سر التعبي عن المنافع المادية بـ(الفضل الالهي)
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج10، ص126-128
2026-08-07
163
عبرت الاية عن النعم الالهية والمنافع المادية بعبارة (الفضل الالهي) ويكمن سر ذلك في أن جميع المنافع المادية والمعنوية التي ينالها الانسان إنما هي من تفضل الله عليه وليست استحقاقا له اذ إن الاعمال الصالحة التي يقوم بها الافراد لا يقومون بها إلا بتوفيق الله وفيضه وحوله وقوته فلو أن الله حرم الانسان من الفكر والقدرة والحافز لما تمكن من فعل الخير ومن هنا ما ورد في الادعية اللهم عاملنا بفضلك ورحمتك ولا تعاملنا بعدلك لأن كل ما هو موجود هو من فضل الله وزيادته فلا استحقاق لنا على الله كي نطلب منه أن يعاملنا بعدله.
وخلاصة الكلام هي أنه لابد من أن يكون في ساحة الحساب والثواب والعقاب قانون ما يتم الاستناد عليه في توزين الاعمال من جانب ومن خلاله يتحقق ثقل وخفة ذلك الميزان من جانب اخر والجنة والنار من الجانب الثالث ان الانسان يرفل بما لا يحصى من النعم الالهية وهو مأمور بأداء الواجبات الملقاة عليه والامتناع عن ارتكاب المحرمات وما تدين به البشرية نحو الله إنما هو شكر تلك النعم وامتثال الاوامر واجتناب النواهي فإذا كان العنصر المحوري في هذه المحاسبات هو (العدل الالهي) لخسر الانسان حتما أما اذا كان ذلك العنصر هو (الفضل الالهي) فهو مقرون بالعفو والصفح والإحسان وأمثال ذلك مما يسهل الامر حينئذ.
إن استعمال تعابير من قبيل الاجر هو من باب الترغيب في الحقيقة وإلا فلا معنى لأن يعمل الانسان عملا لنفسه ويأخذ أجره من الله وهذا بالضبط يشبه الوعود التشجيعية التي يعطيها الاب لابنه يعده بالهدية اذا صلى أو جد في قراءة دروسه فاهتمام الابن بأداء الصلاة أو الدراسة إنما هو في الحقيقة من أجل وصوله الى كماله هو نفسه وليس للأب كي يأخذ منه المكافأة على ذلك. ومثل هذه العبارات التشجيعية كثيرة في القرآن الكريم مثل. 1. شراء الله نفوس المؤمنين وأموالهم واعطائهم الجنة مقابل ذلك: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ[1])، هذا مع أن الله هو المالك لنفس المؤمن وماله بل مالك كل شيء: (أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ[2])، (لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ[3]) والله هو المالك والملك وهو مالك الملك أيضا: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[4]) (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ[5]).
2. اعطاء الاجر في مقابل الهجرة: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ[6]) وهذا القول هو للترغيب، اذ إن المنفعة في اجارة العين انما ينالها المستأجر ويدفع في مقابلها أجرة المسمى أو اجرة المثل وفي اجارة الشخص يعطي المؤجر أي الاجير منفعة عمله للمستأجر ويأخذ منه الاجرة مقابل ذلك وفي كلتا الحالتين تعود المنفعة الى المستأجر والأجرة الى المؤجر والأجير إلا أن مثل هذا المعنى لا سبيل اليه بالنسبة الى الله فكل عمل يقوم به الانسان انما هو له فقط: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا[7]). وعلى هذا يكون اعطاء الشيء في مقابل العمل الصالح من سنخ الفضل لا من سنخ العدل والتعبير عن ذلك بالأجر إنما هو من قبيل الترغيب وليس من باب رعاية القانون الفقهي والحقي وما شابه ذلك فلا يصل الى الله أي نفع من أي عمل: (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[8]).
[1] سورة التوبة الاية 111
[3] سورة البقرة الاية 284
[4] سورة المائدة الاية 120
[5] سورة آل عمران الاية 26
[6] سورة النساء الاية 100
[8] سورة آل عمران الاية 97
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة