قسّم بعض المتكلمين صفاته سبحانه إلى ذاتية وخبرية ، والمراد من الأولى أوصافه المعروفة: من العلم والقدرة والحياة ، والمراد من الثانية ما أثبتته ظواهر الآيات والأحاديث له سبحانه من العلو، والوجه، واليدين إلى غير ذلك. وقد اختلفت نظرية المتكلمين في تفسير هذا القسم من الصفات إلى أقوال:
الأول ـ الإثبات مع التكييف والتشبيه: زعمت المجسّمة والمشبّهة أنّ لله سبحانه عينين ويدين مثل الإنسان. قال الشهرستاني: «أما مشبّهة الحشويّة فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة ، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص» (1). وبما أنّ التشبيه والتجسيم باطل بالعقل والنقل فلا نحوم حول هذه النظرية.
الثاني ـ الإثبات بلا تكييف ولا تشبيه: إنّ الشيخ الأشعري ومن تبعه يجرون هذه الصفات على الله سبحانه بالمعنى المتبادر منها في العرف ، لكن لأجل الفرار عن التشبيه يقولون «بلا تشبيه ولا تكييف».
يقول الأشعري في كتابه (الإبانة) : «إن لله سبحانه وجها بلا كيف ، كما قال : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (2) ، وإنّ له يدين بلا كيف ، كما قال : (خَلَقْتُ بِيَدَيَ) (3)» (4).
وليست هذه النظرية مختصة بالأشعري ، فقد نقل عن أبي حنيفة أنّه قال : «وما ذكر الله تعالى في القرآن من الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف».
وقد نقل عن الشافعي أنّه قال : «ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)».
وقال ابن كثير : «نحن نسلك مسلك السلف الصالح وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه» (5).
وحاصل هذه النظرية أنّ له سبحانه هذه الحقائق لكن لا كالموجودة في البشر. فله يد وعين ، لا كأيدينا وأعيننا وبذلك توفقوا ـ على حسب زعمهم ـ في الجمع بين ظواهر النّصوص ومقتضى التنزيه.
تحليل هذه النظرية: لا شك أنّه يجب على كل مؤمن الإيمان بما وصف الله به نفسه ، وليس أحد أعرف به منه ، يقول سبحانه: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ) (6). كما أنّه ليس لأحد أن يصرف كلامه سبحانه في أيّ مورد من الموارد عما يتبادر من ظاهره من دون قرينة قطعية تستوجب ذلك. فإنّ قول المؤوّلة ـ الذين يؤوّلون ظواهر الكتاب والسنة بحجة أنّ ظواهرها لا توافق العقل ـ مردود ، إذ لا يوجد في الكتاب والسنة الصحيحة ما يخالف العقل ، وإن ما يتصورونه ظاهرا ويجعلونه مخالفا للعقل ليس ظاهر الكتاب المتبادر منه ، وإنما يتخيلونه ظاهرا كما سيبين.
ثم إنّ ما جاء به الأشاعرة في هذه النظرية وقولهم بأنّ لله يدا حقيقة بلا كيف ـ مثلا ـ لا يرجع إلى معنى صحيح. وذلك أنّ العقيدة الإسلامية تتسم بالدقة والحصافة ، وفي الوقت نفسه بالسلامة من التعقيد والإبهام ، وتبدو جلية مطابقة للفطرة والعقل السليم. وعلى ذلك فإبرازها بصورة التشبيه والتجسيم المأثور من اليهودية والنصرانية ، كما في النظرية الأولى ، أو بصورة الإبهام والإلغاز كما في هذه ، لا يجتمع مع موقف الإسلام والقرآن في عرض العقائد على المجتمع الإسلامي. فالقول بأنّ لله يدا لا كأيدينا ، أو وجها لا كوجوهنا ، وهكذا سائر الصفات الخبرية أشبه بالألغاز. وما يلهجون به ويكررونه من أنّ هذه الصفات تجري على الله سبحانه بنفس معانيها الحقيقة ولكن الكيفية مجهولة ، أشبه بالمهزلة. إذ لو كان إمرارها على الله تعالى بنفس معانيها الحقيقية ، لوجب أن تكون الكيفية محفوظة حتى يكون الاستعمال حقيقيا ، لأنّ الواضع إنما وضع هذه الألفاظ على تلك المعاني التي قوامها بنفس كيفيتها. فاستعمالها في المعاني الحقيقية وإثبات معانيها على الله سبحانه بلا كيفية ، أشبه بكون حيوان أسدا حقيقة ولكن بلا ذنب ولا مخلب ولا ناب ولا ولا ...
وباختصار ، قولهم إنّ لله يدا حقيقة لكن لا كالأيدي ، كلام يناقض ذيله صدره. فاليد الحقيقية عبارة عن العضو الذي له تلك الكيفية المعلومة ، وحذف الكيفية حذف لحقيقتها ولا يجتمعان.
أضف إلى ذلك أنّه ليس في النصوص من الكتاب والسنّة من هذه «البلكفة» (أي بلا كيف) عين ولا أثر ، وإنما هو شيء اخترعته الأفكار للتدرع به في مقام رد الخصم عن تهجمه عليهم بتهمة التجسيم ولذلك يقول العلامة الزمخشري :
وقد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا
شنع الورى فتستّروا بالبلكفة.
ليت شعري ، لو كفت هذه اللفظة في دفع التجسيم والتشبيه ، فليكف في مجالات أخر بأن يقال في حقه سبحانه إنّ له جسما لا كسائر الأجسام ، وإنّ له دما لا كسائر الدماء ولحما لا كسائر اللحوم. حتى إنّ بعض المتجرئين من المشبهة قال : «إنّما استحييت ، عن إثبات الفرج واللحية ، واعفوني عنهما واسألوا عمّا وراء ذلك» (7).
