مضمون التحقيق الإذاعي وأنواعه:
يمكن رصد وتحديد نوعين رئيسيين من التحقيقات الإذاعية حسب المضمون، النوع الأول يسمى تحقيق الحدث أو التحقيق الإخباري، والنوع الثاني يسمى تحقيق المعالم وهو بدوره يشمل تحقيق المشكلات، تحقيق الإنجازات، تحقيق الشخصية تحقيق المكان تحقيق الاستفتاء، تحقيق الموضوعات الطريفة. ويلاحظ أن هذه الأنواع كثيرا ما تتدخل مع بعضها البعض، وإن كان من الضروري تناولها من هذا المنظور بهدف الفهم والتوضيح لجوانب شخصية التحقيق الإذاعي.
(أ) تحقيق الحدث:
ارتبط التحقيق بدور هام في الصحافة المكتوبة، واستفادت الإذاعة من هذا الدور، وإن كانت قد استخدمت فن التحقيق وفق خصائصها كوسيلة اتصال، وكذلك وفق ظروف المنافسة غيرها من الوسائل، فالصحف اليومية مع تعتمد على الخبر بالدرجة الأولى في ضوء قصر دورية الصدور بما تفرضه على الصحيفة من ملاحقة مستمرة للأحداث حتى يمكن تلبية احتياجات الجماهير التي تشترى الصحيفة لمعرفة آخر الأنباء، نفس المنطق نجده في نشرات الأخبار بالإذاعة، التي لابد أن تتضمن الجديد من الأحداث، أو الجوانب الجديدة للأحداث السابقة والمادة الإخبارية في الصحف، وكذلك نشرات الأخبار في الإذاعة تهتم أولا وقبل كل شيء بإعلام الجمهور بماذا حدث؟، أي أنها تجيب عن أداة استفهام "ماذا؟" بصفة أساسية وما يرتبط بها من ظروف الزمان والمكان والأشخاص، والطابع الإخباري بصفته "الآنية" لا يتيح في كثير من الأحيان وصف هذه العناصر وتحليلها التحليل العميق، ومن هنا يأتي دور التحقيق ليجيب على الأسباب الكامنة وراء الموضوع وما يرتبط به من عناصر "كيفية" في جوانبه المختلفة، فالتحقيق يقوم إذن بما لا يمكن أن يقوم به الخبر، إنه يلقي الضوء على الأشخاص والأحداث فيزيدنا علما بها ويثري ثقافتنا عن الموضوع، ويجيب على كل ما قد يدور في أذهاننا عن تساؤلات واستفسارات، ويشبع لدينا حب الاستطلاع، ويبين الأبعاد العميقة للخبر: فالأخبار تنتشر على الساحة السطحية، لكن التحقيقات تتعمق في الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
من هنا يعتبر التحقيق الإذاعي شكلا إخباريا هاما لأنه يبحـث عـن الوقائع والقضايا، الأمر الذي يستلزم توافر الخبرة بالأحداث الجارية لدى القائم به والتحقيق الإخباري لا يكتفي بالإشارة إلى الحدث ووصفه، وإنمـا يتضمن تسجيلات صوتية مع الأشخاص المشتركة في الحدث. كما يبحث في الأسباب الموضوعية لوقوعه، وكذلك البيئة الموضوعية والجوانب المختلفة التي تهم المستقبل، باعتبار أن التحقيق يهدف أصلا إلى عرض حقيقة الحدث صحيحة وكاملة وواضحة.
