المتن الأول:
عن جعفر بن محمد عليه السّلام، قال: لما انصرفت فاطمة عليها السّلام من عند أبي بكر، أقبلت على أمير المؤمنين عليه السّلام فقالت: يا ابن أبي طالب ! اشتملت مشيمة[1] الجنين وقعدت حجرة الظنين ؟ ! نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل ؟ ! هذا ابن أبي قحافة قد ابتزّني نحيلة أبي وبليغة ابنيّ. واللّه لقد أجدّ في ظلامي وألدّ في خصامي حتى منعتني قيلة نصرها والمهاجرة وصلها وغضّت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع. خرجت واللّه كاظمة وعدت راغمة ؛ ليتني - ولا خيار لي - متّ قبل زلّتي وتوفّيت قبل منيتي ؛ عذيرى فيك اللّه حاميا ومنك عاديا، ويلاه في كل شارق ويلاه ؛ مات المعتمد ووهن العضد. شكواي إلى ربي وعدواي إلى أبي ؛ اللهم أنت أشد قوة.
فأجابها أمير المؤمنين عليه السّلام: لا ويل لك، بل الويل لشانئك، نهنهي من غربك[2] يا بنت الصفوة وبقية النبوة ؛ فو اللّه ما ونّيت في ديني ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت ترزئين البلغة فرزقك مضمون ولعيلتك مأمون وما أعدلك خير مما قطع عنك، فاحتسبي.
فقالت: حسبي اللّه ونعم الوكيل.[3]
المصادر:
1. الأمالي للطوسي: ج 2 ص 295 ح 8.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 323 ح 9، عن الأمالي.
3. بحار الأنوار: ج 43 ص 148 ح 4، عن المناقب.
4. المناقب لابن شهرآشوب: ج 2 ص 51.
5. الاحتجاج: ج 1 ص 145.
6. شرح ابن ميثم: ج 5 ص 105.
7. الدر النظيم: ص 145.
8. الدمعة الساكبة: ج 1 ص 324، عن الاحتجاج.
9. بحار الأنوار: ج 29 ص 312، بتغيير فيه، عن كشف الغمة.
10. كشف الغمة ( مخطوط )، على ما في البحار.
11. فاطمة الزهراء عليها السّلام من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 296، بتفاوت فيه.
الأسانيد:
في أمالي الطوسي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن شاذان، عن محمد بن علي بن المفضل، عن محمد بن علي بن معمّر، عن محمد بن الحسين الزيات، عن أحمد بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد عليه السّلام، قال.
المتن الثاني:
عن علي عليه السّلام، قال: كساني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حلّة سيراء، فخرجت بها فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي.
وفي إفراد مسلم عنه: أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ثوب حرير، فأعطاه عليا عليه السّلام وقال: شقّقه خمرا بين الفواطم.
المصادر:
1. الرياض النضرة: ج 3 ص 170.
2. الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم: ص 525 ح 1936.
المتن الثالث:
عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت سلمان الفارسي، قال: لما أن قبض النبي صلّى اللّه عليه وآله وصنع الناس ما صنعوا، جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ؛ فخاصموا الأنصار فخصموهم بحجة علي عليه السّلام، فقالوا:
يا معشر الأنصار، قريش أحق بالأمر منكم لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من قريش، والمهاجرون خير منكم لأن اللّه بدأ بهم في كتابه وفضّلهم ؛ قال رسول اللّه: «الأئمة من قريش».
وقال سلمان: فأتيت عليا عليه السّلام وهو يغسّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أوصى عليا عليه السّلام أن لا يلي غسله غيره، فقال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، من يعينني على ذلك ؟ فقال:
جبرئيل. فكان علي عليه السّلام لا يريد عضوا إلا قلّب له.
فلما غسّله وحنّطه وكفّنه، أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام. فتقدّم وصففنا خلفه وصلّى عليه والعائشة في الحجرة لا تعلم، قد أخذ اللّه ببصرها. ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار، فكانوا يدخلون ويدعون ويخرجون، حتى لم يبق أحد شهد من المهاجرين والأنصار إلا صلّى عليه.
