تربية المحاصيل لأجل تشكيل النباتات
تركزت معظم الدراسات في مجال التربية لأجل تشكيل النباتات على محاصيل الحبوب كالقمح والشعير والأرز والذرة ويتضح ذلك من عرضنا لهذا الموضوع. ويمكن الاستفادة من المبادئ العامة التي نتناولها بالشرح في هذا الموضوع في تربية محاصيل الخضر.
مفهوم النبات المثالي
حاول بعض مربى النبات عمل قائمة بالصفات الفسيولوجية والمورفولوجية التي تشكل - في مجموعها - النبات المثالي (Ideotype) الذي ينبغي أن يكون هدفا للمربي في برامج التربية ، ومن أمثلة ذلك ال ideotype الذي تم تخيله لنبات القمح (شكل 1). ولكن.. نظرا لاختلاف المحاصيل الزراعية كثيرا في صفاتها الفسيولوجية والمورفولوجية، ولأن هذه الاختلافات تمثل - في جوهرها - وسائل تأقلم تلك المحاصيل على الظروف البيئية السائدة في شتى المناطق التي تتواجد فيها؛ لذا .. يمكن القول بأنه لا يوجد شيء اسمه نبات مثالي (ideotype) في تربية النباتات، وإنما توجد عدة طرز أو نماذج بيولوجية Biological Types .
شكل (1) تصميم لنبات مثالي an ideotype)) من القمح (عن Frey 1981)
هذا.. ويعطى Kalloo (1988) قائمة بالجينات التي تتحكم في صفات النمو الهامة في عدد من محاصيل الخضر، والتي يمكن الاستعانة بها في تصور الطرز البيولوجية - المناسبة لكل منها - في شتى الظروف البيئية.
أهمية طبيعة نمو الغطاء النباتي
إن الغطاء النباتي هو الذي يؤثر - في نهاية المطاف - في كمية الغذاء التي يتم تصنيعها لكل وحدة من مساحة الأرض التي يشغلها النبات. ونجد أن الصفات المورفولوجية التي تتحكم في بناء أو طبيعة نمو هذا الغطاء الأخضر هي – في غالبيتها صفات يسهل تقديرها وتتميز بدرجات توريث عالية.
وترجع أهمية النمو النباتي إلى تأثيرها البالغ في مقدار الطاقة الشمسية التي يمكن للنبات اكتسابها من خلال عملية البناء الضوئي ؛ فالأوراق القائمة Erect تسمح بنفاذ قدر أكبر من الأشعة الشمسية إلى الأوراق السفلى ؛ وبذا فإن فائدتها تكون كبيرة في المناطق التي تتميز بارتفاع شدة الإضاءة.
وتعد صفة الأوراق القائمة من الصفات التي تظهر بوضوح في طور البادرة، بحيث يمكن انتخاب النباتات الحاملة لها في طور مبكر من النمو.
وفى المقابل .. فإن صفة الأوراق القائمة ربما لا تكون لها فائدة كبيرة في محاصيل الحبوب التي يعتمد فيها امتلاء الحبوب على الأوراق العليا للنبات؛ مثل القمح والشعير اللذين يعتمد فيهما امتلاء الحبوب على الورقة العليا flag leaf)) والسفا؛ حيث يتم فيهما قدر كبير من عملية البناء الضوئي التي يخزن ناتجها - مباشرة - في الحبوب ، إلا أن السفا الكثيف قد يؤدى - أحيانًا - إلى تظليل الأوراق.
ويعتقد البعض أن صفة الأوراق القائمة لا تظهر أهميتها إلا عندما يكون دليل مساحة الورقة (LAI) حوالي 4,0 - 5,0، وتزداد أهمية ذلك كلما ازداد النبات طولا (عن Frey 1981).
وبالمقارنة بالقمح والشعير فإن معدل البناء الضوئي منخفض في نورة الأرز، التي يفضل الا تكون في موقع يؤدى إلى تظليل الأوراق وتعد الأوراق التي توجد أسفل ورقة العلم flag leaf في الأرز أكثر أهمية منها في القمح والشعير. ولذا.. نجد أن لوضع الورقة والزاوية التي تصنعها مع الساق أهمية كبيرة في نبات الأرز؛ لتحسين وصول الضوء إلى الأوراق السفلى. وتأكيدًا لذلك.. تتميز أصناف الأرز الحديثة العالية المحصول بالأوراق القصيرة القائمة، والخلفات القائمة.