إن الأخبار التي تخضع لهذا المبدأ، أي التي تستلزم تحقيقا إخباريا، هي غالبا تلك الأخبار التي تتضمن مشكلة أو وضعا غير سليم، أو ذات تأثير هام في حياة الجماهير العريضة حاليا، بل إن هذه الخاصية هي التي تميز عمل المندوب الإخباري عن عمل المندوب المحقق فالأول يقوم بإعداد تقرير لا أو خبر يعد أن يكون تلخيصا للوضع القائم بشأن موضوع أو حدث معين، اما الثاني، فإنه لا يكتفى بذلك وإنما يبحث ويستقصي في أسباب هذا الوضع وخلفياته وآثاره ونتائجه الحالية والمرتقبة، وهناك من يؤكد على أهمية البعد المستقبلي في التحقيق، فمعظم الأخبار تعني بأحداث وقعت في الماضي (حتى ولو كانت قد وقعت منذ وقت قليل) وهنا يختلف التحقيق عن الخبر، إذ إن التحقيق يستهدف المستقبل حتى ولو بالتضمين ولما كانت التحقيقات تتناول أمورا يحيط بها التوتر، فإن إذاعتها يحتمل أن تؤثر في الكيفية التي يحل بها هذا التوتر، وذلك لا يمكن أن يحدث إلا في المستقبل فقط ، واهتمام المندوب بالمستقبل هو الذي يدفعه إلى إعداد تحقيقه.
وبجانب الخصائص الأساسية لفن التحقيق الإذاعي بوجه عام، فإن هناك مستلزمات للتحقيق الإخباري أو ما اتفق على تسميته بتحقيق الحدث، وأهم هذه المستلزمات:
1- الحيوية: ذلك أنه إذا كان التحقيق عبارة عن نقل الحدث عايشه الصحفي، فلابد للمستمع أن يشعر من خلاله بالحياة النابضة في كل لحظة من لحظات الحدث، ويكون ذلك من خلال دقة الوصف وصدق التعبير، واستخدام الأسلوب الإخباري في الصياغة والحماس في الأداء.
2- العرض المختصر: إن التطويل في التحقيق مؤشر على كسل القائم، كما أن الاسترسال أضعف من الاختصار فيه، ولإضفاء الحيوية والسرعة على التحقيق يتعين الاختصار واختيار الكلمات والعبارات التي تؤثر في الجمهور مع تحاشي العموميات والجمل الطويلة التي تؤدي إلى ملل الجمهور.
3- الواقعية والالتزام بما هو ملموس: ويكون ذلك من خلال الوصف الدقيق لكل ما هو ملموس من الحدث بجوانبه وتفصيلاته الدقيقة، ووصف المسميات بأسمائها بحيث يتم تقريب الحدث إلى الجمهور.
4- المعايشة: بمعنى إعطاء المستمع انطباعا بأن القائم بالتحقيق قد عايش الحدث واندمج فيه وتفاعل مع وقائعه في مكانها وزمانها ثم ينقله إليه بأسلوب سهل مباشر كشاهد عايش هذا الحدث.
(ب) تحقيق المعالم:
هذا التحقيق الذي لا تنبثق فكرته بالضرورة من حدث حالي وهو بمعنى أن الدافع إلى القيام به لا يتمثل في تقديم حقيقة الحدث الحالي بجوانبها المختلفة للجماهير استنادا على المعالجة الإذاعية المتعمقة، وإنما يتم القيام بهذا التحقيق لأنه يرتبط بمشكلة مزمنة تؤثر في حياة الناس، أو تحقق لهم الإعلام والتسلية والثقافة والخدمات والتوجيه ويندرج تحت هذا المعنى العديد من مجالات الموضوعات الصالحة للتحقيق الإذاعي، والتي بموجبها يمكن تقسيمه إلى الأنواع التالية:
1- تحقيق المشكلات:
وهو التحقيق الإذاعي الذي يتناول الجوانب والمظاهر الهامة للمشكلات المعاصرة خاصة تلك التي تتضمن جوانب خافية عن عيون الجماهير، وعندما يضعها تحت نظر الجماهير فإنه يؤدي خدمة للمجتمع دافعه الأساسي إنه لا يمكن معالجة مشكلة معينة، ما لم تكن معروفة. وفي هذا النوع من التحقيقات تتم دراسة أبعاد المشكلة بأسلوب موضوعي، بمعنى جمع كافة المعلومات والآراء والاتجاهات من المؤيدين والمعارضين على السواء، ولا يكتفى منتج التحقيق بقراءاته الخاصة حول الموضوع، وإنما يستعين بطائفة من الأخصائيين أو الفنيين الذين لهم دراية كافية به فيجري معهم الأحاديث (الحوارات) التي يستطلع فيها آراءهم ويقارن بين مختلف الآراء ويستخلص منها أرجحها وأقربها إلى العقل أخذا في الاعتبار أن القائم على التحقيق الإذاعي يضع نصب عينيه دائما سياسة الخدمة الإذاعية التي يعمل بها، بل إنها تكون مرشده الأساسي في اختيار المشكلة وطرق معالجتها ومصادر المعلومات الخاصة بهذه المشكلة، وبالذات المصادر الحية.
