[حاول الحكماء والمحققون توصيف الله سبحانه بالإرادة فقد] جعل العلامة الطباطبائي إرادته تعالى من صفات فعله ، وحاصل نظريته : إنّ الصفة الوحيدة من بين الصفات النفسانية التي يجدها الإنسان في صميم ذاته ، القابلة للانطباق على عنوان «الإرادة» ، هي صفة «القصد».
و «القصد» الذي هو واسطة بين العلم بالفعل وتحققه ، عبارة عن الميل النفسي للفاعل إلى الإتيان بالفعل.
ولا يصح أبدا تفسير الإرادة بصفة العلم. لأننا ندرك بالوجدان أنّ ارادتنا متوسطة بين علمنا بالفعل والاتيان به ، لا نفس العلم.
وعلى هذا ، فإذا أردنا توصيفه تعالى بالإرادة ـ بعد تجريدها من النقائص ـ لا يمكننا تطبيقها على علمه تعالى ، لأن ماهية وحقيقة العلم غير ماهية الإرادة.
وتجريد الإرادة عن النقائص لا يجعلها متحدة مع العلم حقيقة.
ثم إن الإرادة ـ بعد تجريدها من النقائص ـ تكون صفة فعلية لله تعالى ، كصفات الخلق والإيجاد والرحمة.
بيان ذلك : عند ما تكتمل جميع مقدمات وأسباب إيجاد الفعل ، تنتزع عند ذاك صفة الإرادة ، فيكون تعالى «مريدا» ، والفعل «مرادا» ، من دون أن تكون هناك واقعية ما بإزاء صفة الإرادة سوى حالة تمامية الأسباب.
وبعبارة أخرى : الإرادة في الله تعالى صفة منتزعة من اجتماع علل ومقتضيات وجود الشيء. إذ عند ذاك ، تارة ينسب اكتمال مقدمات الفعل وتماميتها إلى الفعل ، وأخرى ينسب إلى الله تعالى. فإذا نسب إلى الفعل سميت هذه الحالة (اكتمال المقدمات) : «إرادة الفعل» ، ونفس الفعل : «مراد الله». وإذا نسب إلى الله تعالى سميت هذه الحالة : «إرادة الله» ، والله تعالى : «مريدا».
ويقول العلامة (قدس سره) : إن البراهين التي أقامها الحكماء لإثبات كون الإرادة إحدى صفات الذات ، لا تثبت أزيد من أن جميع مظاهر الوجود مستندة إلى قدرته تعالى وعلمه بالنظام الأصلح ، ولا تثبت أن إرادته تعالى عين علمه أو قدرته (1).
يلاحظ عليه : إنّه لو كان الملاك لإطلاق الإرادة هو تماميّة الفعل من حيث السّبب ، يلزم صحة إطلاقها فيما إذا كان الفاعل المضطر تاما في سببيّته ، وهو كما ترى.
أضف إلى ذلك أنّ تمامية السبب فيما إذا كان الفاعل عالما وشاعرا ، حقيقة ، والإرادة حقيقة أخرى. وقد قلنا إنّه يجب إجراء الصفات على الله سبحانه بعد التجريد عن شوائب الإمكان والمادية ، مع التّحفّظ على معناها ، لا سلخها عن حقيقتها وواقعيتها.
_____________
(1) ما أوردناه هو تقرير واضح لما أفاده قدس سره في تعاليق الأسفار ج 6 ، ص 315 و 316. ونهاية الحكمة ص 300.