قال سلمان الفارسي: فأخبرت عليا عليه السّلام - وهو يغسّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - بما صنع القوم، قلت: إن أبا بكر الساعة لعلى منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ما يرضون أن يبايعوا له بيد واحدة وإنهم ليبايعونه بيديه جميعا بيمينه وشماله !
فقال علي عليه السّلام: يا سلمان، وهل تدري من أول من بايعه على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ قلت:
لا، إلا أني رأيته في ظلة بني ساعدة حين خصمت الأنصار، وكان أول من بايعه المغيرة بن شعبة، ثم بشير بن سعد، ثم أبو عبيدة بن الجراح، ثم عمر بن الخطاب، ثم سالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل.
قال: لست أسألك عن هؤلاء، ولكن تدري من أول من بايعه حين صعد المنبر ؟
قلت: لا، ولكن رأيت شيخا كبيرا يتوكّأ على عصاه، بين عينيه سجّادة شديد التشمير، صعد المنبر أول من صعد وخرّ وهو يبكي ويقول: الحمد للّه الذي لم يمتني حتى رأيتك في هذا المكان، أبسط يدك. فبسط يده فبايعه، ثم قال: يوم كيوم آدم. ثم نزل فخرج من المسجد.
فقال علي عليه السّلام: يا سلمان، أتدري من هو ؟ قلت: لا، ولقد ساءتني مقالته، كأنه شامت بموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. قال علي عليه السّلام: فإن ذلك إبليس لعنه اللّه ؛ أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن إبليس ورؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إيّاي يوم غدير خم بما أمره اللّه، فأخبرهم بأني أولى بهم من أنفسهم، وأمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب. فأقبل إلى إبليس أبالسته ومردة أصحابه، فقالوا: إن هذه الأمة أمة مرحومة معصومة، فما لك ولا لنا عليهم سبيل، وقد أعلموا مفزعهم وإمامهم بعد نبيهم. فانطلق إبليس كئيبا حزينا.
وقال أمير المؤمنين عليه السّلام: فأخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن لو قبض إن الناس سيبايعون أبا بكر في ظلّة بني ساعدة بعد تخاصمهم بحقنا وحجتنا، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مشمّر، يقول كذا وكذا. ثم يخرج فيجمع شياطينه وأبالسته، فيخرّون سجّدا ويقولون: يا سيدهم ويا كبيرهم، أنت الذي أخرجت آدم من الجنة. فيقول: أيّ أمة لم تضلّ بعد نبيها ؟ كلا، زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل ؟ فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا ما أمرهم اللّه به من طاعته وأمرهم رسول اللّه ؟ وذلك قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».[4]
قال سلمان: فلما أن كان الليل، حمل علي فاطمة عليهما السّلام على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين عليهما السّلام ؛ فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتاه في منزله، فذكّرهم حقه ودعاهم إلى نصرته ؛ فما استجاب له منهم إلا أربعة وأربعون رجلا. فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلّقين رؤوسهم، معهم سلاحهم ليبايعوه على الموت.
فأصبحوا فلم يواف منهم أحد إلا أربعة. فقلت لسلمان: من الأربعة ؟ فقال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام. ثم أتاهم علي عليه السّلام من الليلة المقبلة فناشدهم، فقالوا:
نصبحك بكرة، فما منهم أحد أتاه غيرنا. ثم أتاهم الليلة الثالثة، فما أتاه غيرنا.
فلما رأى علي عليه السّلام غدرهم وقلة وفائهم له لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلّفه ويجمعه.
فلم يخرج من بيته حتى جمعه، وكان في الصحف والشظاظ والأكتاف والرقاع.
فلما جمعه كله وكتبه بيده، تنزيله وتأويله والناسخ منه والمنسوخ، بعث إليه أبو بكر أخرج فبايع. فبعث إليه علي عليه السّلام أنّي مشغول وقد آليت على نفسي يمينا أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أؤلّف القرآن وأجمعه.
فسكتوا عنه أياما، فجمعه في ثوب واحد وختمه، ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. فنادى علي عليه السّلام بأعلى صوته:
أيها الناس ! إنّي لم أزل منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مشغولا بغسله ثم بالقرآن، حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد ؛ فلم ينزل اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وآله آية منه إلا وقد جمعتها، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلّمني تأويلها.