وبذلك تبين أنّ عقيدة الأشعري في باب الصفات الخبرية لا تخرج ، عن إطار أحد الأمرين التاليين:
1 ـ التجسيم والتشبيه ـ لو أجريت هذه الصفات على الله سبحانه بمعانيها المعهودة في الأذهان ومع حفظ حقيقتها.
2 ـ التعقيد والغموض ـ لو أجريت على الله سبحانه بمعانيها المتبادرة من دون تفسير وتوضيح. فالقوم بين مشبّه ومعقّد ، بين مجسم وملقلق باللسان.
وفي الختام نقول إنّ نظرية «الإثبات بلا تكييف» وإن كانت رائجة في عصر الأشعري وقبله وبعده ، ولكنها هجرت بعد ذلك إلى أن جاء ابن تيميّة الحرّاني فجددها وأثارها وأسماها مذهب السلف ، وجعل مذهبهم بين التعطيل والتشبيه. قال في جملة كلام له : «فلا يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ـ إلى أن قال : ولم يقل أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين إنّ الله ليس في السماء ، ولا إنّه ليس على العرش ، ولا إنّه في كل مكان ، ولا إنّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، ولا إنّه داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصل ولا منفصل ، ولا إنّه لا تجوز الإشارة الحسيّة إليه بالأصابع ونحوها» (8).
وعلى ذلك قال ابو زهرة : «يقرر ابن تيمية أنّ مذهب السلف هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية وتحتية ، واستواء على العرش ، ووجه ، ويد ، ومحبة وبغض ، وما جاء في السنة من ذلك أيضا من غير تأويل ، وبالظاهر الحرفي. فهل هذا هو مذهب السلف حقا؟ ونقول في الإجابة عن ذلك : لقد سبقه بهذا الحنابلة في القرن الرابع الهجري كما بيّناه ، وادّعوا أنّ ذلك مذهب السلف ، وناقشهم العلماء في ذلك الوقت وأثبتوا أنّه يؤدي إلى التشبيه والجسمية لا محالة ، فكيف لا يؤدي إليهما والإشارة الحسية إليه جائزة.
ولذا تصدّى لهم الإمام الفقيه الحنبلي الخطيب ابن الجوزي ، ونفى أن يكون ذلك مذهب السلف» (9).
إنّ لابن الجوزي كلاما مبسوطا في نقد هذه النظرية وقد هاجم أحد الحنابلة المروجين لها أعني القاضي أبا يعلى الفقيه الحنبلي المشهور المتوفي سنة 457 ه ، حيث قال : «لقد شأن أبو يعلى الحنابلة شيئا لا يغسله ماء البحار». ولأجل ذلك استتر هذا المذهب حتى أعلنه ابن تيميّة بجرأة خاصة له.
ثم إنّ أبا زهرة المعاصر انتقل إلى ما ذكرناه في نقد تلك النظرية وقال :
«ولنا أن ننظر نظرة أخرى وهي من الناحية اللغوية. لقد قال سبحانه : (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ). وقال : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ). أهذه العبارات يفهم منها تلك المعاني الحسية؟ أم أنها تفهم منها أمور أخرى تليق بذات الله تعالى؟ فيصح أن تفسر اليد بالقوة (كناية أو استعارة عنها) ويصح أن يفسر الوجه ، بالذات.
ويصح أن يفسّر النزول إلى السماء الدنيا بمعنى قرب حسابه ، وقربه سبحانه وتعالى من العباد. وإن اللغة تتسع لهذه التفسيرات ، والألفاظ تقبل هذه المعاني. وهو أولى بلا شك من تفسيرها بمعانيها الظاهرة الحرفية ، والجهل بكيفياتها. كقولهم : «إن لله يدا ولكن لا نعرفها» ، «ولله نزولا لكن ليس كنزولنا» الخ ... فإن هذه إحالات على مجهولات ، لا نفهم مؤداها ، ولا غاياتها. بينما لو فسّرناها بمعان تقبلها اللغة وليست غريبة عنها لوصلنا إلى أمور قريبة فيها تنزيه وليس فيها تجهيل» (10).
ثم إنّ للغزالي كلاما متينا في نقد هذه النظرية نأتي بخلاصته. يقول: «إنّ هذه الألفاظ التي تجري في العبارات القرآنية والأحاديث النبوية لها معان ظاهرة ، وهي الحسّية التي نراها. وهي محالة على الله تعالى ، ومعان أخرى مجازية مشهورة يعرفها العربي من غير تأويل ولا محاولة تفسير. فإذا سمع اليد في قوله (صلى الله عليه وآله) «إنّ الله خمّر آدم بيده» و «إنّ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، فينبغي أن يعلم أنّ هذه الألفاظ تطلق على معنيين : أحدهما ـ وهو الوضع الأصلي ـ وهو عضو مركب من لحم وعظم وعصب. وقد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى آخر ليس هذا المعنى بجسم أصلا ، كما يقال : «البلدة في يد الأمير» ، فإنّ ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد. فعلى العامي وغير العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أنّ الرسول لم يرد بذلك جسما وأنّ ذلك في حق الله محال. فإن خطر بباله أنّ الله جسم مركب من أعضاء ، فهو عابد صنم. فإنّ كل جسم مخلوق ، وعبادة المخلوق كفر ، وعبادة الصنم كانت كفرا ، لأنه مخلوق» (11).
ولقد أحسن الغزالي حيث جعل تفسير اليد في مثل قوله سبحانه : (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) بالقدرة ، معنى للآية من غير تأويل ، وتوضيحا لها من دون محاولة تفسيرها. وهذا ما سنركز عليه بعد البحث عن عقيدة المؤوّلة ونقول إنّ الواجب اتباع ظاهر الآية والسنة بلا انحراف عنه سواء أكان موافقا لمعانيها الحرفية والإفرادية أم لا ، وهذه هي المزلقة الكبرى للحنابلة ونفس الإمام الأشعري ، فزعموا أنّ الواجب اتباع معانيها الحرفية سواء أكانت موافقة للظاهر أم لا.
