع تلك السلالات بقدر أكبر من التنظيم الأسموزى.
3- درجة حرارة الأوراق :
ترتبط درجة حرارة الأوراق - تحت ظروف نقص الرطوبة الأرضية – ارتباطا وثيقا بمعدل النتح، الذي يكون – بدوره - دليلاً على مدى قدرة النبات على امتصاص الرطوبة اللازمة لاستمرار عملية النتح ؛ أى على مدى تشعب وكثافة نموه الجذرى.
وقد توصل Stark وآخرون (1991) - من دراستهم على 14 صنفا وسلالة من البطاطس - إلى وجود علاقة خطية بين ∆T (وهى الفرق بين درجة حرارة الهواء ودرجة حرارة النموات الخضرية أثناء النهار في الأيام الصحوة)، والنقص في ضغط بخار الماء Vapor Pressure Deficit - في النباتات - في حالات معاملات الرى المختلفة ؛ وبذا.. أمكنهم استخدم ∆T - بكفاءة - في تقييم القدرة النسبية على تحمل ظروف الجفاف في البطاطس.
ويمكن تقدير درجة حرارة الأوراق - عن بعد - بالاستعانة بتومومتر يعتمد على الأشعة تحت الحمراء الصادرة من النباتات. ويكفى فى هذا الشأن مقارنة النباتات مع بعضها البعض تحت نفس الظروف، مع تقسيمها إلى ثلاث فئات تكون درجة حرارة نمواتها الخضرية منخفضة أو متوسطة أو مرتفعة وانتخاب النباتات التي تكون حرارتها منخفضة لأنها تكون أكثر قدرة على امتصاص الرطوبة اللازمة لها من التربة تحت ظروف الجفاف. ومع ذلك فإن النباتات التي تكون حرارتها عالية – وهي التي ينخفض فيها معدل النتح - قد تكون هي المطلوبة عند الرغبة في توفير الرطوبة الأرضية لمراحل أخرى من النمو تكون أكثر حساسية للنقص الرطوبي.
وقد اتبعت طريقة تقدير درجة حرارة الأوراق في برامج التربية لتحمل الجفاف في كل من القمح، والذرة، وفول الصويا (عن Blum 1989).
4- كثافة وتشعب المجموع الجذرى :
وجد أن صفات النمو الجذرى - مثل وزنه ودرجة تشعبه - ترتبط في كل من الذرة والأرز بالقوة اللازمة لاقتلاع النباتات من التربة ويعد هذا الاختبار وسيلة سهلة وسريعة لتقدير مدى تشعب وكثافة النمو الجذرى الذى يصعب قياسه بدقة بصورة مباشرة، فضلا عما يصاحب طرق التقدير المباشرة من تباينات كبيرة في العينات المقاسة .
وقد أوضحت دراسة أجريت على 250 تركيبا وراثيا من البطاطس وجود ارتباط معنوى بين القوة اللازمة لجذب النباتات من التربة وكل من : طول الجذور، والوزن الجاف للجذور التي تم جذبها والتي تبقت في التربة وطول النبات، وعدد السيقان، وكذلك مع عدد الدرنات الصغيرة المتكونة ووزنها في سبع سلالات كانت قد بدأت في تكوين الدرنات وقت إجراء الاختبار (عن Ekanayake & Midmore 1992).
5- الانتخاب لصفة المحصول :
يفيد الانتخاب لصفة المحصول العالى تحت ظروف الجفاف في تمييز الأصناف والسلالات المرغوب فيها مباشرة، إلا أن لذلك الاختبار عيوبا كبيرة هي كما يلي :
أ- الحاجة إلى استمرار الاختبار إلى حين الانتهاء من حصاد المحصول ؛ الأمر الذي يستنفذ كثيرًا من الوقت والجهد.
ب يعتمد الاختبار على مجرد مقارنة السلالات ببعضها البعض في صفة المحصول نظرا لأن السلالات ذات الإنتاجية العالية قد تستمر متميزة عن غيرها من السلالات تحت ظروف الجفاف.. لذا .. فإن انتخابها ربما لا يكون معتمدًا على قدرة حقيقية في النبات على تحمل الجفاف.
ج- كثيرا ما يؤدى هذا الاختبار إلى استبعاد سلالات جيدة تحمل صفات فسيولوجية تؤهلها لتحمل الجفاف ولكن محصولها يكون منخفضًا؛ فلا تبرز في اختبارات التقييم للمحصول.
6- الانتخاب في مزارع الأنسجة :
ربما كان من السهل الانتخاب لتراكم مركبات عضوية معينة - وثيقة الصلة بظاهرة التنظيم الأسموزي - في مزارع الأنسجة، ولكن تبقى – بالرغم من ذلك - بعض أوجه القصور في الاعتماد على مزارع الأنسجة لانتخاب نباتات تتحمل ظروف الجفاف؛ منها ما يلى :
أ- إنتاج النباتات الكاملة من سلالات الخلايا المنتخبة.
