(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
خلاصة التفسير: إن الجهاد الذي هو من أحكام الاسلام الاجتماعية الحيوية ومظهر من مظاهر تناسق الجلال والجمال الالهي يجب على المؤمنين القيام به وإن كان لا يلائم طباعهم ولكن كره الجهاد لا يرقى الى الحد الذي يوجب الحرج ونفي الوجوب.
وتكمن علة كره المؤمنين للحرب في ما يلزمها من المصاعب والخسارات المالية والبشرية واضطراب الامن وغلاء الاسعار التي هي من توابع الحروب وطبيعة كل انسان هي الفرار من مثل هذه الامور وليست العلة في أنهم يرون أنفسهم ضعفاء في قبال العدو ويخشون هزيمة الاسلام ولا أنهم نتيجة لعطفهم ورأفتهم التي اكتسبوها في ظلال التربية الاسلامية صاروا لا يتحملون القتال وسفك الدماء حتى مع الكافرين والمشركين بل يأملون في هداية هؤلاء المعاندين اللدودين الى طريق الحق بالتبليغ والموعظة وان كان احتمال وجود مثل هذه الامور ليس بالبعيد.
كما أن هذه الاية ليست بصدد مذمة المؤمنين لعدم ميلهم الى الحرب بل أرادت القول إن معيار المحبة والكره والخير والشر هو ما يقرره العقل والنقل لا ما يميل اليه الطبع لأن الله وجوده هو العالم المطلق الذي يعلم بكل شيء بينما الانسان جاهل ومن هنا كن محتاجا في تشخيص الخير والشر حاجة شديدة الى العقل والنقل المعتبر فلا مفر أمامه إذا أراد الوصول الى الخير والنجاة من الشر إلا الخضوع الى التعليمات الالهية.
إن الاشخاص الذين صقلوا أنفسهم بأنوار الايمان بالله وطابت أنفسهم عن مظاهر الدنيا الخادعة هم الذين يستطيعون تبديل عسر القتال الى يسر والنفرة الطبيعية من الحرب الى محبوبية الجهاد.
تفسير المفردات: كره: (الكراهة) تقابل (الارادة) والإرادة هي الرغبة في الشيء من باب الاختيار والانتخاب[1].
وقل: (الكره) الكراهة و(الكره) المشقة والصعوبة[2]، إلا أن بعضا آخر اعتبر الكره والكره بمعنى المشقة والصعوبة.
وبهذا يكون هناك تفاوت بين هاتين المفرديتن ف (الكره) هو المشقة التي تنال الانسان من خارج في ما يحمل عليه بإكراه و(الكره) هو المشقة التي ينالها من ذاته وهو يعافها سواء كان ما يعاف من حيث الطبع أم من حيث العقل والنقل المعتبر ولهذا يصح أن يقول الانسان في الشيء الواحد إني اريده وأكرهه بمعنى أني أريده من حيث الطبع وأكره من حيث العقل أو النقل المعتبر أو بالعكس[3].
كما اعتبرت هذه الاية القتال مكروها من جهة الطبع لأن القتال يتضمن أمورا يصعب على الانسان تحملها كفناء النفوس وتعب الابدان والمضار المالية وزوال الامن والغلاء وغير ذلك مما يستكرهه الانسان في حياته الاجتماعية[4]، إلا أنه من جهة العقل والنقل المعتبر يعد خيرا وأمرا مطلوبا لما فيه من الاثار الايجابية كإحياء الحق والعدل والعزة والشرف وما شابه ذلك.
عسى: تعني اقتراب الموضوع الى الفعلية والتحقق وذكروا معاني أخرى لها كالأمل والظن والقرب المطلق وهي من آثار ولوازم المعنى المذكور[5].
وذا كان المراد من عسى هو (الرجاء) فليس شرطا أن يكون المقصود هو رجاء القائل بل يمكن أن يكون المراد هو رجاء السامع أو مقتضى المقام[6]. ومن هنا متى قال الله سبحانه: (عسى أن يكون كذا) فليس معنى ذلك أنه يرجوه تعالى عن ذلك بل ليرجوه المخاطب أو السامع[7].
[1] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج10 ص50، ك، ر، هـ.
[2] مجمع البيان ج1-2 ص548.
[3] مفردات ألفاظ القرآن ص707 ك ر ه.
[4] الميزان في تفسير القرآن ج2ص164
[5] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج 8 ص134
[6] راجع مفردات ألفاظ القرآن ص566 ع س ى
[7] الميزان في تفسير القرآن ج2 ص165