ثم قال علي عليه السّلام: لئلا تقولوا غدا: «إنّا كنا عن هذا غافلين».
ثم قال لهم علي عليه السّلام: لا تقولوا يوم القيامة إني لم أدعكم إلى نصرتي ولم أذكّركم حقي ولم أدعكم إلى كتاب اللّه من فاتحته إلى خاتمته.
فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه. ثم دخل علي عليه السّلام بيته، وقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي فليبايع، فإنا لسنا في شيء حتى يبايع، ولو قد بايع أمنّاه، فأرسل إليه أبو بكر: أجب خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. فأتاه الرسول فقال له ذلك. فقال له علي عليه السّلام: سبحان اللّه ! ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أنّ اللّه ورسوله لم يستخلفا غيري.
فذهب الرسول فأخبره بما قال له، قال: اذهب فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بما قال. فقال علي عليه السّلام: سبحان اللّه ! ما واللّه، طال العهد فينسى ؛ واللّه إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، ولقد أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - وهو سابع سبعة - فسلّموا عليّ بإمرة المؤمنين، فاستفهم هو وصاحبه من بين السبعة فقالا: أمر من اللّه ورسوله ؟ فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: نعم، حقا من اللّه ورسوله، إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وصاحب لواء الغرّ المحجّلين، يقعده اللّه عز وجل يوم القيامة على الصراط، فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار.
فانطلق الرسول فأخبره بما قال، فسكتوا عنه يومهم ذلك. قال: فلما كان الليل حمل علي فاطمة عليهما السّلام على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين عليهما السّلام، فلم يدع أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلا أتاه في منزله ؛ فناشدهم اللّه حقّه ودعاهم إلى نصرته. فما استجاب منهم رجل غيرنا أربعة، فإنا حلّقنا رؤوسنا وبذلنا له نصرتنا، وكان الزبير أشدّنا بصيرة في نصرته.
فلما أن رأى علي عليه السّلام خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه، لزم بيته.
فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة، وكان أبو بكر أرقّ الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غورا، والآخر أفظّهما وأغلظهما وأجفاهما. فقال له أبو بكر: من نرسل إليه ؟ فقال عمر:
نرسل إليه قنفذا، فهو رجل فظّ غليظ جاف من الطلقاء، أحد بني عدي بن كعب.
فأرسله وأرسل معه أعوانا، وانطلق فاستأذن على علي عليه السّلام، فأبى أن يأذن لهم. فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما جالسان في المسجد والناس حولهما، فقالوا:
لم يؤذن لنا.
فقال عمر: اذهبوا، فإن أذن لكم وإلا فأدخلوا بغير إذن. فانطلقوا فاستأذنوا، فقالت فاطمة عليها السّلام: احرّج عليكم أن تدخلوا عليّ بيتي بغير إذن. فرجعوا وثبت قنفذ الملعون، فقالوا: إن فاطمة عليها السّلام قالت كذا وكذا فتحرّجنا أن ندخل بيتها بغير إذن.
فغضب عمر وقال: ما لنا وللنساء. ثم أمر أناسا حوله بتحصيل الحطب، وحملوا الحطب وحمل معهم عمر، فجعلوه حول منزل علي عليه السّلام وفيه علي وفاطمة وابناهما عليهم السّلام. ثم نادى عمر حتى أسمع عليا وفاطمة عليهما السّلام: واللّه لتخرجنّ يا علي ولتبايعنّ خليفة رسول اللّه وإلا أضرمت عليك النار.
فقامت فاطمة عليها السّلام فقالت: يا عمر ! ما لنا ولك ؟ فقال: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم.
فقالت: يا عمر ! أما تتّقي اللّه، تدخل عليّ بيتي ؟ ! فأبى أن ينصرف، ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب، ثم دفعه فدخل.
فاستقبلته فاطمة عليها السّلام وصاحت: يا أبتاه يا رسول اللّه ! فرفع عمر السيف - وهو في غمده - فوجأ به جنبها، فصرخت: يا أبتاه. فرفع السوط فضرب به ذراعها، فنادت: يا رسول اللّه ! لبئس ما خلّفك أبو بكر وعمر.
