منذ اليوم الأول الذي يبصر فيه طفلك النور يستطيع أن يتعرف على صوتك ورائحتك، وبعد يومين أو أكثر يستطيع أن يميز وجهك، على أنه إذا أردت أن تتركيه في هذه المرحلة، فسوف ينساك على الفور. وما أن يبلغ عامه الثاني حتى تكون الأمور مختلفة، إذ تكون أفكار صغيرك وذاكرته أقرب ما تكون الى ذاكرتك من ذاكرة الطفل حديث الولادة.
إذن للطفل ذاكرة ... وذاكرة تتطور تدريجياً ... كيف؟
يتألف عالمنا من الماضي والحاضر والمستقبل، لكن كل ما يفكر فيه طفلك هو ما يسمعه ويحسه ويشمه ويراه في كل لحظة. ويقول العديد من الخبراء أن الأطفال حديثي الولادة يشعرون بالراحة عند سماعهم الاصوات الشبيهة بصوت الرحم، رغم أنه من غير المحتمل أن يتذكروا أنهم كانوا في الرحم. ومن شأن صوت محرك السيارة أو المكنسة الكهربائية أن يشجع الصغير على النوم تماماً كما تفعل نبضة القلب وذلك ببساطة لأن الأطفال يحبون عموماً الأصوات الايقاعية والمتواترة ولا يستطيع الطفل حديث الولادة أن يتذكر ما الذي حدث قبل بضع ساعات إلا إذا كان في المكان ذاته بالضبط، لذا سوف يتذكر الرحم فقط إذا وجد فيه ثانية، رغم أن صوت نبضة القلب قد يبدو مألوفاً لديه.
الأسابيع الستة الأولى: في الأسابيع الأولى، لن يفتقدك طفلك حين تتركينه لفترة وجيزة. أنت مألوفة بالنسبة له، لكن إذا خرجت من الغرفة ثم عدت ثانية تصبحين شخصا مألوفا جديدا، ولن يتمكن من إدراك أنك الأم ذاتها التي تأتي وتذهب كل مرة إلا عند بلوغه الشهر الخامس أو السادس.
حتى الشهر السادس: بحلول الأسبوع السابع تقريبا، يبدأ الأطفال في ملاحظة التغيير. كما يبدو أن في تمييز الكلمات بما في ذلك أسماؤهم، رغم أن ذاكرتهم لا تزال ضعيفة. وبين الأسبوعين السادس والثامن يستطيع الطفل ايضا أن يتعلم مهمة بسيطة ويتذكرها. فقد أظهرت الأبحاث في علم نفس النمو أنه إذا ربطت جملاً صغيراً بأحد طرف ساق الطفل ووصلت الطرف الآخر من الجمل بجسم متحرك، فسوف يرفس ساقه أكثر لجعل الجسم يتحرك. على أنه سوف يتذكر هذه الحيلة فقط بعد مضي بضع ساعات أخرى، إلا إذا شاهد الجسم المتحرك على نحو منتظم، وعموماً، يمكن لذاكرة طفل في الاسبوع الثامن من العمر أن تمتد فقط ليومين أو ثلاثة. فإذا غيّرت شكل الجسم المتحرك أو اضفت اليه أنباء أخرى كدمى ملونة مثلاً، فسوف ينساه تماماً. فلكي يتذكر ما تعلمه يجب أن تظل الأشياء كما هي عليه بالضبط. على أنه وبحلول الاسبوع الثاني عشر، يستطيع الطفل أن يتذكر المهام التي تعلمها من سنة الى ثمانية أيام. وبحلول الأسبوع السادس والعشرين، يستطيع الأطفال أن يتذكروا أشياء لفترة تمتد من 15 الى 16 يوماً.