ب- احتمال عدم وجود أية علاقة بين تحمل الخلايا المفردة للجفاف وتحمل النباتات الكاملة النمو؛ لأن التنظيم الأسموزى فى النبات الكامل قد يتحقق من خلال تجزئ نواتج البناء الضوئى بين أعضاء النبات المختلفة وأنسجته، وخلاياه. كما قد يتحقق ذلك من خلال توقف في نمو النبات الكامل؛ الأمر إلذى يوفر نواتج البناء الضوئي لتأمين التنظيم الأسموزى، وهو ما يصعب تخيل حدوثه في مزارع الأنسجة (عن Blum 1989 ).
وبالرغم من ذلك .. تفيد مزارع الأنسجة في تجنب كافة العوامل التي يصعب التحكم فيها تحت ظروف الحقل، والتي قد تؤثر فى استجابة النباتات لظروف الجفاف.
ويتحقق الشدّ الرطوبي في مزارع الأنسجة بإضافة بعض المركبات التي تزيد الضغط الأسموزى لبيئة الزراعة، مثل البوليثيلين جليكول 6000 ، الذى لا يمكنه المرور خلال الجدر الخلوية إلى داخل الخلايا ويؤدى الفرق في الضغط الأسموزي بين البيئة المغذية والخلايا النامية فيها إلى جفاف الخلايا وانهيار جدرها الخلوية تعرف هذه الظاهرة باسم Cytorysis وهي تختلف عن ظاهرة البلزمة التي ينكمش فيها البروتوبلازم، بينما تبقى الجدر الخلوية فى مكانها بسبب دخول المركب المحدث للبلزمة من خلال الجدر الخلوية إلى الفراغ الذى يفصلها عن الغضاء البلازمي الخارجي لبروتوبلازم الخلية.
ونظرا لعدم استطاعة البوليثيلين جليكول المرور من خلال الجدر الخلوية، فإنه لا يكون له أي دور فى التنظيم الأسموزى بالخلايا مقارنة بما يحدث إذا استخدمت مركبات عضوبة ذات وزن جزيئى منخفض، أو أيونات معينة لرفع الضغط الأسموزى في البيئة المغذية. وبذا فإن الخلايا تتعامل مع الشدّ الرطوبي - الذي يحدثه البوليثيلين جليكول - حسب تركيبها الوراثى وقدرتها على تحمل تلك الظروف، ويكون تأثرها مقصورًا على ما يحدثه الشدّ الرطوبي بها دون أن تحدث أية تأثيرات سامة من جراء امتصاص الخلايا لتركيزات عالية من أيونات معينة قد تستخدم لزيادة الضغط الأسموزي في بيئة الزراعة.
وقد استخدمت هذه الطريقة فى الحصول على سلالات خلايا من صنف الطماطم VENT Cherry قادرة على النمو فى بيئة مغذية تحتوى على 30 جم بوليثيلين
جليكول 6000 / 100 مل.
كما أمكن التمييز بين مزارع الخلايا التي حدث فيها مجرد تأقلم فسيولوجي على ظروف الشد الرطوبى وبين سلالات الخلايا التي تميزت بقدرة وراثية ثابتة على تحمل تلك الظروف؛ حيث فقدت المزارع قدرتها على تحمل الشد الرطوبي سريعا بعد نقلها إلى مزارع خلت من البوليثيلين جليكول ويحدث هذا التأقلم – بصورة خاصة - عند زيادة تركيز البوليثيلين جليكول تدريجيا فى البيئة المغذية من 15 إلى 30 جم/ 100 مل (عن Hasegawa وآخرين 1984).
ويلخص Singh (1993) أهم الصفات التي استخدمت في التقييم لتحمل الجفاف فى مختلف المحاصيل فيما يلى:

كما يلخص Khan وآخرون (2010) أهم الصفات ذات العلاقة بآليات تحمل الجفاف ومدى التباين الوراثي فيها فيما يلى:

ونظرا لأهمية الفقد الرطوبى، ومعدل البناء الضوئى - تحت ظروف الجفاف - في تحمل النباتات للجفاف - فإن تلك القيم تدخل في معادلات حساب المحصول البيولوجى والمحصول الاقتصادي، كما يلى:
W = mT/Eo
حيث إن :
W = المحصول البيولوجي.
m = ثابت خاص بالنبات.
T = النتح الخاص بالمحصول Crop Transpiration.
E0 = التبخر السطحى والنتح الممكنان للمحصول Potential Evapotranspiration.
ويمكن استبدال القيمة T بالقيمة Ea، وهى التبخر السطحى والنتح الفعليان للمحصول.
أما المحصول الاقتصادى فيقدر بالمعادلة التالية :
EY = Ea × WUE × HI
حيث إن :
EY = المحصول الاقتصادي
WUE = كفاءة استعمال الماء Water Use Efficiency (كمية الماء المفقودة مقابل كل وحدة وزن من المادة العضوية المصنعة).
