0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التوحيد

النظر و المعرفة

اثبات وجود الله تعالى و وحدانيته

صفات الله تعالى

الصفات الثبوتية

القدرة و الاختيار

العلم و الحكمة

الحياة و الادراك

الارادة

السمع و البصر

التكلم و الصدق

الأزلية و الأبدية

الصفات الجلالية ( السلبية )

الصفات - مواضيع عامة

معنى التوحيد و مراتبه

العدل

البداء

التكليف

الجبر و التفويض

الحسن و القبح

القضاء و القدر

اللطف الالهي

مواضيع عامة

النبوة

اثبات النبوة

الانبياء

العصمة

الغرض من بعثة الانبياء

المعجزة

صفات النبي

النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

مواضيع متفرقة

القرآن الكريم

الامامة

الامامة تعريفها ووجوبها وشرائطها

صفات الأئمة وفضائلهم ومودتهم

العصمة

امامة الامام علي عليه السلام

إمامة الأئمة الأثني عشر

الأمام المهدي عجل الله فرجه الشريف

الرجعة

المعاد

تعريف المعاد و الدليل عليه

المعاد الجسماني

الموت و القبر و البرزخ

القيامة

الثواب و العقاب

الجنة و النار

الشفاعة

التوبة

فرق و أديان

علم الملل و النحل ومصنفاته

علل تكون الفرق و المذاهب

الفرق بين الفرق

الشيعة الاثنا عشرية

أهل السنة و الجماعة

أهل الحديث و الحشوية

الخوارج

المعتزلة

الزيدية

الاشاعرة

الاسماعيلية

الاباضية

القدرية

المرجئة

الماتريدية

الظاهرية

الجبرية

المفوضة

المجسمة

الجهمية

الصوفية

الكرامية

الغلو

الدروز

القاديانيّة

الشيخية

النصيرية

الحنابلة

السلفية

الوهابية

شبهات و ردود

التوحيـــــــد

العـــــــدل

النبـــــــوة

الامامـــــــة

المعـــاد

القرآن الكريم

الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

الزهراء (عليها السلام)

الامام الحسين (عليه السلام) و كربلاء

الامام المهدي (عليه السلام)

إمامة الائمـــــــة الاثني عشر

العصمـــــــة

الغلـــــــو

التقية

الشفاعة والدعاء والتوسل والاستغاثة

الاسلام والمسلمين

الشيعة والتشيع

اديان و مذاهب و فرق

الصحابة

ابو بكر و عمر و عثمان و مشروعية خلافتهم

نساء النبي (صلى الله عليه واله و سلم)

البكاء على الميت و احياء ذكرى الصاحين

التبرك و الزيارة و البناء على القبور

الفقه

سيرة و تاريخ

مواضيع عامة

مقالات عقائدية

مصطلحات عقائدية

أسئلة وأجوبة عقائدية

التوحيد

اثبات الصانع ونفي الشريك عنه

اسماء وصفات الباري تعالى

التجسيم والتشبيه

النظر والمعرفة

رؤية الله تعالى

مواضيع عامة

النبوة والأنبياء

الإمامة

العدل الإلهي

المعاد

القرآن الكريم

القرآن

آيات القرآن العقائدية

تحريف القرآن

النبي محمد صلى الله عليه وآله

فاطمة الزهراء عليها السلام

الاسلام والمسلمين

الصحابة

الأئمة الإثنا عشر

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

أدلة إمامة إمير المؤمنين

الإمام الحسن عليه السلام

الإمام الحسين عليه السلام

الإمام السجاد عليه السلام

الإمام الباقر عليه السلام

الإمام الصادق عليه السلام

الإمام الكاظم عليه السلام

الإمام الرضا عليه السلام

الإمام الجواد عليه السلام

الإمام الهادي عليه السلام

الإمام العسكري عليه السلام

الإمام المهدي عليه السلام

إمامة الأئمة الإثنا عشر

الشيعة والتشيع

العصمة

الموالاة والتبري واللعن

أهل البيت عليهم السلام

علم المعصوم

أديان وفرق ومذاهب

الإسماعيلية

الأصولية والاخبارية والشيخية

الخوارج والأباضية

السبئية وعبد الله بن سبأ

الصوفية والتصوف

العلويين

الغلاة

النواصب

الفرقة الناجية

المعتزلة والاشاعرة

الوهابية ومحمد بن عبد الوهاب

أهل السنة

أهل الكتاب

زيد بن علي والزيدية

مواضيع عامة

البكاء والعزاء وإحياء المناسبات

احاديث وروايات

حديث اثنا عشر خليفة

حديث الغدير

حديث الثقلين

حديث الدار

حديث السفينة

حديث المنزلة

حديث المؤاخاة

حديث رد الشمس

حديث مدينة العلم

حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه

احاديث متنوعة

التوسل والاستغاثة بالاولياء

الجبر والاختيار والقضاء والقدر

الجنة والنار

الخلق والخليقة

الدعاء والذكر والاستخارة

الذنب والابتلاء والتوبة

الشفاعة

الفقه

القبور

المرأة

الملائكة

أولياء وخلفاء وشخصيات

أبو الفضل العباس عليه السلام

زينب الكبرى عليها السلام

مريم عليها السلام

ابو طالب

ابن عباس

المختار الثقفي

ابن تيمية

أبو هريرة

أبو بكر

عثمان بن عفان

عمر بن الخطاب

محمد بن الحنفية

خالد بن الوليد

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

عمر بن عبد العزيز

شخصيات متفرقة

زوجات النبي صلى الله عليه وآله

زيارة المعصوم

سيرة وتاريخ

علم الحديث والرجال

كتب ومؤلفات

مفاهيم ومصطلحات

اسئلة عامة

أصول الدين وفروعه

الاسراء والمعراج

الرجعة

الحوزة العلمية

الولاية التكوينية والتشريعية

تزويج عمر من ام كلثوم

الشيطان

فتوحات وثورات وغزوات

عالم الذر

البدعة

التقية

البيعة

رزية يوم الخميس

نهج البلاغة

مواضيع مختلفة

الحوار العقائدي

* التوحيد

* العدل

* النبوة

* الإمامة

* المعاد

* الرجعة

* القرآن الكريم

* النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

* أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)

* فضائل النبي وآله

* الإمام علي (عليه السلام)

* فاطمة الزهراء (عليها السلام)

* الإمام الحسين (عليه السلام) وكربلاء

* الإمام المهدي (عجل الله فرجه)

* زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)

* الخلفاء والملوك بعد الرسول ومشروعية سلطتهم

* العـصمة

* التقيــة

* الملائكة

* الأولياء والصالحين

* فرق وأديان

* الشيعة والتشيع

* التوسل وبناء القبور وزيارتها

* العلم والعلماء

* سيرة وتاريخ

* أحاديث وروايات

* طُرف الحوارات

* آداب وأخلاق

* الفقه والأصول والشرائع

* مواضيع عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الصفات السلبية

المؤلف:  أبحاث الشيخ جعفر السبحاني بقلم الشيخ حسن محمد مكي العاملي

المصدر:  الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل

الجزء والصفحة:  ج2، ص 7 - 144

2026-06-22

17

+

-

20

جرت عادة الإلهيين على تقسيم صفات الله تعالى الذاتية إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية، وإن شئت قلت: صفات الجمال والإكرام، وصفات الجلال والتنزيه.

وتهدف الأولى منها إلى توصيفه تعالى بما يعد كمالا للموصوف ، وجمالا له ، كالعلم والقدرة والحياة والاختيار.

وتهدف الثانية إلى تنزيهه سبحانه عن النقص والعيب.

وقد تقدم منّا في أوائل البحث عن الصفات ، أن مجموع صفاته الثبوتية ترجع إلى وصف واحد وهو كونه متّصفا بكل كمال يعد كمالا للموجود ، بما هو موجود. وأن ما يذكر في مقام العدّ من العلم والقدرة الخ ..... فهو من باب بيان المثال ، ولا تنحصر بما عدوّه.

كما أن مجموع الصفات السلبية التي ستتلى عليك إنشاء الله ترجع إلى أمر واحد وهو تنزيهه عن كل نقص وعيب. وما يذكر من تلك الصفات من نفي الشريك والتركيب الخ ..... فهو من باب المثال وإعطاء النموذج من تلك السّلوب. وكأنّ الموحّد لا يخرج عن إطار التوحيد حتى في مقام بيان صفاته ، فيصفه بوصف واحد جامع لكل الكمالات ، كما يسلب عنه كل ما يتصور من النقص والعيب بسلب واحد جامع لجميع السلوب.

ثم إنّ بعض المتكلمين أرجع صفاته الثبوتية إلى السلبية أيضا وقال إنّ معنى قولنا إنه عالم ، أنّه ليس بجاهل. وإنه قادر ، أنّه ليس بعاجز ، وكذا باقي الصفات. محتجا بأن المعقول لنا من صفاته ليس إلّا السلوب والإضافات. وأما كنه ذاته وصفاته فمحجوب عن نظر العقول ، ولا يعلم ما هو إلّا هو.

وهذا صحيح عند لحاظ عجز البشر عن معرفة الله سبحانه ، ولكن إرجاع الصفات الثبوتية إلى السلبية على خلاف ما ورد في الذكر الحكيم فإنه سبحانه يصف نفسه بصفات ثبوتية ، كما يصف نفسه بصفات سلبية.

يقول سبحانه : (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [سورة الحشر : الآيتان 23 و 24.].

فإن بعض ما جاء في هاتين الآيتين وإن كان من صفات الفعل ، غير أنّ بعضها الآخر من صفات الذات ، والكل نحو إثبات له سبحانه ، وإرجاعها إلى السلوب لا يخلو من تكلّف. نعم له سبحانه صفات سلبية بلا شك. ويكفي في ذلك قوله : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) [سورة الحشر : الآيتان 23 و 24.].

فإذا وقفت على أنّ الصفات السلبية ليس لها حد ولا عد مصداقا ، فلنشرع ببيان المصاديق البارزة منها ، وأهمها مسألة نفي الشريك عنه ويعبّر عنها بالتوحيد.

 

[وسيتم تقسيمها كما يلي]:

1 ـ التوحيد

التوحيد الذاتي : واحد التولا ثاني له.

التوحيد الذاتي : أحد لا جزء له.

التوحيد في الصفات.

التوحيد في الخالقية.

التوحيد في الربوبية.

التوحيد في الحاكمية.

التوحيد في الطاعة.

التوحيد في التشريع.

التوحيد في العبادة.

التوحيد في الشفاعة والمغفرة.

2 ـ ليس بجسم ولا في جهة ولا محل ولا حال ولا متحد.

3 ـ ليس محلاً للحوادث.

4 ـ لا يقوم اللذة والألم بذاته.

5 ـ إمتناع رؤيته.

6 ـ ليست حقيقته معلومه لغيرة.

 

الصفات السلبية

(1)

التوحيد

يحتل التوحيد ، بمراتبه المختلفة ، المكانة العليا في الشرائع السماوية ، فإنّ أتباعها لا يختلفون في الصفات الثبوتية الذاتية اختلافا بارزا يفرّقهم ويبددهم إلى مذاهب وطوائف ، فإنّ الكل يعتقد بعلم الإله وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات الكمالية ، وإن اختلفوا في تفاصيلها ، وأما الصفات السلبية التنزيهية فهي ، بتمام معنى الكلمة ، مفترق الطرق ، منها تتكون المذاهب وتتشعب.

