0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

ذاتية الاثبات الجزائي

المؤلف:  سجاد غانم عبد الحسين

المصدر:  الانتقال والمعاينة لعضو الضبط القضائي وحجيته في الاثبات

الجزء والصفحة:  ص 18-26

2026-08-11

12

+

-

20

ان للإثبات الجزائي خصائص ينفرد بها وذو طبيعة قانونية لسريانه، وذو استقلالية عن الاثبات في نطاق القانون الخاص، فنبين في هذا الموضوع خصائص الاثبات الجزائي ثم بيان طبيعته (نطاق سريانه) ومدى استقلالية الاثبات الجزائي .
اولاً : خصائص الاثبات الجزائي :
1- العمومية والتجريد: تتسم قواعد الإثبات في مجال القانون الجزائي بطابعها العام والمجرد، أي أنها تُطبق على جميع الافراد وعلى مختلف الجرائم دون تمييز. ولا يمكن صياغة قواعد إثبات خاصة بكل جريمة أو تخص فردا دون غيره، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون ويؤدي إلى بطلان الإجراءات. فهذه القواعد تعلو على الاعتبارات الفردية لضمان العدالة والحياد في تطبيقها (1) .
2- الحياد والموضوعية : تُعد قواعد الإثبات في القانون الجزائي من أكثر القواعد حساسية وأهمية، لما يترتب عليها من نتائج حاسمة، كإدانة المتهم أو تبرئته. وبفضل طابعها الموضوعي، يتمتع القاضي الجزائي بصلاحية واسعة في سبيل كشف الحقيقة، إذ يمكنه حتى من تلقاء نفسه أثناء نظر الدعوى، اتخاذ ما يراه ضروريًا لتقديم الأدلة أو الإجراءات التي تسهم في الوصول إلى الحقيقة (2) .
3- تحويل الشك الى يقين : يُثار التساؤل حول إمكانية تحول «الشك» إلى «يقين» في نطاق الدعوى الجزائية إذ إن الاتهام يبدأ غالباً في صورة شك يحيط بنسبة الجريمة إلى شخص معين. وهنا يبرز الدور المحوري لقواعد الإثبات، فهي الأداة التي يُلْجَؤ إليها لتمحيص هذا الشك والكشف عن الوقائع والملابسات التي أدت إلى ظهوره الى يقين جازم فإذا تمكنت وسائل الإثبات من تبديد هذا الشك وتكوين عقيدة جازمة لدى القاضي بارتكاب المتهم للجريمة، فإن الشك يكون قد تحول إلى يقين تُبنى عليه الإدانة. أما إذا بقيت عناصر الدعوى قاصرة على هذا الشك، فإن الشك يبقى قائماً ، ويستحيل معه الحكم بالإدانة، التزاماً بمبدأ أصيل في العدالة الجزائية مؤداه " أن الشك يفسر لمصلحة المتهم" (3) .
4- من النظام العام : تتميز قواعد الإثبات الجزائي بكونها من النظام العام، وهو ما يترتب عليه عدم جواز التنازل عنها أو الاتفاق على مخالفتها بأي صورة فهي قواعد آمرة وملزمة لجميع أطراف الخصومة الجزائية، بما في ذلك المحكمة والادعاء العام والمتهم. فلا يجوز، على سبيل المثال، أن يتفق الادعاء العام مع محكمة الموضوع على تأسيس الحكم على اعتراف أُنتزع بطريق الإكراه، كما لا يجوز للمحكمة أن تتفق مع وكيل المتهم على حرمانه من حقه في الاستماع لشهود النفي، ولا أن تعتمد الشهادة من دون أداء اليمين، أو أن يقر المتهم بالفعل المنسوب إليه مقابل تحسين مركزه القانوني في الدعوى. فمثل هذه الاتفاقات، وإن بدت في ظاهرها تحقق مصلحة آنية، إلا أنها تمثل خروجاً على المبادئ الأساسية للإثبات الجزائي، الأمر الذي يجعلها باطلة بطلاناً مطلقاً لا تلحقه الإجازة، وذلك صوناً للعدالة وحماية للضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة (4).