فوثب علي عليه السّلام فأخذ بتلابيه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله، فذكر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وما أوصاه به، فقال: والذي كرّم محمدا صلّى اللّه عليه وآله بالنبوة يا ابن صهّاك، لولا كتاب من اللّه سبق وعهد عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لعلمت إنك لا تدخل بيتي.
فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي عليه السّلام إلى سيفه. فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوّف أن يخرج علي عليه السّلام بسيفه، لما قد عرف من بأسه وشدته.
فقال أبو بكر لقنفذ: ارجع فإن خرج وإلا فاقتحم عليه بيته، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار.
فانطلق قنفذ الملعون، فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن وثار علي عليه السّلام إلى سيفه، فسبقوه إليه وكاثروه. فتناول بعض سيوفهم فكاثروه، فألقوا في عنقه حبلا، وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السّلام عند باب البيت ؛ فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإن في عضدها مثل الدّملج من ضربته لعنه اللّه.
ثم انطلقوا بعلي عليه السّلام يتلّ حتى انتهي به إلى أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وساير الناس حول أبي بكر عليهم السلاح.
قال: قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة عليها السّلام بغير إذن ؟ قال: إي واللّه، وما عليها خمار، فنادت: يا أبتاه يا رسول اللّه ! فلبئس ما خلّفك أبو بكر وعمر وعيناك لم تتفقّأ في قبرك، تنادي بأعلى صوتها. فلقد رأيت أبا بكر ومن حوله يبكون، ما فيهم إلا باك غير عمر وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة، وعمر يقول: إنا لسنا من النساء ورأيهنّ في شيء.
قال: فانتهوا بعلي عليه السّلام إلى أبي بكر وهو يقول: أما واللّه لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا أبدا ؛ أما واللّه ما ألوم نفسي في جهادكم، ولو كنت أستمسك من أربعين رجلا لفرّقت جماعتكم، ولكن لعن اللّه أقواما بايعوني ثم خذلوني.
ولما أن بصر به أبو بكر صاح: خلّوا سبيله. فقال علي عليه السّلام: يا أبا بكر ! ما أسرع ما توثّبتم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ! بأيّ حق وبأيّ منزلة دعوت الناس إلى بيعتك ؟ ألم تبايعني بالأمس بأمر اللّه وأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ وقد كان قنفذ لعنه اللّه ضرب فاطمة عليها السّلام بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها، وأرسل إليه عمر إن حالت بينك وبينه فاطمة عليها السّلام فاضربها. فألجأها قنفذ إلى عضادة بيتها ودفعها، فكسر ضلعا من جنبها فألقت جنينا من بطنها. فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت - صلى اللّه عليها - من ذلك شهيدة.
قال: ولما انتهي بعلي عليه السّلام إلى أبي بكر، انتهره عمر وقال له: بايع ودع عنك هذه الأباطيل. فقال له علي عليه السّلام: فإن لم أفعل فما أنتم صانعون ؟ قالوا: نقتلك ذلّا وصغارا. فقال:
إذا تقتلون عبد اللّه وأخا رسوله صلّى اللّه عليه وآله. فقال أبو بكر: أما عبد اللّه فنعم، وأما أخو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فما نقرّ لك بهذا. قال: أتجحدون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله آخا بيني وبينه ؟ ! قال: نعم. فأعاد ذلك عليه ثلاث مرات.
المصادر:
1. كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج 2 ص 577 ح 4.
2. بحار الأنوار: ج 28 ص 261 ح 45، عن كتاب سليم.
3. بحار الأنوار: ج 43 ص 197 ح 29.
4. عوالم العلوم: ج 11 ص 220 ح 1.
5. مدينة المعاجز: ص 132.
6. كفاية الموحدين: ج 2 ص 230.
7. الاحتجاج: ج 1 ص 105.
المتن الرابع:
قال ابن قتيبة في ما جرى في السقيفة:... إلى أن قال:
أخرجوا عليا عليه السّلام فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع. فقال: إن لم أفعل فمه ؟ فقالوا:
إذا واللّه الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. قال: إذا تقتلون عبد اللّه وأخا رسوله صلّى اللّه عليه وآله.