وهذه هي الديانات البراهمانيّة والبوذيّة والهندية والمجوسية والمسيحية ترجع أصول اختلافها إلى مسألة التوحيد بشعبه التي ستقف عليها ، فليست الثنوية إلّا وليدة رفض التوحيد عن معترك العقائد والاعتقاد بإله غير واحد.

ولأجل ذلك يجب على الإلهي التركيز على الصفات السلبية أكثر من الثبوتية ، وبين الصفات السلبية التركيز على التوحيد أكثر من غيره. ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعرف هدف بعثة الأنبياء وإرسالهم ، بالتركيز على صورة من صور التوحيد وهو التوحيد في العبادة : قال سبحانه : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (1).

وعلى ضوء هذا الأصل ، ترى البحث في المقام مترامي الأطراف ، واسع النطاق ، وقد فصّلنا ما يرجع إلى التوحيد عما يرجع إلى غيره من الصفات السلبية حتى يقف الباحث على شعب التوحيد وأصنافه مستمدا من الكتاب العزيز والأحاديث الإسلامية والعقل.

 

التوحيد في الذات

(1)

واحد: ليس له نظير ولا مثيل

إنّ من أبرز صفاته تعالى أنه تعالى واحد لا ثاني له ، وهذا هو المصطلح عليه في ألسنة المتكلمين بالتوحيد الذاتي ، يهدفون به نفي أي مثل له. وربما يطلق التوحيد الذاتي على كونه سبحانه واحدا بمعنى أنّه بسيط لا جزء له. ولأجل التفريق بين هذين التوحيدين الذاتيين يعبرون عن الأول ، بالتوحيد الواحدي ، مشيرين إلى أنه لا ثاني له ، وعن الثاني بالتوحيد الأحدي ، مشيرين به إلى أنه تعالى لا جزء له. وقد أشار سبحانه إليهما في سورة (الإخلاص) فقال في صدر السورة (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) هادفا إلى أنه بسيط لا جزء له وقال في ختامها : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) بمعنى لا ثاني له وقد فسرت الآيتان على النحو الذي ذكرناه دفعا للزوم التكرار. ونحن نبحث عن كل قسم من التوحيدين في فصل خاص ، وهذا الفصل مختص بالقسم الأول منهما.

ثم إنّه ربما يستعمل في هذا المقام «نفي الشّريك» ، ولكنه أخص مما نتبناه ، فإنه يهدف إلى تنزيهه سبحانه عن وجود شريك له في الخلق والتدبير والعبادة ، مع أنّ البحث أوسع من ذلك ، لأنه مركز على أنّه سبحانه واحد لا ثاني له (يمتنع تثنّيه) ، سواء أكان هناك خلق أم لا ، أكان هناك تدبير أم لا ، أكانت هناك عبادة أم لا. والتوحيد في هذه المراحل الثلاث : الخلق والتدبير والعبادة ، متأخر عن التوحيد الذاتي ، بمعنى أن ذاته واحدة لا ثاني لها.

وقد استدل الإلهيون على توحيد وجوده ببراهين عقلية واضحة ، كما أنه تعالى وصف نفسه في الذكر الحكيم بهذا الوصف مقترنا بالبرهان العقلي ونحن نكتفي من البراهين بأخصرها وأوضحها ولا نستقصيها جميعا ، ونقدم البحث عن معنى كونه واحدا.

معنى كونه واحدا:

الوحدة على قسمين :

1 ـ الوحدة العددية ، وهي عبارة عن كون شيء واقعا تحت مفهوم عام وجد منه مصداق واحد ، وذلك مثل مفهوم الشمس الذي هو مفهوم وسيع قابل للانطباق على كثير ، غير أنه لم يوجد في عالم الحسّ منه إلّا مصداق واحد مع إمكان وجود مصاديق كثيرة له. وهذا هو المصطلح عليه ب «الواحد العددي».

2 ـ الوحدة الحقيقية ، وهي عبارة عن كون الموجود لا ثاني له ، بمعنى أنه لا يقبل الاثنينية ، ولا التكثّر ولا التكرر. وذلك كصرف الشيء المجرد عن كل خليط. مثلا : الوجود المطلق عن كل قيد ، واحد بالوحدة الحقة ، لأنّه لا ثاني له. لأن المفروض ثانيا ـ بما أنه لا يتميز عن الأول ـ لا يمكن أن يعد شيئا آخر ، بل يرجع إلى الوجود الأول.

وعلى ضوء ذلك ، فالمراد من كون الشمس واحدة هو أنها واحدة لا اثنتان ولا ثلاثة ولا ... ولكن المراد ، من كون الوجود المطلق ، ـ منزها عن كل قيد ـ واحد ، أنه لا ثاني له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير ، أي لا تتعقل له الاثنينية والكثرة لأن ما فرضته ثانيا ، بحكم أنه منزه عن كل قيد وخليط يكون مثل الأول ، فلا يتميز ولا يتشخص ، فلا يكون متحققا ، لأن الكثرة رهن دخول شيء مغاير في حقيقة الشيء. مثلا : البياض بما هو بياض ، لا يتصور له الاثنينية ، إلّا إذا دخل فيه شيء غيره ، كتعدد المحل ، فيتعدد البياض ، ولو لا ذلك لصار البياض صرف الشيء ، وهو غير قابل للكثرة. يقول الحكيم السبزواري في هذا الصدد :

وما له تكثّر قد حصلا

                    ففيه ما سواه قد تخلّلا

إنّ الوجود ما له من ثان

                    ليس قرى وراء عبّادان (2).

 

والمراد من كونه سبحانه واحدا ، هو الواحد بالمعنى الثاني ، أي ليس له ثان ، ولا تتصور له الاثنينية والتعدد.

ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) ، أي واحد لا نظير له.

والعجب إنّ الإمام أمير المؤمنين عليا (عليه ‌السلام) قام بتفسير كونه تعالى واحدا ، عند ما كان بريق السيوف يشد إليه العيون ، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة (الجمل) ، فأحس (عليه ‌السلام) بأنّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها لا يقصر في الأهمية عن خوض المعارك ضد أهل الباطل :

روى الصدوق أن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) فقال : «يا أمير المؤمنين أتقول إنّ الله واحد ، قال فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ، فقال أمير المؤمنين : دعوه ، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم» ... ثم قال شارحا ما سأل عنه الأعرابي : «وقول القائل واحد ، يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له ، لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفر من قال «ثالث ثلاثة»».

ثم قال : «معنى هو واحد : أنّه ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربنا. وقول القائل إنه عزوجل أحديّ المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربنا عزوجل»(3).

فالإمام (عليه ‌السلام) لم يكتف ببيان المقصود من توصيفه سبحانه بأنه واحد ، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحديّ الذات ، الذي يهدف إلى كونه بسيطا لا جزء له في الخارج والذهن. وهذا المعنى هو الذي نطرحه على بساط البحث في القسم الثاني من التوحيد الذاتي.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان البراهين العقلية على توحيده سبحانه بمعنى كونه واحدا لا ثاني له.

أدلة الوحدانية:

1 ـ التعدد يستلزم التركيب: لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود ، فلا بد من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك ، كما هو الحال في كل مثلين. وذلك يستلزم تركب كل منهما من شيئين : أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك ، والآخر إلى ما به الامتياز. والمركب بما أنه محتاج إلى أجزائه لا يكون متصفا بوجوب الوجود ، بل يكون ـ لأجل الحاجة ـ ممكنا ، وهو خلاف الفرض.

وباختصار ، لو كان في الوجود واجبان للزم إمكانهما وذلك أنهما يشتركان في وجوب الوجود فإن لم يتميزا لم تحصل الاثنينية ، وإن تميزا لزم تركب كل واحد منهما مما به المشاركة وما به الممايزة ، وكل مركب ممكن ، فيكونان ممكنين ، وهذا خلاف الفرض.

2- الوجود اللامتناهي لا يقبل التعدد: هذا البرهان مؤلف من صغرى وكبرى. والنتيجة هي وحدة الواجب وعدم إمكان تعدده. وإليك صورة القياس حتى نبرهن على كل من صغراه وكبراه.

وجود الواجب غير متناه.

وكل غير متناه واحد لا يقبل التعدد.

فالنتيجة : وجود الواجب واحد لا يقبل التعدد.

وإليك البرهنة على كل من المقدمتين.

أما الصغرى : فإنّ محدودية الموجود ملازمة لتلبّسه بالعدم. ولأجل تقريب هذا المعنى ، لاحظ الكتاب الموضوع بحجم خاص ، فإنك إذا نظرت إلى أي طرف من أطرافه ترى أنه ينتهي إليه وينعدم بعده. ولا فرق في ذلك بين صغير الموجودات وكبيرها ، حتى أنّ جبال الهملايا مع عظمتها ، محدودة لا نرى أي أثر للجبل بعد حده. وهذه خصيصة كل موجود متناه زمانا أو مكانا أو غير ذلك. فالمحدودية والتلبس بالعدم متلازمان.

وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذاته سبحانه محدودة ، لأن لازم المحدودية الانعدام بعد الحد كما عرفت ، وما هو كذلك لا يكون حقا مطلقا مائة بالمائة ، بل يلابسه الباطل والانعدام. مع أنّ الله تعالى هو الحق المطلق الذي لا يدخله باطل. والقرآن الكريم يصف وجوده سبحانه بالحق المطلق وغيره بالباطل وما هذا إلا لأنّ وجود غيره وجود متلبس بالعدم والفناء وأما وجود الله تعالى فطارد لكل عدم وبطلان. قال عزّ من قائل : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (4).

وبتقرير آخر : إنّ عوامل المحدودية تتمحور في الأمور التالية :

1 ـ كون الشيء محدودا بالماهية ومزدوجا بها. فإنها حد وجود الشيء. والوجود المطلق بلا ماهية غير محدّد ولا مقيد. وإنما يتحدد بالماهية.

2 ـ كون الشيء واقعا في إطار الزمان ، فهذا الكم المتصل (الزمان) يحدد وجود الشيء في زمان دون آخر.

3 ـ كون الشيء في حيز المكان ، وهو أيضا يحدد وجود الشيء ويخصه بمكان دون آخر.

وغير ذلك من أسباب التحديد والتضييق. والله سبحانه وجود مطلق غير محدد بالماهية إذ لا ماهية له ، كما سيوافيك البحث عنه. كما لا يحويه زمان ومكان. فتكون عوامل التناهي معدومة فيه ، فلا يتصور لوجوده حد ولا قيد ولا يصح أن يوصف بكونه موجودا في زمان دون آخر أو مكان دون آخر. بل وجوده أعلى وأنبل من أن يتحدّد بشيء من عوامل التناهي.

وأما الكبرى : فهي واضحة بأدنى تأمل ، وذلك لأن فرض تعدد اللامتناهي يستلزم أن نعتبر كل واحد منهما متناهيا من بعض الجهات حتى يصح لنا أن نقول هذا غير ذاك. ولا يقال هذا إلّا إذا كان كل واحد متميزا عن الآخر ، والتّميّز يستلزم أن لا يوجد الأول حيث يوجد الثاني ، وكذا العكس. وهذه هي «المحدودية» وعين «التناهي» ، والمفروض أنه سبحانه غير محدود ولا متناه.