كذلك نجد أن نورات الذرة ليست عالية الكفاءة في البناء الضوئي، ولذا.. يفضل أن تكون أوراقه قائمة وتعلو عن مستوى الكيزان .
وقد حققت أصناف القمح والأرز ذات السيقان القصيرة نجاحا كبيرا لأسباب أخرى غير المحصول الجيد فهي أكثر مقاومة للرقاد وتستجيب للتسميد الآزوني بكفاءة عالية دون أن يتداعى نموها النباتي؛ ولذا ازداد الاهتمام بانتخاب نباتات الحبوب الصغيرة (مثل القمح والشعير والسورجم والشوفان) القصيرة. وتفضل في هذا الشأن النباتات القزمية الطويلة tall dwarfs عن النباتات القزمية القصيرة short dwarfs (عن Wilson 1981) ؛ نظرا لارتباط المحصول إيجابيا بطول النبات في تلك الحدود؛ أي بحيث لا تؤدى زيادة الطول إلى رقاد النباتات (عن Cone 1980). كما أن النباتات القزمية القصيرة تكون قزمية في نمواتها الخضرية والثمرية على حد سواء، بينما تكون النباتات القزمية الطويلة قزمية في نمواتها الخضرية وطبيعية في نمواتها الثمرية.
كذلك تتوفر اختلافات كبيرة بين كل من الطرز ذات الأوراق القائمة والطرز ذات الأوراق المتدلية flappy - في كل من القمح والشوفان - من حيث قدرتها على منافسة الحشائش، ولذلك الأمر تأثيره في المحصول مما يتعين أخذه في الحسبان عند تقييم تلك الطرز. فمثلاً.. وجد في أحد المواقع البحثية - التي كوفحت فيها الحشائش باستعمال المبيدات - وكان ذلك في أونتاريو بكندا أن أحد أصناف القمح ذات الأوراق القائمة والساق القصيرة كان أعلى الأصناف محصولا، بينما كان نفس هذا الصنف في موقع آخر - لم تستخدم فيه مبيدات الحشائش - أقل الأصناف المقيمة محصولا.
وقد تبين أن نمو الحشائش بين خطوط الزراعة في حالة الأصناف القصيرة ذات الأوراق القائمة كان أكثر مما في حالة الأصناف ذات الأوراق المتدلية التي سرعان ما كونت غطاء نباتيا كثيفا ساعد على تثبيط نمو الحشائش. ولو لم يؤخذ هذا العامل في الحسبان لاختلفت التوصيات تماما بشأن هذه الأصناف.
وفى البسلة .. يتوقف المحصول - إلى حد كبير - على طبيعة النمو الخضري للنبات؛ الأمر الذي دفع مربى النبات إلى محاولة التحكم في شكل وطبيعة نمو نبات البسلة بالتربية.
تتوفر في البسلة ثلاث طفرات متنحية في شكل وطبيعة نمو البسلة ؛ وهي : af التي تؤدى إلى تحول الوريقات إلى محاليق وt1 التي تحول المحاليق إلى وريقات، وst التي تجعل الأذينات صغيرة.
وقد قام Wehner & Gritton (1981) بقارنة ثماني سلالات ذات أصول وراثية متشابهة تقريبًا near isogenic lines، وتختلف في واحد أو أكثر من الجينات الثلاثة السابقة.. أي إن هذه السلالات كانت كما يلى : طبيعية تماما وطفرية في af فقط وطفرية في st فقط وطفرية في af و tl وطفرية في af و st (بدون أوراق كلية)، وطفرية في tl و st وطفرية في tl ,af و st (شكل 2).

شكل (2): اشكال طفرات النمو الخضري af و tl و st في البسلة.
وقد قارن الباحثان هذه السلالات في موقعين مختلفين لمدة عامين. وكانت نتائجهما كما يلي:
1- انخفض محصول السلالتين af af tl tl st st و af af Tl Tl st st عن محصول السلالة الطبيعية، بينما تساوى محصول بقية السلالات الطفرية مع محصول السلالة العادية.
2- ظهر ارتباط جوهري بين المحصول والمساحة الورقية.