فقال عمر: أما عبد اللّه فنعم، وأما أخو رسول اللّه فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم. فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه. فلحق علي عليه السّلام بقبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يصيح ويبكي وينادي: «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي».[5]
ثم ذكر ابن قتيبة: إنهما جاء إلى فاطمة عليها السّلام معتذرين، فقالت: نشدتكما باللّه ألم تسمعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول: «رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ومن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني» ؟ قالا: نعم، سمعناه. قالت: فإني أشهد اللّه وملائكته إنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي صلّى اللّه عليه وآله لأشكونكما.
فقال أبو بكر: أنا عائذ باللّه من سخطه وسخطك يا فاطمة. ثم انتحب أبو بكر باكيا تكاد نفسه أن تزهق وهي تقول: واللّه لأدعون اللّه عليك في كل صلاة، وأبو بكر يبكي ويقول: واللّه لأدعون اللّه لك في كل صلاة أصليها. ثم خرج باكيا.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 29 ص 627 ح 37، عن الإمامة والسياسة.
2. الإمامة والسياسة: ص 13.
المتن الخامس:
عن أيوب السجستاني، قال: كنت أطوف فاستقبلني في الطواف أنس بن مالك، فقال لي: ألا أبشّرك تفرح به ؟ فقلت: بلى. فقال: كنت واقفا بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وآله في مسجد المدينة وهو قاعد في الروضة، فقال لي: اسرع وأتنى بعلي بن أبي طالب. فذهبت فإذا علي وفاطمة عليها السّلام ؛ فقلت له: إن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يدعوك. فجاء علي عليه السّلام فقال:
يا علي، سلّم على جبرئيل. فقال علي عليه السّلام: السلام عليك يا جبرئيل، فردّ عليه جبرئيل السلام. فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله: جبرئيل يقول: إن اللّه يقرأ عليك السلام ويقول: طوبى لك ولشيعتك ولمحبيك، والويل ثم الويل لمبغضي ؛ إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: أين محمد وعلي ؟ فيزخّ بكما إلى السماء حتى توقفان بين يدي اللّه، فيقول لنبيه صلّى اللّه عليه وآله: أورد عليا عليه السّلام الحوض، وهذا كأس اعطه حتى يسقي محبيه وشيعته، ولا يسقي أحدا من مبغضيه، ويأمر لمحبيه أن يحاسبوا حسابا يسيرا، ويؤمر بهم إلى الجنة.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 27 ص 117 ح 97، عن إيضاح دفائن النواصب.
2. إيضاح دفائن النواصب: ص 47، على ما في البحار.
المتن السادس:
قال المفيد في غزوة أحد بعد انهزام كتائب المشركين:
... وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وانصرف المشركون إلى مكة وانصرف المسلمون مع النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة. فاستقبلته فاطمة عليها السّلام ومعها إناء فيه ماء ؛ فغسّل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين عليه السّلام وقد خضب الدم يده إلى كتفه ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة عليها السّلام وقال لها: خذي هذا السيف فقد صدّقني اليوم، وأنشأ يقول:
أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد * وطاعة رب بالعباد عليم
أميطي دماء القوم عنه فإنه * سقى آل عبد الدار كأس حميم
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه، وقد قتل اللّه بسيفه صناديد قريش.[6]
المصادر:
1. الإرشاد: ج 1 ص 89.
2. بحار الأنوار: ج 20 ص 87 ح 17.
3. الأمالي للطوسي: ج 1 ص 142.
4. كشف الغمة: ج 1 ص 195، بتفاوت يسير.
5. شرح نهج البلاغة: ج 15 ص 35، شطرا من ذيل الحديث.
6. تذكرة الخواص: ص 164، شطرا من ذيل الحديث.
7. المناقب للخوارزمي: ص 72 ح 208، شطرا من الحديث.
8. إحقاق الحق: ج 5 ص 287، عن مجمع الزوائد، بتفاوت فيه.
9. مجمع الزوائد: ج 6 ص 122، على ما في الإحقاق.
10. نزهة المجالس: ج 1 ص 249، على ما في الإحقاق.
