بقي هنا من آداب المرض أمران:
أحدهما: أنّه يستحب مداواة المريض بأمور:
فمنها: الصدقة، كما تقدّم آنفا، وتقدّم آداب الصدقة في ذيل باب آداب السفر.
ومنها: تربة سيّد المظلومين أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) أرواحنا فداه، فإنّها شفاء من كلّ داء، وقد مرّ في ذيل آداب الزيارات فضلها، وآداب أخذها، وآداب أكلها استشفاء.
ومنها: إرسال من يزور عنه ويدعو له إلى زيارة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام)؛ لفعل الإمام الهادي (عليه السّلام) وأمره به، كما مرّ في المقام الخامس من الفصل الحادي عشر.
ومنها: المداواة بالأدعية، والرّقى، والعوذ الواردة للأمراض والأوجاع، وهي كثيرة لا يسعنا إيرادها هنا، فمن شاءها فليراجع مظانّها كطبّ الأئمّة، والثلث الأخير من الجلد التاسع عشر من بحار الأنوار، وغيرهما، ولعلّنا نحّرر في ذلكّ رسالة وافية إن ساعدتنا سواعد التوفيق إن شاء اللّه تعالى، ونقتصر هنا على بيان ما ورد من قراءة سورة الحمد، فإنّ فيها شفاء من كلّ داء، كما استفاض بذلك الأخبار (1).
نعم، استثني في خبر مرسل: السام، وقد ورد أنّ فيها شفاء من كل سمّ (2)، وورد قراءتها سبعا لكلّ مرض تارة (3)، وأربعين أخرى (4)، وسبعين ثالثة (5)، ومائة رابعة (6)، وفي رواية خامسة أنّ من نالته علّة فليقرأ في جيبه أم الكتاب سبع مرات، فإن سكنت وإلّا فليقرأ سبعين مرّة، فإنّها تسكن (7)، وفي سادسة: أنّ في الحمد سبع مرّات شفاء من كل داء، فإن عوّذ بها صاحبها مائة مرّة، وكان الروح قد خرج من الجسد ردّ اللّه عليه الروح (8).
وقد ورد علاج الحمى بالماء البارد، ولبس الثوب المبلّل بالماء البارد (9)، حتّى ورد عن [أبي] ابراهيم (عليه السّلام) أنّه قال: ما وجدنا لها عندنا دواء آكد [من] الدعاء والماء البارد (10)، وعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): الحمّى من فيح جهنّم كما في رواية (11)، وفورها كما في أخرى، فأطفئوها بالمياه الباردة (12).
وروي أنّ الماء البارد يطفئ الحرارة، ويسكّن الصفراء، ويهضم الطعام، ويذهب الفضلة التي على رأس المعدة [ويذهب بالحمى] (13)، وقال الصادق (عليه السّلام): ما اختار جدّنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) للحمّى إلّا وزن عشرة دراهم سكّر بماء بارد على الريق (14)، وعن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه ليس من داء إلّا وهو من داخل الجوف إلّا الجراحة والحمّى فإنّهما يردان ورودا، اكسروا الحمّى بالبنفسج، والماء البارد، فإنّ حرّها من فيح جهّنم (15)، وورد المنع من التدثّر للمحموم، وأنّه مخالفة للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) (16).
الثاني: أنّه يستحب للمريض الوصيّة، بل تجب على (17) من عليه حق، بل وجوبها على من عليه حق لا يختص بحال المرض، بل تجب في الصحة أيضا مقدّمة لأداء حق الغير، بعد إمكان الفجأة وعدم المهلة وفوات حق الغير بإهمال الوصيّة (18).
وقد وردت الأخبار عن أهل بيت الوحي صلوات اللّه عليهم أجمعين في الحثّ عليها، وأنّها حق على كل مسلم (19)، وأنّ من مات بغير وصيّة مات ميتة جاهّلية (20)، وأنّ من لم يحسن وصيّته عند موته كان نقصا في مروّته (21)، ولم يملك الشفاعة، وأنّه ما ينبغي لامرئ أن يبيت ليلة إلّا ووصيته تحت رأسه (22)، ويتأكد ذلك في حال المرض، وورد أنّ ما من ميّت تحضره الوفاة إلّا ردّ اللّه عليه من بصره وسمعه وعقله للوصيّة، آخذا لوصيته أو تاركا، وهي الراحة التي يقال لها: راحة الموت (23)، فهي حق على كل مسلم.. إلى غير ذلك من الأخبار.
فيلزم العاقل الوصيّة في كلّ وقت بما يتوقّف إحقاق الحق على بيانه ممّا للناس عليه وما له على الناس، وما للّه تعالى عليه، وبالأعيان التي عنده للناس حتّى يخلّص نفسه من حقوق اللّه، ومظالم عباده، ويصل كلّ حق إلى ذويه، ويتأكّد ذلك عند ظنّ الموت.