الثالث ـ التفويض: وقد ذهب جمع من الأشاعرة وغيرهم إلى إجراء هذه الصفات على الله سبحانه مع تفويض المراد منها إليه.
قال الشهرستاني: «إن جماعة كثيرة من السلف يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك، إلّا أنهم يقولون إنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه ، مثل قوله : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) ، ومثل قوله: (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ). ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات ، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وذلك قد أثبتناه» (12).
وإليه جنح الرازي وقال: «هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد الله منها شيء غير ظواهرها ، كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها» (13).
تحليل نظرية التفويض: إنّ التفويض شعار من لا يريد أن يقتحم الأبحاث الخطيرة ، ويرى أنه يكفيه في النجاة قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «بني الإسلام على. خمس : شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» (14).
ولأنه يرى أنّ التفويض أسلم من الإثبات الذي ربما ينتهي به إمّا إلى التشبيه والتجسيم الباطلين أو إلى التعقيد والإبهام اللّذين لا يجتمعان مع سمة سهولة العقيدة.
ولكنّ أهل الإثبات ـ أعني أصحاب النظريتين السابقتين ـ عابوا على نظرية التفويض بأنّ غاية تلك النظرية مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها. فإنّ الإيمان بالألفاظ وتفويض معانيها إلى الله سبحانه بمنزلة القول بأنّ الله تعالى خاطبنا عبثا ، لأنه خاطبنا بما لا نفهم ، والله يقول : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (15).
أقول : إنّ لأهل التفويض عذرا واضحا في هذا المجال ، فإنهم يتصورن أنّ الآيات المشتملة على الصفات الخبرية ، من الآيات المتشابهة ، وقد نهى سبحانه عن ابتغاء تأويلها وأمر عباده بالإيمان بها. فقال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) (16). فلا عتب عليهم إذا أعرضوا عن تفسيرها وفوضوا معانيها إليه سبحانه. نعم ، الإشكال في عدم كون هذه الآيات من الآيات المتشابهة ، فإنّ المفاد فيها غير متشابه إذا أمعن فيها الإنسان المتجرد عن كل رأي سابق ، كما سيوافيك بيانه.
والعجب أنّ ما عابوا به أصحاب التفويض وارد عليهم أيضا ، فإنّ إثبات الصفات الخبرية بمعانيها الحرفية التي تتبادر عند إيرادها مفردة ، مع حفظ التنزيه ، تجعلها ألفاظا بلا معان واضحة. لأنّ الكيفية المتبادرة من هذه الصفات هي المقومة لمعانيها فإثبات مفاهيمها الحرفية مع سلب كيفيّاتها أشبه بإثبات الشيء في عين سلبه. فعندئذ تنقلب الآيات البيّنات الدّالة على أشرف المعاني وأجلّها إلى آيات غير مفهومة ولا معقولة. وكأنّ الله تعالى خاطبهم وهم أميون لا يعلمون من الكتاب إلّا أماني.
الرابع ـ التأويل: إنّ المعتزلة هم المشهورون بهذه النظرية حيث يفسرون اليد بالنعمة والقدرة ، والاستواء بالاستيلاء وإظهار القدرة. وسيظهر حقيقة التأويل في هذه الآية عند ما نورد عبارات تفسير (الكشاف) الذي ألف على نمط اعتزالي.
ويلاحظ عليهم. إنّ تأويل نصوص الآيات وظواهرها مع قطع النظر عن مورد الصفات الخبرية ، ليس بأقل خطرا من نظرية الإثبات ، إذ ربما ينتهي التأويل إلى الإلحاد وإنكار الشريعة (17).
وما أقبح قول من يقول : «إنّ ظاهر القرآن يخالف العقل الصحيح ، فيجب ترك النّقل لأجل صريح العقل».
أو يقول : «التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنّة من غير بصيرة ، هو أصل الضلالة ، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملا بظاهر قوله : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (18).
وذلك لأنه لا يوجد آية في الكتاب العزيز يخالف ظاهرها صريح العقل ، فإنّ ما يتخيلونه ظاهرا ليس بظاهر ، بل الآية ظاهرة في غير ما تصوروه ، وإنما خلطوا الظاهر الحرفي بالظاهر الجملي. فإنّ اليد مفردة ظاهرة في العضو الخاص وليست كذلك فيما إذا حفّت بها القرائن وجعلتها ظاهرة في معنى آخر. فإنّ قول القائل في مدح إنسان : إنّه «باسط اليد» ، أو في ذمه بأنه «قابض اليد» ، ليس ظاهرا في اليد العضوية التي أسميناها بالمعنى الحرفي بل ظاهر في البذل والعطاء أو في البخل والإقتار وربما يكون مقطوع اليد. وحمل الجملة على غير ذلك المعنى ، حمل على غير ظاهرها.
وعلى ذلك يجب ملاحظة كلام المؤولة ، فإن كان تأويلهم على غرار ما تقدّم منا ، (تمييز الظاهر الجملي عن الظاهر الإفرادي) ، فهؤلاء ليسوا بمؤوّلة ، بل هم مقتفون لظاهر الكتاب والسنّة ، ولا يصحّ تسمية تفسير الكتاب العزيز ـ على ضوء القرائن الموجودة فيه ـ تأويلا ، وإنما هو اتباع للنصوص والظواهر. وإن كان تأويلهم باختراع معان للآيات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة دالة عليها ، فهم المؤوّلة حقا ، وليس التأويل بأقل خطرا من الإثبات المنتهي إما إلى التجسيم أو إلى التعقيد والإبهام.
وباختصار ، إنّ الذي يجب التركيز عليه هو أنّ الكلية (لزوم الأخذ بالكتاب والسنّة) ، أمر مسلّم فيجب على الكل اتباع الذّكر الحكيم من دون أي تحوير أو تحريف ، ومن دون أي تصرف وتأويل. إنما الكلام في الصغرى ، أي تشخيص الظاهر عن غيره إذ به ترتفع جميع التوالي الفاسدة.
