وطوت أغريبينة خبر الوفاة؛ لتمهد السبيل لوصول ابنها إلى السدة، فأذاعت بين الناس أن كلوديوس في حالة مرضية، واستدعت إلى البلاط رجال المجَن؛ ليروحوا عن نفس الإمبراطور، فقاموا بأدوارهم في غرفته وأمام جثمانه، واهمين أنه حي يسمع ما يقولون ويغنون، وجلست أغريبينة مع بلَّاس وسنكة وبوروس تعد الخطط، فاستدعى بوروس فرقة من الحرس؛ لتحمي مداخل القصر، وفاوض كبار الضباط في أمر نيرون، فألح الجند على «عطاء donativim» مماثل لما قدمه كلوديوس عند وصوله إلى الحكم، أي بخمسة عشر ألف سيستركة لكل نفر، فوافق الكبار الأربعة على ذلك، ووكلوا إلى بلاس أمر العطاء، ومنع الشيوخ الأعضاء عن تقاضي الأجور للدفاع عن الدعاوى الماثلة أمام المجلس، اغتاظت أغريبينة، وقامت تدافع عن اشتراع زوجها كلوديوس، وأعلنت رغبتها في الاشتراك في مناقشات المجلس، فرفض الشيوخ ذلك، مؤكدين أن العرف قضى بعدم السماح لأية امرأة بحضور جلسات المجلس (1)، ثم وصل إلى رومة وفد أرمني مفاوض، يطلب المساعدة ضد البرت، وتوجب على نيرون أن يستقبل هذا الوفد استقبالًا رسميًّا، وكانت أغريبينة تصر على الجلوس إلى جانب ابنها في مثل هذا الظرف، ورأى سنكة أن وقار رومة قضى بأن يكون ممثلها الرسمي ذكرًا لا أنثى، فضرب موعدًا للمقابلة الرسمية، ولم يُعلم به أحدًا، وجاء الوفد الأرمني في الموعد المعين، واستقبله نيرون وحده، فعلمت أغريبينة بوجود الوفد في البلاط، فأسرعت في إعداد نفسها للمقابلة، وذهبت إلى القاعة التي جلس فيها نيرون وضيوفه، وما إن أطلت من مدخل القاعة حتى ارتج على نيرون، فنصح إليه سنكة همسًا أن يسرع للقائها وتقبيلها، ثم ضرب سنكة موعدًا آخر لإتمام المقابلة، فخرج الأرمن مكبرين محبة نيرون لوالدته واحترامه لها، وخسرت أغريبينة هذه الجولة في التسابق للنفوذ والأبهة (2).
وظل نيرون يظهر الإكرام والاحترام لوالدته، فكان يواكبها في المواكب الرسمية، ماشيًا إلى جانب هودجها، وكان يجلس في المآدب عند مواطئ قدميها، ولكنه كان قد بدأ يستثقل ظلها، ولا سيما والناس تظهر له كل احترام وتقدير، وكبارهم يسجدون أمامه سجودًا (3)، والتقى في يوم من الأيام في ممرات البلاد ببنت ذات حسن بارع وجمال رائع، فافتُتن بها، وأحب أن يعرف من هي، فقيل له: إنها إحدى عتيقات زوجته أوكتافية، يونانية سورية تُدعى Acte (أختي؟) كلودية، وكان لا يزال في السابعة عشر، فسُحر بفتور أجفان هذه السورية، وملك حبها عنانه، فواصلها سرًّا وأجزل العطاء، ورغب في التزوج منها زواجًا شرعيًّا، وعلمت أغريبينة بذلك فأنكرت عليه فعله، وشددت عليه النكير وجعلت لسانها مبردًا، فاستقل نيرون برأيه لأول مرة، وافترز أمره، وهدد بالتنازل عن مركزه، والابتعاد عن رومة والإقامة في رودوس مع حبيبته، فانقادت أغريبينة وأذعنت، وأكدت أن كل ما لديها هو لابنها، ثم سمحت للحبيبين باللقاء في مخادعها، وسكت سنكة الفيلسوف الرواق المهذب المستشار عن هذه الخلاعة، ولكن بعض خلان نيرون حذروه من تطرف والدته في الرضى (4).
ولم يرغب سنكة وبوروس في حكم «التنانير»، ولم يرضَ نيرون نفسه أن يكون آلة بيد غيره، وكان بلاسُ حبيبُ أغريبينة ويمينُها لا يزال مدير المال، فلما بدأ يتردد في إجابة طلبات نيرون وتقديم المال للإنفاق على الأخت كلودية ثار غضب نيرون، فصرف بلاس عن وجهه، وعزله وأخرجه من البلاط، واستبدله بعتيق آخر هو في الأرجح «فاون Phaon»(5)، وثار ثائر أغريبينة، وكان عتاب شديد بينها وبين ابنها، أدى بها إلى القول أن بريتانيكوس لم يعد طفلًا، وأنه أحق بملك أبيه، فصمت نيرون وعاد إلى نفسه، فذكر أن لبريتانيكوس أنصارًا، وأن أمه لا ترعى ذمامًا، فدس السم لبريتانيكوس في مساء السابع عشر من كانون الأول سنة 55 (6).
