تعتبر الاشكال والحالات المختلفة للقمر من المسائل المتعلقة بمعرفة موضوعات الاحكام فقدقال تعالى في صدر الآية: إن هؤلاء ما فتئوا يسألونك[1] عن الأهلة وسبب تغير القمر: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ). ورغم أن الجواب يشير بوضوح الى محور السؤال إلا أن المفسرين[2] طرحوا احتمالين لذلك باعتبار عدم ذكر حقيقة مطلب السائلين في السؤال والاحتمالان المذكوران هما:
1. السؤال عن العلة الغائية أي الحكمة والفائدة في حالات القمر وأشكاله وتغيراته بسبب ظهوره في البداية كهلال ثم تحوله بعد ذلك الى بدر ثم الانتهاء بشكل المحاق.
2. السؤال عن العلة والسبب الطبيعيين لتلك الاشكال والحالات.
واستنادا الى القرائن والشواهد الداخلية والخارجية فإن الاحتمال الاول هو المرجح.
شواهد الاحتمال الأول: وفيما يلي الشواهد الداخلية للاحتمال الاول أي السؤال عن الحكمة في حالات القمر وأشكاله: 1. التنسيق بين السؤال والجواب: يقول الله سبحانه وتعالى في الجواب على سؤال من سأل: (هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) أي أن الهدف من أشكال القمر المتغيرة من حالاته المختلفة هو أن يعرف الناس أول الشهر ووسطه وآخره بشكل دقيق ليتمكنوا من التواصل والاستمرار في أعمالهم وحساباتهم وكذلك تنظيم البرامج الخاصة بموسم الحج ويتبين بوضوح من خلال هذا الجواب أن محور السؤال كان الحكمة في تغير القمر وتحوله من شكل الى آخر.
لكن إذا اعتبرنا أن الاحتمال الثاني هو محور السؤال فسيكون الجواب غير متنايب ولا منسجم مع السؤال بل ويمكن القول بأن الله تعالى لم يجب السائل عما سأل وكان من المفروض أن يكون الجواب علميا وفنيا.
2. ذكر الأهلة بصيغة الجمع: وردت كلمة (الْأَهِلَّةِ) بصيغة الجمع مما يدل على أن السؤال لم يكن عن ماهية القمر وسبب وجوده و لو كان كذلك لكان الانسب أن يقال يسألونك عن القمر بالإضافة الى ذلك فإنه لا يمكن تصور أن السؤال كان بشأن حقيقة الهلال وسبب تغيراته الخاصة إذ لو كان هذا هو المقصود من السؤال لكان الانسب أن يقال في الجواب: يسألونك عن الهلال وهكذا نستنتج بأن السؤال كان حول حكمة وفائدة حالات تغير القمر خلال الشهر وظهوره في بداية الامر على شكل هلال[3]، وكذلك ذكر الاهلة بصيغة الجمع فإما أن يكون الغرض منه هو ما قلناه أو بسبب تعدد أشكال القمر في أول كل شهر وإلا فإن القمر موجود واحد يمتلك حالات مختلفة وأشكال متعددة.
وأما الشواهد الخارجية الدالة على أن السؤال كان بخصوص الحكمة في أشكال وحالات القمر فهي كالتالي: 1. البحث في الايات المتشابهة: تمثل الاستعانة بالآيات المتشابهة والمتناغمة والرجوع اليها من بين الاساليب المستخدمة في تفسير القرآن الكريم فمن خلال التدقيق في الايات التي تشتمل على نفس المضمون أو الموضوع الذي تتضمنه الاية المفسرة نستطيع الاستشفاف بأن الحكمة في ظهوره الأهلة والغرض منها هي محور السؤال في هذه الاية: أ. (الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ[4]) أي أن الشمس والقمر كلاهما منيران ويصدران الضوء إلا أن الله تعالى جعل للقمر منازل متعددة لتمكين الناس من حساب السنين والقيام بالمحاسبات الضرورية في حياتهم إذن يعتبر القمر بأشكاله المختلفة تقويما طبيعيا وعاما يمكن بواسطته تحديد وتعيين الاوقات ومحاسبتها بشكل جيد ودقيق فعند رؤية الانسان للقمر خلال الليل يستطيع معرفة ما إذا كان الوقت هو أول الشهر أو وسطه أو نهايته والشمس هي الاخرى تمتلك منازل لانها تتحرك في كل يوم بمقدار درجة واحدة ضمن مدارها و 365 درجة خلال السنة الواحدة إلا أنه من الصعوبة بمكان تنظيم الحسابات وتعداد السنوات على أساس درجات الشمس فهو عمل لا يقدر عليه سوى الفلكي الخبير الذي يستطيع محاسبة قرب الشمس وبعدها عن الارض وليس ذلك ميسورا للأشخاص العاديين لأن الشمس لا تمتلك أشكالا مختلفة ومنظورة كما هي الحال مع القمر وعليه فإن الناس العاديين لا يرون من الشمس إلا شكلا واحدا لا يتغير بينما يستطيعون بسهولة رؤية أشكال القمر المتغيرة ومنازله المتعددة مما يساعدهم على الحساب وليس مبدأ نظامه وحركته النجومية ولا حركته الدائمية وهي ما تمتلكه الشمس كذلك وهما فيه سواء: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا[5])، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ[6]).