ولو أنّ قادة الطوائف الإسلامية وأصحاب الفكر منهم نبذوا الآراء المسبقة والأفكار الموروثة ، وركّزوا البحث على تشخيص الظاهر من غيره ، حسب المقاييس الصحيحة ، لارتفع جدال النّاس ونقاشهم حول الصّفات ، الذي دار عبر مئات السنين ، والذي لم يكن نابعا إلّا من إيثار الهوى على الحق.
الخامس ـ الإجراء بالمفهوم التصديقي: وحقيقة هذه النظرية أنّه يجب الإمعان في مفهوم الآية ومرماها ومفادها التصديقي (لا التصوّري) ثم توصيفه سبحانه بالمعنى الجملي المفهوم منها من دون إثبات المعنى الحرفي للصفات ولا تأويلها.
توضيحه : إنّ للمفردات حكما وظهورا عند الإفراد ، وللجمل المركبة من المفردات ظهورا آخر. وقد يتحد الظهوران وقد يتخالفان. فلا شك أنك إذا قلت «أسد» ، فإنّه يتبادر منه الحيوان المفترس. كما أنّك إذا قلت «رأيت أسدا في الغابة» يتبادر من الجملة نفس ما تبادر من المفرد.
وأما إذا قلت «رأيت أسدا يرمي» فإنّ المتبادر من الأسد في كلامك غير المتبادر منه حرفيا وانفرادا وهو الحيوان المفترس بل يكون حمله عليه ، حملا على خلاف الظاهر. وأما حمله وتفسيره بالبطل الرامي عند القتال فهو تفسير للجملة بظاهرها من دون تصرف وتأويل.
ولو سمع عربي صميم قول الشاعر:
لدى أسد شاك السّلاح مجرّب
له لبد ، أظفاره لم تقلّم.
فلا يشك في أنّ المراد من الأسد هو البطل المقدام المقتحم لجبهات القتال لا الحيوان المفترس. وكذا لو سمع قول القائل :
أسد عليّ وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من صفير الصّافر.
لا يتردد في نفسه بأنّ المراد هو الإنسان المتظاهر بالشجاعة أمام الضعفاء ، الخائف المدبر عند لقاء الأبطال. فلا يصح لنا أن نتّهم من يفسر البيتين بالإنسان الشجاع أو المتظاهر به ، بأنه من المؤوّلة. بل هو من المثبتين للمعنى من دون تأويل ولا تحوير.
فالواجب علينا هو الوقوف على المفاد التّصديقي وإثباته لله سبحانه لا الجمود على المعنى الحرفي التصوري ، وإثباته أو نفيه عن الله سبحانه. ولو أنّ القوم بحثوا عن مفاد الآيات ، مجرّدين عن الآراء المسبقة ، لوقفوا على الظّاهر التصديقي وأثبتوه لله سبحانه من دون أن يكون هناك وصمة تأويل وتصرف أو مغبّة تجسيم وتشبيه.
ولأجل إراءة نموذج من هذا النّمط من البحث نركز على موارد مما وقع في مجال النقاش بين المثبتين والمؤوّلين ، حتى يتّضح أنّ الإثبات بالمعنى الذي يتبناه المثبتون ، والتأويل والتصرف على النحو الذي ارتكبه المؤوّلون ، غير صحيح ولا تام ، بل هناك إثبات مجرد عن التجسيم والإبهام والتأويل.
1 ـ عرشه سبحانه واستواؤه عليه: إنّ من صفاته سبحانه كونه مستويا على عرشه. وقد جاء هذا الوصف في كثير من الآيات ، فقد ورد لفظ العرش في الذكر الحكيم اثنين وعشرين مرة. كما ورد لفظ «عرشه» مرة وحدة ، والكل راجع إلى عرشه سبحانه إلّا آيتان هما : قوله سبحانه : (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (19). وقوله سبحانه : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) (20) كما ورد الاستواء اثنى عشر مرة ، وهي ـ ما عدا ثلاث آيات ـ راجعة إلى استوائه سبحانه على العرش.
وقد ادعى أهل الحديث وتبعهم الأشعري أنّ الآيات ظاهرة في أنّ له سبحانه عرشا وأنه مستو عليه ، غير أنّ الكيف مجهول. وقد أخذ المشبّهة بما ادعاه أهل الحديث من الظاهر من دون القول بكون الكيف مجهولا.
وقد أثارت هذه المسألة في الأوساط الإسلامية ضجيجا وعجيجا بالغين بين الصّفاتية والمؤوّلة. ونحن نقول، لو أنّ الباحثين أمعنوا النّظر في هذه الآيات مجرّدين عن كل ما يحملونه من العقائد الموروثة ، لوقفوا على مفادها ، وأنها لا تهدف إلى ما عليه الصفاتية من أنّ له سبحانه عرشا وسريرا ذا قوائم ، موضوعا على السماء ، والله جالس عليه ، والكيف إمّا معلوم أو مجهول. ولا على ما عليه المؤوّلة من تأويل الآية بمعنى حاجة الآية إلى حملها على خلاف ظاهرها ، بل القرائن الموجودة في بعض هذه الآيات تضفي على الآية ظهورا في المعنى المراد من دون مس بكرامة التنزيه ولا تعمّد وتعمّل في التأويل ، فالآيات لا تحتاج إلى التأويل أي حملها على معان ليست الآيات ظاهرة فيها.
لا شك أنّ العرش بمعناه الحرفي معلوم لكل أحد بلا شبهة.
قال ابن فارس : «عرش : العين والراء والشين أصل صحيح واحد ، يدل على ارتفاع في شيء مبني ، ثم يستعار في غير ذلك. من ذلك العرش ، قال الخليل العرش : سرير الملك. وهذا صحيح ، قال الله تعالى : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ). ثم استعير ذلك ، فقيل لأمر الرجل وقوامه : عرش. وإذا زال عنه قيل : ثلّ عرشه. قال زهير :
تداركتما الأحلاف قد ثلّ عرشها
وذبيان إذ زلّت بأقدامها النّعل» (21).
