1. شأن النزول: ذكرت عدة وجوه لشأن نزول الاية نكتفي بنقل وجهين منها:
نزلت في عمرو بن الجموح الانصاري وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير فقال يا رسول الله بما ذا نتصدق وعلى من ننفق فنزلت هذه الاية[1].
عن ابن جريح قال سأل المؤمنون رسول الله ﷺ أين يضعون أموالهم؟ فنزلت: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ...[2]).
تنويه: مع صرف النظر عن سند هذه الروايات لو كان العنصر المحوري للسؤال هو تعيين مصرف الانفاق ومورده كان الاجدر أن يأتي الجواب عن ذلك في نص الاية التي هي مورد البحث وليس غير ذلك وربما خطر في بال السائلين احتمال أن الانفاق كالزكاة يجب أن يخرج من مال معين فجاء الجواب أن المال الخاص لا دخل له فالمهم هو أن يكون المال خيرا وأن يصل الى المصارف المذكورة في الاية.
2. أصحاب النبي والأسئلة القرآنية: عن ابن عباس قال ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب محمد ﷺ ما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منهن:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ[3]) و(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ[4]) و(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ[5]) و(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ[6]) و(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ[7]) و(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ[8])، ماكانوا يسألون إلا عما كان ينفعهم[9].
تنويه: أ. اضافة الى ما في هذا الكلام من الدلالة على حسن أصل السؤال فالمفهوم منه أن السؤال من الأعاظم يجب أن يكون بحيث يتضمن الجواب عنه فائدة للسائل وبقية السامعين كما هو حال السؤال عن الانفاق حيث كان مفيدا جدا.
ب. أصل السؤال هو مفتاح مخزن العلم وكما يكون السؤال الاستعطائي من الله مرغوبا فكذلك هو السؤال الاستعلامي من أنبياء الله والأئمة المعصومين عليهم السلام الذين هم أهل الذكر يكون مطلوبا أيضا: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[10]).
ج. ندرة الاسئلة الاستعلامية هي التي تمهد لبروز الكثير من المشاكل مثلما نشاهد البركات الواسعة تقترن بحصول السؤال الاستفهامي وتلقي الجواب العلمي من أهل بيت الوحي والإلهام.
د. تحفل الروايات الاسلامية بما يشير الى الترغيب في السؤال الاستعلامي الذي يؤجر بسببه عدد كبير من الناس.
3. لزوم مراعاة الترتيب في الإنفاق: عن الحسين بن علي عليه السلام يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: ابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك ثم أدناك فأدناك وقال: لا صدقة وذو رحم محتاج[11].
تنويه: أ. يشير هذا الحديث وروايات كثيرة غيره أيضا الى أن الصدقة والإنفاق على الأب والأم مقدمة على الانفاق على الاخت والأخ والإنفاق على الاخيرين مقدم على الانفاق على سائر الاقارب وإذا وجد الارحام المحتاجون فلن تصل نوبة الانفاق الى غير الاقارب.
ب. ربما يحصل من الحوادث ما يجعل الانفاق على الطبقة المتأخرة أوجب من الانفاق على الطبقة المتقدمة وتعيين مثل هذه الطبقات وهذا التقدم والتأخير الاستثنائي تحتاج الى أمر خاص وما ورد في آيات سورة (هل أتى) يندرج ضمن هذا القسم.
ج. لا يتضمن نص الاية التي هي مورد البحث دليلا معتبرا يدل على وجوب رعاية الترتيب وما تذكره الاية هو مجرد الترتيب الذكري الذي لا ظهور تام له في الترتيب الفقهي والحقي.
[1] أسباب نزول القرآن ص69مجمع البيان ج1-2ص547
[2] الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج1ص585
[3] سورة البقرة الاية 219
[4] سورة البقرة الاية 217
[5] سورة البقرة الاية 220
[6] سورة البقرة الاية 222
[8] سورة البقرة الاية 219
[9] الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج1ص586
[11] بحار الانوار ج93ص147