ب. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ[7]) تشير هذه الاية أيضا والتي تشتمل على مضمون مشابه للآية السابقة - إلى أن القمر وحالاته المختلفة تمثل اية من آيات الله سبحانه، مُعدِّدة فوائد هذه الآية ومنافعها. واستناداً إلى هذه الآية كذلك فإنّ أي موجود في عالم الوجود يُعتبر آية من آيات الله عزّ وجلّ، فضوء النهار وظلمة الليل هما من آيات الله ؛ لأنّ كلاهما يدل على نظام الخالق تعالى وحكمته، وما آيــة النهار منذ طلوع الشمس إلا ليبتغي الناس من فضل الله سبحانه والارتزاق خلاله، وما آية الليل وظهور القمر فيه إلا لحساب السنين وتنظيم برنامج الحياة وغير ذلك.
والخلاصة: فإن فائدة الليل تكمن في وجود القمر وظهوره فيه، حيث يستطيع الناس معرفة عدد السنين والقيام بمحاسباتهم الحياتية والضرورية، ولولا ذلك ما اكتسب الليل خصوصيّته ولا تميز بما تميزت به غيره من الآيات الأخرى.
ج. (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ 38 وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ[8])، تشير هاتان الآيتان كذلك إلى منازل القمر وحالاته وأشكاله بعد ذكر آيتي الليل والنهار. وتشير جملة (كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) إلى انتهاء الشهر وعودة القمر إلى شكله الذي ظهر به في بداية الشهر وهو المحاق، ثُمّ ظهوره من جديد بشكل هلال بداية الشهر التالي.
2. شأن النزول: يتبيّن من شأن نزول الآية المفسّرة أن محور السؤال لم يكن السبب الفاعلي والطبيعي لحالات القمر وأشكاله، بل كان حول العلة الغائية لذلك وكيفية تدبير الله تعالى للقمر وحالاته وتغيراته. وعلى أساس هذا المحور أوضح سبحانه بأنّ الهدف من أشكال القمر المختلفة والغاية منهـا هـي اطلاع الناس وتعليمهم كيفية محاسبة السنين وتنظيم أمورهم وشؤون حياتهم[9].
تذكير: أولاً: قد تكون العلة الغائية للنظام الشمسي وكيفية ترتيب الأجرام السماوية وتنظيمها شيئاً آخر مختلفاً، لكن تبقى فائدة ذلك مما يمكن بيانه لعامــة الناس وهو انتفاع المجتمع البشري بها في حساباته ومحاسباته.
ثانياً: حتى في حال وجود ضعف في الروايات الخاصة بشأن النزول ولم يكن بالإمكان الاستناد إليها كدليل موثوق به، فإنّ ذلك لا يمنع من أن تكون مؤيدة للموضوع المذكور.
عدم استبعاد الاحتمال الثاني: برر بعض المفسرين عدم الانسجام الموجود بين السؤال المطروح والجواب الذي قدمته الاية الشريفة المفسرة وفقا للاحتمال الثاني وهو السؤال عن العلة والسبب الطبيعيين للأهلة وقالوا: بأن تغيير الجواب يكون أحيانا بسبب كون السائل قد يسأل عن أشياء لا تنفعه ولا تفيده في شيء أو أن فهمها وإدراكها ليس سهلا عليه وهنا يقوم المجيب الحكيم بتغيير الجواب ليشير الى موضوع آخر أكثر نفعا وفائدة للسائل[10]، ولما كانت الضرورة تقتضي من جهة تقديم جواب فني على السؤال المطروح في الاية المفسرة والتعرض للمسائل الفلكية والرياضية ومن الجهة الاخرى فإن مثل ذلك الجواب لن يكون مفهوما ولا مفيدا للكثير فقد أبدل الله تعالى الجواب على ما سألوا بجواب آخر ذي فائدة أكبر يمكنهم استيعابه وادراكه.
ويبدو أن أولئك المفسرين قد استنبطوا الاحتمال المذكور من قوله تعالى: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا[11]) وكأن الله سبحانه أراد بذلك إخبار السائلين بعدم السؤال والاستفسار عما لا ينفعهم وأنهم إذا سألوا عن السبب الفاعلي والطبيعي فهم كمن ضل طريقه وأن عليهم أن يدخلوا البيوت من أبوابها والسؤال عن الحكمة في تلك الاشكال القمرية.