إن معظم مجالات الحياة اليومية تتضمن العديد من المشكلات التي تصلح لأن تكون مجالا للتحقيقات الإذاعية الناجحة على سبيل المثال:
- مجال التعليم: (الدروس الخصوصية، قصور المناهج، عيوب مجانية التعليم.. إلخ).
- مجال الصحة: (الأمراض المتوطنة، مشكلات التأمين الصحي، التلوث،.. إلخ). مجال المواصلات أزمة المرور قلة الوسائل وعدم كفاءاتها، الانشغالات والطرق غير الممهدة.. إلخ).
- مجال القانون: (بط إجراءات التقاضي التحايل على القوانين وانتهاكها.. إلخ).
- مجال الثقافة: أزمة الكتاب أزمة المسرح، الأفلام والأغاني الهابطة.. إلخ).
- مجال الإسكان: العلاقة بين المالك والمستأجر، ارتفاع أسعار الشقق تصدع العمارات أو انهيارها أسعار مواد البناء.. إلخ).
- مجال السلع والتموين: أسعار السلع الرقابة على الأسواق، السوق السوداء.. إلخ).
وهكذا يتضح أن مجالات الحياة المختلفة تتضمن عديدا من المشكلات التي تهم القطاعات الجماهيرية العريضة وترتبط بشؤونهم الحياتية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تختلف المشكلات المجتمعية وطبيعتها من مجتمع إلى آخر، ولكنها تظل مجالا خصبا للتحقيقات الإذاعية الناجحة، ويرتبط بتحقيق المشكلات ما يعرف بتحقيق التحري عن الفساد، ويهدف هذا النوع من التحقيقات إلى تسليط الأضواء على الفساد بكافة صوره وأشكاله، وتحديد المسؤولية عنه أو الذين بهم علاقة به سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة وسواء كانوا تسببوا فيه بحسن النية أو بسوء النية، وبذلك يصبح التحقيق الإذاعي وسيلة لوقوعهم تحت طائلة القانون أو تحت طائلة العقاب الاجتماعي، وإن كان كل ذلك يتحدد بما تسمح به السياسة الإعلامية للوسيلة، في المجتمع الأمريكي مثلا تقوم السياسة الإعلامية للوسائل الجماهيرية على الحرية في تناول الموضوعات وفق مفهوم (الحرية) وينسحب ذلك على كافة الموضوعات حتى ولو كان الأمر يتعلق بشخصية كبار المسؤولين، وهذا ما نلمسه بوضوح في تناول تلك الوسائل العلاقة رئيس الدولة بالمتدربة السابقة في البيت الأبيض (مونيكا لوينسكي).
2- تحقيق الإنجازات:
يهدف هذا النوع من التحقيقات الإذاعية إلى تسليط الأضواء على الإنجازات الناجحة من المشروعات الخدمية والإنتاجية سواء على المستوى الحكومي أو المستوى الشعبي، وتعريف الجماهير بالقائمين علـى هـذه الإنجازات وتقديمهم إلى المجتمع كنماذج صالحة وقدوة يحتذى بها، كما يهدف هذا النوع من التحقيقات أيضا إلى متابعة مراحل الإنجاز التي تمت في المشروعات المختلفة، وكيف يتم الإنجاز، وما هي العوامل التي تسرع به والعقبات التي تؤجله.. إلخ، ويصبح التحقيق الإذاعي الذي ينتمي إلى هذا النوع من التحقيقات - له أهمية شديدة إذا ما كان يركز على المشروعات الخدمية أو الإنتاجية ذات الأهمية للجماهير، كما يلعب دورا ملموسا في تحقيق فهم أفضل لسياسة الحكومة من جانب الشعب، وكذلك فهما أفضل من جانب الحكومة لمطالب واحتياجات الشعب.