والله سبحانه لأجل كونه موجودا غير محدود ، يصف نفسه في الذكر الحكيم ب (الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (5). وما ذلك إلا لأن المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه. فإذا كان قاهرا من كل الجهات لم تتحكم فيه الحدود ، فكأن اللامحدودية تلازم وصف القاهرية ، وقد عرفت أنّ ما لا حدّ له يكون واحدا لا يقبل التعدد. فقوله سبحانه ، وهو الواحد القهار ، من قبيل ذكر الشيء مع البينة والبرهان.

قال العلامة (الطباطبائي) : «القرآن ينفي في تعاليمه الوحدة العددية عن الإله جلّ ذكره ، فإن هذه الوحدة لا تتم إلّا بتميّز هذا الواحد ، من ذلك الواحد ، بالمحدودية التي تقهره. مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّغناه في أوان كثيرة يصير ماء كلّ إناء ماء واحدا غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر ، وإنما صار ماء واحدا يتميّز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوبا عنه ، غير مجتمع معه ، وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنسانا واحدا لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر ، وهذا إن دلّ فإنما يدل على أنّ الوحدة العددية إنما تتحقق بالمقهورية والمسلوبية أي قاهرية الحدود ، فإذا كان سبحانه قاهرا غير مقهور وغالبا لا يغلبه شيء لم تتصور في حقه وحدة عددية ، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه عند ما يصف نفسه بالواحدية يتبعها بصفة القاهرية حتى تكون الثانية دليلا على الأولى ـ قال سبحانه :

(أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (6) ، وقال : (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (7) وقال : (لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (8).

وباختصار : إنّ كلّا من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع ، أو الوحدة النوعية كالإنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الأنواع الكثيرة ، مقهور بالحد الذي يميز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله ، فإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء ، فهو موجود لا يشوبه عدم ، وحق لا يعرضه بطلان ، وحي لا يخالطه موت ، وعليم لا يدبّ إليه جهل ، وقادر لا يغلبه عجز ، وعزيز لا يتطرق إليه ظلم ، فله تعالى من كل كمال محضه» (9).

ومن عجيب البيان ما نقل عن الإمام الثامن (علي بن موسى الرضا) (عليه ‌السلام) في هذا المجال في خطبة ألقاها على جماعة من العلماء وقال في ضمن تحميده سبحانه :

ليس له حدّ ينتهي إلى حدّه ، ولا له مثل فيعرف مثله (10).

ترى إنّ الإمام (عليه‌ السلام) بعد ما نفى الحد عن الله ، أتى بنفي المثل له سبحانه ، لارتباط وملازمة بين اللامحدودية ونفي المثيل ، والتقرير ما قد عرفت.

3 ـ صرف الوجود لا يتثنى ولا يتكرر:

إنّ هذا البرهان مركب من صغرى وكبرى على الشكل التالي :

الله سبحانه وجود صرف.

وكل وجود صرف واحد لا يتثنّى ولا يتكرّر.

فالنتيجة : الله سبحانه واحد لا يتثنّى ولا يتكرّر.

أما الصغرى فإليك بيانها:

أثبتت البراهين الفلسفية أنّه سبحانه منزّه عن الماهية التي تحد وجوده. وتحليله يحتاج إلى بيان دور الماهية في وجود الشيء فنقول : كل ما يقع في أفق النظر من الموجودات الإمكانية فهو مؤلف من وجود هو رمز عينيته في الخارج ، وماهية تحد الوجود وتبين مرتبته في عالم الشهود والخارج. مثلا : الزّهرة الماثلة أمام أعيننا ، لها وجود به تتمثل أمام نظرنا ، ولها ماهية تحددها بحد النباتية ، وتميزها عن الجماد والحيوان. ولأجل ذلك الحد نحكم عليها أنها قد ارتقت من عالم الجماد ولم تصل بعد إلى عالم الحيوان. وبذلك تعرف أن واقعية الماهية هي واقعية التحديد.

هذا من جانب. ومن جانب آخر ، الماهية إذا لوحظت من حيث هي هي ، فهي غير الوجود كما هي غير العدم. بشهادة أنها توصف بالأول تارة وبالثاني أخرى ويقال : النبات موجود ، كما يقال : غير موجود. وهذا يوضح أن مقام الحد والماهية مقام التخلية عن الوجود والعدم ، بمعنى أن الإنسان عند النظر إلى ذات الشيء يراه عاريا عن كل من الوجود والعدم. ثم يصفه في الدرجة الثانية بأحدهما. وأما وجه كون الشيء في مقام الذات غير موجود ولا معدوم فلأجل أنه لو كان في مقام الذات والماهية موجودا ـ سواء أكان الوجود جزءه أو عينه ـ يكون الوجود نابعا من ذاته ، وما هذا شأنه يكون واجب الوجود ، يمتنع عروض العدم عليه. كما أنه لو كان في ذلك المقام معدوما ـ سواء أكان العدم جزءه أو عينه ـ يكون العدم نفس ذاته ، وما هذا شأنه يمتنع عليه عروض الوجود. فلأجل تصحيح عروض كل من الوجود والعدم لا مناص عن كون الشيء في مقام الذات خاليا عن كلا الأمرين حتى يصح كونه معروضا لأحدهما. وإلى هذا يهدف قول الفلاسفة : «الماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة». ومع هذا كلّه فهي في الخارج لا تخلو إما أن تكون موجودة أو معدومة. فالنبات والحيوان والإنسان في خارج الذهن لا تفارق أحد الوصفين. وبهذا تبين أنّ اتصاف الماهية بأحد الأمرين يتوقف على علة ، لكن اتصافها بالوجود يتوقف على علة موجودة ، ويكفي في اتصافها بالعدم ، عدم العلة الموجودة. فاتصاف الماهيات بالأعدام الأزلية خفيف المئونة ، بخلاف اتصافها بالوجود فإنه رهن وجود علة حقيقية خارجية.

وعلى ضوء هذا البيان يتضح أنه سبحانه منزّه عن التحديد والماهية وإلّا لزم أن يحتاج في اتصاف ماهيته بالوجود إلى علة (11). وما هذا شأنه لا يكون واجبا بل يكون ممكنا. وهذا يجرّنا إلى القول بأنه سبحانه صرف الوجود المنزه عن كل حد.

وأما الكبرى فإليك بيانها :

إن كل حقيقة من الحقائق إذا تجردت عن أي خليط وصارت صرف الشيء لا يمكن أن تتثنّى وتتعدد ، من غير فرق بين أن تكون صرف الوجود أو تكون وجودا مقرونا بالماهية كالماء والتراب وغيرهما. فإنّ كل واحد منها إذا لوحظ بما هو هو عاريا عن كل شيء سواه لا يتكرر ولا يتعدد. فالماء بما هو ماء ، لا يتصور له التعدد إلّا إذا تعدد ظرفه أو زمانه أو غير ذلك من عوامل التعدد والتميز.

فالماء الصرف والبياض الصرف والسواد الصرف ، وكل شيء صرف ، في هذا الأمر سواسية. فالتعدد والاثنينيّة رهن اختلاط الشيء مع غيره.

وعلى هذا ، فإذا كان سبحانه ـ بحكم أنه لا ماهية له ـ وجودا صرفا ، لا يتطرق إليه التعدد ، لأنه فرع التميز ، والتميز فرع وجود غيريّة فيه ، والمفروض خلوّه عن كل مغاير سواه ، فالوجود المطلق والتحقق بلا لون ولا تحديد ، والعاري عن كل خصوصية ومغايرة ، كلما فرضت له ثانيا يكون نفس الأول ، لا شيئا غيره ، فالله سبحانه ، بحكم الصغرى صرف الوجود ، والصرف لا يتعدد ولا يتثنّى. فينتج أنّ الله سبحانه واحد لا يتثنّى ولا يتعدّد.

خرافة التثليث (الأب والابن وروح القدس):

قلّما نجد عقيدة في العالم تعاني من الإبهام والغموض كما تعانى منها عقيدة التثليث في المسيحية.

إنّ كلمات المسيحيين في كتبهم الكلامية تحكي عن أنّ الاعتقاد بالتثليث من المسائل الأساسية التي تبنى عليها عقيدتهم ، ولا مناص لأي مسيحي من الاعتقاد به. وفي الوقت نفسه يعتقدون بأنّه من المسائل التعبدية التي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي ، لأن التصورات البشرية لا تستطيع أن تصل إلى فهمه ، كما أن المقاييس التي تنبع من العالم المادي تمنع من إدراك حقيقة التثليث ، لأن حقيقته حسب زعمهم فوق المقاييس المادية.

هذا ومع تركيزهم على التثليث في جميع أدوارهم وعصورهم يعتبرون أنفسهم موحدين غير مشركين ، وأنّ الإله في عين كونه واحدا ثلاثة ، ومع كونه ثلاثة واحد أيضا. وقد عجزوا عن تفسير الجمع بين هذين النقيضين ، الذي تشهد بداهة العقل على بطلانه وأقصى ما عندهم ما يلي :

إنّ تجارب البشر مقصورة على المحدود ، فإذا قال الله بأنّ طبيعته غير محدودة تتألف من ثلاثة أشخاص ، لزم قبول ذلك ، إذ لا مجال للمناقشة في ذلك وإن لم يكن هناك أي مقياس لمعرفة معناه. بل يكفي في ذلك ورود الوحي به ، وأنّ هؤلاء الثلاثة يشكلون بصورة جماعية «الطبيعة الإلهية اللامحدودة» وكل واحد منهم في عين تشخصه وتميزه عن الآخرين ، ليس بمنفصل ولا متميز عنهم ، رغم أنه ليست بينهم أية شركة في الألوهية ، بل كل واحد منهم إله مستقل بذاته ومالك بانفراده لكامل الألوهية ، فالأب مالك بانفراده لتمام الألوهية وكاملها ، من دون نقصان. والابن كذلك مالك بانفراده لتمام الألوهية ، وروح القدس هو أيضا مالك بانفراده لكمال الألوهية ، وأنّ الألوهية في كل واحد متحققة بتمامها دون نقصان.

هذه العبارات وما يشابهها توحي بأنهم يعتبرون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية ، وأنها بالتالي «منطقة محرمة على العقل» ، فلا يصل إليها العقل بجناح الاستدلال. بل المستند في ذلك هو الوحي والنقل.

ويلاحظ عليه أولا : وجود التناقض الواضح في هذا التوجيه الذي تلوكه أشداق البطاركة ومن فوقهم أو دونهم من القسيسين. إذ من جانب يعرّفون كل واحد من الآلهة الثلاثة بأنه متشخص ومتميز عن البقية ، وفي الوقت نفسه يعتبرون الجميع واحدا حقيقة لا مجازا. أفيمكن الاعتقاد بشيء يضاد بداهة العقل ، فإنّ التميّز والتشخص آية التعدد ، والوحدة الحقيقية آية رفعهما ، فكيف يجتمعان؟

وباختصار ، إن «البابا» وأنصاره وأعوانه لا مناص أمامهم إلّا الانسلاك في أحد الصفين التاليين : صف التوحيد وأنه لا إله إلّا إله واحد ، فيجب رفض التثليث ، أو صفّ الشرك والأخذ بالتثليث ورفض التوحيد. ولا يمكن الجمع بينهما.

