مع الدعاء: "وَالحَمْدُ للهِ الَّذي تَحَبَّبَ إِلَيَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنّي".
ينبغي للداعي أن يبدأ دعاءه بالحمد لله سبحانه وتعالى، والثناء عليه؛ حتى يكون دعاؤه توطئة وتمهيدًا لاستنزال رحمة الله تعالى، ومن القواعد المهمّة التي ركّز عليها الإمام زين العابدين (عليه السلام) تنبيه الإنسان إلى سعة المحبّة الإلهية بأن سمح له أن يخاطبه، وإنّ حبّه تعالى لعباده لا يُوصَف، وإنّه حبّ مُنزَّه عن النقص والحاجة والاستغناء، فحتى لو تمرّدنا عليه وعصيناه فإنّه لا يقطع حبّه عنّا ولا يمنعنا فيضه، ولا يقابلنا أو يعاملنا بما نستحقّ، بل إنّنا حتّى لو قابلناه بالعصيان فإنّه يظلّ يقابلنا باللطف والنّعم، ولذلك نحن لا نستحق مناجاته، ولكن باب رحمته سمح بذلك.
لنتابع الإمام زين العابدين (عليه السلام) وهو يُبيّن هذا المعنى بلغة الدّعاء والمناجاة، حيث يقول (عليه السلام): ((إلهِي لَوْلا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إيَّاكَ، عَلى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي، لا بِقَدْرِكَ، وَما عَسى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدارِي، حَتّى أُجْعَلَ مَحَلاًّ لِتَقْدِيسِكَ، وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْنا جَرَيانُ ذِكْرِكَ عَلى أَلْسِنَتِنَا، وَإذْنُكَ لَنا بِدُعآئِكَ، وَتَنْزِيهِكَ وَتَسْبِيحِكَ...)) (1).
ومن جملة ما تحبّب الله تعالى إلينا أن سمح لنا أن نخاطبه تعالى، وأذن لنا أن ندعوه، والواقع أنَّ علاقتنا مع الله تعالى علاقة عبد مع سيّده، ولولا أنَّ الله تعالى أمرنا بذلك، وأن نخضع له لكان الواجب أن ننزّه ذكر الله تعالى على ألسنتنا، إذ يصعب عليَّ أن أذكر الله تعالى، كوني مرتكباً لذنبٍ، وخطيئةٍ، ولساني ينطق بالسّوء، فكيف ينزّه ويسبّح الخالق الواجب الوجود المنزّه عن النّقص والظلم مَن كان يحمل كلّ النّقائص، ومَن هو عرضة للذنوب والآثام؟
وكأنّ الإمام (عليه السلام) يقول: إنِّي لولا أن أطيعك وأعبدك بالذّكر لكان الواجب عليَّ أن لا أذكرك؛ تنزيهًا لك لأنِّني لا أستحقّ أن أذكرك بلسانٍ، وبيدٍ، وبجسد، وبقلب ملأته الخطايا والآثام، فلا يستحق لساني أن يذكرك؛ لأنَّ ذكرك أقدس وأنزه أن يذكر بهذه الوسائل والأعضاء الآثمة الجانية؛ لكن الذي يهوّن الخطب أنَّني مهما تحدّثت أتكلّم بقدري الضّئيل لا بما تستحق؛ لاستحالة بلوغ حقيقة الذّكر المتوازنة مع العظمة؟ وكيف يستطيع ناقص أن يصف كاملاً مهما بلغ؟
إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) أفضل أنموذج يمكن أن يُقتدى بهم من حيث جعلهم أسوة ومثالاً وأنموذجاً، وقد يصعب أن يطبق كلّ أقوالهم وأفعالهم، وأن نسير خلفهم خطوة بخطوة، وقدم على قدم، لكن لا يصحّ أن نيأس، ونتذرّع بعدم الوصول إلى مقاماتهم فنترك حتّى الأمور التي نقدر على أدائها، بل وأحيانًا إن لم نكن مثل الإمام الحسين (عليه السلام)، قد نتحوّل ونعسكر في معسكر عمر بن سعد، وشبث بن ربعي، والمفروض أن نحاول قدر الإمكان أن نرتقي، وأن نطمح في معالي الأمور.
إنَّ الطَّالب حتّى يحقّق أهدافه في الامتحان عليه أوّلًا أن يحدّدها، ويهتمّ بتحقيق النَّجاح على أعلى المستويات، ثمّ يقوم بالإجراءات العمليّة الموصلة إلى تحقيق الأهداف مع توطين النّفس على بذل الجهد والصّبر، وحينما لا يحقّق كلّ الهدف في الاختبار فإنَّه لا يخرجه عن دائرة التّميز، وكذلك تعاملنا مع الأئمّة (عليه السلام)، إن لم نستطع أن نكون نسخة منهم فهذا لا يعني أن نترك تعاليمهم؛ بحجّة عدم الوصول إلى سلوكهم، بل لا بُدَّ أن يغترف كلّ شخص بمقدار استطاعته من بحارهم صلوات الله عليهم، وإلّا سوف يخسر نفسه وقيمته، وإذا خسر الإنسان نفسه كانت خسارته عظيمة، وخسارة المرء لشيء قليل من ماله ليست كخسارته لجلّ ماله أو كلّه، وخسارته لماله ليست كخسارته لنفسه وقيمته، فالخسارة مجلبة للهمِّ والغم، وهي بوّابة اليأس والتعاسة، وحتّى نتجنّب الخسارة، لا بُدَّ من تجديد التّوبة والاستغفار كلّ يوم، وأن نسعى لنكون الأفضل. إنَّ مسألة الهداية في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6﴾ [الفاتحة: 6] التي نكرّرها في الصّلاة سبع عشرة مرّة أمر مهم جدًّا، ويحتاج أن نُدقّق فيه، وأن نعيش طموحًا عالياً، وتجدّدًا مستمرًّا في الهداية، وأن نبقى ثابتين على الصّراط المستقيم.
علاقة الخالق والمخلوق:
إنَّ الرّحمة الإلهية لعباده لا يمكن أن تتصوّرها العقول، وكيف أنَّ ربّ العالمين هو الذي يتحبّب إلى عباده بما لا نتصوّر كنهه، والسّرّ في ذلك؛ لأنَّ علاقتنا علاقة الخالقيّة والمخلوقيّة، فكلّ مُوجِد يُحبّ ما أوجده، وربّ العالمين هو المُوجِد، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، ومن هنا يكون وجه العجب في أنَّ الإنسان كيف يواجه هذا التّحبّب بالبغض ((...إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيَّ فَلا أَقْبَلُ مِنْكَ، كَأَنَ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لِي وَالاِحْسانِ إِلَيَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَأرْحَمْ عَبْدَكَ الجاهِلَ، وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إِحْسانِكَ إِنَّكَ جَوادٌ كَرِيمٌ...)) (2).
وإذا لم يفق العبد من غفلته، وتمادى في ارتكاب المعاصي، فإنّ أثرها على النّفس يكون عظيمًا جدًّا، قد يصل إلى مرحلة البُعد عن الله تعالى، وحينئذ لا يمكنه الرّجوع إلى خطّ الاستقامة، فنحن لا نمتلك القرابة مع الله تعالى، وإنَّما تُقرّبنا الطّاعة والعمل الصّالح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار: 91 / 151.
(2) تهذيب الأحكام، تحقيق الخرسان: 3 / 89.