(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)
خلاصة التفسير: لا تثريب عليكم اذا سعيتم أثناء سفر الحج للحصول على فضل الله والسر في اطلاق تسمية الفضل الرباني على المنافع المادية اضافة الى رفع توهم حرمة التجارة في أيام الحج وترغيب المؤمنين بممارسة النشاطات التجارية هو أن المنافع المادية المحللة الموصوفة بصفة تحصيل الفضل الالهي هي كالمنافع المعنوية كليهما من فضل الخالق.
وبعد وقوف الحجيج في صحراء عرفات الذي يمثل نقطة البداية في المناسك بعد الاحرام يجب على الجميع أن يشرعوا في آن واحد بالحركة الجمعية نحو المشعر الحرام للوقوف به والاشتغال بذكر الله فيه وأن يكون هذا الذكر مقرونا بشكره على نعمة هدايته ووفقا لتعاليمه وإرشاداته على أساس توحيده وتنزيهه عن الشرك، وبالعبارات الواردة في الكتاب والسنة؛ لأن الجميع كانوا قبل فيض الهداية الربانية في الضلالة؛ كما هو الحال الآن أيضاً حيث لا يزال العديد من الناس يعانون من قيود الضلال والكفر والإلحاد رغم وجود التطورات الصناعية الهائلة.
إن ذكر الله يدعو المتذكّر إلى المأدبة الكبرى للأسماء الإلهية الحسنى كي يتنعم بها حتى يصير ذلك الذكر ملكة له. ومن هنا تكرّرت دعوة الله سبحانه في آيات الحج لحجاج بيته بأن يذكروه في جميع أنات الحجّ ولحظاته وفي جميع نقاط ومهبط الوحي وزواياه، ساعين لزيادة تقربهم إليه بتسبيحهم وتحميدهم واستغفارهم وأدعيتهم.
تفسير المفردات: أفَضْتُمْ: (الإفاضة) من الفيض والفيضان بمعنى الإملاء والإسالة. و (أفاض إناءه) إذا ملأه حتى أساله. ومعنى (أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ) أي الخروج الجماعي من صحراء عرفات؛ فكأنّ القرآن الكريم يشبه اندفاع حشود الحجيج وقت الغروب من يوم عرفة حيث يتحركون في آن واحد من عرفات نحو المشعر بالماء التي فاض وسال من شدّة كثرته[1]. ومع الأخذ بنظر الاعتبار المعنى المتعدّي للإفاضة، لذا يمكن أن يُفهم أنّ المراد هو أنكم (أفضتم أنفسكم).
ويقال للناس (فوض) وجمعها (فوضى[2]).
عرفات: اسم موضع معروف يبعد حوالي 20 كيلومتراً جنوب شرق مكة المكرمة. وفيه يقف الحجّاج من زوال يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) حتى غروب ذلك اليوم[3].
ومفردة (عرفات) هي اسم علم، تتبع في إعرابها جمع المؤنث السالم الذي يُنصب بالكسرة[4].
وإنما سمّي عُرف الديك بذلك لارتفاعه، وكذلك عرفات سمي بهذا الاسم بسبب علوّه وارتفاعه[5].
المشعر الحرام: اسم قسم من مناطق الحرم يقع بين عرفات ومنى. و(المشعر) اسم مكان من الشعور) بمعنى الإدراك الدقيق والإحساس اللطيف أو من (الشعار) بمعنى العلامة. وتُعرف هذه المنطقة باسمي (المزدلفة) و(الجمع) أيضاً[6].
أما (الحرام) فمعناه الشيء الممنوع منه. وقد ذكر القرآن الكريم بعض الأمكنة المقدسة - كالمسجد الحرام - والأوقات ذات الحرمة كالأشهر الحرام - بهذا الوصف، مشيراً إلى حرمتها وقداستها من خلال منع ارتكاب بعض الأعمال في هذه الأزمنة والأمكنة. ومعنى (الحرام) في هذا النوع من الاستعمالات الوصفية هو الشيء المحرم[7].
ومن هذه الأمكنة المقدّسة منطقة المشعر الحرام، وهي من مشاعر الحج التي يبيت الحجاج فيها ليلة عيد الأضحى حتّى الصباح، حيث يقضون ليلتهم بالذكر والدعاء والعبادة ويصبحون ببركتها من أهل الوجد والإدراك الإلهي: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).
[1] مفردات ألفاظ القرآن، ص 648، ف ي ض.
[2] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 172.
[3] معجم مقاييس اللغة، ج 4، ص 282؛ المصباح، ص 405، ع رف وذكر الطبرسي وجوها متعدّدة لتسمية ذلك المكان بعرفات. مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 525 .
[4] إعراب القرآن، ص 296 - 297 .
[5] التبيان، ج 2، ص 167 .
[6] راجع: التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 6، ص 82 85، ش ع ر.
[7] مفردات ألفاظ القرآن، ص 229 - 230، ح ر م ؛ مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 419