وقد ورد في كيفيّة رسم الوصيّة عن مولانا الصادق (عليه السّلام) ما ينبغي نقله. قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): من لم يحسن وصيّته عند الموت كان نقصا في مروّته وعقله، قيل: يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وكيف يوصي الميّت؟، قال: إذا حضرته وفاته واجتمع الناس إليه (24) قال: اللّهمّ فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، اللّهمّ إنّي أعهد إليك في دار الدنيا أنّي أشهد أن لا اله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّدا عبدك ورسولك، وأنّ الجنّة حق، وأنّ النّار حقّ، وأنّ البعث حق، والحساب حقّ، والقدر (25) [حقّ]، والميزان حقّ، وأنّ الدين كما وصفت، وأنّ الإسلام كما شرّعت، وأنّ القول كما حدّثت، وأنّ القرآن كما أنزلت، وأنّك أنت اللّه الحقّ المبين، جزى اللّه محمدا (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) خير الجزاء، وحيّى محمدا وآل محمد بالسلام، اللّهمّ يا عدّتي عند كربتي، وصاحبي عند شدّتي، ويا ولي نعمتي، إلهي وإله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا، فإنّك إن تكلني إلى نفسي أقرب من الشر، وأبعد من الخير، فآنس في القبر وحشتي، واجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا.. ثم يوصي بحاجته، قال (عليه السّلام): وتصديق هذه الوصيّة في القرآن في السورة التّي يذكر فيها مريم (عليها السّلام) في قوله (عزّ وجلّ): ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87] فهذا عهد الميّت. والوصيّة حقّ كلّ مسلم أن يحفظ هذه الوصيّة ويعلمها. قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): علّمنيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، وقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): علّمنيها جبرئيل (عليه السّلام) (26) وزاد في خبر آخر قول النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السّلام): تعلّمها أنت وعلّمها شيعتك (27).
ويستحب الوصيّة بشيء من المال في أبواب البرّ والخير، والوقف الصدقة؛ لما ورد ممّا دلّ على عود منافعها إليه. وورد أنّ ستّة يلحقن المؤمن بعد وفاته: ولد يستغفر له، ومصحف يخلفه، وغرس يغرسه، وبئر يحفرها، وصدقة يجريها، وسنّة يؤخذ بها من بعده (28)، بل يكره ترك ذلك؛ لما ورد عنهم (عليهم السّلام) من أنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: يا بن آدم! تطوّلت عليك بثلاث: سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، وأوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدّم خيرا، وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرا (29) بل ينبغي للإنسان الكامل ألّا يكل الأمر الذي بيده إلى يد غيره، بل يفعل في ماله في حياته ما يحبّ أن يفعل به بعد موته، فإنّه يرشد إلى ذلك العقل السليم، والخبر المروي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: كن وصيّ نفسك فاعمل في مالك ما شئت. وما تضّمنته وصيّة الصادق (عليه السّلام) لعائد من قوله (عليه السّلام): اعدّ جهازك، وقدّم زادك، وكن وصيّ نفسك، ولا تقّل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك (30).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك وسائل الشيعة: 1/300 باب 30 حديث 9.
(2) مستدرك وسائل الشيعة: 1/300 باب 30 حديث 8.
(3) مكارم الأخلاق: 420 الفصل الثاني في السور وما جاء فيها.
(4) مكارم الاخلاق: 420 الفصل الثاني.
(5) مكارم الأخلاق: 420 في السور وما جاء فيها.
(6) مكارم الأخلاق: 420.
(7) مكارم الأخلاق: 420.
(8) مكارم الأخلاق: 420 الفصل الثاني في الاستشفاء بالقرآن.
(9) وسائل الشيعة: 2/647 باب 21 أحاديث الباب.
(10) وسائل الشيعة: 2/647 باب 21 حديث 2.
(11) وسائل الشيعة: 2/647 باب 21 حديث 4.
(12) وسائل الشيعة: 2/647 باب 21 حديث 3، عن طب الأئمة.
(13) مستدرك وسائل الشيعة: 1/87 باب 15 حديث 4، عن فقه الرضا (عليه السّلام).
(14) وسائل الشيعة: 2/647 باب 21 حديث 7.
(15) مستدرك وسائل الشيعة: 1/86 باب 15 حديث 1.
(16) وسائل الشيعة: 2/647 باب 21 حديث 3، عن طب الأئمة (عليهم السّلام).
(17) في المطبوع: تجب ذلك على.
(18) لا ينبغي التأمّل في وجوب الوصيّة إذا كان تركها موجبا لضياع حق الغير، كما أشار إليه المؤلّف قدّس سرّه.
(19) مكارم الأخلاق: 419 في الوصيّة.
(20) مكارم الأخلاق: 419 في الوصّية.
(21) مكارم الأخلاق: 419 في الوصّية.
(22) الجعفريّات: 199 كتاب الجنائز باب الوصيّة.
(23) الفقيه: 4/83 باب 23 غسل الميت حديث 377. وهناك اختلاف يسير بين المصدر والمطبوع.
(24) في المطبوع: إليه الناس.
(25) جاء في حاشية المطبوع: كذا في نسخة الكافي، ويحتمل: الصراط بدله. [منه (قدّس سرّه)].
(26) الكافي: 7/1 كتاب الوصايا، باب الوصيّة وما أمر بها حديث 1.
(27) وسائل الشيعة: 13/354 باب 3 حديث 1 ذيله.
(28) وسائل الشيعة: 2/657 باب 30 حديث 1 و2.
(29) وسائل الشيعة: 2/658 باب 30 حديث 3.
(30) الكافي: 7/65 باب النوادر حديث 29.