11. أعيان الشيعة: ج 2 ص 126، عن الإرشاد.
12. مسند فاطمة الزهراء عليها السّلام للسيوطي: ص 49.
13. فاطمة الزهراء عليها السّلام من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 40.
14. تاريخ الأمم والملوك: ج 3 ص 27.
15. تاريخ الأمم والملوك: ج 2 ص 74.
16. حلية الأبرار: ج 1 ص 478.
الأسانيد:
1. في أمالي الطوسي بالإسناد، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن مالك النحوي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن محمد بن إسحاق، عن مشيخة، قال.
2. في مناقب الخوارزمي بأسناده، عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن يسار، قال: قال علي بن أبي طالب عليه السّلام.
المتن السابع:
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حين حج حجة الوداع، خرج في أربع بقين من ذي القعدة...، إلى أن قال:
وأقبل علي عليه السّلام من اليمن حتى وافى الحج، فوجد فاطمة عليها السّلام قد أحلّت ووجد ريح الطيب. فانطلق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مستفتيا ومحرّشا على فاطمة عليها السّلام. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله:
يا علي، بأي شيء أهللت ؟ فقال: أهللت بما أهلّ النبي صلّى اللّه عليه وآله. فقال: لا تحلّ أنت وأشركه في هديه ؛ وجعل له من الهدي سبعا وثلاثين ونحر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثلاثا وستين، نحرها بيده. ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر واحد، ثم أمر به فطبخ. فأكلا منها وحسّوا من المرق. فقال: قد أكلنا الآن منها جميعا، فالمتعة أفضل من القارن السائق الهدي، وخير من الحج المفرد.
وقال: إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة المتعة.
وقال ابن عباس: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة.
المصادر:
1. علل الشرائع: ص 412 ح 1.
2. بحار الأنوار: ج 96 ص 89 ح 6، شطرا من الحديث، عن العلل.
الأسانيد:
في علل الشرائع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال.
المتن الثامن:
عن عروة بن الزبير، قال: كنا جلوسا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء:
يا قوم، ألا أخبركم بأقل القوم مالا وأكثرهم ورعا وأشدهم اجتهادا في العبادة ؟
قالوا: من ؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: فو اللّه إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه. ثم انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر، لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.
فقال أبو الدرداء: يا قوم، إني قائل ما رأيت وليقل كل قوم منكم ما رأوا ؛ شهدت علي بن أبي طالب عليه السّلام بشويحطات النجار، وقد اعتزل من مواليه واختفى ممن يليه واستتر بمغيلات النخل. فافتقدته وبعد عليّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول:
إلهي كم من موبقة حملت عني مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك...، إلى أن قال:
قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة. فحرّكته فلم يتحرّك وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا للّه وإنا إليه راجعون، مات واللّه علي بن أبي طالب. قال: فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم.
فقالت فاطمة عليها السّلام: يا أبا الدرداء، من كان ما شأنه ومن قصته ؟ فأخبرتها الخبر، فقالت:
هي واللّه يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية اللّه. ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق ونظر إليّ وأنا أبكي، فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك.
فقال: يا أبا الدرداء، فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب واحتوشني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفي عليه خافية.
فقال أبو الدرداء: فو اللّه ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.
المصادر:
1. الأمالي للصدوق: ص 77 ح 9.
2. بحار الأنوار: ج 84 ص 195 ح 2، عن الأمالي.
3. تنبيه الخواطر للورام: ج 2 ص 157.
4. حلية الأبرار: ج 1 ص 324.
5. رياض السالكين: ج 1 ص 36، شطرا منه.
الأسانيد:
في الأمالي: عن جعفر بن محمد المكي، عن عبد اللّه بن إسحاق، عن محمد بن زياد، عن المغيرة، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن زبير، قال.
المتن التاسع:
بالإسناد، عن زيد بن أبي أوفى، قال: دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - فذكر قصة مؤاخاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال -: قال علي عليه السّلام:
لقد ذهب روحي وانقطع طهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط عليّ فلك العتبى والكرامة.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: والذي بعثني بالحق ما اخترتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووزيري ووارثي.