ثانيا : إن عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يقاس بالأمور المادية المألوفة ، لكن ليس معناه أنّ ذلك العالم فوضوي ، وغير خاضع للمعايير العقلية البحتة ، وذلك لأن هناك سلسلة من القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل ، وعالم المادة وما وراءه بالنسبة إليها سيان ، ومسألة امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما واستحالة الدور والتسلسل وحاجة الممكن إلى العلة ، من تلك القواعد العامة السائدة على عالمي المادة والمعنى.

فإذا بطلت مسألة التثليث في ضوء العقل فلا مجال للاعتقاد بها. وأما الاستدلال عليها من طريق الأناجيل الرائجة فمردود بأنها ليست كتبا سماوية ، بل تدل طريقة كتابتها على أنها ألّفت بعد رفع المسيح إلى الله سبحانه أو بعد صلبه على زعم المسيحيين. والشاهد أنه وردت في آخر الأناجيل الأربعة كيفية صلبه ودفنه ثم عروجه إلى السماء.

ثالثا : إنهم يعرّفون الثالوث المقدس بقولهم : «الطبيعة الإلهية تتألف من ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر ، أى الأب والابن وروح القدس ، والأب هو خالق جميع الكائنات بواسطة الابن ، والابن هو الفادي ، وروح القدس هو المطهر. وهذه الأقانيم الثلاثة مع ذلك ، ذات رتبة واحدة وعمل واحد».

فنسأل : ما هو مقصودكم من الآلهة الثلاثة فإن لها صورتين لا تناسب أيّة واحدة منهما ساحته سبحانه :

1 ـ أن يكون لكل واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجود مستقل عن الآخر بحيث يظهر كل واحد منها في تشخّص ووجود خاص ، ويكون لكل واحد من هذه الأقانيم أصل مستقل وشخصية خاصة متميزة عما سواها.

لكن هذا شبيه الشرك الجاهلي الذي كان سائدا في عصر الجاهلية وقد تجلى في النصرانية بصورة التثليث. وقد وافتك أدلة وحدانية الله سبحانه.

2 ـ أن تكون الأقانيم الثلاثة موجودة بوجود واحد ، فيكون الإله هو المركب من هذه الأمور الثلاثة وهذا هو القول بالتركيب وسيوافيك أنه سبحانه بسيط غير مركب. لأن المركب يحتاج في تحققه إلى أجزائه ، والمحتاج ممكن غير واجب.

هذه هي الإشكالات الأساسية المتوجهة إلى القول بالتثليث.

تسرّب خرافة التثليث إلى النصرانية:

إنّ التاريخ البشري يرينا أنه طالما عمد بعض أتباع الأنبياء ـ بعد وفاة الأنبياء أو خلال غيابهم ـ إلى الشرك والوثنية ، تحت تأثير المضلين. وبذلك كانوا ينحرفون عن جادّة التوحيد الذي كان الهدف الأساسي والغاية القصوى لبعثهم. إنّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى (عليه ‌السلام) ، أفضل نموذج لما ذكرناه ، وهو مما أثبته القرآن والتاريخ. وعلى هذا فلا داعي إلى العجب إذا رأينا تسرب خرافة التثليث إلى العقيدة النصرانية بعد ذهاب السيد المسيح (عليه ‌السلام) وغيابه عن أتباعه.

إن تقادم الزمن رسّخ موضوع التثليث وعمّقه في قلوب النصارى وعقولهم ، بحيث لم يستطع أكبر مصلح مسيحي ـ أعني لوثر ـ الذي هذب العقائد المسيحية من كثير من الأساطير والخرافات ، وأسس المذهب البروتستانتي ، أن يبعد مذهبه عن هذه الخرافة.

إنّ القرآن الكريم يصرح بأن التثليث دخل النصرانية بعد رفع المسيح من المذاهب السابقة عليها ، حيث يقول تعالى : (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ، ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ، قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (12).

لقد أثبتت الأبحاث التاريخية أنّ هذا التثليث كان في الديانة البرهمانية قبل ميلاد السيد المسيح بمئات السنين. فقد تجلى الرب الأزلي الأبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة :

1 ـ براهما (الخالق).

2 ـ فيشنو (الواقي).

3 ـ سيفا (الهادم).

وقد تسربت من هذه الديانة البراهمانية إلى الديانة الهندوكية ، ويوضح الهندوس هذه الأمور الثلاثة في كتبهم الدينية على النحو التالي :

«براهما» هو المبتدئ بإيجاد الخلق ، وهو دائما الخالق اللاهوتي ، ويسمى بالأب.

«فيشنو» هو الواقي الذي يسمى عند الهندوكيين بالابن الذي جاء من قبل أبيه.

«سيفا» هو المفني الهادم المعيد للكون إلى سيرته الأولى.

وبذلك يظهر قوة ما ذكره الفيلسوف الفرنسي «غستاف لوبون» قال : «لقد واصلت المسيحية تطورها في القرون الخمسة الأولى من حياتها ، مع أخذ ما تيسر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية ، وهكذا أصبحت خليطا من المعتقدات المصرية والإيرانية التي انتشرت في المناطق الأوروبية حوالي القرن الأول الميلادي ، فاعتنق الناس تثليثا جديدا مكونا من الأب والابن وروح القدس ، مكان التثليث القديم المكون من «نروبى تر» و «وزنون» و «نرو» (13).

القرآن ونفي التثليث:

إنّ القرآن الكريم يذكر التثليث ويبطله بأوضح البراهين وأجلاها ، يقول : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ، كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) (14). وهذه الآية تبطل ألوهية المسيح وأمه ، التي كانت معرضا لهذه الفكرة الباطلة ، بحجة أن شأن المسيح شأن بقية الأنبياء وشأن الأم شأن بقية الناس ، يأكلان الطعام. فليس بين المسيح وأمه ، وبين غيرهما من الأنبياء والرسل وسائر الناس أي فرق وتفاوت ، فالكل كانوا يأكلون عند ما يجوعون ويتناولون الطعام كلما أحسوا بالحاجة إليه. وهذا العمل منضما إلى الحاجة إلى الطعام ، آية المخلوقية.

ولا يقتصر القرآن على هذا البرهان ، بل يستدل على نفي ألوهية المسيح بطريق آخر ، وهو قدرته سبحانه على إهلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعا ، والقابل للهلاك لا يكون إلها واجب الوجود.

يقول سبحانه : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (15). وفي هذه الآية وردت ألوهية المسيح وأبطلت من طريق قدرته سبحانه على إهلاكه. ويظهر من سائر الآيات أنّ ألوهيته كانت مطروحة بصورة التثليث ، قال سبحانه : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) (16).

وعلى كل تقدير ، فقدرته سبحانه على إهلاك المسيح (عليه ‌السلام) أدل دليل على كونه بشرا ضعيفا ، وعدم كونه إلها ، سواء أطرح بصورة التثليث أم غيره.

ثم إنّ القرآن الكريم كما يفنّد مزعمة كون عيسى بن مريم إلها ابنا لله في الآيات المتقدمة ، يرد استحالة الابن عليه تعالى أيضا على وجه الإطلاق سواء أكان عيسى هو الابن أو غيره ، بالبيانات التالية :

1 ـ إنّ حقيقة البنوة هو أن يجزّئ واحد من الموجودات الحيّة شيئا من نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فردا آخر من نوعه مماثلا لنفسه يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على الأصل. كالحيوان يفصل من نفسه النطفة ثم يأخذ في تربيتها حتى تصير حيوانا. ومن المعلوم أنه محال في الله سبحانه ، لاستلزامه كونه سبحانه جسما ماديا له الحركة والزمان والمكان والتركب (17).

2 ـ إنّه سبحانه ، لإطلاق ألوهيته وخالقيته وربوبيته على ما سواه ، يكون هو القائم بالنفس وغيره قائما به ، فكيف يمكن فرض شيء غيره يكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له سبحانه من غير افتقار إليه؟.

3 ـ إن تجويز الاستيلاد عليه سبحانه يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة ، وهو خلف ، بل يقع ما شاء دفعة واحدة من غير مهلة ولا تدريج.

والدقة في الآيتين التاليتين تفيد كل ما ذكرنا ، قال سبحانه :

(وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ، بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ* بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (18).

فقوله : (سُبْحانَهُ) ، إشارة إلى الأمر الأول.

وقوله : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) ، إشارة إلى الأمر الثاني.

وقوله : (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى ...) ، إشارة إلى الأمر الثالث (19).

إنّ القرآن الكريم يفند مزعمة «التثليث» ببراهين عقلية أخرى ، فمن أراد الوقوف على الآيات الواردة في هذا المجال وتفسيرها ، فليرجع إلى الموسوعات القرآنية (20).

 

التوحيد في الذات

(2)

أحد : بسيط لا جزء له خارجا ولا ذهنا

قد عرفت أن التوحيد الذاتي يفسر بمعنيين : الأول : إنّه واحد لا مثل له ، والثاني : إنه أحد لا جزء له ، ويعبر عن الأول بالتوحيد الواحدي وعن الثاني بالتوحيد الأحدي وقد عرفت دلائل التوحيد بالمعنى الأول ، وإليك البحث في المعنى الثاني فنقول :

التركيب يتصور على قسمين : الأول : التركيب الخارجي ، كتركيب الشّيء من أجزاء خارجيّة ، من عناصر مختلفة كالعناصر المعدنية والمركبات الكيميائية. وهذا القسم من التركيب مستحيل عليه سبحانه ، لأن الشيء المركب من مجموعة أجزاء ، محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره معلول له ولا يوصف بوجوب الوجود والألوهية ، هذا.

مضافا إلى أنّ الأجزاء المؤلّفة للذات الإلهية ، إما أن تكون «واجبة الوجود» فيعود إلى تعدد الآلهة وتكثر واجب الوجود ، وقد فرغنا عن امتناعه أو تكون ممكنة الوجود ، وفي هذه الصورة تكون نفس تلك الأجزاء محتاجة إلى غيرها ، ويكون معنى هذا أنّ ما فرضناه «إلها واجب الوجود» معلول لأمور ممكنة هي في حدّ نفسها معلولة لموجود أعلى ، وهذا أمر محال.

الثاني : التركيب العقلي ، والمراد منه هو كون الشيء بسيطا خارجا ولكنه ينحلّ عند العقل إلى شيئين وهذا كالجنس والفصل وما يقوم مقامهما ، فإن وزان الجنس عند العقل غير وزان الفصل فواقع الإنسانية وإن كان شيئا واحدا في الخارج ، لكنّه ينحل في العقل إلى ما به الاشتراك وهو الحيوانية ، وما به الامتياز وهو الناطقية.

وهناك قسم آخر من التركيب العقلي أدق من تركب الشيء من جنسه وفصله ، وهو كون كل ممكن مركبا من وجود وماهية حتى اشتهر قولهم : «كل ممكن زوج تركيبي له ماهية ووجود». وهذه الكلمة لا تعني أنّ هناك شيئا يقابل الوجود وشيئا آخر يقابل الماهية ، بل ليس في الخارج إلّا شيء واحد وهو الوجود ، ولكن الماهية تبين مرتبته الوجودية كالجماد والنبات والحيوان وغيرها كما أن الوجود يحكي عن عينيته الخارجية التي تطرد العدم.