5- مشروعية إجراءات تحصيل الأدلة : طبقاً للمشروعية الإجرائية (5) ان يكون دليل الاثبات متحصلاً بالطرق التي رسمها القانون من عملية البحث لحصوله وحتى تقديمة للقضاء؛ لأن ذلك يخلق توازناً عادلاً بين حق الدول في انزال العقاب بحق الجاني من جهة وحق المتهم في توفير الضمانات الكافية من جهة أخرى احتراما لكرامته وحقوقه الأساسية (6).
ثانياً : طبيعة الاثبات الجزائي :
ان النهج المتبع في العراق وفي التشريعات الإجرائية المقارنة هو حرية الاثبات الجزائي، على خلاف الاثبات المدني (7).
وعليه، فإن مبدأ الأثر المباشر للقواعد الإجرائية يهدف إلى ضمان استقرار الإجراءات وصون المراكز القانونية التي تمت في ظل قانون نافذ وقت مباشرتها، فلا يجوز إهدار ما استقر من أعمال صحيحة بحجة صدور قانون لاحق، وإلا تعرضت الثقة في العدالة للاهتزاز، كما أن التفرقة بين وقت ارتكاب الجريمة ووقت اتخاذ الإجراء تعد أمراً جوهرياً، لأن المشرع يعوّل في صحة الإجراء على الإطار القانوني السائد أثناء تنفيذه، لا على الظروف السابقة التي وقعت فيها الجريمة (8).
ولكن تكمن الصعوبة بسريان نصوص الاثبات عند صدور قواعد جديدة تُحدث تغييرًا في الأحكام التي كانت تحكم مسألة الإثبات في المواد الجنائية. فقد تتضمن هذه القواعد إنشاء قرائن قانونية، سواء كانت بسيطة أو قاطعة، تعفي النيابة العامة من عبء إثبات أحد أركان الجريمة أو عناصرها، وتنقل هذا العبء إلى المتهم، أو العكس. كما قد تُستحدثُ وسائل جديدة للإثبات، أو تمنح بعض المستندات حجية قانونية لم تكن معترفا بها سابقًا، وقد يمتد التغيير ليشمل النظام ذاته الذي يُنظم الإثبات، وذلك بالانتقال من نظام الإثبات القانوني القائم على الدليل المحدد إلى نظام يمنح القاضي الجنائي حرية أوسع في تقدير الأدلة . وهنا يثار التساؤل الجوهري: هل تُعد قواعد الإثبات من القواعد الموضوعية التي يجوز تطبيقها بأثر رجعي على الوقائع السابقة؟ أم أنها تصنف ضمن القواعد الإجرائية التي لا تسري إلا بأثر مباشر على ما يُعرض أمام القضاء من مسائل في ظل نفاذها؟ (9)
من حيث الأصل العام في تطبيق القواعد الإجرائية الجزائية انها تطبق بأثر فوري مباشر ولا يمتد الى الوقائع السابقة، أي هو واجب التطبيق على ما سيتم بعد نفاذه حتى وان تعلقت بدعاوي رفعت قبل تأريخ نفاذه، وينبني على هذا المبدأ أن الإجراء الذي تم صحيحًا في ظل قانون معيَّن يظل صحيحًا ومنتجا لآثاره وفقًا لأحكام ذلك القانون، ولا يتأثر بصحة صدور قانون لاحق يلغيه أو يغيّر من شروط صحته، أما العلة في سريان القواعد الإجرائية بأثر فوري ومباشر على ما يباشر من إجراءات بعد نفاذها حتى ولو تعلقت بجرائم ارتكبت أو دعاوى رفعت في ظل قانون سابق، فهي أن القوانين الإجرائية أو الشكلية تتعلق بتنظيم إجراءات التقاضي وإثبات الجرائم، ولا تمس كيان الجريمة ذاتها أو أركانها الموضوعية (10).