وعلى أية حال يتضمن الجواب بوضوح الحكمة في ظهور الأهلة ومنفعة ذلك والغاية منه وهذا مما لا شك فيه أبدا. والنقطة المهمة هنا هي: هل كان السؤال عن الحكمة والعلة الغائية معا أو السائل كان يقصد مبدأ ذلك والسبب الطبيعي والرياضي له وأنه لما كان السؤال غير مناسب أجاب الله تعالى الحكيم بحكمته فبين الحكمة والسبب الغائي في ذلك معا؟ ومثل هذا المعنى موجود في الكتب البلاغية تحت عنوان صناعة المعاني والبيان والبديع ولذلك نرى تسرب الاحتمال الثاني الذي تناوله الادباء الماهرون في بحثهم حول الصناعة الادبية الخاصة واستشهدوا بالآية المفسرة على ذلك أقول: تسرب ذلك الاحتمال من بحوثهم الى بعض التفاسير بالشكل المذكور[12].
ونقل صاحب تفسير المنار عن أستاذه قوله: كأنه قال: كان عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة في اختلاف الاهلة إن لم تكونوا تعرفونها وإلا فعليكم الاكتفاء بها وعدم مطالبة الشارع بما ليس من الشرع ففي الكلام تعريض بأن سؤالهم في محلة ولو توجه هذا السؤال ممن يتعلم علم الفلك الى استاذه فيه لما عد قبيحا ولا قيل: إنه في غير محله ولكنه موجه من أمي الى نبي لا الى فلكي فهو قبيح من هذا الوجه لا لذاته وإلا لكان النظر في السماوات والارض لأجل الوقوف على أسرار الخليقة وأسباب ما فيها من الايات والعبر مذموما وكف يذم وقد أرشدنا الله تعالى اليه وحثنا في كتابه عليه: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ[13]) والآيات في هذا المعنى كثيرة[14].
هذا ويزخر القرآن الكريم بالكثير من الموارد التي نبه فيها المجيب الحكيم الى كيفية صياغة السؤال مثل قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ[15])، لكن الجواب لم يكن متناسبا مع هذا السؤال وكأنه سبحانه يريد القول: بأن ما سألتم عنه ليس مهما ولا مفيدا لكم وكان الافضل أن تسألوا: على من نفق وماهي النية في ذلك ليقال لكم: (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ومن الواضح أن مثل هذه الايات تعلم المخاطبين كيفية صياغة السؤال فضلا عن بيانها للمسائل الضرورية الاكثر أهمية وهو ما أشار إليه الرسول الاعظم ﷺ بقوله: حسن السؤال نصف العلم[16].
وتجدر الاشارة هنا الى أنه لا يجب علينا استبعاد الاحتمال الثاني[17]، وهو أن يدور محور السؤال حول السبب الفاعلي والطبيعي لأشكال القمر المختلفة وذلك لورود هذه الاية الشريفة في سورة مدينة وقد دعا الله عز وجل المسلمين من قبل في السور المكية الى التفكير في أسرارهم نظام الخلقة والتأمل وحكتمه سيما السماوات لكي يفهموا أسلوب النظام ويدركوا توحيد الناظم وحكتمه في ذلك كقوله جل شأنه: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ[18]).
وتدعو هذه الايات الجميع الى السير والتأمل والتفكير في ملكوت السماوات والأرض والنظر الى ظواهرها وأشكالها وعليه لا يمكن استبعاد وجود أشخاص معينين في الأمة الاسلامية ممن قد يسألون مثل هذه الاسئلة الصعبة نسبيا وعندئذ لا يجوز القول :بأن هذا السؤال يتعلق بعلم الرياضيات والفلك وأن ذلك ليس مفيدا أو نافعا لهذه الفئة.
والخلاصة: فإن الاحتمال الثاني ليس بعيدا عن الواقع خاصة وأن هناك الكثير من هذه الاسئلة التي أشار اليها القرآن الكريم لكن يبقى ما يشير اليه أسلوب الجواب وتناسبه مع السؤال بقوة بأن محور السؤال هو الفائدة والحكمة من الاشكال المختلفة للقمر.
وهنا تدفعنا أهمية هذا الموضوع الذي ينضوي تحت لواء العلوم القرآنية الى الاطناب فيه وتناوله بشكل أوسع في بحث اشارات ولطائف.
[1] من المعلوم أن الفعل المضارع يدل على الاستمرارية.
