ونجح أصدقاء قيصر في الغرب، ووصل الثلاثة إلى الحكم في خريف السنة 43ق.م.، واضطر كاسيوس أن ينضم إلى بروتوس في سبيل الدفاع عن النفس، وكان بطليموس أمير عنجر العربي قد تزوج أخت أنتيغونوس بن أرسطوبولوس الحشمناوي، وكان أنتيغونوس مقيمًا عند صهره في عنجر، فأحب هو وصهره أن يستغلَّا الظرف الجديد للوصول إلى منصة الحكم في أورشليم، وتفاهما ومريون حاكم صور لهذه الغاية، فهبَّ هيرودس وأسرع، ففاجأ مريون قبل اتصاله ببطليموس وكسره شر كسرة، ثم انتصر على بطليموس وأنتيغونوس عند حدود فلسطين الشمالية، وعاد إلى أورشليم «بطلًا مغوارًا»، ورأى أن يستغل انتصاره ويربط بشخصه أسرته الحشمناويين بزواج جديد، فخطب مريم بنت ألكسندروس بن أرسطوبولوس، ذاك الذي أُعدم في أنطاكية بأمر بومبايوس من زوجته ألكسندرة بنت هيركانوس، وكان قد تزوج «دوره Doris» بنت كاهن عادي.
وجاء يوم فيليبي في خريف السنة 42ق.م.، وخلا الجو للثلاثة الكبار، فكان الشرق من نصيب أنطونيوس، وكان أنطونيوس قد عرف الشرق يوم كان لا يزال في السادس والعشرين من عمره مواكبًا غابينيوس، وكان أيضًا قد عرف هيرودس وهو لا يزال غلامًا في السادسة عشرة فأحبه وأعزَّه، وما إن وصل أنطونيوس إلى بيثينية في آسية الصغرى حتى ضاق معسكره بالوفود المهنئة المباركة، وكان بين هذه الوفود وفدان يهوديان: هيرودس وجماعته، وعدد من الوجوه المخاصمين المناوئين، الذين شكوا فزائيل وأخاه هيرودس، وما كاد أنطونيوس يخرج من أفسس متجهًا شطر أنطاكية حتى أوقفه وفد هيركانوس الكاهن الأعظم، فقدَّم هذا الوفد إكليلًا من ذهب ورجا أنطونيوس أن يعتق من استرقه كاسيوس من سكان المدن الفلسطينية الأربع، وأن يعيد إليهم أملاكهم، فقبل أنطونيوس الهدية، وأمر بالعتق، وكتب بذلك إلى صور وصيدا وأرواد وأنطاكية، ثم وصل أنطونيوس إلى أنطاكية واستقر في دفنة، واستقبل فيها هيركانوس نفسه، وكان أخصام هيرودس لا يزالون يطالبون بإبعاده عن الحكم، فسأل أنطونيوس الكاهن الأعظم: «من أفضل قادة الأمة؟» فأجاب الكاهن: «هيرودس وجماعته»، فجعل أنطونيوس هيرودس وأخاه فزائيل تترارخين على فلسطين، وقبض على خمسة عشر وجيهًا من وجوه المعارضة، وكاد يفتك بهم لولا توسط هيرودس وشفاعته، ونهض أنطونيوس بموكبه إلى صور فتبعه إليها وفد المعارضة، واستقروا ألفًا خارج أسوارها، فخرج إليهم هيرودس وهيركانوس ونصحا إليهم بالرضوخ لأمر أنطونيوس وبالتفرق والعودة إلى أعمالهم، فأبوا، فانقض الجنود عليهم، وقتلوا منهم عددًا وجرحوا كثيرين، وظلَّ الباقون يتذمرون ويتضجرون فأمر أنطونيوس بمن قُبض عليهم فقُتلوا (1).
وجعل أنطونيوس «هيركانوس اثنارخسا ethnarches»، أي حاكم الشعب، ورفَّع كلًّا من فزائيل وهيرودس إلى رتبة الإمارة فجعلهما تتراخسين، وكان اللقب «تترارخس tetrarches» يطلق أولًا على حاكم الربع من اتحاد رباعي، ثم أمسى في عهد الرومان يطلق على بعض الأمراء الذين دخلوا في طاعة رومة، وأضاعوا سيادتهم واستقلالهم، ولم يشترط أن يكونوا حكام أرباع من اتحاد رباعي (2) … ولم يبقَ لهيركانوس سوى اللقب، فإن كلًّا من التترارخسين أصبح يتمتع بجميع صلاحيات الحاكم في ظل رومة (3).
ثم كان ما كان من أمر بكوروس البرتي وهجومه في السنة 41 على سورية وعلى آسية الصغرى، كما سبق وأشرنا، وتعاون أنتيغونوس الحشمناوي معه، وفرار هيرودس إلى مصر فرومة وتأييد أنطونيوس له، ورضي أوكتافيانوس عليه، وعودته من رومة ملكًا على اليهود بقرار من السناتوس، ونزل هيرودس في عكة في مطلع السنة 39ق.م.، وشرع يدوِّخ البلاد مبتدئًا من الجليل مستعينًا بأنصاره فيها، وتراجع البرت أمام قوات رومة، وعاد أنطونيوس إلى الشرق (38ق.م) وأمدَّ صديقه بالمعونة، فكان قتال حاسم في «وادي الحرامية» بين نابلس وبين أورشليم، وكان حصار جديد لمدينة القدس انتهى في السنة 37 بتسليم أنتيغونوس، وقتله وبزواج هيرودس من خطيبته مريم الحشمناوية (4).
وتزوج أنطونيوس كليوبترة (38ق.م)، ورأى في التعاون معها مصلحة لرومة في الشرق، وطمحت هي إلى إعادة مجد أسلافها، فطمعت في سورية وقيليقية وقبرص، فألحق أنطونيوس بمصر قبرص وقيليقية الغربية وإمارة عنجر في البقاع اللبناني ومدن الساحل الفينيقي حتى مصب النهر الكبير ما عدا صور وصيدا، وأضاف عسقلان إلى مصر وشيئًا من شرق الأردن وأريحا وبساتينها؛ لتضمن قار البحر الميت الضروري لتحنيط المو وطلاء المراكب، وبلسم أريحا وتمرها الممتاز، ولولا حب أنطونيوس لهيرودس القديم لضمت كليوبترة اليهودية بأسرها إلى مصر (5).
..................................
(1) JOSEPHUS, Ant. 14, bell. Jud., I, 245–247.
(2) CHAFOT, V., Diet. des Antiq., V, 163; V, 163; DOBSCHUTZ, Real-Encyc.
(3) CHAFOT, V., Diet. des Antiq., V, 163; V, 163; DOBSCHUTZ, Real-Encyc.
(4) JOSEPHUS, Ant., 14, Bell. Jud., I, 327–347; ABEL, F.M., op cit., I, 344–346; PEROWNE, S., op. cit., 59–65.
(5) DIO CASS., 49:24–31; PLUT., Ant., 37–50; JOSEPHUS, Ant. 15, Bell. Jud. I, 360.