في هذا الصدد اثار الخلاف لدى الفقه فيما يتعلق بسريان القواعد الخاصة في الاثبات، فذهب جانب من الفقه المصري يقوم بالتمييز داخل قواعد الإثبات بين ما هو موضوعي منها وما هو إجرائي. فالقواعد الموضوعية : هي تلك التي تمس حق الدولة في العقاب كالقواعد التي تغير نظام الإثبات من الدليل القانوني إلى حرية القاضي الجنائي أو العكس، وكذلك القواعد التي تتعلق بإثبات ركن أو عنصر من عناصر الجريمة، كإقرار قرينة على الخطأ أو افتراض سوء النية أو نفيها . وهذه القواعد تعد من طبيعة موضوعية، ومن ثم فإنها تسري بأثر مباشر وفوري، ما لم يكن القانون السابق أصلح للمتهم، إذ يُعمل حينها بمبدأ رجعية القانون الأصلح له (11).
أما القواعد الإجرائية فهي التي تنظم مجرد الوسائل والأساليب الشكلية لسير الدعوى، كالقواعد التي تحدد كيفية استدعاء الشهود أو أداء الشهادة أو إجراءات خبرة الخبراء . وهذه القواعد يظل حكمها إجرائياً بحتاً، وتطبق بأثر مباشر وفوري على القضايا القائمة جميعها، سواء ترتب على تطبيقها فائدة للمتهم أو كانت ضارة بمركزه القانوني(12).
اما الفقه العراقي فلم يكن على موقف و أحد فذهب راي يقول بأن القواعد التي تنظم أصول المحاكمات الجزائية تسري بأثر رجعي ، سواء كانت أصلح للمتهم ام لم تكن، معللين ذلك بأن هدف هذا القانون هو حسن تحقيق العدالة ومنعها من الانحراف (13) ، في حين يذهب رأي آخر مستنداً الى الفقرة عاشراً من المادة (19) من الدستور العراقي لسنة 2005 بأن قواعد الأصول الجزائية تسري بأثر فوري إلا اذ كانت أصلح للمتهم؛ معللين ذلك ان نص الدستور لا يحتمل التأويل (14).
أماً في فلسطين القاعدة العامة في هذا المجال تقضي بأن القواعد الإجرائية تسري بأثر فوري ومباشر من تأريخ نفاذ القانون الذي قررها، فتطبق على كل إجراء لم يتم بعد، حتى لو كانت الواقعة التي استوجبت ذلك الإجراء قد حدثت في ظل قانون سابق. أما إذا وقع الإجراء صحيحاً وفقاً لأحكام قانون نافذ وقت تنفيذه، فإنه يبقى صحيحاً ومنتجاً لآثاره، ولا يؤثر فيه صدور قانون لاحق مخالف. وتكمن الحكمة من هذه القاعدة في أن المشرع ممثلاً بإرادة المجتمع ، يضع القواعد الإجرائية باعتبارها الوسيلة المثلى للوصول إلى الحقيقة، وهو ما يظهر بجلاء في قانون الإجراءات الجزائية. فإذا ما تعارضت مصلحة المتهم الفردية مع المصلحة العامة المتمثلة في تحقيق العدالة وكشف الحقيقة، فإن الأولوية تمنح للمصلحة العامة (15).
ونحن نميل الى ما ذهب اليه الفقه المصري بضرورة التفرقة بين القواعد الموضوعية المتصلة باركان الجريمة التي تمس قناعة القاضي الجزائي، التي تسري بأثر رجعي إذا كانت أصلح للمتهم، والقواعد الاجرائية التي تقرر أساليب أو اشكال أو مواعيد معينة فتطبق باثر فوري بغض النظر عن مصلحة المتهم.
ثالثاً : خصوصية الاثبات الجزائي ومدى استقلاليته
في صدد تحديد منهجية الاثبات الجزائي انقسم الفقه الى اتجاهين اتجاه يرى توحيد قواعد الاثبات المدني والجزائي، واتجاه آخر يدعو الى الاستقلالية بين الاثبات المدني والجزائي .