HI = دليل الحصاد (عن Blum 1989) .
وراثة تحمل الجفاف في النباتات
يعتقد أنه باستثناء بعض الصفات البسيطة المؤثرة فى القدرة على تحمل الجفاف فى النباتات، فإن غالبية حالات تحمل الجفاف كمية، كما يعتقد أن مختلف السلالات التي تُظهر تلك الصفة تتميز بنظم مختلفة لتحمل الجفاف؛ نظرا لنشأتها في ظروف بيئية متباينة. لذا .. فإن تهجين تلك السلالات - مجتمعة - قد يعطى الفرصة لظهور انعزالات وراثية أكثر تحملاً للجفاف في كل سلالة على حدة.
إن وراثة الصفات ذات العلاقة بتحمل الجفاف يتراوح بين الـ oligogenic (يتحكم فيها جينات قليلة العدد) إلى polygenic (يتحكم فيها عديد من الجينات). ويبين الجدول التالي نظام التحكم الوراثى فى تلك الصفات. وعموما.. فإن صفات الأوراق (مثل الطبقة الشمعية واللمعان واللون الرمادى المزرق glucousness والأوراق الملساء) غالبا هي oligogenic ، وكذلك يبدو أن صفات تراكم حامض الأبسيسك والبرولين (حتى 6 أضعاف في الشعير)، وعقد القرون دون سقوط للأزهار في الفاصوليا هي أيضًا. oligogenic هذا.. إلا أن الصفات الأخرى التي يعتقد في ارتباطها بمقاومة الجفاف يبدو أنها polygenic. وتتباين درجة التوريث في الصفات التي درست فيها تلك الخاصية بين المنخفضة (كما في صفة توصيل الثغور فى القطن) والمرتفعة (كما في صفة قطر الخشب فى القمح). وترتبط معظم تلك الصفات بكمية المحصول تحت ظروف الشد، إلا أن ذلك الارتباط يكون غالبا - ضعيفًا. وكما يظهر في الجدول.. فإن الانتخاب لبعض تلك الصفات يكون فعالاً (عن Singh 1993).
جدول يبين نظام التحكم الوراثى فى بعض الصفات المؤثرة فى تحمل الجفاف في مختلف المحاصيل (عن Singh 1993).


أ - D: سيادة و A: تأثير إضافي و + : تحت ظروف الشد وكذلك عدم الشد.
ب- الجذور الطويلة، وعدد الجذور، ونسبة النمو الجذرى إلى النمو الخضرى العالية، وكثافة النمو الجذري، وزيادة الوزن الجاف للجذور.
ج- تحت ظروف الشد.
تحديات التربية لتحمل الجفاف
إن الانتخاب المباشر لتحسين المحصول تحت ظروف الجفاف واجهته صعاب كبيرة تمثلت في انخفاض درجة التوريث، وكون تلك الصفة غالبا كمية يتحكم فيها عديد من الجينات يوجد بينهما تفوق وتفاعلات بين التراكيب الوراثية والبيئية. ويفسر ذلك البطء الملاحظ في التقدم نحو تحسين تحمل الجفاف في النباتات (Cattivelli وآخرون 2007).
ومن أبرز تحديات التربية لتحمل الجفاف في النباتات أن أهم مصادر الصفة تقتصر - غالبًا - على الأنواع البرية. وإذا ما أخذنا الطماطم كمثال.. نجد – تبعا لمركز الثروة الوراثية للطماطم Tomato Genetics Resource Center (اختصارا : TGRC) فى ديفز - كاليفورنيا - أن مصادر تحمل الجفاف تتوفر فى بعض السلالات البرية من كل من الأنواع التالية :
S. cheesmanii
S. chilense
S. lycopersicum
S. lycopersicum var. cerasiforme
S. pennellii
S. peruvianum
S. piminellifolium
هذا ويستوطن النوعان S. chilense و S. pennellii المناطق الجافة وشبه الجافة من أمريكا الجنوبية وينتج كلا النوعين ثمارًا صغيرة خضراء، ونموها غير محدود .
يتأقلم S. chilense على المناطق الصحراوية من شمال شيلي، ويوجد غالبا في مناطق لا توجد فيها أى نموات نباتية أخرى، لنباتات هذا النوع أوراقا شديدة التفصيص ومجموعاً جذريا جيد التكوين ويتميز جذرها الأولى بأنه أكثر طولاً وأكثر انتشارًا عن جذر الطماطم المزروعة. ويستدل من اختبارات شد الجفاف أن S. chilense أكثر تحملاً للذبول بمقدار خمسة أضعاف مقارنة بالطماطم.
أما S. pennellii فيتميز بقدرته على زيادة كفاءة استخدامه للمياه في ظروف الجفاف مقارنة بالطماطم، وأوراقه سميكة ومستديرة وشمعية ولها القدرة على الاستفادة من الندى ( de la Pena & Hughes 2007).