[2] مجمع البيان: 1 - 2 / 508 ؛ التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5 / 125 - 126؛ تفسير الميزان: 2 / 55 - 56. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي: وفي قوله تعالى(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) وإن لم يشرح أن السؤال في أمرها عماذا؟ عن حقيقة العمر وسبب تشكلاتها المختلفة في صور الهلال والقمر والبدر كما قيل، أو عن حقيقة الهلال فقط الظاهر بعد المحاق في أول الشهر القمري - كما ذكره بعضهم - أو عن غير ذلك؟ ولكن إتيان الهلال في السؤال بصورة الجمع حيث قيل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) دليل على أن السؤال لم يكن عن ماهية القمر واختلاف تشكلاته، إذ لو كان كذلك لكان الأنسب أن يُقال: يَسألونك عن القمر لا عن الأهلة، وأيضاً لو كان السؤال عن حقيقة الهلال وسبب تشكله الخاص كان الأنسب أن يُقال: يسألونك عن الهلال، إذ لا غرض حينئذ يتعلق بالجمع، ففي إتيان الأهلة بصيغة الجمع دلالة على أن السؤال إنما كان عن السبب أو الفائدة في ظهور القمر هلالاً بعد هلال ورسمه الشهور القمرية وعبر عن ذلك بالأهلة؛ لأنها هي المحققة لذلك فأجيب بالفائدة.
[3] تفسير الميزان: 2/ 55-56
[9] أسباب نزول القرآن 55 - 56 ؛ مجمع البيان: 1 - 2 / 508
[10] أشارت الكثير من المصادر الأدبية وكتب المعاني والبيان إلى هذه النقطة بإسهاب.
[11] التفسير الكبير: المجلد 3، 5 / 126؛ الأساس في التفسير: 1 / 436؛ تفسير الميزان: 2 / 056 قال الفخر الرازي في التفسير الكبير الوجه الثالث. إن أهل الجاهلية إذا أحرم أحـدهـم نـقـب خلف بيته أو خيمته نقباً منه يدخل ويخرج ... ثُمّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان محرماً ورجل آخــر كـان محرماً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه محرماً من باب بستان قد خرب فأبصره ذلك الـرجـــل الذي كان محرماً فاتبعه، فقال: تنح عني، قال: واريا رسول الله؟ قال: دخلت الباب وأنت محرم فوقف ذلك الرجل فقال: إنّي رضيت بستك وهديك وقد رأيتك دخلت فدخلتُ. فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببر، ولكن البر من اتقى مخالفة الله، وأمرهم بترك سنة الجاهلية... فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية». وقال الأستاذ العلامة الطباطبائي: «قوله تعالى(وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا) إلى قوله (أَبْوَابِهَا) ثبت بالنقل أن جماعة من العرب الجاهلي كانوا إذا أحرموا للحج لم يدخلوا بيوتهم عند الحاجة من الباب؛ بل اتخذوا نقباً من ظهورها ودخلوا منه، فنهى عن ذلك الإسلام وأمرهم بدخول البيوت من أبوابها، ونزول الآية يقبل الانطباق على هذا الشأن، وبذلك يصح الاعتماد على ما نُقل من شأن نزول الآية على ما سيأتي نقله. ولولا ذلك لأمكن أن يُقال: إن قوله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ) إلى آخره، كناية عن النهي عن امتثال الأوامر الإلهية والعمل بالأحكام المشرعة في الدين إلا على الوجه الذي شرعت عليه، فلا يجوز الحج في غير أشهره و لا الصيام في غير شهر رمضان وهكذا، وكانت الجملة على هذا متمّماً لأوّل الآية، وكان المعنى: إن هذه الشهور أوقات مضروبة لأعمال شرعت فيها ولا يجوز التعدي بها عنها إلى غيرها كالحج في غير أشهـره والـصــوم في غير شهر رمضان وهكذا، فكانت الآية مشتملة على بيان حكم واحد. وعلى التقدير الأول الذي يؤيده النقل فنفي البر عن إتيان البيوت من ظهورها يدل على أن العمل المذكور لم يكن مما أمضاه الدين وإلا لم يكن معنى لنفي كونه براً، فإنّها كان ذلك عادة سيئة جاهلية فنفى الله تعالى كونه من البر، وأثبت أن البرهو التقوى».
[12] مختصر المعاني: 80 - 81. قال التفتازاني: كقوله تعالى(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) سألوا عن سبب اختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه، فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف، وهو أن الأهلة بحسب ذلك الاختلاف معالم يوقت بها الناس أمورهم من المزارع والمتاجر ومحال الديون والصوم وغير ذلك ومعالم للحج يُعرف بها وقته، وذلك للتنبيه على أن الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا عن ذلك لأنهم ليسوا من يطلعون بسهولة على دقائق علم الهيئة ولا يتعلّق لهم به غرض.
[14] تفسير المنار: 2 / 202.
[16] بحار الانوار: 1/ 224
[17] أي السؤال عن العلة والسبب الطبيعيين لتلك الاشكال والحالات.