وجرى طيباريوس على منهاج أوغوسطوس، فأشرك السناتوس في الحكم وتعاون معه (1)، وكان الشيوخ أعضاء هذا المجلس رجالًا مجربين، خبروا السياسة، ومارسوا الحكم في الولايات، وكان مجلسهم ذا سلطة تشريعية في الحقلين الاجتماعي والديني في إيطالية، وذا صلاحية قضائية في الدعاوى الكبيرة، وكان أوغوسطوس قد أوجب حصر الانتخابات الشعبية بالمجلس السناتوسي، ورسم الخطط لذلك، فنفذ طيباريوس رغبة سيده الراحل، فزاد السناتوس قوةً، وازدادت الحاجة إلى التعاون معه.
وواظب طيباريوس على حضور جلسات السناتوس في أوائل عهده، واستشاره في شئون الدولة، وأكثر الاستشارة، ولجأ إليها في أمور لم تقع ضمن صلاحيات المجلس المستشار، وتحاشى التأثير على الأعضاء، فلم يُبْدِ رأيه بسرعة وشجع حرية المناقشة، ودخل المجلس بدون مرافقة أو حماية، ونهض لاستقبال القناصل وأكرمهم — في بعض الأحيان — بإجلاسهم في محله، وكثرت القرارات التي اتخذها السناتوس إما لتفسير بعض القوانين، أو لاشتراع غيرها، كتلك التي حرمت زنى نساء البيوتات الكبيرة، وتلك التي منحت المجرم الذي حُكم بالإعدام مهلة أيام عشرة (2)، وحرص طيباريوس على أن يشرك السناتوس إشراكًا علنيًّا في بعض القضايا الهامة، فأشرفت هيئة سناتوسية على كري نهر التيبر وتدعيم ضفافه، وتولت لجنة سناتوسية أخرى ضبط عقارات الدولة والنظر في المشاكل القضائية المتعلقة بها، وتألفت ثالثة للنظر في الكتابات العمومية وإعادة نقش الممحو أو الضائع منها، وتولت رابعة إسعاف المنكوبين بالزلازل في آسية الصغرى، وشاء طيباريوس في السنة 22ب.م. أن يقلد ابنه دروسوس «سلطة التربنة tribunicia potestas»، فلجأ إلى السناتوس، وجعل ابنه يتولى السلطة من المجلس، مقتفيًا بذلك عمل أوغوسطوس، وظل السناتوس المرجع الأعلى في شئون الولايات السناتوسية، ينظر فيها ويبت في أمرها، كما جرى حين حاولت مدينة مسالية ومدينة تريبية أن تنتفعا من وصيتين معينتين (3)، أما الخلاف الذي نشب بين صيدا ودمشق حول الحدود بينهما، فإنه رُفع إلى «الوالي legatus» ليحكم فيه؛ لأن سورية كانت ولاية إمبراطورية (4)، وحافظ طيباريوس على كرامة العائلات السناتوسية، فأقرَّ مساعدتها ماديًّا بعد التثبت من حاجتها بواسطة السناتوس نفسه (5).
واحترم طيباريوس الدين الروماني، وحافظ على تقاليده، وحارب تسرب العقائد الغريبة وطقوسها، فطلب إلى السناتوس أن يحله من الخطيئة التي اقترفها حينما لمس جثمان أوغوسطوس بعد الوفاة، واهتم في السنة 19ب.م. اهتمامًا بالغًا لأمر الفضيحة التي حلَّت بكهنة إيسيس المصرية، وبعد التثبت مما جرى أمر بصلب الكهنة المجرمين، وبطرح تمثال إيسيس في التيبر وبردم هيكلها، وأكره أتباع إيسيس وعبادها أن يحرقوا بأيديهم ما تبقى، واحتال بعض اليهود على سيدة رومانية فسلبوها أموالها، فأقنع طيباريوس السناتوس بوجوب طرد اليهود من إيطالية ومنع عباداتهم، ثم جند أربعة آلاف منهم، وأنفذهم إلى سردينية للمحافظة على الأمن فيها (6).
ولم يرضَ طيباريوس عن المجالدات والألعاب والمهرجانات وما شاكلها، ورأى فيها إسرافًا لا مبرر له، وخلاعة لا تليق بالخلق الروماني، فشكا من سلوك الممثلين مرارًا أمام السناتوس، وطرد المسئولين أصحاب العلاقة من إيطالية، وحدد عدد المجالدين، وأظهر امتعاضه من بناء الملاعب وإنشاء المسارح، وشدد في ذلك، فاحتج المجالدون أنفسهم، مدعين أن طيباريوس لم يفسح لهم المجال لإظهار قوتهم وبسالتهم (7).
...........................................
(1) TACITUS, Ann. 1:72, 77, 2:87, 4:37.
(2) TACITUS, Ann. 2:85, 3:51; SUETONIUS, Tib. 35, 75; MOMMSEN, Th., Strafrecht, 671.
(3) TACITUS, Ann. 4:43.
(4) JOSEPHUS, Ant., 18:6.
(5) TACITUS, Ann., 1:75, 2:38.
(6) CHARLESWORTH, M., Tiberius, Cam. Anc. Hist., X, 615.
(7) SENECA, dial. 1:4; TACITUS, Ann. 4:62, 63.