يتكون الطين من تراب وماء يضاف له بعض الألياف النباتية (تبن أو قش مقطع) التي تجعل من المزيج أكثر تماسكًا. ويكاد يقتصر استخدام الطين على المناطق الجافة التي تقل فيها الأمطار الغزيرة، وفي حال نزل المطر فقد كان القار يُستخدم لحماية المنشأة من التلف. وقد استُخدم الطين في البناء نظرًا لخصائصه الممتازة في العزل الحراري؛ فقد انتشر في حضارات بلاد ما بين النهرين وعند المصريين القدماء والرومان. ويُعتبر المسجد النبوي الشريف من أوائل المباني الإسلامية التي استُعمل في بناء جدرانها الطوب المصنوع من الطين.
المسجد، كما نعلم، دار للعبادة والسكينة، فلا بد أن تتوفر فيها شروط التهوية الجيدة والعزل الحراري المريح طوال فترة الاعتكاف، وقد قام الباحث السوري أحمد كمال جطل بإجراء دراسة نظرية لعملية العزل الحراري والتهوية في بناء المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، والتي يطلق عليها اسم «نظام التبريد السلبي»، وخلص إلى النتائج الآتية:
- استخدم الرسول الكريم ﷺ ما توفَّر من مواد في البيئة المحيطة.
- استخدم النبي ﷺ ثلاثة نظم للتبريد السلبي من أجل تهوية وتلطيف أجواء المسجد.
- جمع المسجد في تصميمه بين البساطة والعزل الحراري والتكلفة القليلة والمردود المرتفع.
- صنعت الزيادة في حجم الجدران المتناسبة — مع زيادة مساحة المسجد وكمية الحرارة المختزنة في الجدران — توازنًا حراريًّا رائعًا، كما أن هذه الزيادة أدَّت إلى وقاية الجدران من التصدع والانهيار.
- ساهم تظليل المسجد في تلطيف أجواء المسجد من خلال صنعه لتيارات الهواء، إضافةً لفتح أربعة طيقان للمظلل الشمالي.
- التوزيع الذكي لجهة الأبواب كان فعالًا في عملية التهوية، حيث مثَّل البابان الغربي والشمالي منبعين للهواء، في حين كان الثالث مصرفًا له.

شكل مبسط يمثل دورة الهواء في النهار في المسجد النبوي، ويلاحظ أن الرياح الغربية هي المسيطرة (مصدر الشكل: جطل، أحمد كمال، نظام التبريد السلبي الذي استخدمه النبي ﷺ في بناء مسجده في المدينة المنورة، ص35).
وتشتهر مدينة حران التاريخية، في محافظة شانلي أورفة جنوب شرقي تركيا، ببيوتها المخروطية الشكل، والتي يتراوح ارتفاعها بين خمسة وستة أمتار. السقف مخروطي الشكل، وهو مصنوع من القش الجاودار على إطار خشبي، ولا يوجد فيها مدخنة، وهي بهذا الشكل تسمح للمنزل بالبرودة صيفًا والدفء شتاءً.
ولحسن الحظ فإن طوب التربة المجفف في الشمس هو من أسوأ موصلات الحرارة. ويرجع هذا الجزء منه إلى الانخفاض البالغ في قدرته على التوصيل طبيعيًّا (0.22 كالوري/دقيقة/سم المربع/ لوحدة سمك الطوب المصنوع بعشرين في المائة من الرمل الناعم، و0.32 كالوري/دقيقة/سم المربع/لوحدة سمك الطوب المصنوع بثمانين في المائة من الرمل الخشن، وهذا مقابل0.48 للطوب المحروق، و0.8 لبلوكات الأسمنت المجوفة)، كما يرجع في جزء آخر إلى ضعف الطين مما يستلزم أن تكون جدرانه سميكة، وبيوت الطوب اللبن في مصر العليا تبقى فعلًا مبردةً إلى حدٍّ ملحوظ لمعظم اليوم، وقد ثبت في كوم أمبو أن المنازل الأسمنتية التي بنتها شركة السكر لموظفيها هي أسخن من أن يعيش المرء فيها صيفًا، وهي بالغة البرودة شتاءً، وهكذا فضَّل الموظفون أن يعيشوا في بيوت الفلاحين الطينية.

تنخفض قيمة الكتلة الحرارية في المساكن الطينية ذات القباب، ومثل هذه الأبنية ما تزال موجودةً حتى الآن في مدينة حران (إلى اليمين) وبعض القرى الواقعة جنوب مدينة حلب في سوريا (إلى اليسار) (مصدر الصورة والتعليق: جونسون، وارن، المحافظة على التبريد والتدفئة في العمارة الإسلامية، ص39).

تعود المنازل في قرية سكارا براي إلى العصر الحجري الحديث (أوركني إسلاند، اسكتلندا)، وهي أقدم المنازل — حوالَي 5000سنة — المسقوفة بالطين في العالم. ولكن يمكننا أن نعثر على مبانٍ مماثلة في المناخ البارد مثل الدول الاسكندنافية، وأيسلندا، وروسيا، وغرينلاند وألاسكا (مصدر الصورة والتعليق: Bozsaky, Dávid, The Historical Development of Thermal Insulation Materials, pp. 49-50).
ففي بلاد الرافدين كانت تكثر زراعة القمح والشعير، وكان ينتج عن عملية فصل حبَّات القمح عن التبن الكثير من القش، فكان يؤخذ ويمزج مع الماء والطين ويصنع منه قِطع كبيرة أو صغيرة من اللبن الذي يرص بجوار بعضه لصنع الجدران، أما السقوف فقد كانت تدعم بجذوع أشجار الحور نظرًا لخصائصه في العزل والمتانة.14

لجأ المعماريون المسلمون في شمال إفريقية (مثل تونس) إلى تصميم المباني ذات الكتل الطينية ذات القباب؛ وذلك للمحافظة على درجات الحرارة المعتدلة داخل المبنى بشكل ثابت (مصدر الصورة والتعليق: جونسون، وارن، المحافظة على التبريد والتدفئة في العمارة الإسلامية، ص37).
ويبدو أن خلطة الطين والقش لم تكن معروفةً بالنسبة للأوروبيين إلا في القرنَين الثاني عشر والثالث عشر، حيث كان الأوروبيون الشماليون يقومون ببناء منازلهم من القش، مع بناء سقف من القش السميك بطول80-60 سم، وغالبًا ما كانت الجدران مصنوعةً من الطين والقش. وقد وفَّرت الألياف الجافة المجوفة من القش والقصب مستوًى ممتازًا من العزل الحراري؛ لذلك انتشرت المنازل المسقوفة بالقش بسرعة، خصوصًا في الأجزاء الشمالية من أوروبا وأمريكا.

في بعض البلدان العربية، مثل مدينة مطماطة في تونس، تمَّت مواجهة التفاوت الكبير في درجات الحرارة بين الليل والنهار من خلال بناء البيوت تحت سطح الأرض؛ حيث تعمل التربة كمستودع كبير للكتلة الحرارية؛ الأمر الذي يجعل درجات الحرارة داخل هذه المنازل منتظمًا وثابتًا طوال ساعات الليل والنهار، تمامًا كما هو الحال في داخل الكهوف. للأسف هذه المدينة تواجه خطر الإهمال والتدمير بسبب عدم العناية بها وعدم دعم صيانتها من قِبل الحكومة (مصدر الصورة والتعليق: جونسون، وارن، المحافظة على التبريد والتدفئة في العمارة الإسلامية، ص39).