وقد رقَّم العلماء هذه الكهوف تسهيلًا لتعيينها؛ فالكهفان الأول والثاني يقعان في الصخور بين وادي الدبابير ووادي غوفات زبين. وقد وُجد في الكهف الأول درج كامل لنبوَّة أشعيا، وشرح على حبقوق ونظام جماعة قمران. وقد عُني بنشرها جميعها، بين السنة 1950 و1951، أساتذة المعهد الأميركي للأبحاث الشرقية (1). ووُجد أيضًا في هذا الكهف نفسه درج نظام الحرب المعروفة بحرب أبناء النور ضد أبناء الظُّلمة، ومجموعة من الترانيم، وشيءٍ من نبوَّة أشعيا. وقد أعدَّها جميعها للنشر الدكتور سوكنيك Sukenik الأستاذ في الجامعة العبرية، فنُشرت بعد وفاته في السنة 1955 (2). ومن محفوظات هذا الكهف أيضًا

نموذج من الجرار التي وُجدت فيها الدروج.
شرح بالآرامية لفصول سفر التكوين الخمس عشرة الأولى، وهو مخروم بالٍ. وقد بدأ بنشره الأستاذان أفيجاد Avigad ويادين Yadin بالعبرية والإنكليزية في السنة 1956 (3). أما الفتائت التي وُجدت منثورة هنا وهنالك في هذا الكهف الأول، فإنها تعد بالمئات. وقد عُني بها الأبوان «برتلماوس وميليك»، ونشراها مع غيرها من شتى الآثار في المجلد الأول من سلسلة أوكسفورد في السنة 1955 (4).
وكشف التعامرة الكهف الثاني في شباط السنة 1952 بالقرب من الكهف الأول، ولحقهم العلماء إليه، فلم يجدوا فيه سوى فتائت منثورة من نوع ما وُجد في الكهف الأول (5).

سلسلة الصخور التي تقع فيها الكهوف.
وحزَّ سبق التعامرة في صدور العلماء، فقاموا بين العاشر والثاني والعشرين من آذار سنة 1952 بحملة منظمة اشتركت فيها مدرسة الأبحاث الكتابية Ecole Biblique الفرنسية، ومدرسة الأبحاث الأميركية، وإدارة المتحف الفلسطيني، فمشَّط العلماء جميع الصخور المطلة على البحر في جبهة طولها ثمانية كيلومترات امتدت من رأس الفشخة في الجنوب حتى حجر السباع في الشمال، وأسفر هذا الجهد المُضني عن كشف عشرين كهفًا قديمًا مشحونة بالخزف خالية من المخطوطات، ولم يوفَّق العلماء إلا إلى كهف واحد في أقصى الشمال هو ذو الرقم الثالث، فيه درجان من النحاس مخطوطان بالحروف العبرية المربعة (6). والدرجان النحاسيان يحملان تعليمات عن كنوز مُعينة خُبئت في زمن مجهول في أماكن معينة؛ فقد جاء في العمود الأول وفي السطر 6–8 أنه يوجد في الصهريج الكبير في وسط الدار الخارجية 900 مثقال، ويُوجد في الصهريج عند أسفل الحصن، في الجهة الشرقية، في مكان محفور في الصخر 600 سبيكة من الفضة (ع2س–10–12)، ويوجد تحت زاوية الرواق الجنوبية عند قبر صدوق وتحت الفلستر آنية بخور من خشب الصنوبر، وآنية بخور من خشب الأكاسية (ع11 س1–4)، ولو أحصينا جميع كميات الذهب والفضة الواردة في هذين الدرجين النحاسيين لبلغلت مئتي طن (7). ويشك العلماء في هل تُنبئ هذه المعلومات بأخبار كنوز حقيقية أو لا.
وفي أواخر صيف السنة 1952 التف لفيف من التعامرة حول أحد شيوخهم يتسامرون، ويتبادلون أطراف الحديث حول هذه الآثار القديمة التي درَّت عليهم أرباحًا بغير حساب، فذكر الشيخ أنه منذ زمن بعيد حين كان لا يزال في مُقتبل العمر اتفق له أن طارد حجلًا جريحًا، ففرَّ من أمامه، واختفى فجأةً في ثقبٍ في الصخر لا يبعد كثيرًا عن خربة قمران، وأنه تأثَّره فوجد بعد جهد جهيد أن الثقب مدخل لكهف قديم، فالتقط الحجل وحمل معه سراجًا قديمًا مصنوعًا من الخزف، وتلقى الشبان التعامرة هذا الحديث بلهفة وشوق زائدين، ولحظوا بدقة الأماكن التي أشار إليها الشيخ في حديثه، ثم تحركوا آخذين معهم كيسًا من القنب وحبالًا ومشاعل قاصدين قمران، وما إن وصلوا إلى الهدف حتى تدلَّوا بالحبال ودخلوا الكهف وبدئوا يحفرون أرضه، وما إن أزاحوا عدة أمتار مكعبة من التراب الذي تراكم في أرض الكهف حتى عثروا على ألوف من فتائت المخطوطات، وبدأ التعامرة بعد ذلك يتوافدون على المؤسسات العلمية في المدينة المقدسة يعرضون ما وجدوا، ويضللون فيما أبدوا من معلومات عن الأماكن التي وجدوا فيها بضاعتهم الجديدة.