قال: قال: وما أرث منك يا رسول اللّه ؟ قال: ما ورّث الأنبياء قبلك ؛ كتاب اللّه وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي فاطمة عليها السّلام، وأنت أخي ورفيقي. ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: «إخوانا على سرر متقابلين»[7]، المتحابّون في اللّه، ينظر بعضهم إلى بعض.
المصادر:
1. كشف الغمة: ص 96.
2. بحار الأنوار: ج 38 ص 342 ح 18، عن كشف الغمة.
[3] قال المجلسي بعد نقل الحديث:
ولندفع الإشكال الذي قلما لا يخطر بالبال عند سماع هذه الجواب والسؤال وهو:
إن اعتراض فاطمة عليها السّلام على أمير المؤمنين عليه السّلام في ترك التعرض للخلافة وعدم نصرتها وتخطأته فيهما - مع علمها بإمامته ووجوب اتباعه وعصمته وأنه لم يفعل شيئا إلا بأمره تعالى ووصية الرسول صلّى اللّه عليه وآله - مما ينافي عصمتها وجلالتها.
فأقول: يمكن أن يجاب عنه بأن هذه الكلمات صدرت منها عليها السّلام لبعض المصالح ولم تكن واقعا منكرة لما فعله، بل كانت راضية، وإنما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم وشناعة أفعالهم، وأن سكوته عليه السّلام ليس لرضاه بما أتوا به.
ومثل هذا كثيرا ما يقع في العادات والمحاورات، كما أن ملكا يعاتب بعض خواصه في أمر بعض الرعايا مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم وأنه مما استوجب به أخص الناس بالملك منه المعاتبة.
ونظير ذلك ما فعله موسى - لما رجع إلى قومه غضبان أسفا -، من إلقائه الألواح وأخذه برأس أخيه يجرّه إليه، ولم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم وشدة جرمهم، كما مرّ الكلام فيه.
وأما حمله على أن شدة الغضب والأسف والغيظ حملتها على ذلك - مع علمها بحقّية ما ارتكبه عليه السّلام، فلا ينفع في دفع الفساد وينافي عصمتها وجلالتها التي عجزت عن إدراكها أحلام العباد.
بقي هاهنا إشكال آخر، وهو:
أن طلب الحق والمبالغة فيه وإن لم يكن منافيا للعصمة لكن زهدها صلوات اللّه عليها وتركها للدنيا وعدم اعتدادها بنعيمها ولذاتها وكمال عرفانها ويقينها بفناء الدنيا وتوجه نفسها القدسية وانصراف همتها العالية دائما إلى اللذات المعنوية والدرجات الأخروية، لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك والخروج إلى مجمع الناس والمنازعة مع المنافقين في تحصيله.
والجواب عنه من وجهين:
الأول: أن ذلك لم يكن حقا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة والمساهلة والمحاباة وعدم المبالاة في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الأئمة الأعلام والأشراف الكرام.
نعم لو كان مختصّا بها كان لها تركه والزهد فيه وعدم التأثّر من فوته.
الثاني: أن تلك الأمور لم تكن لمحبة فدك وحب الدنيا، بل كان الغرض إظهار ظلمهم وجورهم وكفرهم ونفاقهم، وهذا كان من أهمّ أمور الدين وأعظم الحقوق على المسلمين.
ويؤيّده أنها صلوات اللّه عليها صرّحت في آخر الكلام، حيث قالت: «قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة»، وكفى بهذه الخطبة بيّنة على كفرهم ونفاقهم.
ونشيّد ذلك بإيراد رواية بعض المخالفين في ذلك:
روى ابن أبي الحديد في سياق أخبار فدك، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري: أن أبا بكر لما سمع خطبة فاطمة عليها السّلام في فدك شقّ عليه مقالتها، فصعد المنبر فقال: أيها الناس، ما هذه الرّعة إلى كل قالة...، إلى آخر كلامه.
[5] سورة الأعراف: الآية 150.
[6] وزاد في أمالي الطوسي، قال: وسمع يوم أحد - وقد هاجت ريح عاصف - كلام هاتف يهتف وهو يقول:
لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي
فإذا ندبتم هالكا * فابكوا الوفي أخا الوفي
[7] سورة الحجر: الآية 47.