والتركيب في هذا القسم أدقّ من التركيب في القسم السابق أي تركب الشيء من جنسه وفصله ومع ذلك كله فهذا النوع من التركيب محال عليه سبحانه ، إذ لو كان له ماهية ، وشأن الماهية في حد ذاتها أن تكون عارية عن الوجود والعدم ، قابلة لعروضهما ، فعندئذ يطرح السؤال نفسه : ما هي العلّة التي أفاضت عليها الوجود؟ والمحتاج إلى شيء آخر يفيض الوجود على ماهيته يكون ممكنا لا واجبا. ولأجل ذلك ذهب الحكماء من الإلهيين إلى بساطة ذاته وتنزيهه عن أي تركيب خارجي أو عقلي وبالتالي كونه منزها عن الماهية.

ثم إنّ ما جاء في صدر سورة التوحيد يمكن أن يكون دالا على هذا النوع من التوحيد ، قال سبحانه : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (21) فهو يقصد ردّ التثليث التركيبي الذي تتبناه النصارى أو ما يماثل ذلك التركيب.

والدليل على ذلك هو أنّه لو كان المقصود من توصيفه ب «أحد» غير البساطة للزم التّكرار بلا جهة لتعقيبه ذلك بقوله في ذيل السورة : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) فصدر السورة ناظر إلى التوحيد بمعنى البساطة ، كما أنّ ذيلها ناظر إلى التوحيد بمعنى نفي الشيء والنظير له ، ويتضح ذلك إذا وقفنا على أن السورة برمتها نزلت في رد عقائد المسيحيين ، وإن لم يرد ذكرهم بالاسم.

وبذلك تقف على قيمة كلمة قالها الإمام الطاهر علي بن الحسين السجاد (عليه ‌السلام) : «إنّ الله عزوجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون ، فأنزل الله عزوجل (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، اللهُ الصَّمَدُ) والآيات من سورة الحديد ... إلى قوله : (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ، فمن رام ما وراء هنالك هلك (22).

وهناك حديث بديع عن أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) يشير فيه إلى كلا التوحيدين أي كونه واحدا لا مثيل له ، وواحدا لا جزء له ، قال (عليه ‌السلام) : وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه فقول القائل :

1 ـ هو واحد ليس له في الأشياء شبه.

2 ـ إنّه عزوجل أحديّ المعنى : لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم» (23).

ثم إن هناك قسما ثالثا من التركيب أوجد باختلاف الآراء منه فرقا ومناهج فكريه عديدة وهو زيادة صفاته على ذاته وهو ما نطرحه في القسم الثالث ـ التالي ـ من أقسام التوحيد.

 

التوحيد في الصفات

(3)

صفاته عين ذاته

اتّفق الإلهيون على كونه تعالى متصفا بصفات الكمال والجمال ، من العلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الذاتيّة ، ولكنهم اختلفوا في كيفية إجرائها عليه سبحانه على أقوال :

الأول : نظرية المعتزلة:

إنّ كيفية إجراء صفاته سبحانه على ذاته أوجد هوّة سحيقة بين المعتزلة والأشاعرة فمشايخ الاعتزال ـ لأجل حفظ توحيده سبحانه وتنزيهه عن التركيب من الذات والصفات ـ ذهبوا إلى أنّ ملاك إجراء هذه الصفات هو الذات وليست هناك أية واقعية للصفات سوى ذاته.

توضيحه : إنّ حقيقة نظرية المعتزلة هي نظرية نيابة الذات عن الصفات من دون أن يكون هناك صفة وذلك لأنهم رأوا أنّ الأمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين :

أولهما : إنّا لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات كالعلم ، وجب الاعتراف بأنّ هناك ذاتا وصفة ، لأنّ واقعية الصّفة هي مغايرتها للموصوف ، ولا يمكن أن يكون هنا صفة ولا تكون غير الموصوف ، فعندئذ يلزم التركّب فيه سبحانه من ذات وصفة ، وهو محال.

وثانيهما ـ إنّ نفي العلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية عنه سبحانه يستلزم النقص في ذاته أولا ، ويكذّبه إتقان آثاره وأفعاله ثانيا.

فالمخلص والمفرّ من هذين المحذورين ، انتخاب نظرية النيابة ، وهي أن نقول بنيابة الذات مناب الصفات ، وإن لم يكن هناك واقعية للصفات وراء الذات.

هذا هو المشهور عن المعتزلة وممن صرح به منهم عبّاد بن سليمان قال : «هو عالم ، قادر ، حي ، ولا أثبت له علما ، ولا قدرة ولا حياة ولا أثبت سمعا ولا أثبت بصرا ، وأقول هو عالم لا بعلم ، وقادر لا بقدرة ، وحيّ لا بحياة ، وسميع لا بسمع ، وكذلك سائر ما يسمّى من الأسماء التي يسمّى بها» (24).

يلاحظ عليه ـ أولا : إنّه لم يتحقق أنّ ما ذكر من قضية النيابة رأي جميع المعتزلة بل إن هناك جماعة منهم يذهبون إلى ما هو المختار عند الإمامية من عينية صفاته مع ذاته بمعنى أنّ الذّات هي نفس العلم والقدرة والحياة لا أنها خالية عن الصفات تنوب منابها (25).

وثانيا : إنّ المعتزلة يتصورون أنّ حقيقة الصفة ترجع إلى أمر زائد على الذات ، ولا يتصور كون الشيء وصفا مع كونه نفس الذات وعينها وما ذلك إلا لملاحظة الصفة في الموجودات الإمكانية فالعلم في الإنسان وصف وهو غير الذات ، كما أنّ القدرة كذلك ، فاتخذوه ضابطة كلية حتى في مقام الذات الإلهية ، فجعلوا كون الشيء وصفا ملازما للزيادة وعارضا على الذات ، فوقعوا في محذور خاص وهو أنّ إثبات الصفات يستلزم تركب الذات من ذات ووصف أولا ، وخلو الذات عن الكمال ثانيا ، كما تقدم في كلامهم ، ولأجل رفع هذين المحذورين ذهبوا إلى نفي الصفات وقيام الذات منابها.

ولكنهم لو وقفوا على أنّ ما اتخذوه ضابطة (كون الصفة غير الذات) ليس ضابطة كلية وإنما يختص ببعض الموجودات الإمكانية ، لوقفوا على أنّ من الممكن أن تبلغ الذات في الكمال والجمال مرتبة عالية تكون نفس العلم والانكشاف ونفس القدرة والحياة ، ولم يدل دليل على أنّ الصفة في جميع المراتب عرض قائم بالذات بل لهذه الأوصاف عرض عريض ومراتب متفاوتة. ففي مرتبة يكون العلم عرضا ، كما في علمنا بالأشياء الخارجية ، وفي مرتبة يكون جوهرا كما في علمنا بأنفسنا ، وفي مرتبة يكون واجبا نفس الذات كما سيوافيك بيانه ، وعدم إطلاق الصفة على مثل هذا العلم لغة ، لا يضرنا لأن الحقائق لا تقتنص عن طريق اللّغة. ولو كان الداعي إلى القول بالنيابة هو التحفظ على التوحيد وبساطة الذات ، فالتوحيد ليس رهن القول بها فقط ، بل هو كما يحصل بها ، يحصل بالقول الآخر الذي يتضمن عينية الصفات والذات ، مع الاعتراف بواقعية الصفة فيها وبذلك يتميز عن القول بالنيابة.

الثاني: نظرية الأشاعرة:

إنّ الأشاعرة ذهبت إلى وجود صفات كمالية زائدة على ذاته سبحانه مفهوما ومصداقا ، فلا تعدو صفاته صفات المخلوقين إلّا في القدم والحدوث فالصفات في الواجب والممكن زائدة على الذات غير أن صفات الأول قديمة وفي غيره حادثة.

واستدل عليه الأشعري في «اللّمع» و «الابانة» بوجهين :

الوجه الأول ـ إنّ كونه سبحانه عالما بعلم ، لا يخلو عن صورتين :

1 ـ أن يكون عالما بنفسه.

2 ـ أن يكون عالما بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه.

فإن كان الأول ، كانت نفسه علما ، ويستحيل أن يكون العلم عالما ، أو العالم علما. ومن المعلوم أنّ الله عالم. ومن قال إنّ علمه نفس ذاته ، لا يصح له أن يقول إنّه عالم ، فإذا بطل هذا الشق ، تعين الشق الثاني ، وهو أنه يعلم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه (26).

وصلب البرهان يرجع إلى أنّ واقعية الصفة هي البينونة ، فيجب أن يكون هناك ذات وعرض ، ينتزع من اتّصاف الذات بالعرض عنوان العالم والقادر. فالعالم من له العلم ، والقادر من له القدرة ، لا من ذاته نفسهما فيجب أن نفترض ذاتا غير الوصف.

يلاحظ عليه بأنّه لم يدل دليل على أنّ الصفة يجب أن تكون مغايرة للموصوف ، وإنما هو أمر سائد في الممكنات ، فإنّ العلم في الإنسان ليس ذاته ، بشهادة أنّه قد كان ، ولم يكن عالما ، ولكن يمكن أن تبلغ الذات في الكمال والجمال مرتبة تكون نفس العلم ونفس القدرة من دون أن يكون العلم أو القدرة زائدين عليها. والقول بأنّ واقعية الصفة مغايرتها للموصوف ما هو إلّا نتيجة ما اعتدنا عليه من ممارسة الممكنات العالمة والأنس بها ، فإنّ الصفة فيها عرض والموصوف معروض ، والعرض غير المعروض ولكن لا غرو في أن يكون هناك علم قائم بالذات ، وقدرة قائمة بنفسها من دون أن تكون عرضا. نعم ، تصور ذلك لمن يمارس الأمور الممكنة ولا يجرّد نفسه عن هذا المضيق أمر مشكل.

وعلى ذلك فالعلم عرض في بعض مراتبه ، وغيره في المراتب العليا ، ومثله القدرة. وكون لفظ العالم موضوعا لمن يكون علمه غير ذاته لا يكون دليلا على أنّه سبحانه كذلك. فإذا قام الدليل على عينية صفاته لذاته كان إطلاق العالم عليه سبحانه بملاك غير إطلاقه على الممكنات.

الوجه الثاني ـ لو كان علمه سبحانه عين ذاته ، لصح أن نقول : «يا علم الله اغفر لي وارحمني» (27).

ويلاحظ عليه : إنّ الشيخ لم يشخّص محل البحث ، فإنّ القائل بالوحدة لا يقول بوحدة الذات والصفة مفهوما فإنّ ذلك باطل بالضرورة ، فإن ما يفهم من «لفظ الجلالة» غير ما يفهم من لفظ «العالم» وإنكار ذلك إنكار للبداهة ، بل القائل بالوحدة يقصد منها اتحاد واقعية العلم وواقعية ذاته ، وأنّ وجودا واحدا مع بساطته ووحدته ، مصداق لكلا المفهومين ، وليس ما يقابل لفظ الجلالة في الخارج مغايرا لما يقابل لفظ «العالم». وإنّ ساحة الحق جلّ وعلا منزهة عن فقد أية صفة كمالية في مرتبة الذات ، بل وجوده البحث البسيط ، نفس النعوت والأوصاف الكمالية ، غير أنها مع الذات متكثرة في المفهوم وواحدة بالهويّة والوجود.

وعلى كل تقدير فيرد على الأشعري أنّ القول بالزيادة يستلزم القول بتعدد القدماء بعدد الأوصاف الذاتية. فإذا كان المجوس قائلين بقديمين ، والنصارى بثلاثة ، فالقول بالزيادة لازمه القول بقدماء ثمانية ، أفهل يصح في منطق العقل الالتزام بذلك لأجل أن المتبادر من صيغة الفاعل زيادة المبدأ على الذات؟.