كما أنّ الاستواء معلوم لغة فإنّه التمكّن والاستيلاء التام. قال الرّاغب في مفرداته : «واستوى يقال على وجهين : أحدهما يسند إليه فاعلان فصاعدا. نحو : استوى زيد وعمرو في كذا ، أي تساويا. وقال تعالى : (لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ). والثاني أن يقال لاعتدال الشيء في ذاته نحو : (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى) ، (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ) ، (لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) ، (فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ). ومتى عدّي ب «على» اقتضى معنى الاستيلاء كقوله : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)» (22).
والذي نركّز عليه هو أنّ الاستواء في الآية ليس ظاهرا في معنى الجلوس والاعتماد على الشيء ، بل المراد هو الاستيلاء والتمكن التام ، كناية عن سعة قدرته وتدبيره. وقد استعمل الاستيلاء بهذا المعنى في غير واحد من أبيات الشعر. قال الأخطل يمدح بشرا أخا عبد الملك بن مروان حين ولي إمرة العراق :
ثمّ استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق (23).
وقال آخر:
فلمّا علونا واستوينا عليهم
تركناهم صرعى لنسر وكاسر.
إنّ المقصود هو استيلاء بشر على العراق وقوم القائل في البيت الثاني على العدو. وليس العلو هاهنا علوا حسيّا بل معنويا.
إذا عرفت ذلك فنقول ، لو أخذنا بالمعنى الحرفي للعرش ، كما هو المتبادر من قوله سبحانه : (وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (24) ، فيجب أن نقول إنّ لله سبحانه عرشا ، كعروش الملوك والسلاطين. وعند ذلك يتمحض المراد من استوائه عليه ، بالجلوس عليه متمكّنا.
وأما لو نبذنا هذا المعنى ، وقلنا بأنّ المراد من الظاهر هو الظهور التصديقي. وهو المتبادر من مجموع الآية بعد الإمعان في القرائن الحاقة بتلك الجملة ، يكون المراد من الآية هو الكناية عن استيلائه على ملكه في الدنيا والآخرة وتدبيره من دون استعانة بأحد.
والجمل الواردة في كثير من الآيات الحاكية عن استوائه على العرش تدل على أنّ المراد هو الثاني دون الأول ، وتثبت بأنّ المقصود بيان قيامه بتدبير الأمر قياما ينبسط على كل ما دقّ وجلّ ، وأنه سبحانه كما هو الخالق فهو المدبّر أيضا.
وقد استعان ـ لتبيين سعة تدبيره الذي لا يقف على حقيقته أحد ـ بتشبيه المعقول بالمحسوس وهو تدبير الملوك والسلاطين ملكهم متكئين على عروشهم والوزراء محيطون بهم. غير أنّ تدبيرهم تدبير تشريعيّ وتقنينيّ وتدبيره سبحانه تدبير تكوينيّ.
ويدل على أنّ المراد هو ذلك أمران :
الأمر الأول : إنّه سبحانه قد أتى بذكر التدبير في كثير من الآيات بعد ذكر استوائه على العرش. فذكر لفظ التدبير تارة ، ومصداقه وحقيقته أخرى. أمّا ما جاء فيه التدبير بلفظه ، فقوله سبحانه :
أ ـ (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ، ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ، ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (25).
ب ـ (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)(26).
ج ـ (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ* يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) (27).
ففي الآية الأولى يرتّب سبحانه التدبير على قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) ليكون المعنى «استوى على عرش التّدبير». كما أنّه في الآية الثانية بعد ما يذكر قسما من التدبير وهو تسخير الشمس والقمر يعطي ضابطة كلية لأمر التدبير ويقول : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ). وعلى غرار الآية الأولى ، الآية الثالثة.
وأما ما جاءت فيه الإشارة إلى حقيقة التدبير من دون تسميته فمثل قوله سبحانه : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (28).
فقوله : (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) الآية إشارة إلى حقيقة التدبير وبيان نماذج منه ، ثم أتبعه ببيان ضابطة كلية وقال : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ). أي إليه يرجع الخلق والإيجاد وأمر التدبير.
وقس على هاتين الطائفتين سائر الآيات. ففي الكل إلماع إلى أمر التدبير إمّا بلفظه أو ببيان مصاديقه ، حتى قوله سبحانه : (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ* وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً* فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ* وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ* وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ* يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ) (29). فالعرش في هذه الآية هو عرش التدبير وإدارة شئون الملك يوم لا ملك إلّا ملكه. قال تعالى : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) (30).
وقال سبحانه : (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) (31).
فهذه الآيات تعبّر عن معنى واحد وهو تصوير سيطرة حكمه تعالى في ذلك اليوم الرهيب. قال سبحانه : (أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ) (32). وقال سبحانه : (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) (33).
فالمتدبّر في هذه الآيات يقف على أنها تهدف إلى حقيقة واحدة وهي أنّ خلق السموات والأرض ، لم يعجزه عن إدارة الأمور وتدبيرها ، وأما جلوسه على العرش بمعناه الحرفي فليس بمراد قطعا.
الأمر الثاني : إنه قد جاء لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات مقترنا بذكر فعل من أفعاله وهو رفع السموات بغير عمد ، أو خلق السّماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام أو ما يشبه ذلك. فإنّ ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني ، بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كله. فكما لا شريك له في الخلق والإيجاد ، لا شريك له أيضا في الملك والسلطة. ولأجل ذلك يحصر التدبير بنفسه ، كما يحصر الخلق بها ويقول : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (34).