1- منهج الوحدة : يقصد به تطبيق قواعد موحدة للإثبات في كل من القانونين الجزائي والمدني وهذا ما ذهبت به التشريعات الانكلوامركية (16) . ويستند هذا المنهج الى مجموعة من الحجج :
أ- ان المبنى العام للدعوى سواء كانت مدنية أو جزائية أو إدارية لا يدل على اختلاف جوهري في مضمون الدعوى، ففي كل دعوى هنالك مدعي يدعي وجود حق ضد مُدَّعى عليه من شأن ذلك ان يؤدي الى زعزعة مركزه الحالي وفي ذات السياق يوجد مُدَّعى علية يدافع عن نفسه(17).
ب- وحدة الغاية، ان الغاية في كل دعوى كانت هي اثبات الحقيقة؛ لذلك لا يمكن الحكم على أي شخص دون وجود الاثبات والمثول به أمام القاضي (18).
ت- ان كل من الدعوتين المدنية والجزائية هي عبارة عن جهد ،انساني، فهي تنشأ عن واقعة متنازع عليها وغايتها استيثاق الحقيقة وكشفها (19).
ث- وقد استند البعض أيضا إلى أن القاضي الجزائي كثيرًا ما يسترشد في المسائل الجزائية بقواعد الإثبات المدني، وهو ما يبيّن أن الهيكل العام وجوهر الإثبات يقومان على أسس واحدة في المجالين المدني والجنائي. ذلك أن المبادئ الأساسية للإثبات لا تختلف في جوهرها بينهما ، إذ كلما ظهرت تجارب جديدة أو معارف علمية حديثة، كان من شأنها تحسين وسائل الكشف عن الحقيقة وتعزيز الأدلة الضعيفة، سواء أكانت الدعوى مدنية أم جنائية (20).
ج- تشترك الدعوتان المدنية والجزائية في اثباتهما بالاعتماد على تقديم الأدلة للقاضي وتهيئة الفرصة له لتكوين اقتناعه لا صدار حكمة، مع تمكنهم من مناقشة الأدلة والرد عليها (21).
ح- يمكن إرجاع سبب القول بتقييد مجال الإثبات المدني، سواء من حيث نوع الدليل أو من حيث نطاق اقتناع القاضي، إلى الرواسب التاريخية للنظام القديم الذي كان يسود في ظل نظام الأدلة القانونية. وقد فضّل المشرع الإبقاء على هذا التقييد في المسائل المدنية وعدم المساس به (22) ، في حين اتجه بشكل واضح إلى تحرير قواعد الإثبات في المواد الجزائية من الصياغة الشكلية الصارمة. ويُعزى ذلك إلى أن نظام الاقتناع الحر للقاضي والإثبات الحر للخصوم يعد من أفضل الأنظمة الإجرائية، لما يحققه من ميزة سرعة استقرار المعاملات، وضمان عدالة الإجراءات، فضلاً عن توفير مناخ قضائي يُرسخ العدالة الجنائية (23).
2- منهج الاستقلالية : ذهب معظم فقهاء القانون اللاتيني إلى التمييز بين طبيعة الإثبات في المجال المدني وطبيعته في المجال الجزائي، إذ يخضع كل منهما لنظام مستقل بذاته. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن من الضروري إفراد قواعد خاصة للإثبات في كل من الدعوتين المدنية والجزائية (24)، وقد رجحوا هذا الرأي لعدة حجج وأسانيد، يمكن بيان أهمها فيما يأتي:
أ - من حيث دور القاضي: حيث يختلف دور القاضي المدني عن القاضي الجزائي، حيث يقتصر دور الأول في الموازنة بين الأدلة المتقدمة لذلك يصف بدوره السلبي"، اما القاضي الجزائي فيقع علية واجب الكشف والبحث عن الحقيقة وتكمله الأدلة الناقصة والتمحيص والاستنتاج، لذلك يتصف بدوره " الإيجابي" (25).