الثالث: نظرية الإمامية (عينية الصفات والذات):

هذه النظرية لا تعني نظرية النيابة ، فإن تلك مبنية على نفي العلم والقدرة عنه سبحانه ، غير أن ما يترقب منهما يترتب على ذاته سبحانه ، وقد اشتهر قول تلك الطائفة: «خذ الغايات واترك المبادي» ، فما هو المطلوب من العلم تقوم به الذات وإن لم يكن فيها علم ولا قدرة. أولئك هم المعروفون بنفاة الصفات ، وقد فروا من مضاعفات القول بالصّفة أعني التركب ، إلى نفي الصفات رأسا ، وهو أشبه بالفرار من المطر إلى تحت الميزاب.

وأما نظرية العينية فهي تعترف بوجود العلم والقدرة في مقام الذات ولكن تدّعي أن العرضية ليست أمرا لازما للعلم ، بل تارة يكون عرضا وأخرى يكون جوهرا كعلم النفس بذاتها ، وثالثة فوق العرض والجوهر فيكون واجبا قائما بنفسه ، فهذا يباين نظرية نفاة الصفات مباينة الشرق للغرب.

والدليل على العينية هو أنّ القول باتحاد ذاته سبحانه مع صفاته يوجب غناءه في العلم بما وراء ذاته عن غيره ، فيعلم بذاته كل الأشياء من دون حاجة إلى شيء وراء الذات وهذا بخلاف القول بالزيادة فإنه يستلزم افتقاره سبحانه في العلم بالأشياء وخلقه إياها إلى أمور خارجة عن ذاته ، فهو يعلم بالعلم الذي هو سوى ذاته ويخلق بالقدرة التي هي خارجة عن حقيقته ، ويحيا بحياة غير ذاته ، والواجب سبحانه منزه عن الاحتياج إلى غير ذاته ، فهو غني في ذاته وفعله عمن سواه ، والأشاعرة وإن كانوا قائلين بأزلية الصفات مع زيادتها على الذات ، لكن الأزلية لا تدفع الفقر والحاجة عنه ، لأن الملازمة غير العينية فكون ذاته سبحانه ملازمة لهذه الصفات المغايرة من الأزل غير كونها نفس هذه الصفات.

وباختصار ، إنّ كون الصفات عندهم غير الذات عين القول بحاجته في العلم والإيجاد إلى غير ذاته فإن نتيجة فصل الذات عن الصفات هي إنه يستعين في تحصيل العلم بعلم منفصل ، وفي الإيجاد بقدرة خارجة عن ذاته. وبالجملة إنّ التحرّز عن تعدد القدماء أولا ، وحاجته سبحانه في مقام الفعل إلى غير ذاته ثانيا ، يجرنا ـ مع الاعتراف بأنّ له سبحانه أوصافا من علم وقدرة وغيرهما ـ إلى القول بعينية الصفات والذات.

بساطة الذات وتعدد الصفات كيف يجتمعان:

؟ لقد قادتنا البراهين السابقة إلى بساطة الذات الإلهية ، وخلوها عن أي نوع من أنواع التركيب العقلي الخارجي وهنا يطرح هذا السؤال نفسه وهو : كيف يجتمع تعدد الأسماء والصفات مع بساطة الذات؟ أليس يستلزم تعدد الصفات تركّب الذات الإلهية من صفات متعددة؟.

والجواب عن ذلك بوجهين :

الأول: إنّ السؤال إنما يتوجه إذا كان كل واحد من هذه الصفات يشكّل جزءا خاصا ، ويحتل موضعا معينا من ذاته سبحانه وحينئذ يمكن القول بأنه يستلزم التركيب في ذاته سبحانه. ولكن إذا قلنا بأنّ كل واحد من هذه الصفات يشكل تمام الذات برمتها وأسرها ، فحينئذ لا يبقى مجال لتصور التركيب في شأنه تعالى ، إذ لا يمتنع كون الشيء على درجة من الكمال يكون فيها كلّه علما ، وكلّه قدرة ، وكلّه حياة ، دون أن تظهر أية كثرة في ذاته. نعم ، لو كانت هناك كثرة ، فإنّما هي في عالم المفهوم دون الواقع الخارجي ، إذ عندئذ تكون ذاته سبحانه مصداق العلم ومطابقه ـ وفي الوقت نفسه ـ مصداق القدرة ومطابقها ، بلا مغايرة ولا تعدد.

ولتقريب هذا المعنى نشير إلى مثال في عالم الممكنات وهو أنّ الإنسان الخارجي بتمام وجوده مخلوق لله سبحانه وفي الوقت نفسه معلوم له سبحانه. فمجموع الوجود الخارجي ، كما هو مصداق لقولنا إنّه مخلوق لله ومطابق له ، مصداق ومطابق لقولنا إنّه معلوم لله ، من دون أن يخصّ جزء بكونه معلوما وجزء بكونه مخلوقا ، بل كله معلوم لله في عين كونه مخلوقا له ، وليست جهة المعلومية في الخارج غير جهة المخلوقية.

وباختصار ، يصح انتزاع المفاهيم الكثيرة من الواحد البسيط البحت ، وهذا على التقريب كالنّور ، فإنّ الإضاءة والحرارة من خواصّ النور ، وليست الأولى مختصة بناحية من وجوده والثانية بناحية أخرى منه ، بل النور بتمامه مضيء كما أنّه بتمامه حار. فالشيء الخارجي ، أعني النور ، مصداق لمفهومين ؛ المضيء والحار.

الثاني : إنّ وجوده سبحانه هو الكمال المطلق والوجود الأتم ، وأمّا انتزاع المفاهيم الكثيرة مثل العالم والقادر ، فإنما هو بالنظر إلى تجلياته المختلفة في العالم الإمكاني. فإن إتقان الفعل وظرافته دليل كونه قادرا ، كما أنّ الصنع على سنن معقدة آية كونه عالما بهذه السنن والنّظم ، وهكذا. فتجلّيه سبحانه على العالم بالشئون المختلفة صار سببا لانتزاع مفاهيم كثيرة منه ، هذا.

ولكنّ الجواب الأول أتقن وأنسب بالأسس التي قدمناها.

عينية الصفات والذات في النّصوص الإسلامية: إنّ عينية الصفات والذات مما قادنا إليه العقل وتظافرت عليه السنة عن سيد الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فهو سلام الله عليه أول من أصحر بالحقيقة وجهر بها في تلك العصور التي لم يكن فيها خبر عن نظرية المعتزلة (النيابة) ولا الأشاعرة (الزيادة).

قال أمير المؤمنين : «وكمال الإخلاص له نفي الصفات (الزائدة) عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصّفة ، فمن وصف الله (أي بوصف زائد على ذاته) فقد قرنه (أي قرن ذاته بشيء غيرها) ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّاه ، ومن جزّاه فقد جهله» (28).

وفي هذا الكلام تصريح بعينية الصفات للذات ، وفيه إشارة إلى برهان الوحدة ، وهو أنّ القول باتحاد صفاته مع ذاته يوجب تنزيهه تعالى عن التركيب والتجزئة ونفي الحاجة عن ساحته. ولكن إذا قلنا بالتعدد والغيريّة فذلك يستلزم التركيب ويتولد منه التثنية. والتركيب آية الحاجة ، والله الغني المطلق لا يحتاج إلى من سواه.

وقال الإمام الصادق (عليه ‌السلام) : «لم يزل الله جلّ وعزّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور» (29).

والإمام (عليه ‌السلام) يشير إلى قسم خاص من علمه سبحانه ـ وراء عينية صفاته وذاته ـ وهو وجود علمه بلا معلوم وسمعه بلا مسموع. وما هذا إلا لأجل أنّ ذاته من الكمال والجمال إلى حد لا يشذ عن حيطة وجوده أي شيء ، وتشريح هذا القسم من العلم يطلب من الكتب الفلسفية.

وهناك روايات أخرى عن العترة الطاهرة يقف عليها من خاض أحاديثهم ، وقد جمعها الشيخ الصدوق في كتاب (التوحيد) ، والعلامة المجلسي في (كتاب البحار) وكل ذلك يدل على أنّ الأمة أخذت التوحيد في هذه المجالات عن باب علم النبي علي بن أبي طالب (عليه ‌السلام) وأنّ المعتزلة أخذوا ما قالوا به من التوحيد من ذلك المصدر ، كيف وهم عيال عليه في تلك المباحث كلها (30).

 

التوحيد في الخالقية

(4)

لا خالق سوى الله

دلّت البراهين العقلية على أنّه ليس في الكون خالق أصيل إلا الله سبحانه ، وأنّ الموجودات الإمكانية وما يتبعها من الأفعال والآثار ، حتى الإنسان وما يصدر منه ، مخلوقات لله سبحانه بلا مجاز ولا شائبة عناية ، غاية الأمر أنّ ما في الكون مخلوق له إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.

وذلك لما عرفت من أنّه سبحانه هو الواجب الغني ، وغيره ممكن بالذات ولا يعقل أن يكون الممكن غنيا في فعله وذاته عن الواجب ، فكما أنّ ذاته قائمة بالله سبحانه ، فهكذا فعله. والحاجة في الذات إلى الواجب آية الحاجة في الفعل أيضا. ومن عرف الممكن حق المعرفة وانه الفقير الفاقد لكل شيء ، والواجد ـ في ظل خالقه ـ فعله وأثره ، لا يشك في استناد الأفعال والآثار إلى الله سبحانه ، وهذا ما يعبر عنه بالتوحيد في الخالقية وأنّ هنا خالقا واحدا أصيلا وهو الله سبحانه وأمّا غيره فبين غير خالق لشيء إلى خالق بإذنه ومشيئته وإقداره سبحانه.

هذا ما لدى العقل ، وأما النّقل فقد تضافرت النصوص القرآنية على أنّ الله سبحانه هو الخالق ، ولا خالق سواه (وسيوافيك أنّ المراد هو حصر الخالقية بالأصالة على الله سبحانه ، لا التبعة والظلّيّة بإذنه) (31) ، وإليك الآيات الواردة في هذا المجال.

قال سبحانه : (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (32).

وقال سبحانه : (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (33).

وقال سبحانه : (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (34).

وقال سبحانه : (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (35).

وقال سبحانه : (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (36).

وقال سبحانه : (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) (37).

وقال سبحانه : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ)(83).

وقال سبحانه : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (39).

هذا هو حكم العقل وهذه نصوص القرآن الكريم لا يشك فيها إلا المنحرف عن الفطرة ، غير أنّ الذي يهمنا هو الوقوف على ما تهدف إليه الآيات. وهناك احتمالان ذهب إلى كلّ طائفة من المتكلمين ونحن نذكرهما ، وندعم الحق منهما بالبرهان.

نظرية الأشاعرة في التوحيد في الخالقية: ذهبت الأشاعرة إلى أنّ المراد من التوحيد في الخالقية هو حصر الخلق والإيجاد على الإطلاق بالله سبحانه وأنه ليس في صفحة الوجود مؤثر وموجد وخالق إلّا الله سبحانه وأمّا غيره ، فليس بمؤثر ولا خالق لا على وجه الاستقلال ولا على وجه التبعية.

