إنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) ادّخره الله تعالى، وهنا لا بُدَّ من وظيفة وعمل وهدف للإمام زين العابدين (عليه السلام) يعمله، بحيث كما قلنا لا توجد في سلسلة الأئمة (عليهم السلام) حلقة زائدة، وحتّى تتركّز هذه القاعدة أكثر، أضرب لكم مثالاً آخر في حياة المعصومين - صلوات الله عليهم -، ألا وهو الإمام الجواد (عليه السلام)، فقد كان مع عمره الشّريف البالغ خمسة وعشرين سنة وردت منه - صلوات الله عليه - أحكام ومعارف كثيرة، لكن حينما لا نعلم بذلك فهذه المشكلة مشكلتنا، وليس مشكلة السلسلة، ولا تكتمل السلسلة إلَّا مع الإمام الجواد (عليه السلام)، ولا تكتمل إلّا مع الإمام الهادي (عليه السلام)، وأيضاً لا تكتمل إلَّا مع الإمام المهدي - سلام الله عليه ـ. وهذا الموضوع تكرّر لعلّه أكثر من مرّة، وبعد واقعة الطّف: ((مَا بِمَكَّةَ وَلَا بِالْمَدِينَةِ عِشْرُونَ رَجُلًا يُحِبُّنَا)) (1)، كمّيّة تكون بالنسبة المئوية لا شيء، ومكّة والمدينة هي البقاع الإسلاميّة والعاصمة الدينيّة، والمدينة مدينتهم، فالنبيّ (صلى الله عليه وآله) عاش فيها كذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحسن والحسين (عليهما السلام) قبل أن يأتي إلى كربلاء، هذه كلّها مدينتهم يقول: "مَا بِمَكَّةَ وَلَا بِالمَدِينَةِ عِشْرُونَ رَجُلًا يُحِبُّنَا"، وهذا شيء غريب، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ((ارْتَدَّ النَّاسُ بَعْدَ الحُسَيْنِ ـ عليه السلام ـ إِلَّا ثَلَاثَةً: أَبُو خَالِدٍ الْكَابُلِيُّ، وَيَحْيَى ابْنُ أُمِّ الطَّوِيلِ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ لَحِقُوا وَكَثُرُوا)) (2).
فماذا صنع الإمام زين العابدين (عليه السلام) حتّى ازدادت الناس بعد واقعة الطّف؟
يذكر المؤرّخون أنّهم شاهدوا في مسجد الكوفة أربعة آلاف رجلٍ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد الإمام الصادق ابن الإمام الباقر ابن الإمام زين العابدين (عليهم السلام) (3)، فماذا فعل الإمام زين العابدين (عليه السلام) حتّى يرجع الناس الى سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) وإلى دين أجداده، وهذا البحث التاريخي مهمّ جدًّا.
إنَّ معرفتنا بالأئمة (عليهم السلام) وتاريخهم له دور أساسيّ وجوهري في حياتنا، وأقصد بالبحث التاريخي ذلك البحث البعيد عن السياسة الظّالمة، وبعبارة أخرى لا قيمة للبحث التاريخي الذي كتب بأقلام السّلطة الجائرة في ذلك الوقت، وكأنموذج على ذلك التاريخ المدرسي الذي يدرسه أولادنا اليوم، فهو تاريخ سياسيّ للسلطة، وفيه كثير من النقص، والمطلوب أن يكون هناك رديف له، ألا وهو تاريخ الأئمة )عليهم السلام)؛ حتّى لا نقول: هذا التاريخ السياسي كان في زمن الخليفة الفلاني والإمام الفلاني، وإنَّما نقول: كان في زمن الإمام الفلاني والخليفة الفلاني؛ لأنَّ التاريخ الذي يرفع مستوى الناس هو التاريخ الذي فيه جنبة أدبية إلهيّة من خلاله يؤدّب الناس ويؤدّب خلقه، فهذا الأولى أن يدرس، ولذلك البحث التاريخي في زمن الأئمة (عليهم السلام) بالإضافة إلى اعتقادنا الخاص بالأئمّة (عليهم السلام)، هناك آثار تبرز من خلال هذه الدراسة التاريخيّة.
(تهذيب النفس)
من جملة الأشياء التي صنعها الإمام (عليه السلام) الاهتمام الكبير بتربية النّفس، وهذا الاهتمام الكبير في التربية يحتاج الى قدرة، ويحتاج إلى طاقة ويحتاج الى رؤية، وكيف ينتشر كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام) في جوّ كلّه عيون وجواسيس على الإمام (عليه السلام)، وهنا أذكر مقطعًا؛ حتى نستضيء من نوره (عليه السلام) ونعرف من هو الإمام: ((وَلَقَدْ دَخَلَ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُهُ ـ عليه السلام ـ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ، فَرَآهُ قَدِ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مِنَ السَّهَرِ، وَرَمِصَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ، وَدَبِرَتْ جَبْهَتُهُ وَانْخَرَمَ أَنْفُهُ مِنَ السُّجُودِ، وَوَرِمَتْ سَاقَاهُ وَقَدَمَاهُ مِنَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ـ عليه السلام ـ: فَلَمْ أَمْلِكْ حِينَ رَأَيْتُهُ بِتِلْكَ الْحَالِ الْبُكَاءَ، فَبَكَيْتُ رَحْمَةً لَهُ، وَإِذَا هُوَ يُفَكِّرُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ مِنْ دُخُولِي فَقَالَ: يَا بُنَيَّ أَعْطِنِي بَعْضَ تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا عِبَادَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ عليه السلام ـ فَأَعْطَيْتُهُ فَقَرَأَ فِيهَا شَيْئاً يَسِيراً ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ يَدِهِ تَضَجُّراً، وَقَالَ: مَنْ يَقْوَى عَلَى عِبَادَةِ عَلِيٍّ ـ عليه السلام ـ)) (4).
من الأمور الثابتة تاريخيًّا أنَّ عبادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) أكثر من عبادة السجاد (عليه السلام) لكن لم ينتشر عندنا شيء اسمه الصحيفة العلويّة، نعم الآن بعض المتصدِّين يجمع أدعية أمير المؤمنين (عليه السلام) ويجعلها في كتاب مستقل، وقطعاً هذا شيء جيّد جدّاً ونحتاجه، لكن الصحيفة السجّاديّة تميّزت عن باقي الصّحف التي تتضمّن الأدعية، فالإمام الباقر (عليه السلام) كان يدعو، والإمام الحسين (عليه السلام) كان يدعو وبقيّة الأئمة كانوا يدعون، والإمام الكاظم (عليه السلام) خمس عشرة سنة كان في السجن أيضاً يدعو، ولكن للصحيفة السجادية أثر خاص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الغارات، الثقفي، إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال (ت: 283هـ)، لجنة الآثار الوطنية، طهران: 1395هـ، الأولى: 2 / 573.
(2) الاختصاص، المفيد، محمد بن محمد (ت: 413 هـ)، المؤتمر العالميّ لألفيّة الشيخ المفيد، إيران؛ قم 1413هـ، الأولى: ص 64.
(3) ينظر: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: 2 / 179.
(4) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، المفيد، محمد بن محمد (ت: 413 هـ)، مؤتمر الشيخ المفيد، قم 1413هـ، الأولى: 2 / 142.