وابتعد كلوديوس عن استئثار غايوس بالسلطة، وحاول مخلصًا أن يتعاون والسناتوس على طريقة أوغوسطوس، فأعاد للسناتوس صلاحياته الانتخابية، وأحال عليه القضايا ليبت فيها بقرار صادر عنه Senatus Consultum، ولم يرشح نفسه لمنصب القنصلية أكثر من أربع مرات، وحافظ على مكانة الشيوخ الاجتماعية، وأجلسهم في أفضل المقاعد في ميادين السباق، وأعاد إليهم في السنة 44 ولايتي آخية ومقدونية، وبعد إخضاع بريطانية أشركهم في إدارة أمورها، وواظب على حضور جلسات السناتوس، وأظهر لأعضائه كل إكرام واحترام، ولكنه أحيى في السنة 47-48 وظيفة «المراقب censor»، ومارس بنفسه صلاحياتها، فرقى إلى عضوية السناتوس من رآه أهلًا لذلك، غير مكترث بالطريقة التقليدية المألوفة adlectio، فطرد بعض الأعضاء القدماء، وأدخل عددًا من سكان الولايات، ولا سيما الزعماء الغاليين.
وأصرَّ كلوديوس على العمل المجدي، فأوجب على الشيوخ حضور الجلسات والاشتراك في بحث القضايا والابتعاد عن الموافقة بدون ترو وقناعة، فهو يقول في كلمة وجهها إلى الأعضاء لمناسبة اقتراح قدمه لإصلاح أصول المرافعة أمام السناتوس: «إذا كنتم لا توافقون، فأوجدوا حلًّا آخر؛ لأنه لا يليق بجلال هذا المجلس ووقاره أن يقول المرشح للقنصلية قول القناصل كلمة كلمة متبنيًا اقتراحهما، وأن تقولوا جميعكم بعد ذلك «إني أوافق»، ثم تخرجوا زاعمين أنكم بحثتم القضية التي عُرضت أمامكم» (1)، ولعل هذا الشعور بقعود الشيوخ عما تسمو إليه النفوس العزيزة، وعجزهم عن القيام بالواجب دفع كلوديوس إلى الإنقاص من حقوقهم وصلاحياتهم، وإلى توسيع صلاحيات غيرهم من موظفي الدولة، وهكذا، فإننا نراه يستعيض عن أميني المال لدى «الأسطول quaestores classici» في «مسينة Misenum» و«ربينة Ravenna»، اللذين كانا يعينان من قبل السناتوس بناظري هذين الأسطولين، ونراه أيضًا يعين محصلًا إمبراطوريًّا في «مرفأ أوستية procurates portus Ostiensis» محل أمين المال فيها، ونراه كذلك يعين في السنة 44 أمينين لإدارة شئون الخزينة و«المحفوظات Aerarium» في رومة لمدة ثلاث سنوات، ويولي موظفين إمبراطوريين الإشراف على الطرقات فيها بدلًا من الأمناء، الذين شغلوا هذه الوظيفة باسم السناتوس، ولعله عالج توزيع الحبوب بالطريقة نفسها(2)، ولا يختلف اثنان — فيما نعلم — في أن رائد كلوديوس كان إصلاح الإدارة وضبطها، ولكن إجراءاته لم تحسن علاقاته مع السناتوس، وأدى تدخله في شئون المجلس، ولا سيما في عضويته إلى الاصطدام بعدد من الشيوخ، وإلى إعدام خمسة وثلاثين منهم، ومع أن موقف كلوديوس من الشيوخ في إصلاحاته أفسح المجال لطبقة الفرسان، فإن هؤلاء استثقلوا ظله وشعروا أنهم يتحولون تدريجًا إلى عملاء للإمبراطور، فتآمر بعضهم، وأعدم كلوديوس منهم حوالي الثلاثمائة (3).
..................................
(1) CHARELESWORTH, M.P., Documents Illustrating the Reigns of Claudius and Nero, (1939) , Judicial Popynes, 6.
(2) CHILVER, G.E.F., Amer. Journ. Phil., 1949, 7 ff.; BERCHAM, D. VAN, Les Distributions de blé et d’argent à la plèbe romaine sous l’Empire, (1939), 301.
(3) CHARLESWORTH, M.P., Claudius as Re-Organizer, Cam. Anc. Hist., X, 685–696.