وجاء بعد ذلك دور أغريبينة نفسها، فاتُّهمت بالتآمر على نيرون مرتين بعد خروجها من القصر وإقامتها في فيلَّة أنطونية، ولكنها دافعت عن نفسها ونجحت في دفع التهمة عنها، أما نيرون، فإنه ظل يخشى مكرها، وجاءت «بوبية سبينة Poppaea Sabina» زوجة «أوتو Otho» الصديق الرفيق وخليلة نيرون الجديدة توغر صدر نيرون وتستوقد غيظه، فأضمر لوالدته العداوة، وبات يتربص بها الغوائل، وكان شتاء السنة 58-59 قاتمًا ممطرًا باعثًا على الكآبة، فلما جاء الخامس بعد منتصف آذار Quinquatria عيد مولد مينرفة إلهة الصناع والعمال، أحب نيرون الخروج إلى «باية Baiae» إلى أفضل فيلاته، وخرج معه عدد كبير من العائلات الشريفة للاستضحاء والتمتع بمقدم الربيع، ولدى وصول الإمبراطور إلى باية استقبله فيها استقبالًا رسميًّا ناظر أسطول مسينوم، معلمه القديم «أنيكيتوس Anicetus»، وكان بين الألعاب المختلفة التي تلهى بها الرومان في أيام العيد الأربعة 19–23 آذار لعبة بحرية naumachia جديدة، لفتت الأنظار في تلك السنة، كان يُعد قارب لنقل بعض الحيوانات المفترسة، فيحملها ويمخر البحر بها، ثم ينقصف فتفلت الحيوانات في مياهه محاولة النجاة، فلا تلبث أن تغرق أمام الجمهور، وتراءى لاوتو ولنيرون أن يتخلصا من أغريبينة بهذه الطريقة نفسها، فاستدعيا أنيكيتوس، وأفضيا إليه بما استقر رأيهما عليه، وطلبا إعداد قارب من هذا النوع للنمرة المفترسة أغريبينة (7)، وراح نيرون يتودد لوالدته ليطمئنها، استعدادًا لما سيكون، فتكلم أمام الشرفاء كلامًا جميلًا (8)، وكتب إليها إلى «أنتيوم Antium» كتابًا رقيقًا يستدعيها فيه إلى باية للاشتراك في الحفلات القائمة (9)، واستقبلها نيرون نفسه لدى وصولها، وواكبها حتى فيلتها في باية، وقبل الانصراف دعاها إلى حضور مأدبة على شرفها في فيلة أوتو، فقبلت الدعوة وراحت تستعد للسهرة، ثم جاءها من يقول: إن الإمبراطور وضع تحت تصرفها بارجة مزينة لنقلها إلى المأدبة، فشكرت، ولكنها آثرت الذهاب بالهودج، ووصلت الوالدة فاحتلت مقعد الشرف في المأدبة، وتظاهر نيرون بالمحبة والود والوفاء، وشرب المجتمعون كثيرًا، ولا سيما نيرون وأتو، وتجرعت أغريبينة من الخمرة أكثر من عادتها في ذلك، وعند انتهاء المأدبة في آخر الليل واكب نيرون والدته حتى القارب المعد لنقلها، ورجاها عند الوداع أن تعنى بصحتها، وأكد استعداده للتعاون معها، وبعد أن ابتعد القارب عن الشاطئ سقط سقف دكة القارب بما كان يحمله من الرصاص الثقيل على أغريبينة ومن حولها، فقُتل بعضهم، ولكن أغريبينة نجت بنفسها مجروحة الكتف، ولم ينقصف المركب، فسبحت أغريبينة ووصلت سالمة إلى بيتها بعد عناء كبير، ثم تجاهلت ما جرى، وأرسلت عتيقها «اغرموس Agermus» إلى ابنها؛ ليطمئنه بسلامة والدته، وما كاد يمثل هذا الرسول بين يدي الإمبراطور حتى رمى هذا خنجرًا على الأرض، وادعى أن اغرموس جاء ليغتاله، وقام انيكيتوس واثنان آخران من رجاله إلى فيلة اغريبينة، وقتلوها قتلًا، ثم أحرقوا جثتها (10).
..............................................
(1) TACITUS, Ann., 13:5, 10-11.
(2) TACIT., Ann. 13:3.
(3) DIO CASS. 61:3.
(4) SUET., Nero, 28, 34, 35.
(5) TACIT. Ann. 13:13–24.
(6) TACIT. Ann. 13:14–17; SUET., Nero, 33.
(7) SUET., Otho, 3: Tacit. Ann. 14:3; DIO CASS., 61:12.
(8) SUET., Nero, 34.
(9) TACIT. Ann. 14:4.
(10) TACIT. Ann. 14:4–8; WALTER, G., Nero, 72–97.