ب - من حيث المحل: ففي حين ينصب محل الإثبات في الدعوى المدنية على حقيقة قانونية، فإن محل الإثبات في الدعوى الجزائية يتمثل في واقعة مادية. وبناءً على ذلك، فإن الإثبات المدني يهدف غالبا إلى إعداد الدليل مسبقا لأثبات حقيقة محددة، تفاديًا لقيام نزاع حولها مستقبلاً. أما الإثبات الجزائي، فلا تبرز الحاجة إليه إلا بعد وقوع الجريمة، حيث يبدأ البحث عن الدليل الذي يثبت وقوعها ويكشف عن مرتكبها، باعتبار أن الواقعة الإجرامية لا يمكن التنبؤ بها أو إعداد الدليل بشأنها مسبقا (26).
ت- من حيث حماية المصلحة إنَّ الاثبات المدني ينظم الدعوى المدنية وهي دعوى تتعلق بمصالح فردية، أما الاثبات الجزائي فهو ينظم دعوى جزائية تتعلق بمصلحتين مختلفتين هما مصلحة المجتمع ومصلحة المتهم (27) .
ث - من حيث أدلة الاثبات: لقد منح المشرع القاضي الجزائي سلطة تقديرية واسعة في مجال الإثبات، حيث أقر له حرية كاملة في تقييم الأدلة المطروحة أمامه، تطبيقًا لمبدأ حرية الإثبات المقرر في المسائل الجزائية. وعلى النقيض من ذلك، فإن القاضي المدني يخضع لقيود تشريعية صارمة، إذ حدد القانون طرق الإثبات المدنية على سبيل الحصر، وبين الحالات التي يتعين فيها اللجوء إلى كل منها (28). وبناءً على ذلك، يتضح أن الإثبات الجزائي يتسم بمرونة كبيرة، إذ لا يتقيد القاضي فيه بنوع معين من الأدلة، وله أن يستمد قناعته القضائية من أي دليل يعرض أمام هـ. أما في المجال المدني، فإن القاضي يلتزم بإطار محدّد من أدلة الإثبات لا يجوز له تجاوزه، الأمر الذي يعكس اختلاف الطبيعة القانونية والغاية الإجرائية لكل من النظامين (29).
ج - من حيث عبء الاثبات يُعد اصل البراءة في القانون المدني من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام عبء الإثبات، ويفيد ذلك أن ذمة كل شخص تعتبر خالية من الالتزامات والحقوق المقررة للغير، أيا كانت طبيعة هذه الحقوق. ومن ثم، فإن من يدعي خلاف هذا الأصل المستقر، يقع عليه عبء إقامة الدليل على ما يدعيه. وبذلك فإن عبء الإثبات يتحمله المدعي (30). اما القانون الجزائي فإنَّ القاعدة العامة في المواد الجزائية تقرر أن عبء الإثبات يقع على عاتق النيابة العامة (الادعاء العام) بصفتها سلطة الاتهام، ولا يُرفع عنها هذا الالتزام إلا بنص استثنائي ويشمل هذا العبء إثبات جميع أركان الجريمة المادي، والمعنوي، وبمقتضى مبدأ الأصل في الإنسان البراءة، فإن النيابة العامة ملزمة بتقديم الدليل على ارتكاب المتهم للجريمة، حتى وإن لم يُبدِ دفاعًا ، فإذا قصرت في ذلك وجب على القاضي الحكم بالبراءة (31).
ح - من حيث الموضوع والهدف : يهدف القانون الجزائي إلى تنظيم سلوك الأفراد وتحديد الحدود القانونية لهذا السلوك بما يضمن عدم إلحاق الضرر بالغير أو بالمجتمع. ويتحقق ذلك من خلال فرض الجزاء على من يتجاوز هذه الحدود، إذ يقوم أساس هذا القانون على مبدأ العقاب وتحقيق الردع ، بينما يتمثل هدفه الأسمى في حماية المجتمع وصيانة أمنه واستقراره أما القانون المدني، فإن موضوعه يتركز على تنظيم حياة الأفراد، سواء ما يتعلق بحقوقهم الشخصية أم بحقوقهم العينية، ويهدف بالأساس إلى تحقيق التوازن بين مصالحهم في معاملاتهم المختلفة، بما يكفل استقرار العلاقات المدنية وحماية الحقوق المكتسب أدلة بينهم (32).