وعلى ذلك الأساس أنكرت العلّية والمعلوليّة ، والتأثير والتأثّر بين الموجودات الإمكانية فزعمت أنّ آثار الظواهر الطبيعية كلها مفاضة منه سبحانه ، من دون أن يكون هناك رابطة بين الظاهرة المادية وآثارها ، فعلى مذهبهم «النار حارّة» بمعنى أنّه جرت سنّة الله على إيجاد الحرارة عند وجود النار مباشرة من دون أن تكون هناك رابطة بين النار وحرارتها ، والشمس وإضاءتها ، والقمر وإنارته ، بل الله سبحانه جرت عادته على إيجاد الضوء والنور مباشرة عقيب وجود الشمس والقمر من دون أن يكون هناك نظام وقانون تكويني باسم العلّية والمعلوليّة. وعلى ذلك فليس في صفحة الوجود إلّا علة واحدة ، ومؤثر واحد ، يؤثر بقدرته وسلطانه في كل الأشياء ، من دون أن يجري قدرته ويظهر سلطانه عن طريق إيجاد الأسباب والمؤثرات. بل هو بنفسه الشخصية قائم مقام جميع ما يتصور من العلل والأسباب التي كشف عنها العلم طيلة قرون.

هذا ما يتبناه الأشعري واتباعه. ناسبين إياه إلى أهل السنة والجماعة ، فهم لا يقيمون للعلل الطبيعية وزنا ، فعامل الحمى في المريض هو الله سبحانه وليس للجراثيم دور في ظهورها فيه ، ومثل ذلك سائر الظواهر الطبيعية من تفتح الأزهار ونمو الأشجار ، فالكل مخلوق لله سبحانه بلا واسطة ولا تسبيب سبب من الأسباب.

وعلى هذا الأصل جعلوا أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه مباشرة ، ولم يقيموا للقدرة الحادثة في العبد وزنا ولم يعترفوا بتأثيرها في فعله فصار كل ما في الكون من آثار الفاعلين ، عالمين كانوا أم لا ، صادرا منه سبحانه مخلوقا له (40).

تحليل نظرية الأشاعرة: إنّ تفسير التوحيد في الخالقية بهذا المعنى ، بما أنّه لا يستند إلى دليل عقلي بل يستند إلى ظواهر الآيات التي وقفت عليها ، فلا مناص في تحليله من الرجوع إلى نفس الذكر الحكيم حتى يعلم أنّه غير معترف بهذا التفسير بل ينكره جدا.

إنّ الآيات القرآنية تعترف بوضوح بقانون العليّة والمعلوليّة بين الظواهر الطبيعية وتسند الآثار إلى موضوعاتها ـ وفي الوقت نفسه تسندها إلى الله سبحانه ـ حتى لا يغتر القارئ بأنّ آثار الموضوعات متحققة من تلقاء نفسها. والآيات الواردة في هذا المجال كثيرة نكتفي بالقليل منها.

1 ـ قال سبحانه : (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) (41).

2 ـ وقال عزّ من قائل (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ) (42).

فالكتاب العزيز يصرّح في هاتين الآيتين بجلاء بتأثير الماء في الزرع إذ إنّ الباء في «به» في الموردين بمعنى السببية. وأوضح منهما الآية التالية.

3 ـ قال سبحانه : (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (43).

فإنّ جملة «يسقى بماء واحد» كاشفة عن دور الماء وأثره في إنبات النباتات وإنماء الأشجار ، ومع ذلك يتفضل بعض الثمار على بعضها. ومن أمعن النظر في القرآن الكريم يقف على كيفية بيانه للمقدمات الطبيعية لنزول الثلج والمطر من السماء من قبل أن يعرفها العلم الحديث ويطّلع عليها بالوسائل التي يستخدمها لدراسة الظواهر الطبيعية ، واكتشاف عللها ومقدماتها. ويتضح ذلك بدراسة الآيتين التاليتين :

4 ـ قال سبحانه : (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (44).

فقوله سبحانه : (فَتُثِيرُ سَحاباً) صريح في أنّ الرياح تحرك السّحاب وتسوقها من جانب إلى جانب.

5 ـ قال سبحانه : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ) (45).

فالآية الرابعة تسند حركة السحاب إلى الرياح وتقول «فتثير سحابا» وهذه الآية تسندها إلى الله سبحانه وتقول «إنّ الله يزجي سحابا». وكلا الإسنادين صحيح ، حيث إنّ الرياح جند من جنوده سبحانه وسبب من أسبابه التي تعلقت مشيئته على نزول الفيض من طريقها ولأجل ذلك يعدّ فعلها فعله. والكلّ قائم به قيام الممكن بالواجب.

6 ـ قال سبحانه : (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (46).

فالآية تصرح بتأثير الماء في اهتزاز الأرض وربوتها ، ثم تصرح بإنبات الأرض من كل زوج بهيج.

7 ـ قال سبحانه : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (47).

فالآية تسند إنبات السبع سنابل إلى الحبة.

وحصيلة البحث أنّه سبحانه يسند الإنبات في هذه الآيات إلى الأرض والحبّ ولكنه يسند ـ في الوقت نفسه ـ ذلك الفعل إلى ذاته ويقول : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ، ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (48).

ويقول أيضا : (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) (49). ولا اختلاف بين الآيات في جميع هذه المجالات إذ الفعل فعل الله سبحانه بما أنّه منشئ الكون وموجده ، ومسبب الأسباب ومكونها. كما هو فعل السبب ، لصلة بينه وبين آثاره. والأسباب والعلل على مراتبها مخلوقات لله مؤثرات بإذنه ، وليس الإسنادان في درجة واحدة وعرض واحد ، بل أحدهما في طول الآخر.

8 ـ قال سبحانه : (خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)(50).

أي جعل على ظهر الأرض ، الجبال الثوابت لئلا تضطرب بكم ، فقد نسب صيانة الإنسان عن الاضطراب والميدان إلى نفسه حيث قال «وألقى». وإلى سببه حيث قال «رواسي أن تميد بكم» ، أي لغاية أن تصونكم الرواسي عن ميدان الأرض بكم كرواسي السفن الصائنة لها عن الميدان والاضطراب. والكل يهدف إلى أمر واحد وهو الذي ورد في قوله سبحانه : (هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (51). أي هذا الذي تشاهدونه في السماء والأرض وما بينهما من الأسباب والمسبّبات كلّه مخلوق لله ، والأسباب جنوده والآثار آثار للسّبب وللمسبّب بالكسر. ما ذكرناه تحليل لنظرية الأشعري في ضوء الوحي ، وقد عرفت أن الوحي يردها بحماس.

وهناك تحليل فلسفي لها وهو أنه لا شك أنّ كثيرا مما نجده من الموجودات الممكنة المادية تتوقف في وجودها على شروط لا تتحقق بدونها ، كالإنسان الذي هو ابن فلان. فإن لوجود الابن توقفا على وجود الوالدين وعلى شرائط أخرى كثيرة زمانية ومكانية ، فمن الضروري أنّ ما يتوقف عليه وجود الشيء يعدّ جزءا من العلة التامة. وعلى هذا ، لا يصح عدّه سبحانه علة تامة وحدها لهذه الظاهرة أي كون زيد ابن فلان.

نعم هو بالنسبة إلى مجموع العالم علة تامة ، إذ لا يتوقف على شيء غيره سبحانه وأمّا سائر أجزاء العالم كوجود زيد فهو سبحانه جزء العلة التامة ضرورة توقفه على ما هو قبله من العلل وما هو معه من الشرائط والمعدّات (52).

والذي يوضح ذلك أنّ هناك أفعالا لا يمكن إسنادها إلى الله سبحانه مباشرة كأكل زيد وشربه ومشيه وقيامه وقعوده ، فإنّ تحقق هذه العناوين يتوقف على وجود زيد وأعضائه من فمه ولسانه ورجليه وعضلاته فإنّ لها دخالة في تحقق هذه الأفعال ، فكيف يمكن إنكار دخالتها؟ فهذه الأفعال لا تستند إلا إلى الموجود المادي مباشرة ، وإلى الواجب سبحانه على وجه التسبيب والسببية الطولية (53).

فمن وقف على مجموعة كبيرة من الآيات في هذا المجال لم يشك في أنّ القرآن يعترف بناموس السببية بين الأشياء وآثارها وإنهاء كل الكون إلى ذاته تبارك وتعالى. فلا يصح عندئذ حصر الخالقية والعلية الأعم من الأصلية والتبعية بالله سبحانه ، وتصوير غيره من الأسباب أمورا عاطلة غير مفيدة لشيء. وجعل القدرة الحادثة في العبد شيئا مقترنا بايجاده سبحانه فعل العبد. وعلى ذلك فيجب تفسير حصر الخالقية وتوحيدها على وجه يتناسب مع جميع الآيات الماضية التي تدل على الحصر وأنّه لا خالق غيره ، وفي الوقت نفسه يعترف بتأثير العلل وإيجادها. وهذه هي النظرية التي نتلوها عليك بإذنه سبحانه.

نظرية العدلية في التوحيد في الخالقية: إنّ هناك معنى آخر لحصر الخالقية بالله سبحانه ونفيها عن غيره بالمعنى الذي يناسب شأنه سبحانه ، وما نذكره هو الذي يدعمه العقل ويوافقه القرآن وتعضده البحوث العلمية في الحضارات الإنسانية وإليك بيانه :

إنّ الخالقية المستقلة النابعة من الذات ، غير المعتمدة على شيء منحصرة بالله سبحانه ولا يشاركه فيها شيء. وأمّا غيره سبحانه فإنما يقوم بأمر الخلق والإيجاد بإذن منه وتسبيب ويعدّ الكلّ جنود الله سبحانه يعملون بتمكين منه لهم ويظهر هذا المعنى من ملاحظة الأمور التالية :

أ ـ لا يشك المتأمل في الذكر الحكيم في أنه كثيرا ما يسند آثارا إلى الموضوعات الخارجية ، والأشياء الواقعة في دار المادة كالسماء وكواكبها ونجومها ، والأرض وجبالها وبحارها وبراريها وعناصرها ومعادنها والسحاب والرعد والبرق والصواعق والماء والأعشاب والأشجار والحيوان والإنسان إلى غير ذلك من الموضوعات الواردة في القرآن الكريم. فمن أنكر إسناد القرآن آثار تلك الأشياء إلى أنفسها فإنما أنكره باللسان ، وقلبه مطمئن بخلافه. وقد ذكرنا نزرا من الآيات الواردة في هذا المجال.

ب ـ إنّ القرآن يسند إلى الإنسان أفعالا لا تقوم إلا به ، ولا يصح إسنادها إلى الله سبحانه بلا واسطة ، كأكله وشربه ومشيه وقعوده ونكاحه ونموه وفهمه وشعوره وسروره وصلاته وصيامه. فهذه أفعال قائمة بالإنسان مستندة إليه ، فهو الذي يأكل ويشرب وينمو ويفهم.

ج ـ إنّ الله سبحانه أمر الإنسان بالطاعة أمر إلزام ، ونهاه عن المعصية نهي تحريم ، فيجزيه بالطاعة ويعاقبه بالمعصية. فلو لم يكن للإنسان دور في ذلك المجال وتأثير في الطاعة والعصيان فما هي الغاية من الأمر والنهي ، وما معنى الجزاء والعقوبة.

وهذه الأمور الثلاثة إذا قورنت بقوله سبحانه : (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ)(54) ، الذي يدل على بسط فاعليته وعليته على كل شيء ، يستنتج أنّ النظام الامكاني على اختلاف هوياته وأنواعه فعّال ومؤثر في آثاره ، لكن بتقديره سبحانه ومشيئته وإذنه وهو القائل جل وعلا : (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (55) وقال تعالى : (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى)(56). فتنتهي وجودات هذه الأشياء وأعمالها وآثارها وحركاتها وسكناتها إلى قضائه وتقديره وهدايته وإجراء الأسباب في النظام الإمكاني.