فالجمود على ظهور المفردات وترك التفكّر والتعمّق ، ابتداع مفض إلى صريح الكفر. حتى أنّ من فسّر قوله سبحانه : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (35) بأنّ لله مثلا ، وليس كمثله مثل ، وقع في مغبة الشّرك وحبائله.
والاستناد إلى الأحاديث التي يرويها ابن خزيمة ومن تبعه ، استناد إلى أمور جذورها من اليهود والنّصارى. وقد عرّف الرازي ابن خزيمة وكتابه المعروف ب «التوحيد» بقوله : «واعلم أن محمد بن اسحاق ابن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في الكتاب الذي سماه ب «التوحيد». وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها. وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات لأنه كان رجلا مضطرب الكلام ، قليل الفهم ، ناقص العقل» (36).
ولأجل ما في التشبيه والتجسيم ، والقول بالقدر والجبر ، من مفاسد لا تحصى ، قال الدكتور أحمد أمين :
«وفي رأيي لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي ، وقد اعجزهم التسليم وشلّهم الجبر وقعد بهم التواكل» (37).
أقول : وفي رأيي ، لو سادت الحرية الفكرية على المسلمين ، وتجرد المسلمون عن كل رأي سابق ورثوه من أهل الحديث ، ونظروا إلى الكتاب العزيز وتمسكوا بالسنّة الصحيحة المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) عن طريق أهل بيته (عليهم السلام) الذين عرّفهم الرسول في الحديث المتواتر (حديث الثقلين) لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي.
هذا ، وعلى ضوء ما قررنا من الضابطة والميزان ، تقدر على تفسير ما ورد في التنزيل من الوجه والعين واليدين والجنب والإتيان والفوقية وما يشابهها ، دون أن تمسّ كرامة التنزيه ، ومن دون أن تخرج عن ظواهر الآيات بالتأويلات الباردة غير الصحيحة. والإجراء ، على النمط التصديقيّ ، لا المعنى الحرفي التّصوريّ.
2 ـ وجهه سبحانه: قد عرفت أنّ الإمام الأشعري قال في كتابه (الإبانة) : «بأنّ لله وجها بلا كيف كما قال: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (38). وهو يريد بذلك إثبات الوجه لله سبحانه بمعناه الحرفي ولكن فرارا عن التشبيه يذيله بالبلكفة ويقول «بلا كيف».
والمؤوّلة يعتقدون بلزوم التأويل في الآية ويقولون تأويلها الذات ، ولكن ما قالت به المؤوّلة وإن كان صحيحا نتيجة ، إلّا أنّ الآية لا تحتاج إلى التأويل ، وإنما تحتاج إليه لو فرضنا أنّ الوجه ظاهر في العضو الخاص. وأما لو كان ظاهرا ـ بسبب القرينة التي سنذكرها ـ في ذات الشيء وشخصه ، فلا تحتاج إليه ، ويكون الظاهر المتبادر هو المتبع.
والدليل عليه هو أنّ الوجه ، كما يأتي بمعنى العضو الخاص ، يأتي بمعنى الذات. قال ابن فارس : «ربما عبر عن الذات بالوجه ، قال :
استغفر الله ذنبا لست محصيه
ربّ العباد إليه الوجه والعمل» (39).
ولعل وجه التعبير عن الذات بالوجه ، أنّ وجه الإنسان أو وجه كل شيء تمام حقيقته عند الناظر ، ولأجل ذلك إذا رأى شخص وجه إنسان آخر يقول رأيته ، كأنه رأى الذات كلها. وعلى ذلك فيحتاج حمل اللفظ على واحد من المعنيين الرائجين إلى قرينة ، لأن المعنى الثاني بلغ بكثرة الاستعمال إلى حد الحقيقة.
والقرينة تعين المعنى الثاني ، حيث وصف الوجه بقوله : (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ومن المعلوم أنّها من صفات الرب ، أي ذاته سبحانه ، لا من صفات الوجه ، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا بمعنى العضو المخصوص ، لوجب أن يجعل «الجلال والاكرام» ، وصفا للربّ (المضاف إليه) ، ويقول «ذي الجلال والاكرام».
ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه جعله وصفا للمضاف إليه (الرب) لا المضاف ، في آية أخرى وقال سبحانه: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ، ومن المعلوم أنّ الاسم ليس صاحب هذا الوصف ، وإنما صاحبه هو نفس الرب ، وسيوافيك توضيح وافر عند البحث عن كونه سبحانه ليس بجسم في الصفات السلبية.
وهناك كلمة مروية عن الرسول الأعظم وهي : «إن الله خلق آدم على صورته» فاستدل به المشبهة على أنّ لله سبحانه صورة وخلق آدم على طبقها. ولكن القوم لو رجعوا إلى أئمة أهل البيت لوقفوا على أنّ الحديث نقل مبتورا ، فقد روى الصدوق بسنده عن علي (عليه السلام) قال : «سمع النبيّ رجلا يقول لرجل: قبح الله وجهك ووجه من يشبهك. فقال (صلى الله عليه وآله) : مه ، لا تقل هذا ، فإن الله خلق آدم على صورته» (40).
أي على صورة هذا الرجل الذي تسبه وتسب من يشبهه وهو آدم. وروى أيضا عن الحسين بن خالد أنّه قال للرضا (عليه السلام) : «يا ابن رسول الله : إنّ الناس يروون أنّ رسول الله قال إنّ الله خلق آدم على صورته ، فقال : قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث : إنّ رسول الله مرّ برجلين يتسابان ، فسمع أحدهما يقول لصاحبه : قبح الله وجهك ، ووجه من يشبهك ، فقال (صلى الله عليه وآله) : يا عبد الله ، لا تقل هذا لأخيك ، فإنّ الله عزوجل خلق آدم على صورته» (41).
3ـ يده سبحانه: قال الإمام الأشعري : «إنّ لله سبحانه يدين بلا كيف ، كما قال (خَلَقْتُ بِيَدَيَ)(42)». وهو يريد حمل اليد على معناها الحرفي والظهور الإفرادي ، ولكن فرارا عن التشبيه يردفه بقوله «بلا كيف».