مما تقدم يمكن القول: إن الحجج التي عُرضت لصالح كل من المذهبين ، أو ما يُطلق عليهما نظريتي الإثبات المدني والجزائي، تفتح المجال للترجيح بينهما. غير أن المذهب القائل باستقلالية الإثبات الجزائي عن الإثبات المدني يبدو أرجح، وذلك لكونه يتماشى مع الطبيعة الخاصة للإثبات في المجال الجزائي، الذي يقوم على حماية الحرية الفردية وضمانات المحاكمة الع أدلة، ويختلف في جوهره عن الإثبات المدني القائم على حماية المصالح الخاصة وتنظيم العلاقات بين الأفراد.
________
1- د. أحمد محمد براك مبادئ الإجراءات الجزائية في التشريع الفلسطيني، ج1، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 2024، ص 16
2 - محمد زكي أبو عامر ، الاثبات في المواد الجنائية، الفنية للطباعة والنشر الإسكندرية، بدون سنة نشر، ، ص21.
3- د. محمود نجيب حسني، تنقيح فوزية عبد الستار، شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الرابعة، دار النهضة العربية القاهرة، مصر، 2011، ص 839
4- د. عادل يوسف الشكري الوسيط في نظرية الاثبات الجزائي، الطبعة الأولى، دار المسلة، بغداد، 2025، ص 41 .
5- المشروعية الإجرائية يُعد هذا المبدأ من المبادئ الجوهرية في القضاء الجزائي، إذ يقتضي أن تباشر جميع الإجراءات المتعلقة بملاحقة المتهم وتنفيذ العقوبة وفقاً لقواعد قانون الإجراءات الجزائية النافذ ، بحيث يقضي أي خروج عنها إلى بطلان تلك الإجراءات وما يترتب عليها من آثار قانونية ويُكرّس هذا المبدأ ضمانة جوهرية لتحقيق عدالة الإجراءات وصون الحقوق والحريات الفردية كما يُشكل إحدى الدعائم الأساسية للمحاكمة العادلة وما يعبر عنها الأجراء بغير سند القانون ينظر: ايمن عبد العال، الوجيز في شرح قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني، ج1، الطبعة الأولى، كتاب صادر عن قسم المناهج في كلية العودة الجامعة، 2017_2018، ص 11.
6- فاضل زيدان ،محمد سلطة القاضي الجنائي في تقدير الأدلة أطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون، جامعة بغداد، 1987، ص 315
7- د. عادل يوسف الشكري، مصدر سابق، ص.26. وينظر : قانون الاثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 النافذ والمعدل، وقانون الاثبات في المواد المدنية والتجارية المصري رقم 25 لسنة 1968 النافذ والمعدل، وقانون البيئات الفلسطيني رقم 4 لسنة 2001 النافذ والمعدل.
8- د. مطهر عبده محمد الشميري شرح قانون الإجراءات الجزائية اليمني، الطبعة الثالثة مطبعة أوان، اليمن، 2006-2007، ص 14 .
9- د. محمد زكي أبو عامر ، شرح الإجراءات الجنائية المصري، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2010، ص 51 .
10- د. سمير عالية، وأ. هيثم سمير عالية الوسيط في شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2018، ص 73.
11- د. أحمد فتحي ،سرور ، ج 1 ، مصدر سابق، ص 95 ود مأمون محمد سلامة، قانون الاجراءات الجنائية معلقا عليه بالفقه واحكام النقض، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة، 1980، ص 37 .
12- د. محمد زكي أبو عامر ، الاثبات في المواد الجنائية، الفنية للطباعة والنشر الإسكندرية، بدون سنة نشر، ص26.
13- د . براء منذر كمال شرح أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة السابعة مكتبة السنهوري، بيروت، لبنان، 2021، ص 16.