3- كانت السلالتان af af Tl Tl st st و af af Tl Tl st st أكثر مقاومة للرقاد من السلالة الطبيعية تماما.
4- كان نمو بادرات السلالة af af Tl Tl st st بطيئًا نسبيًا.
5- تميزت السلالة af af Tl Tl st st (وفيها تتحول الوريقات إلى محاليق، بينما تبقى المحاليق والأذينات على حالها) بتساوي محصولها مع النباتات الطبيعية، بينما اختلفت عنها - كثيرًا - مورفولوجيا. ومن أهم المزايا التي يحققها هذا الجين (af) ما يلي :
أ- تسهيل عملية الحصاد.
ب- تسهيل جفاف المحصول في حقول إنتاج البذور الجافة.
ج- تقليل انتشار الإصابات المرضية خاصة في المناطق الرطبة.
د- تقليل رقاد النباتات.
هذا .. علمًا بأن استخدام هذا التركيب الوراثي في الزراعة لا تلزم معه زيادة كثافة الزراعة، وذلك خلاف التركيب الوراثي af af Tl Tl st st (الذى يكون خاليا تماما من الأوراق)، الذى يتطلب زيادة كثافة الزراعة لزيادة المحصول في وحدة المساحة ( Hedley & Ambrose 1981) .
وفى دراسة على معدلات النمو في هذه السلالات قارن ke & Hedley (1983) ثلاث سلالات هي : العادية Af Af TI TI St St ، ونصف الورقية af af Tl Tl St St ، والخالية من الأوراق af af Tl Tl st st ، وتبين لهما أن معدل النمو النسبي Relative Growth Rate كان واحدًا في كل من الطرازين الطبيعي ونصف الورقي، ولكنه كان منخفضا في الطراز الخالي من الأوراق.
علاقة النمو النباتي (الجذري والخضري) بمقاومة الرقاد
تعد مقاومة الرقاد من أهم الصفات المؤثرة في المحصول خاصة في الحبوب؛ لأن الرقاد يترتب عليه عدم امتلاء الحبوب بصورة جيدة وعدم التمكن من حصاد النباتات آليا وزيادة احتمالات إصابة النباتات بالأمراض؛ حيث تكون مكدسة فوق بعضها، وقريبة من سطح التربة.
ومن أهم الصفات التي يتعين توفرها لجعل النباتات أكثر مقاومة للرقاد : قصر الساق، وصلابتها ومرونتها وتوفر مجموع جذري كثيف يثبت النبات في التربة بصورة جيدة، ومقاومة الأمراض والآفات التي تضعف الساق والجذور.
وقد وجد Stoffella & Khan (1989) علاقة طردية بين حجم النمو الجذري والقوة اللازمة لانتزاع النباتات من التربة، وكذلك بين تلك القوة ومقاومة النباتات للرقاد في عدد من محاصيل الخضر مثل الذرة السكرية والفلفل والفاصوليا .
وترتبط مقاومة الرقاد في الذرة السكرية بوجود سلاميات قاعدية قصيرة، مع عدد كبير من الجذور الدعامية prop roots .
النباتات القزمية
كان جريجور مندل أول من كتب عن النباتات القزمية dwarfs، وكان ذلك على البسلة في عام 1866 . ومنذ ذلك الحين.. اكتشفت النباتات القزمية وراثيا فيما لا يقل عن 17 عائلة من مغطاة البذور. ومن بين أهم النباتات الزراعية – غير البسلة – التي تعرف فيها طفرات قزمية القمح، والأرز والشعير والسورجم، والطماطم، والخيار، والكوسة والبطيخ.
وقد أصبحت لنباتات القمح والأرز القزمية أهمية كبيرة في الزراعة منذ أواخر الستينيات، وهي تعرف باسم شبه القزمية semi-dwarfs تمييزا لها عن النباتات القزمية في كل من النموات الخضرية والثمرية؛ نظراً لأن النموات الثمرية لهذه النباتات شبه القزمية لا تكون أقل حجما مما في النباتات الطبيعية.
وترجع صفة التقزم في الأصناف التجارية الهامة من القمح والأرز - وغيرهما من النباتات الزراعية الهامة - إلى قصر سلاميات الساق ؛ بسبب احتوائها على عدد أقل من الخلايا/ سلامية.