من الشهر السادس الى الثامن: في هذه السن، يعتمد طفلك علـــى التلميحات لمساعدته على التذكر، إذ يشعر بالإثارة حين يسمع صوت الماء في الحمام، كما يبحث عنك حين يسمع صوتك. وبحلول شهره الخامس، يدرك أنه لا توجد واحدة أخرى مثلك. على أية حال، فإن الشيء المثير الذي يحدث في هذه الفترة هو حدوث زيادة تدريجية في حجم ذاكرة الطفل ومساحتها. ورغم أنه لا يزال من السهل الهاؤه، إلا أنه يستطيع في الشهر السادس أن يزيح نظره بعيدا لفترة دون أن ينسى ما الذي كان يفعله، ويبدأ بالحدس، حيث ستلاحظين عند إطعامه أن فمه يفتح قبل أن تصل الملعقة اليه. كما قد يلقى بدمية من مهده ويراقبها تسقط على الأرض. لكنه إذا لم ير على الفور اين ذهبت فسوف يفقد اهتمامه بها.
من الشهر الثامن الى الثاني عشر: تشكل هذه الشهور الأربعة قفزة هائلة في إنجازات الطفل، إذ يزداد حجم ذاكرته، ويستطيع أن يتنقل بين المهام ففي الشهر الخامس. يكون هناك شيئان فقط يستطيع أن يفعلهما باللعبة، عضها أو ضربها. اما الآن فلا يقوم الصغير بضرب اللعبة وعضها واحتضانها ورميها فحسب، وإنما يختار الفعل المناسب لكل دمية. ويبدأ طفلك في هذه السن في التخطيط، إذ يبحث بعينه ويزحف على الارض للوصول الى الدمية التي يريد، ويستطيع أيضاً أن يتذكر أشياء لا يراها في الحقيقة. كما يكرر الأفعال للحصول على استجابة كأن يرفع ذراعيه مثلاً لتحمله أمه. ويقوم أيضاً بالبحث عن أشياء أسقطها كما يبحث عن الأشياء في الأماكن التي وجدها فيها من قبل. وقد يبدو أنه يتذكر حدثاً وقع في الماضي - فعلى سبيل المثال قد يبدو عصبيا في الحديقة إذا كان قد ضربه أحد الأولاد في آخر مرة كان فيها هناك.
من الشهر الثاني عشر الى الثامن عشر: بحلول هذا الوقت، تكون أكبر التغيرات بشأن ذاكرة رضيعك قد حدثت. لقد أصبحت كل أنظمة الذاكرة لديه في مكانها، وأضحت أكثر كفاءة وفاعلية. ويستطيع الآن التنقل بين الافكار والمهام المختلفة. على أن ذاكرة الرضيع لا تمتد لفترة زمنية طويلة، لذا وبعد العشاء قد ينسى الصغير اللعبة التي كان يلعبها في وقت سابق.
في هذه السن، يختار طفلك الدمى والألعاب التي يريد أن يلعبها، كما يغدو ما يفعله بالدمية صحيحاً وملائماً أكثر. فإذا وقعت يده مثلاً على وعاء صغير فسوف يحرك شيئا متخيلا فيه باستخدام ملعقة. كما سنراه يحاول ادخال المجسمات الهندسية المختلفة في الفتحات والتجاويف المناسبة. ويستطيع الطفل هنا كذلك أن يتوقع وجود صلة بين أفعال معينة، لذا قد يحضّر حذاءه إذا عرف أنه على وشك الخروج.
من الشهر الثامن عشر الى العام الثاني: يستطيع الطفل في عامه الثاني أن يتذكر احداثا معقدة وقعت في الماضي كأن ترك دميته المفضلة في الحمام أو تناول الأيس كريم يوم أمس ـ لكنه لا يستطيع أن يتذكر ترتيب الأحداث - على سبيل المثال لا يستطيع صغيرك أن يتذكر ما إذا كان والده جاء الى البيت قبل أو بعد مشاهدة التلفزيون. كما لا تستطيع هذه الفئة العمرية استخدام استراتيجيات تساعد في التذكر. لذا إذا طلب من الصغير أن يتذكر أي صندوق يحتوي على الحلوى المخبأة فإن الطفل ذا الثلاثة أعوام سيركز عينيه على الصندوق الذي رآك تخفين فيه الحلوى، أما الطفل ذو العامين فلن يفعل ذلك بخلاف الأطفال الأكبر سناً، لن يتذكر الطفل ذو العامين أن تكرار شيء ما سوف يجعله يتذكّره.