ولكن أعين زملائهم كانت قد تفتَّحت، وكان الحسد قد أخذ من هؤلاء كل مأخذ، فعلم العلماء أين وُجدت البضاعة بالضبط. وفي الثاني والعشرين من أيلول سنة 1952 زار الأبوان دي في وميليك كهف الحجل فأطلقا عليه الرقم أربعة، وأمسى الكهف الرابع، وهو لا يبعد كثيرًا عن خربة قمران، بل يطلُّ عليها من الصخور الجنوبية الغربية، وعمل العالمان في أرضه زهاء أسبوع كامل بالتعاون مع مديرية الآثار والمتحف، فعثروا على بضع مئات من الفتائت، ثم أدى التفتيش في الصخور المجاورة إلى الكشف عن كهف جديد دُعي الكهف الخامس، وإلى العثور على اثنتي عشرة مخطوطة جديدة، وكُشف أيضًا عن كهف جديد في أسفل المضيق نفسه دُعي الكهف السادس، وعُثر فيه على وسقة جديدة من الفتائت.
واستمسك التعامرة بما وجدوا في الكهف الرابع، وضنُّوا به طالبين أسعارًا مرتفعة غير عارضين للبيع سوى بعض ما وجدوا بين آونة وأخرى. واستمر العرض حتى صيف السنة 1956، واشتدت المساومة، وشعر العلماء المحليون أنه لا بد من الاستعانة بأموال من الخارج لإرضاء التعامرة، فناشدوا المؤسسات العلمية في العالم أجمع وطلبوا المعونة المالية منها بعد اعترافهم بفضل الحكومة الأردنية، وإنفاقها الذي كان أكثر مما تسمح به ظروفها، فلبَّت النداء كلٌّ من جامعة ماغيل McGill الكندية وجامعة مانشستر البريطانية وجامعة هيدلبرغ الألمانية وكلية ماكورميك McCormik اللاهوتية في شيكاغو ومكتبة الفاتيكان، فوُجد المال المطلوب، وباع التعامرة البضاعة، فتجمعت كلها في متحف فلسطين في بيت المقدس.
وكان لا بد من التعاون العلمي الفني أيضًا لإظهار ما حوته هذه الآثار الجديدة، فتألَّف فريق علمي جديد من الأسقف سكيهان Skehan الأستاذ في جامعة واشنطون الكاثوليكية، والدكتور كروس Cross الأستاذ في كلية ماكورميك اللاهوتية، والدكتور أليغرو Allegro الأستاذ المساعد في جامعة مانشستر، والأب ستاركي Starcky من مركز الأبحاث العلمية في باريز، والأستاذ ستروغنل Strugnell من كلية يسوع في جامعة أوكسفورد، والأستاذ هونزنغر Hunzinger مندوب جامعة غوتنغن Gottengen، والأب ميليك من مركز الأبحاث العلمية في باريز، وأُسند إلى كل من هؤلاء عمل يقوم به ليتم النشر على أكمل وجه. وستظهر أبحاثهم جميعًا في سلسلة من الدراسات تُدعى اكتشافات في برية اليهودية Discoveries in the Judaean Desert تُعنى بها مطبعة جامعة أوكسفورد.
وفي ربيع السنة 1955 اهتدى العلماء الباحثون المُنقِّبون إلى كهوف أربعة أخرى (السابع حتى العاشر) وذلك في الصخور المُطلَّة على خربة قمران، ولكنهم لم يجدوا فيها سوى بعض فُتات من الخزف تحمل بعض الألفاظ ونزر يسير من فتائت المخطوطات. وفي مطلع السنة 1956 عثر التعامرة على كهف في أقصى الشمال هو الحادي عشر، يُوازي في أهمية محتوياته الكهفين الأول والرابع؛ فقد ظهر فيه درج صغير جميل يحتوي على جزء من كتاب اللَّاويين، ومقطوعاتٍ كبيرة من رؤيا أوروشليم الجديدة، ودرجٍ من المزامير ونص لسفر أيوب بالآرامية (8).
.....................................................
1- Burrows, M.: With the Assistance of Trever. J. C. and Brownlee, W. H.: The Dead Sea Scrolls of St. Mark's Monastery, 2 Vols, New Haven, 1950-1951.
2- Sukenik, E: The Dead Sea Scrolls of the Hebrew University. Jerusalem. 1955.
3- Avigad, N., and Yadin, Y.: A. Genisis Apocryphon, Jerusalem, 1956.
4- Barthelemy, D., and Milik, J. T.: Discoveries in the Judean Desert, Oxford Univ. Press, 1955.
5- Milik, J. T.: Dix ans de découvertes, (1957) , 17.
6- Allegro, J. M.: The Dead Sea Scrolls, 181–185; Dupont-Sommer, A: Les Rouleaux de Cuivre trouvés à Qumran, Rev. Hist. Rel, 1957, 22–36.
7- Burrows, M.: More Light on the Dead Sea Scrolls, 8–10; A.
8- Burrows, M.: New Light on the Dead Sea Scrolls, (1958). 13-14, 30, 35.