3- تحقيق الشخصية:
ويطلق عليه أحيانا تحقيق الاهتمامات الإنسانية، وبصفة عامة فإن موضوع هذا التحقيق يكون شخصية معينة تصبح مجالا للدراسة، وقد يتعمق التحقيق في تحليل الجوانب النفسية لشخصية عظيمة أو مشهورة يهتم بها الرأي العام، وقد يتناول شخصية من عامة الشعب ولكنها ذات مواصفات من نوع خاص سواء بالسلب أو بالإيجاب ولا تكون الشخصية معاصرة بالضرورة فقد يكتشف منتج التحقيق جوانب جديدة ومعلومات غير معروفة عن زعيـم عاش منذ سنين طويلة كأحمد عرابي أو مصطفى كامل، أو حتى قدماء المصريين بعد اكتشاف جديد لمقابرهم ومعابدهم. وهناك من يوسع دائرة هذا النوع من التحقيقات بحيث يشمل جماعة بشرية معينة، وتتفاوت موضوعات تلك التحقيقات ما بين سحرة الثعابين إلى الفنانين المتقدمين في السن، ومصائب نجوم الأوبرا باعتبار أن أكثر هذه الشخصيات تصنع أخبارا مشوقة، وكثيرا ما تبرز القصص التي تقوم على الاهتمام الإنساني في أماكن غير متوقعة، وبعض هذه القصص تتسم بحساسية بالغة وإذا لم تعالج بصورة سليمة فإنها قد تسفر عن توجيه إهانة.
4- تحقيق المكان:
وهو التحقيق الذي يقوم على وصف مكان معين وإلقاء الضوء على جوانبه المختلفة وتاريخه وأهميته ومكوناته، ودلالته مع إبراز قيمته ونواح تميزه، وهذا النوع من التحقيقات تصبح أهميته شديدة إذا كان يتناول مكانـا تاريخيا أو أثريا أو سياحيا بوجه عام، فالمعالم الأثرية مثل الأهرامات والمتاحف والمعابد والكنائس والمساجد وغيرها من الأماكن تمثل مجالا موضوعيا للعديد من التحقيقات الإذاعية الناجحة، كما يمكن أن تتناول هذه التحقيقات الرحلات الهامة والطريقة التي قامت بها شخصيات أو جماعات إلى أماكن معينة سواء في الداخل أو في الخارج.
5- تحقيق الاستفتاء:
وهو التحقيق الذي يستهدف معرفة آراء الناس في قضية أو مشكلة هامة تؤثر في حياتهم سواء في الحاضر أو في المستقبل، والمعرفة هنا لا تكون مطلوبة لذاتها، وإنما تكون غالبا بداية لحملة إعلامية أو دعائية لإقناع الناس بفكرة معينة، فالتحقيق الاستفتائي إذن لا يهدف إلى الوصول لنتائج قابلـة للتعميم، لأن هذه مهمة أخرى تتولاها مؤسسات قياس الرأي العام، وإنمـا يكون بمثابة بالونة اختبار من خلال مجرد طرح الفكرة أولا على ساحة الاهتمام الجماهيري، ومحاولة خلق القناعة لدى الناس بأهمية آرائهم في قضية أو مشكلة معينة.
6- تحقيق الموضوعات الطريفة:
وهو التحقيق الذي يدور حول الغريب والطريف من الأمور، سواء كانت قضايا أو مواقف أو شخصيات، أو آراء، ... إلخ، مع ربط كل ذلك بفكرة أو فلسفة معينة لإظهار أو إبراز نواحي الطرافة أو الغرابة، ولا تقتتصر هذه التحقيقات على ما هو غريب وطريـف في عالم الإنسان والأشياء، وإنما تشمل أيضا ما هو غريب وطريف في عالم الحيوان أيضا مثال ذلك تحقيق إذاعي حول عادات بعض الحيوانات البرية في التخلص من الحشرات التي تعيش في أجسامها.
وعلى الرغم من هذا التعدد في أنواع التحقيقات الإذاعيـة مـن حيـث المضمون إلا أن بعض التحقيقات يجمع بين أكثر من نوع، ويساهم بذلك في تحقيق الوظائف المختلفة للإذاعة كوسيلة اتصال.