14- ينظر المادة 19 الفقرة عاشرا من دستور العراق لسنة 2005 والذي نص على -: "لا يسري القانون الجزائي باثر رجعي الا اذا كان اصلح للمتهم". ونرى في عبارة الجزائي قد شملت قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية .
15- د. تامر حامد القاضي شرح قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني، ج 1، الطبعة الثالثة، مكتبة نيسان، غزة، فلسطين، 2025، ص 29 ود . ايمن عبد العال، الوجيز في شرح قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني، ج1، الطبعة الأولى، كتاب صادر عن قسم المناهج في كلية العودة الجامعة، 2017_2018 ص 21 .
16- حسين المؤمن، نظرية الاثبات ، ج 1 ، الطبعة الثانية شركة العرفان لتقنيات الاستنساخ الحديثة المحدودة، بغداد، 2016، ، ص 46 .
17- د. شعبان محمود محمد الهوارى أدلة الاثبات الجنائي، الطبعة الأولى، دار الفكر والقانون المنصورة، مصر، 2013، ص 9 .
18- د. عبد الرؤف مهدي، الاثبات الجنائي، الطبعة الأولى دار الاهرام مصر ، المنصورة، 2024، ص 12 .
19- د. عصمت عبد المجيد شرح قانون الاثبات المكتبة القانونية، بغداد ،العراق، بدون سنة نشر ، ص 9 .
20- مفيده سعد سويدان، نظرية الاقتناع الذاتي للقاضي الجزائي، (دراسة مقارنه اطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون، جامعة القاهرة، 1985، ص 30.
21- د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، ج 1، الطبعة العاشرة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016 ص 29
22- د. أحمد أبو القاسم، الدليل الجنائي المادي ودوره في اثبات جرائم الحدود والقصاص ، ج 1 ، المركز العربي للدراسات الإنسانية، الرياض، 1993، ص 42
23- د. شعبان محمود محمد الهواري، مصدر سابق، ص 11.
24- د. أحمد أبو القاسم، الدليل الجنائي المادي ودوره في اثبات جرائم الحدود والقصاص ، ج 1 ، المركز العربي للدراسات الإنسانية، الرياض، 1993، ص 40 .
25- المستشار مصطفى مجدي هرجة، الاثبات الجنائي والمدني في ضوء الفقه والقضاء ، ج 1، بدون دار نشر، 1996، ص63.
26- د. عبد الرؤف مهدي، الاثبات الجنائي، الطبعة الأولى دار الاهرام مصر ، المنصورة، 2024، ، ص 12.
27- د. محمد ماضي، الاثبات الجزائي، (دراسة في التشريع العراقي والمقارن)، الطبعة الأولى المركز العربي للنشر والتوزيع، مصر، 2023 ، ص 25. ود. محمد محي الدين عوض الاثبات بين الازدواج والوحدة في الجنائي والمدني في السودان بحث منشور في مجلة القانون والاقتصاد، مجلة تصدر عن جامعة القاهرة كلية القانون مجلد ،37 عدد ،3 1967، ص 357.
28- دوار حنان حدود سلطة الاثبات والاقتناع للقاضي الجزائي وضوابطه، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة مولاي الطاهر، كلية الحقوق والعلوم السياسية قسم الحقوق 2016-2017، ص 19 .
29- د. شعبان محمود الهوارى، مصدر سابق، ص17.
30- أحمد عزيز جايد الخيون دور القاضي في اثبات الدعوى المدنية، الطبعة الأولى، الناشر صباح صادق جعفر الانباري، موسوعة القوانين العراقية، 2011، ص 17
31- د. عبد الحافظ عبد الهادي عابد، الاثبات الجنائي بالقرائن (دراسة مقارنة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ص 62 . وزوزو هدى عبء الاثبات الجنائي، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة محمد خيضر ، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم الحقوق، 2005-2006، ص 83
32- مفيده سعد سويدان، نظرية الاقتناع الذاتي للقاضي الجزائي، (دراسة مقارنه اطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون، جامعة القاهرة، 1985، ص 28

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد