تقع عملية الهجرة تحت تأثيرات متداخلة بين مناطق الطرد السكاني حيث تطرد بعض السكان بسبب من الأسباب ومناطق الجذب السكاني حيث تجذب السكان المطرودين من مناطقهم لسبب من الأسباب أيضاً، وهكذا يتناول الباحثون في أسباب الهجرة عوامل الطرد أحياناً ويتناول بعضهم عوامل الجذب كما يحاول البعض الثالث أن يتناول عوامل الطرد والجذب معاً محاولين تحقيق نظرية للهجرة (1967 ,Everest) ويضيف بعض الباحثين الأسباب إلى اختيارية وأخرى بشرية والبعض الآخر يصنفها إلى جملة أسباب هي:
1ـ الأسباب الاقتصادية : إنها أهم الأسباب في الهجرة الداخلية أو الخارجية فالبحث عن العمل والانتقال إلى سوق العمل من أهم أسباب الهجرة، فأبان الثورة الصناعية في إنكلترا ومن ثم في أقطار أوروبا الغربية توجهت أعداد كبيرة من سكان الريف إلى المدن حيث العمل في الصناعات الاستخراجية والصناعات التحويلية، وتكررت مثل هذه الظاهرة في الأقطار النامية حيث نفذت هذه الأقطار الكثير من خططها التنموية التي أدت إلى توسيع النشاط الصناعي، وبالتالي زيادة فرص العمل في المدن مما تولد عنه تيار كبير ومستمر من الهجرة من الريف إلى المدن من سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر وما زالت الأقطار العربية تعيش مثل هذه المرحلة للهجرة الريفية الواسعة فهي وراء الارتفاع السريع لنسب السكان الحضر ولتضخم المدن الرئيسة مثل عمان وبغداد والقاهرة والإسكندرية والجزائر العاصمة وغيرها كما أن أقطار الخليج العربي سوق واسعة لعمل مئات الآلاف من الوافدين إليها من العرب والآسيويين والإفريقيين، فقد اتسعت سوق العمل كثيراً بعد اكتشاف وبدء استغلال الثروات النفطية، حتى باتت أعداد الوافدين تشكل نسباً كبيرة من مجموع السكان فيها بلغت (58,9%) في الكويت و (78,9%) في قطر و (70,8%) في الإمارات العربية عام (1995) وهكذا في عمان والمملكة العربية السعودية والبحرين.
2ـ الأسباب الاجتماعية والنفسية : ولهذه الأسباب دورها في تنشيط الهجرة من الريف إلى المدن في أقطار العالم النامي حيث البون الشاسع ما بين واقع المدن وواقع القرى إذ لا تتوفر في القرى، أبسط أنواع الخدمات كما تفتقر إلى الطرق المعبدة التي تربطها بالمدن المجاورة لها وتفتقر إلى المياه النقية الصالحة للشرب والاستعمالات البشرية الأخرى وإلى الكهرباء ووسائل الترفيه المتنوعة، من ذلك تطمح الأجيال الجديدة من أبناء القرى للنزوح إلى المدن المجاورة لا سيما من يحصل على قسط من التعليم منهم من ذلك وبفعل تعاظم تيار الهجرة الريفية إلى المدن على مدى سنوات النصف الثاني من هذا القرن كما أشرنا إلى ذلك سارعت بعض الأقطار النامية إلى تطوير الريف وتوفير الخدمات الأساسية من الماء والكهرباء وطرق النقل في القرى، مما يقلل من هذا الفرق الكبير ما بين المدينة والقرية، كما حصل أن حاولت بعض الأقطار إعادة توزيع السكان من خلال أساليب الترغيب في الهجرة من المناطق المكتظة إلى المناطق القليلة السكان، وقد نجح الإتحاد السوفـيـيـتـي السابق في مشروعه تشجيع الهجرة إلى سيبيريا بينما فشلت اليابان في مشروعها بالترغيب بالهجرة إلى جزيرة هوكايدو بادئ الأمر وفشلت اندونيسيا أيضاً في الترغيب بالهجرة من جزيره جاوه المكتظة نحو جزيرة سيليبس وغيرها من الجزر المجاورة، وقد يعود بعض هذا الفشل إلى العامل الاجتماعي النفسي، إذ في الغالب أن الهجرة مسألة طوعية إلا في الظروف القسرية التي تقود إليها.
3ـ الأسباب الجغرافية : كشفت دراسات الهجرة عن دور بعض الأسباب الجغرافية في وقوع الهجرة وتحديد مناطقها واتجاهاتها ومنها :
أ ـ مساحة القطر تقود المساحة الواسعة للقطر إلى زيادة فرص الانتقال والهجرة تحت تأثير مختلف الأسباب؛ فروسيا والصين والبرازيل مثلاً ذات مساحات واسعة توفر مختلف الفرص للانتقال عكس حال سويسرا مثلاً، وعلى صعيد الوطن العربي فالفرص في الهجرة في كل من: العراق وسورية ومصر والمغرب هي أوسع مما هي عليه في لبنان وتونس.
ب ـ تنوع المحيط الجغرافي وتعدد البيئات الجغرافية: لا شك أن هذا التنوع وتعدد البيئات يتوقف على سعة المساحة حيث في هذه السعة يحصل التباين في عناصر المناخ وفي التضاريس، والغطاء النباتي والحيواني والتربة، وقد يقود أيضاً إلى تنوع في التكوينات الجيولوجية مما يتولد عنه تنوع في الثروات المعدنية، وفي مجمل الحال يقود هذا التنوع البيئي إلى تنوع في النشاط الاقتصادي وتعدد واتساع في فرص العمل مما يشجع على الهجرة والانتقال والأمثلة التي سبق وأن وردت في النقطة السابقة تصلح أمثلة في هذه النقطة أيضاً.
ج - الاختلافات القومية والاثنوجرافية: إن وجود مثل هذه الاختلافات في بعض أقطار العالم لاسيما الكبيرة منها يتحكم باتجاهات الهجرة عادة حيث أن المهاجر يجند عادة النزوح إلى المناطق القومية والاتنوغرافية التي هو جزء منها فهو يفضل أن يعيش في مجتمع يتكلم بلغته ويدين بدينه ويتقيد بذات العادات والقيم، ليتخلص من مشكلات التعصب المتوقعة ولعل هذا السبب وراء صغر حجم الهجرة الداخلية في الهند الواسعة المساحة والكبيرة في أعداد سكانها حيث التنوع الكبير في اللغات واللهجات والأديان والطوائف، ونشير هنا إلى وجود (17) لغة واسعة الانتشار في هذا القطر.
د ـ المسافة وحجم الهجرة: لقد كشفت دراسات الهجرة وجود علاقة عكسية ما بين المسافة وحجم الهجرة حيث أن المهاجر يميل إلى المناطق القريبة من مسقط رأسه ومحل إقامته عادة، وقد يحاول أن يهاجر المواطن ثانية إلى مناطق أبعد وبذلك تكون الهجرة على شكل مراحل وبهذا الصدد نشير أن غالبية الهجرة إلى مدن العواصم هي هجرة رحليه وليست بحركة واحدة ومباشرة.
4ـ العامل الديموغرافي والفيض السكاني: قاد تحصل بعض حركات الهجرة بفعل الفيض السكاني الناتج عن ارتفاع معدل الولادات مما يسبب التزايد السريع للسكان، وهذا يحصل في المناطق الريفية الفقيرة والمحدودة في مساحاتها الزراعية فيهاجر أبناؤها الشباب بدوافع أخرى مشجعة إلى جانب شعورهم بالفيض السكاني، ومن هذه الدوافع اقتصادية واجتماعية.
5ـ الأسباب السياسية: تبرز هذه الأسباب قوية وراء الهجرة الخارجية أو الهجرة الدولية فالشعور بالإضطهاد والخوف من المصير وعدم توفر الحريات واختلاف المعتقدات الأيدولوجية تدفع البعض إلى الهجرة ولعل من الأمثلة التي تذكر بهذا الصدد هي هجرة حوالي (1,750,000) من الروس في أعقاب ثورة (1917) كذلك هجرة الآلاف من المجريين إلى مختلف الأقطار الأوروبية وإلى الولايات المتحدة الأمريكية عام (1956) كذلك هجرة عدد كبير من الإسبان بعد سيطرة فرانكو على إسبانيا وهجرة شعبنا العربي من فلسطين بعد الإرهاب الصهيوني وتأسيس الكيان الصهيوني ولعبت هذه الأسباب دورها بين تركيا واليونان فقد تم تبادل السكان بينهما ما بين (1923 - 1933) وكذلك تبادل السكان ما بين رومانيا وبلغاريا عام (1940) .
6ـ الأسباب الدينية: لعبت هذه الأسباب دوراً كبيراً في فترات التعصب الديني والطائفي ومن الأمثلة التقليدية التي تذكر في هذا الصدد هجرة الأعداد الكبيرة من الأوروبيين إلى العالم الجديد للتخلص من مشكلات الاختلافات المذهبية بين الكاثوليك والبروتستانت التي أودت بحياة أعداد كبيرة من كلا الطرفين. كما أدت هذه الأسباب إلى حركة واسعة للسكان في شبه القارة الهندية بعد تقسيمها إلى الهند والباكستان عام (1947) على أساس ديني ما بين الهندوس والمسلمين.
7ـ سياسات الهجرة المعتمدة: في سبيل وضع منهج واضح ينظم حركة الوافدين فقد صدرت بعض الأقطار سياسة خاصة بذلك فقد اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام (1921) نظام الحصص Puata System - فقد حددت نسبة من يحق لهم الهجرة إليها (3%) من عدد أفراد كل شعب موجود فيها طبقاً لتعداد (1890) ثم خفضت هذه النسبة إلى (2%) ومارست أستراليا سياسة تفضيل العناصر البيضاء الأنكلوسكسونيه في الهجرة إليها، The White Astralia Policy، وقد منعت هجرة الآسيويين والإفريقين إليها وفضلت أقطار أمريكا اللاتينية العناصر البرتغالية والإسبانية وكذلك المسيحيين من الكاثوليك للهجرة إليها. ومؤخراً وضعت بعض الأقطار شروطاً لقبول الوافدين يتعلق البعض منها بالعـمـر أو المهارات والخبرات والشهادات التعليمية ومن جانب آخر وضعت بعض الأقطار شروطاً تخص مواطنيها الراغبين في الهجرة منها ، فعلى سبيل المثال تشترط اليابان على كل شاب ياباني راغب في الهجرة أن يتزوج من فتاة يابانية قبل أن يحصل على الموافقة على الهجرة ويهدف هذا الإجراء إلى بقاء الياباني محافظاً على قوميته ولغته وتقاليده ومرتبطاً ببلده.