وتتميز النباتات القزمية - مقارنة بقريناتها من النباتات العادية - بما يلى :
1- تُعد أكثر صلاحية للحصاد الآلي.
2- تصل إلى أعضائها التكاثرية (البذور أو الثمار) نسبة أعلى من العناصر الغذائية الممتصة من التربة.
3- يزداد فيها دليل الحصاد.
4- تكون أكثر محصولا بالنسبة لوحدة المساحة من الأرض تحت الكثافة الزراعية العالية والتسميد الجيد (عن Hansche & Berest 1980).
وفى الفاكهة.. كان أول اكتشاف للطفرات القزمية في الخوخ عام 1857، وهي تعرف حاليا في عدد كبير من أنواع الفاكهة والنقل ومن السهل اكتشافها. وبطبيعة الحال.. فإن ما يهم المربى من هذه الطفرات تلك التي تُحدث تقزما بالنمو الخضري دون أن يكون لها تأثير في النمو الثمري (Lains 1976).
تشكيل النباتات (معمارها، أو هندستها)
بعد أن قدمنا لمفهوم النبات المثالي وتأثير طبيعة النمو النباتي في المحصول ننتقل الآن إلى استعراض ما يفكر فيه مربى النباتات بشأن تشكيل النبات أو معماره أو هندسته – وهو ما يعرف في الإنجليزية باسم Plant Architecture - بهدف زيادة المحصول، سواء أتحقق ذلك من خلال زيادة محصول النبات الواحد، أم زيادة المحصول من وحدة المساحة من الأرض. ومن أمثلة هذه الطرز التشكيلية - أو المعمارية - تلك المبينة في أشكال (3 ، و 4).

شكل (3) طرازان للنمو النباتي؛ أحدهما قوى ذو أوراق عريضة متدلية (أ)، والآخر صغير ذو أوراق قليلة، ويشبه - في نموه - شجرة عيد الميلاد (ب).

شكل (4) طرازان للنمو النباتي؛ أحدهما ذو أوراق قائمة (أ)، والآخر ذو أوراق أفقية تنتشر جانبيًّا (ب).

شكل (5) طراز النمو للنبات النموذجي Ideal Plant.
ففي شكل (3) يظهر طرازان من النمو النباتي: (أ) ، و(ب). يتميز الطراز (أ) بالنمو القوى، والأوراق العريضة المتدلية المنتشرة جانبيًّا. ومثل هذه النباتات تنافس الحشائش بصورة جيدة، علما بأن ذلك ليس له أهمية في الدول التي تستخدم فيها مبيدات الحشائش بشكل روتيني. أما الطراز (ب).. فإنه يتميز بنمو خضري صغير نسبيًّا، وبأوراق قائمة تسمح بتخلل قدر أكبر من الضوء إلى الأوراق السفلي، التي تكون – بالتالي – نشطة في عملية البناء الضوئي؛ الأمر الذي قد يؤدى إلى زيادة الكفاءة التمثلية للنبات ككل ونظرا لقلة عدد الأوراق في الطراز (ب) مقارنة بالطراز (أ).. فإنه – أي الطراز (ب) - قد ينمو خضريًّا لفترة أقل، وقد يعطى محصولاً أعلى؛ بسبب زيادة استقبال أوراقه للضوء، ولأنه يزرع منه عدد أكبر من النباتات في وحدة المساحة من الأرض، بالإضافة إلى تميزه بفترة ممتدة لامتلاء الحبوب (أو الثمار عموما).
ويبين شكل (4) طرازين لتوجه الأوراق : (أ) نبات ذو أوراق قائمة، وهو يتطلب - غالبا - مساحة أقل من الأرض وتلزم معه زيادة كثافة الزراعة، و(ب) نبات ذو أوراق ممتدة أفقيا لمسافة أكبر مما في (أ) . وإذا زرع كلاهما على نفس الكثافة، فإن الطراز (أ) ذا الأوراق القائمة يكون أكفأ من (ب) في "حصاد" أشعة الشمس والاستفادة منها.
أما شكل (5) ، فإنه يبين طراز النبات النموذجي ideal plan، الذي يتميز بما يلى: الأوراق العليا قائمة النمو وتتجه إلى أعلى والأوراق السفلى تميل تدريجيا إلى النمو الأفقي، ولكنها قصيرة نسبيًّا، والنبات نفسه يحتوى على عشر أوراق فقط، وقصير نسبيا، وذو فترة نمو خضري قصيرة، وفترة إثمار طويلة ويكون هذا الطراز مناسبا للزراعة بكثافة عالية في خطوط ضيقة.
مما تقدم بيانه يتضح أن الأوراق القائمة المتجهة إلى أعلى مفضلة على الأوراق الأفقية الممتدة أفقيا، ولعل السبب الرئيسي وراء ذلك هو استقبال الطراز الأول للضوء بصورة أفضل، وبذا .. تزيد كفاءة النبات في الاستفادة من الضوء الساقط عليه في عملية البناء الضوئي.
فنجد أن شدة الضوء الذي تستقبله الأوراق عند الظهيرة في يوم مشرق تتراوح من 10000 إلى 12000 قدم شمعة ، ولا يمكن لأوراق معظم الأنواع النباتية "حصاد" كل هذه الطاقة؛ بسبب زيادة شدة الإضاءة كثيرًا عما يلزم لوصول عملية البناء الضوئي إلى أقصى معدلاتها؛ لأن ذلك يحدث عند شدة إضاءة تتراوح من 2000 – 3000 قدم- شمعة، وهي شدة الإضاءة التي تعرف باسم التشبع الضوئي Light saturation. ولكن مع نشر الضوء الساقط على مساحة ورقية أكبر. فإن شدة الإضاءة التي تستقبلها كل ورقة تكون أقل، وتزيد معها كفاءة النبات في "حصاد" تلك الطاقة في البناء الضوئي .
دعنا نتخيل سقوط حزمة ضوئية رأسية تبلغ شدتها 10000 قدم - شمعة على ورقة أفقية (شكل (6) افترض بعد ذلك أن الورقة اتجهت تدريجيا إلى النمو القائم إلى أعلى إن المحصلة الحتمية لهذا التغير في وضع الورقة هو زيادة مساحة الجزء من الورقة المستقبل لحزمة الضوء. وعند 80 - من الوضع الأفقي - نجد أن شدة الضوء (الذي يكون موزعاً على مساحة كبيرة من الورقة) تنخفض إلى مستوى التشبع الضوئي.

شكل (6) المساحة الورقية التي تستقبل حزمة من الضوء الساقط عليها رأسيا في كل من الأوراق الأفقية (أ)، والقائمة إلى أعلى (ب).
ويمكن حساب المساحة الورقية التي تستقبل الحزمة الضوئية في الورقة القائمة هكذا :
المساحة = 1 / جيب تمام Cosine الزاوية = 1 / جيب تمتم 80 = 3 سم2
وتكون شدة الإضاءة التي تستقبلها تلك المساحة = 10000 / 3 = 3300 قدم - شمعة/سم2 .
هذا إلا أنه لا يطبق التحليل السابق بيانه - مباشرة - تحت كل الظروف الحقلية .. فبرغم أن أشعة الشمس تأتى دائمًا من اتجاه الشمس (أي من اتجاه واحد في أية لحظة إلا أن السحب تشتت الضوء إلى درجة أنه يصل إلى النبات من جميع الاتجاهات بدرجات متساوية تقريبا. كما أن بعض النباتات توجه أوراقها في مقابل الشمس، وهي الظاهرة التي تعرف باسم الانتحاء الضوئي Phototropism.
هذا .. وتبلغ كفاءة النبات - ككل - في عملية البناء الضوئي أقصى معدلاتها في شدة إضاءة 800 قدم - شمعة. وبرغم أن معدل البناء الضوئي للورقة الواحدة يكون – في هذه الحالة - منخفضًا، إلا أن العشيرة النباتية تكون استفادتها أفضل من كل الضوء الساقط، وتزداد استفادة العشيرة من هذا الضوء إذا كانت الأوراق قائمة، ولكن استمرار انخفاض شدة الإضاءة عن ذلك يكون مصاحبًا بنقص في معدل البناء الضوئي إلى أن يتساوى معدل البناء مع معدل الهدم بالتنفس عند شدة إضاءة 300 قدم – شمعة، وهي ما تعرف بنقطة التعادل أو التكافؤ الضوئي Light Compensation Point ، ودونها تصبح الكفاءة التمثيلية سالبة القيمة.
