[إختلفت نظرية المتكلمين في تفسير الصفات الخبرية إلى أقوال منها] التأويل.
إنّ المعتزلة هم المشهورون بهذه النظرية حيث يفسرون اليد بالنعمة والقدرة ، والاستواء بالاستيلاء وإظهار القدرة. وسيظهر حقيقة التأويل في هذه الآية عند ما نورد عبارات تفسير (الكشاف) الذي ألف على نمط اعتزالي.
ويلاحظ عليهم. إنّ تأويل نصوص الآيات وظواهرها مع قطع النظر عن مورد الصفات الخبرية ، ليس بأقل خطرا من نظرية الإثبات ، إذ ربما ينتهي التأويل إلى الإلحاد وإنكار الشريعة (1).
وما أقبح قول من يقول : «إنّ ظاهر القرآن يخالف العقل الصحيح ، فيجب ترك النّقل لأجل صريح العقل».
أو يقول : «التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنّة من غير بصيرة ، هو أصل الضلالة، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملا بظاهر قوله : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (2).
وذلك لأنه لا يوجد آية في الكتاب العزيز يخالف ظاهرها صريح العقل ، فإنّ ما يتخيلونه ظاهرا ليس بظاهر ، بل الآية ظاهرة في غير ما تصوروه ، وإنما خلطوا الظاهر الحرفي بالظاهر الجملي. فإنّ اليد مفردة ظاهرة في العضو الخاص وليست كذلك فيما إذا حفّت بها القرائن وجعلتها ظاهرة في معنى آخر. فإنّ قول القائل في مدح إنسان : إنّه «باسط اليد» ، أو في ذمه بأنه «قابض اليد» ، ليس ظاهرا في اليد العضوية التي أسميناها بالمعنى الحرفي بل ظاهر في البذل والعطاء أو في البخل والإقتار وربما يكون مقطوع اليد. وحمل الجملة على غير ذلك المعنى ، حمل على غير ظاهرها.
وعلى ذلك يجب ملاحظة كلام المؤولة ، فإن كان تأويلهم على غرار ما تقدّم منا ، (تمييز الظاهر الجملي عن الظاهر الإفرادي) ، فهؤلاء ليسوا بمؤوّلة ، بل هم مقتفون لظاهر الكتاب والسنّة ، ولا يصحّ تسمية تفسير الكتاب العزيز ـ على ضوء القرائن الموجودة فيه ـ تأويلا ، وإنما هو اتباع للنصوص والظواهر. وإن كان تأويلهم باختراع معان للآيات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة دالة عليها ، فهم المؤوّلة حقا ، وليس التأويل بأقل خطرا من الإثبات المنتهي إما إلى التجسيم أو إلى التعقيد والإبهام.
وباختصار ، إنّ الذي يجب التركيز عليه هو أنّ الكلية (لزوم الأخذ بالكتاب والسنّة)، أمر مسلّم فيجب على الكل اتباع الذّكر الحكيم من دون أي تحوير أو تحريف ، ومن دون أي تصرف وتأويل. إنما الكلام في الصغرى ، أي تشخيص الظاهر عن غيره إذ به ترتفع جميع التوالي الفاسدة.
ولو أنّ قادة الطوائف الإسلامية وأصحاب الفكر منهم نبذوا الآراء المسبقة والأفكار الموروثة، وركّزوا البحث على تشخيص الظاهر من غيره، حسب المقاييس الصحيحة، لارتفع جدال النّاس ونقاشهم حول الصّفات، الذي دار عبر مئات السنين، والذي لم يكن نابعا إلّا من إيثار الهوى على الحق.
_____________
(1) قد استوفى الشيخ الأستاذ دام ظله الكلام في أقسام التأويل في مقدمة الجزء الخامس من موسوعته القرآنية «مفاهيم القرآن» ص 12 ـ 16.
(2) شرح أم البراهين، ص 82 ـ كما في علاقة الإثبات والتفويض، ص 67.