لا شك أنّ اليد أو اليدين إذا أطلقتا مفردتين ، يتبادر منهما العضو الخاص. ولكن هذا ظهوره الإفرادي ، ولا يتّبع إلّا إذا كان موافقا لظهوره التصديقيّ. وأمّا إذا كانا متخالفين فالمتبع هو الثاني ، فربما يكون ظاهرا في غير هذا ، وإليك البيان :
1 ـ ربما يكون ظاهرا في القوة : قال سبحانه : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (43). ولا شك أنّه ليس المراد منه العضو الخاص ، بل المراد هو القوة ، كما يقال : «لفلان يد على كذا» ، أو يقال «ما لي بكذا يد» قال الشاعر :
فاعمد لما تعلو فمالك بالذي
لا تستطيع من الأمور يدان.
وبهذا الاعتبار شبه الدهر والريح فجعل لهما اليد ، ويقال : «يد الدّهر» وقال الشاعر «بيد الشمال زمامها»، لما لهما من القوة.
2 ـ وربما يكون ظاهرا في النعمة : يقال «لفلان عندي أيادي كثيرة» أي فواضل وإحسان ، «وله عندي يد بيضاء» أي نعمة. قال الشاعر : «فإنّ له عندي يديّا وأنعما». فهل يصح أن نحمل اليد في هذين الموضعين على العضو الخاص ، ونتهم من فسّرها بالقوة في الموضع الأول ، والنعمة في الموضع الثاني ، بالتأويل وتحريف الآيات؟ كلا ، لا.
وبذلك يظهر صحة ما قلناه من أنّ المتبع ليس هو الظهور الافرادي بل الظهور التصديقي. ألا ترى أنّه سبحانه ينسب الخدعة والمكر والنسيان إلى نفسه سبحانه في آيات كثيرة منها قوله : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (44).
والظهور الإفرادي والمعنى الحرفي لهذه اللفظة (المكر) هو الخدعة ، ومن المعلوم أنّ الخدعة ، وسيلة العاجز ، تعالى عنه سبحانه. بينما الظهور التصديقي يمنع من حمله على المعنى الإفرادي ، لأنّ الآية وما يضاهيها وردت من باب المشاكلة ، وهو متوفر في كلام العرب وغيرهم. فليس لنا الحمل على المعنى الحرفي بحجة أنّه يجب حمل كلام الله على ظاهره ، وليس لنا تأويله وتحريفه. ونحن نقول أيضا ، يجب علينا حمل كلام الله على ظاهره. لكن ما يدعونه من الظاهر ليس ظاهرا للآية وإنما هو ظاهر كلمة من الآية ، والمتبع هو ظهورها التصديقي والجملي ، وهو القوة في الموضع الأول والنعمة في الموضع الثاني.
إذا وقفت على ما ذكرنا ، فيجب إمعان النظر في قوله سبحانه : (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) فإنّ للمفسرين فيه آراء.
أ ـ اليد بمعنى القدرة.
ب ـ اليد بمعنى النعمة.
وأورد عليهما أنّ قدرة الله واحدة فما وجه التثنية في قوله «بيديّ»؟ كما أنّ نعمه سبحانه لا تحصى ، فلما ذا ثنّاها؟.
ج ـ اليدان بمعنى القدرة والنعمة ، وبه يرتفع الإشكال المتقدم.
أقول : لو دلت القرائن على أنّ الآية ظاهرة فيما ذكر لوجب الأخذ به ، لما عرفت من أنّ المتبع هو الظهور التصديقي لا الإفرادي ، ولكن لم تتحقق القرائن عندنا.
د ـ الحمل على المعنى اللّغوي لكنه كناية عن كونه سبحانه متوليا لخلقه لا غيره ، فإنّ أكثر الأعمال التي يقوم بها ذو اليدين ، فإنما يباشرها بيديه ، فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما. حتى قيل في عمل القلب «هو مما عملت يداك». ولو سبّ إنسان إنسانا آخر وجزي بعمله ، يقال له : «هذا ما قدّمت يداك». حتى قيل لفاقد اليدين : «يداك أوكتا وفوك نفخ». ولأجل ذلك ليس فرق بين قولك : «هذا مما عملته» و «هذا ما عملته يداك». ومنه قوله سبحانه : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ) (45).
والكل ظاهر في كونه سبحانه هو المتولي للخلقة ، والمبدع لا غيره.
إذا عرفت ذلك ، يتبين مرمى الآية وهو أنّه سبحانه بصدد التنديد بالشيطان قائلا : بأنك لما ذا تركت السجود لآدم مع انّي توليت خلقه وإيجاده ، وأنا أعلم بحاله ، والمصالح التي دعت إلى أمرك وأمر الملائكة بالسجود له. فهل استكبرت علي ، أم كنت من العالين.
والدليل على أنّ الخلق باليدين كناية عن توليه سبحانه لخلقه بذاته وشخصه لا عن توليه وتصديه لخلقه بالعضوين ، هو أنّ ملاك التنديد إعراض إبليس عن السجود لمصنوعه سبحانه من غير مدخليّة لخلقه بالعضو الخاص (اليد) بحيث لو خلقه بغيرها ـ ومع ذلك أعرض ابليس عن سجوده ـ لما توجه إليه لوم.
فالملاك هو الإعراض عن السجود لما قام به سبحانه من الخلق من دون دخالة لأداة الخلقة.
فإن قيل : إذا كان هو المبدع والمتولي لخلق سائر الأناسي ، فلما ذا خص خلقه آدم بنفسه؟
قلنا : إنّ الإضافة والتخصيص لبيان كرامته وفضيلته وشنيع فعل إبليس. ومثله قوله سبحانه : (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) (46) فتخصيص الإضافة لبيان تشريفه سبحانه ، كما يقول : (أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)(47).