ويبين شكل (7) مصير الأشعة الضوئية الساقطة بزاوية (حوالي 45) على ورقة أفقية (أ)، وأخرى قائمة إلى أعلى (ب)، والذي يتضح منه أن الضوء المعكوس من سطح الورقية يفقد في الفضاء في حالة الورقة الأفقية، بينما يتجه نحو الأوراق السفلى - التي تستفيد بدورها منه - في حالة الورقة القائمة إلى أعلى.

شكل (7): مصير الأشعة الضوئية الساقطة بزاوية (حوالى 45) على ورقة أفقية (أ) ، وأخرى قائمة إلى أعلى (ب).
وقد استخدم الحاسوب في تقييم مدى أهمية الأوراق القائمة للنبات، وتبين أن الأوراق التي تكون بزاوية مقدارها 80 ترتبط - في المناطق الباردة - بمحصول أعلى عن الأوراق التي تكون بزوايا أقل. وتظهر الاختلافات النظرية في البناء الضوئي (معبرًا عنها بكمية المادة الجافة المنتجة بالجرام /م2 من الأرض /ساعة) للأوراق الأفقية تماما (صفر)، وللأوراق المائلة على الوضع الأفقي بزاوية مقدارها 80 – عندما يكون دليل مساحة الورقة 2,0، أو 4,0، أو 8,0 - تظهر الاختلافات النظرية بين هذه الحالات في شكل (8) ويبدو من الشكل أن أهمية الأوراق القائمة تكون واضحة جلية عندما تكون شدة الضوء أعلى ما يمكن وقت الظهيرة.

شكل (8): القيم النظرية (المحسوبة بالحاسوب) لتراكم المادة الجافة في نبات الذرة عند اختلاف زاوية ميل الورقة، ودليل مساحة الورقة (L)، والوقت من النهار في المناطق الباردة.
وفي دراسات لاحقة لذلك تبين أن أعلى معدل للبناء الضوئي يكون في النباتات التي تتميز بأوراق علوية قائمة لأعلى، بينما تميل أوراقها التالية تدريجيا إلى الوضع الأفقي، ولا يكون للأوراق القائمة أهمية تذكر إلا عندما يزيد دليل مساحة الورقة على 2,0؛ ذلك لأن زيادة دليل مساحة الورقة تعنى ضرورة أن تكون الأوراق قائمة، ليمكن لكمية أكبر من الضوء النفاذ إلى الأوراق السفلى. كما أن هذه الدراسة أوضحت زيادة أهمية صفة الأوراق القائمة في المناطق الاستوائية ؛ نظرًا لزيادة شدة الإضاءة – في تلك المناطق بكثير - عما يلزم الأوراق لكي تصل إلى أقصى معدلات البناء الضوئي ، مقارنة بالمناطق الشمالية.
وتؤكد عدة دراسات عملية أن الأوراق القائمة تؤدى إلى زيادة المحصول (كما في الذرة، والشعير، وبنجر السكر)، وزيادة شدة الإضاءة التي تصل إلى الأوراق السفلى.
هذا.. إلا أن جهود التربية التي بذلت في هذا المجال لم يترتب عليها نجاح كبير، وربما يرجع ذلك إلى الأسباب التالية :
1- ربما لا تستمر الورقة القائمة إلى أعلى - في بداية نموها – قائمة طوال فترة حياة النبات. ففي محاصيل الحبوب.. أمكن رصد حالات كانت فيها الأوراق قائمة إلى أعلى بشكل ملحوظ أثناء مرحلة النمو الخضري ولكن الأوراق اتخذت وضعا يميل إلى الوضع الأفقي تدريجيا بداية ظهور السنابل وهي المرحلة المهمة التي يتم بعدها تكون الحبوب وامتلائها ومع خروج السنبلة من ..غلافها امتد الجزء العلوي من غمد الورقة جانبيًّا، وأجبر ورقة العلم flag leaf على اتخاذ وضع أفقي. ومع تقدم النبات في العمر.. بدأت الأوراق تتدلى إلى أسفل.
2- لم تثبت صفة الأوراق القائمة في كل الظروف البيئية. ويتضح ذلك جليا في المستويات المختلفة للتسميد الآزوتي؛ حيث تميل الأوراق القائمة إلى الارتخاء إلى أسفل عند زيادة النيتروجين في التربة (عن Soskopf 1981).