[السؤال]: لو كانت الإرادة نفس ذاته سبحانه لزم قدم العالم ، لأنّها متحدة مع الذات ، والذات موصوفة بها ، وهي لا تنفك عن المراد.
[الجواب]: يلاحظ عليه : أولا ـ إنّ الإشكال لا يختص بمن جعل الإرادة بمعناها الحقيقي وصفا لذاته سبحانه ، بل الإشكال يتوجه أيضا على من فسّر إرادته بالعلم بالأصلح لاستناد وجود الأشياء إلى العلم بالنظام الأتمّ الذي هو عين ذاته ، واستحالة انفكاك المعلول عن العلّة أمر بيّن من غير فرق بين تسمية هذا العلم إرادة أو غيرها ، فلو كان النظام الأصلح معلولا لعلمه. والمفروض أنّ علمه قديم ، للزم قدم النظام لقدم علّته.
وثانيا ـ إذا قلنا بأنّ إرادته سبحانه عبارة عن كونه مختارا غير ملزم بواحد من الطرفين ، لا يلزم عندئذ قدم العالم إذا اختار إيجاد العالم متأخرا عن ذاته.
وثالثا ـ إنّ لصدر المتألهين ومن حذا حذوه من الاعتقاد بالإرادة الذاتية البسيطة المجهولة الكنه ، أن يجيب بأنّ جهلنا بحقيقة هذه الإرادة وكيفيّة إعمالها يصدّنا عن البحث عن كيفية صدور فعله عنه وأنّه لما ذا خلق حادثا ولم يخلق قديما.
وهاهنا نكتة نعلقها على هذا البحث بعد التنبيه على أمر وهو أنّ الزمان كمّ متّصل ينتزع من حركة الشيء وتغيّره من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان ومن صورة نوعية إلى أخرى ، فمقدار الحركة عبارة عن الزمان ، ولو لا المادة وحركتها لما كان للزمان مفهوم حقيقيّ بل مفهوم وهمي.
هذا ما أثبتته الأبحاث العميقة في الزمان والحركة. وقد كان القدماء يزعمون أنّ الزمان يتولد من حركة الأفلاك والنيّرين وغير ذلك من الكواكب السيارة ، ولكن الحقيقة أنّ كل حركة حليفة الزمان وراسمته ومولدته.
وبعبارة ادقّ : إنّ التبدّلات عنصرية كانت أو أثيرية ، مشتملة على أمرين : الأول ، حالة الانتقال من المبدأ إلى المنتهى ، سواء أكان الانتقال في الوصف أم في الذات. الثاني ، كون ذلك الانتقال على وجه التدريج والسيلان لا على نحو دفعي.
فباعتبار الأمر الأول توصف بالحركة ، وباعتبار الثاني توصف بالزمان. فكأنّ شيئا واحدا باسم التغير والتبدل والانتقال ، يكون مبدأ لانتزاع مفهومين منه ، لكن كل باعتبار خاص ، هذا من جانب.
ومن جانب آخر ، إنّ المادة تتحقق على نحو التدريج والتجزئة ولا يصح وقوعها بنحو جمعي ، لأن حقيقتها حقيقة سيّالة متدرجة أشبه بسيلان الماء ، فكل ظاهرة ماديّة تتحقق تلو سبب خاص ، وما هذا حاله يستحيل عليه التحقق الجمعي أو تقدم جزء منه أو تأخره بل لا مناص عن تحقّق كل جزء في ظرفه وموطنه ، وبهذا الاعتبار تشبه الأرقام والأعداد ، فالعدد «خمسة» ليس له موطن إلّا الوقوع بين «الأربعة والستة». وتقدمه على موطنه كتأخره عنه مستحيل. وعلى ذلك فالأسباب والمسببات المترتبة بنظام خاص يستحيل عليها خروج أي جزء من أجزائها عن موطنه ومحله.
إذا عرفت هذا الأمر نرجع إلى بيان النكتة وهي : ما ذا يريد القائل من قوله لو كانت الإرادة صفة ذاتية لله سبحانه يلزم قدم العالم؟. فإن أراد أنّه يلزم تحقق العالم في زمان قبله وفي فترة ماضية ، فهذا ساقط بحكم المطلب الأول ، لأنّ المفروض أنّه لا زمان قبل عالم المادة لما عرفت من أنّ حركة المادة ترسم الزمان وتولده.
وإن أراد لزوم تقديم بعض أجزائه على البعض الآخر أو على مجموع العالم فقد عرفت استحالته ، فإنّ إخراج كل جزء عن إطاره أمر مستحيل مستلزم لانعدامه.
ثم إنّ لصدر المتألهين في هذا المقام كلاما عميقا فمن أراد الاطلاع فليرجع إليه (1).
______________
(1) الأسفار ، ج 6 ، ص 368.