ومثل ما تقدم ، الكلام في قوله سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (48) فهل عند ما نزلت الآية فهم منها السلف الصالح ما ينسبه إليهم ابن تيمية من أنّ المراد هو المعنى اللغوي لكن ليست يده كيد المخلوقات وهي فوق أيدي الصحابة ، أو أنهم فهموا أنّ المراد سلطان الله وقدرته ، بدليل ما فيها من تهديد لمن ينكث ، بأنّ مغبّة النكث تعود عليه.
فلو تكاثفت الجهود على تشخيص الظواهر ، سواء أكانت معان حقيقية أم مجازية ، لارتفعت جميع التوالي فلا يلزم تمثيل ولا تشبيه ، ولا تعطيل ولا تجهيل ، ولا تأويل وخروج عن الظواهر ، بل كان أخذا بالظواهر بالمعنى المتبادر عند أهل اللغة أجمعين.
ونحو ذلك لو تدبروا في قوله سبحانه : (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) (49) ، لأذعنوا بأنّ المراد من إثبات بسط اليد لله سبحانه ليس هو البسط الحسي ، بل المراد بيان سعة جوده وبذله. كما يذعنون به عند الوقوف على قوله سبحانه : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (50).
فعندئذ نتساءل : أي فرق بين الآيتين بحيث أن المثبتين للصفات يحملون الآية الأولى على المعنى المتبادر من اليد عند الإفراد ، ثم لأجل الفرار من التجسيم يعقبونه بقولهم «بلا كيف». وفي الوقت نفسه لا يشك هؤلاء أنفسهم في أنّ المراد من الآية الثانية هو البذل والجود أو التقتير والبخل؟!!
إلى هنا ظهر أنّ ما تمسكت به الحنابلة والأشاعرة في مجال إثبات الصفات الخبرية لله سبحانه ، يبتني على التمسك بالظهورات الحرفية والمعاني الإفرادية ، غافلين عن أنّ المتبع في المحاورات هو الظهور التصديقي برعاية القرائن المتصلة بالكلام والمفهومة عند العرب سواء أوافقت المعاني الإفرادية أم لا. ولو مشوا على تلك الضابطة لوقفوا على تنزيهه سبحانه عن إثبات هذه الأعضاء والمعاني له. وقد اكتفينا في هذا المقام بتبيين الألفاظ الثلاثة : العرش واستواؤه عليه ، الوجه ، اليد. وعلى ضوء ما بيناه من الضابطة تقدر على تبيين سائر الألفاظ الواردة في الذكر الحكيم والسنّة الصحيحة.
_____________
(1) الملل والنحل ، ج 1 ، ص 105. لاحظ بقية كلامه في هذا المجال فإنه يوقفك على مبلغ وعي المشبهة!.
(2) سورة الرحمن : الآية 27.
(3) سورة ص : الآية 75.
(4) الإبانة ، ص 18.
(5) لاحظ فيما نقلناه عن أبي حنيفة والشافعي وابن كثير «علاقة الإثبات والتفويض» ، ص 46 ـ 49.
(6) سورة البقرة : الآية 140.
(7) الملل والنحل ج 1 ، ص 105.
(8) المجموعة الكبرى في مجموعة الرسائل الكبرى، ص 489.
(9) تاريخ المذاهب الإسلامية ، ج 1 ، ص 218.
(10) المصدر نفسه ، ص 219 ـ 220.
(11) الجاء العوام.
(12) الملل والنحل ، ح 1 ، ص 92 ـ 93 بتخليص.
(13) أساس التقديس ، ص 223.
(14) صحيح البخاري ، ج 1 ، كتاب الإيمان ، ص 7.
(15) سورة إبراهيم : الآية 4. الفتوحات المكية ، ج 4 ، ص 928. وتبعه ابن تيمية في هذا النقد كما نقله في علاقة الإثبات والتفويض ، ص 60.
(16) سورة آل عمران : الآية 7.
(17) قد استوفى الشيخ الأستاذ دام ظله الكلام في أقسام التأويل في مقدمة الجزء الخامس من موسوعته القرآنية «مفاهيم القرآن» ص 12 ـ 16.
(18) شرح أم البراهين ، ص 82 ـ كما في علاقة الإثبات والتفويض ، ص 67.
(19) سورة النمل : الآية 23.
(20) سورة يوسف : الآية 100.
(21) معجم مقاييس اللغة ، ج 4 ، ص 264.
(22) مفردات الراغب ، مادة «سوا».
(23) البداية والنهاية ، ج 9 ، ص 7.
(24) سورة النمل : الآية 23.
(25) سورة يونس : الآية 3.
(26) سورة الرعد : الآية 2.
(27) سورة السجدة : الآيتان 4 ـ 5.
(28) سورة الأعراف : الآية 54.
(29) سورة الحاقة : الآيات 13 ـ 18.
(30) سورة غافر : الآية 16.
(31) سورة الأنعام : الآية 73.
(32) سورة الأنعام : الآية 62.
(33) سورة الكهف : الآية 44.
(34) سورة الأعراف : الآية 54.
(35) سورة الشورى : الآية 11.
(36) تفسير الامام الرازي ، ج 27 ، ص 150.
(37) ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 70.
(38) سورة الرحمن : الآية 27.
(39) المقاييس ، ج 6 ، ص 88 ، مادة «وجه».
(40) التوحيد للصدوق ، الباب 12 ، الحديث 10 ، ص 152.
(41) التوحيد للصدوق ، الباب 12 ، الحديث 11 ، ص 153.
(42) سورة ص : الآية 75.
(43) سورة ص : الآية 17.
(44) سورة الأنفال : الآية 30.
(45) سورة يس : الآية 71.
(46) سورة الحجر : الآية 29.
(47) سورة البقرة : الآية 125.
(48) سورة فتح : الآية 10.
(49) سورة المائدة : الآية 64.
(50) سورة الإسراء الآية 29.