فعلى هذا فالأشياء في جواهرها وذواتها وحدود وجودها وخصوصياتها تنتهي إلى الخلقة الإلهية ، كما أنّ أفعالها التي تصدر عنها في ظل تلك الخصوصيات تنتهي إليه أيضا وليس العالم ومجموع الكون إلا مجموعة متوحدة ، يتصل بعضها ببعض ، ويتلاءم بعضها مع بعض ، ويؤثر بعضها في بعض ، والله سبحانه وراء هذا النظام ومعه وبعده ، لا خالق ولا مدبر ، حقيقة وبالأصالة ، إلّا هو ، كما لا حول ولا قوة إلا بالله.

وبهذه النظرية ـ أي نظرية كون العالم مخلوقا على النظام السببي والمسببي وأنّ فيه فواعل اضطرارية كما أنّ فيه فواعل اختيارية ـ تتناسق الأمور الثلاثة وتتوحد نتائجها ، وهذا بخلاف ما قلناه في النظرية الأولى ، فإنها توجب التضاد بين الأمور الثلاثة المسلّمة.

النظام الإمكاني نظام الأسباب والمسبّبات:

إنّ الإمعان في الآيات الكريمة يدفع الإنسان إلى القول بأنّ الكتاب العزيز يعترف بأنّ النظام الإمكاني نظام الأسباب والمسبّبات ، فلأجل ذلك ينسب الفعل الواحد إلى الله سبحانه وفي الوقت نفسه إلى غيره من دون أن يكون هناك تضادّ في النسبة.

1 ـ يقول سبحانه : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) (57). فينسب توفي الأنفس إلى نفسه ، بينما نجده سبحانه ينسه إلى رسله وملائكته ويقول : (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) (58).

ولا يجد الإنسان العارف بالقرآن أي اختلاف في النسبة.

2 ـ إنّ الذكر الحكيم يصفه سبحانه أنه الكاتب لأعمال عباده ويقول : (وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) (59). ولكن في الوقت نفسه ينسب الكتابة إلى رسله ويقول : (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (60).

3 ـ إنّه سبحانه ينسب تزيين عمل الكافرين إلى نفسه ويقول : (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) (61). وفي الوقت نفسه ينسبها إلى الشيطان ويقول : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ) (62).

وفي آية أخرى ينسبها إلى قرنائهم ويقول : (وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) (63) ولا تصح هذه النسب المختلفة ظاهرا إلا بالقول بأنّ الكون مبني على النظام السببي والمسبّبي وسببية كل شيء بتسبيب منه سبحانه وينتهي الكل إليه فالفعل مع أنه فعل السبب فعل المسبّب بالكسر أيضا.

4 ـ لا شك أنّ التدبير كالخلقة منحصر في الله سبحانه (كما سيوافيك بيانه في القسم الآتي من التوحيد) حتى لو سئل بعض المشركين عن المدبّر لأجاب بأنّ الله هو المدبر ، كما يقول سبحانه : (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ) (64) لكن نرى أنّ القرآن يعترف بمدبريّة غير الله سبحانه حيث يقول : (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) (65).

5 ـ إنّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين (أي نسبة الفعل إلى الله سبحانه إشارة إلى الجانب التسبيبي وإلى الإنسان إشارة إلى الجانب المباشري) بقوله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (66).

فهو يصف النبي الأعظم (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم) بالرمي وينسبه إليه حقيقة ويقول : «إذ رميت» ، لكنه يصف الله سبحانه بأنه الرامي الحقيقي وما ذلك إلا لأن النبي إنما قام بما قام بالقدرة التي منحها الله له ، وكان مفيضا لها عليه حين الفعل ، فيكون فعله فعلا لله أيضا.

وهذه المجموعة من الآيات ترشدك إلى النظرية الحقّة في تفسير التوحيد في الخالقية. وفي الحديث القدسي إشارة إليها.

يقول : «يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ، وبقوتي أدّيت إلي فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، جعلتك سميعا بصيرا قويا» (67).

ثم إنّ هذه النظرية ، على تقاريرها المختلفة من حيث الدقّة والرقّة (68) مما أطبقت على صحته الإمامية والمعتزلة وأيدته النصوص المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم ‌السلام) وقد قال به بعض الأشاعرة أيضا كإمام الحرمين (أبي المعالي الجويني) وهو من أعلام القرن الخامس والشيخ (الشعراني) وهو من أقطاب الحديث والكلام في القرن العاشر ، والشيخ (محمد عبده) مفتي الديار المصرية في القرن الرابع عشر. ومن أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى مصادرها (69).

ثم إنّ هنا ضابطة لتمييز الأفعال التي تسند إلى الفاعل القريب عن الأفعال التي تسند إلى القريب والبعيد تفطّن إليها العلامة (الطباطبائي) في تفسيره فقال : «إن من الأفعال ما يكشف بمفهومه عن خصوصيات المباشرة كالأكل بمعنى الالتقام ، والبلع والشرب بمعنى المص والتجرع ، والقعود بمعنى الجلوس ، لم ينسب إلا إلى الفاعل المباشر ، فإذا أمر السيد خادمه أن يأكل غذاء كذا ويشرب شرابا كذا ، ويقعد على كرسي كذا ، قيل : «أكل الخادم وشرب وقعد ، ولا يقال أكله سيده وشربه وقعد عليه.

وأما الأعمال التي لا تعتبر فيها خصوصيات المباشرة والحركات المادية التي تقوم بالفاعل المباشر للحركة كالقتل والأسر والإحياء والإماتة والإعطاء والإحسان ونظائرها فإنها تنسب إلى الفاعل القريب والبعيد على السوية ، بل ربما كانت نسبتها إلى الفاعل البعيد أقوى منها إلى الفاعل القريب ، كما إذا كان الفاعل البعيد أقوى وجودا وأشد سلطة وإحاطة ، وبذلك يظهر سر نسبة التعذيب الذي تباشره أيدي المؤمنين إلى نفسه ويقول :

(قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (70) كما يظهر أنّ القول بالتوحيد في الخالقية واستناد الحوادث وانتهائها إلى الله سبحانه لا يستلزم استناد القبائح إليه سبحانه ، بل الأفعال التي تعتبر فيها خصوصيات المباشرة ، كالنكاح والزنا والأكل المحرّم والمحلّل ، فإنما تنسب إلى الإنسان فقط لأنه هو الموضوع المادي الذي يقوم بهذه الحركات وأما الذي يوجد هذا المتحرك الذي من جملة آثاره حركته ـ وليس الله بنفسه متحركا بهذه الحركات وإنّما يوجدها إيجادا إذا تمت شرائطها وأسبابها ـ فلا يتصف بأنواع هذه الحركات حتى يتصف بفعل النكاح أو الزنا أو أي فعل قائم بعضو من أعضاء الإنسان»(71).

وأنت إذا أمعنت في هذه الضابطة تقدر على التفريق بين ما يصح فيه الإسناد وما لا يصح ، كما تقف على أن القول بالتوحيد في الخالقية على الوجه الذي فسرناه ، لا يستلزم مضاعفات نظرية الأشاعرة ، فإنها مبنية على إنكار رابطة العلية والمعلولية بين الإنسان وفعله ، وفرض وجوده سبحانه قائما مقام جميع العلل ، وسيوافيك ما يزيدك توضيحا عند البحث عن الجبر والاختيار.

الثنوية باشكالها المختلفة: إنّ التوحيد في الخالقية يقابله الاعتقاد بأنّ أمر الخلقة لا ينحصر بالله سبحانه بل هناك وراءه سبحانه خالقا أو خالقين مستقلّين بأمر الخلقة يعتمدون على أنفسهم وقدرتهم من دون أن يستمدوا منه سبحانه أو يكونوا مؤتمرين وخالقين بأمره وهذا ما يعبّر عنه في مصطلح المتكلمين بالثنوية سواء أكان الشريك واحدا أو أكثر فهذه اللفظة رمز لمن يرفض التوحيد في الخالقية من غير فرق بين أن يعتقد باثنين أو بأكثر ولأجل ذلك يدخل تحت هذا العنوان كثير من الفرق التي لا تعتقد بانحصار الخالقية في الله سبحانه منها :

1 ـ المفوّضة : وهم الذين يعتقدون بتفويض أفعال البشر إلى أنفسهم ، فهم مستقلون في خلق الأفعال وإيجادها ولا صلة لها بخالق البشر. وقد رميت المعتزلة من المسلمين بهذه العقيدة ، وهؤلاء لأجل التحفظ على عدله سبحانه وقسطه بين عباده التجئوا إليها زاعمين أن القول بعدم صلة أفعال البشر بخالقهم ينفعهم في القول بالعدل ، ويكون البشر نفسه مسئولا عن فعله وعمله. غير أن النسبة لو تحققت يكون هذا العمل كالفرار من المطر إلى تحت الميزاب فإنهم وإن توفقوا في مجال توصيف الرب بالعدل ، غير أنهم رسبوا في مجال التوحيد فجعلوا الإنسان خالقا في مقابل خالقه العظيم ، فما قيمة توصيفه بالعدل إذا كان مستلزما للانسلاك في عداد المشركين؟.

ولأجل ذلك ذهبت الأشاعرة إلى أنّ أفعال الإنسان أفعال لله سبحانه مباشرة وبلا سبب كما ذهبت الإمامية من العدلية إلى أنّ أفعاله فعل لله سبحانه وفي الوقت نفسه فعل للبشر والنسبة إليهما مختلفة فأحد الفاعلين خالق بالتسبيب والآخر خالق بالمباشرة على النحو الذي وقفت على بيانه.

2 ـ الزرادشتية : وهم القائلون بأنّ في عالم الكون أمورا توصف بالخير والبركة كما أنّ هناك أمورا توصف بالشرور والبلايا فلا يصح إسناد كلا الصنفين من الأفعال إلى الخالق الحكيم فيجب الاعتقاد بأنّ خالق الخير غير خالق الشر. وقد اخترعوا عقيدة خيالية وهي : إنّ خالق الخير موجود يدعى ب «يزدان» كما إنّ خالق الشر موجود يدعى ب «أهريمن» وكلا الخالقين مخلوق لله سبحانه. وبهذه الفرضية الخيالية ، تمكنوا من إقناع أنفسهم بحلّ مشكلة الشرور والبلايا في صفحة الوجود.

وهناك طوائف أخرى تدعى بالثنوية لها عقائد خاصة متواجدة في بلاد الهند وجنوب شرق آسيا فمن أراد الوقوف على عقائدها فليرجع إلى الكتب المترجمة لها.

 

التوحيد في الرّبوبية

(5)

انحصار التّدبير في الله سبحانه

يستفاد بجلاء من مطالعة عقائد الوثنية في كتب الملل والنحل أنّ مسألة التّوحيد في الخالقية كانت موضع اتفاق ، وأنّ الانحراف كان في مسألة التدبير أولا ، والعبادة ثانيا. فكان الوثنيون موحدين في أمر الخلقة مشركين في الربوبية ثم في العبادة.

وكان الشّرك في العبادة عاما ، بخلاف الشّرك في التدبير فلم يكن مثله في السعة والشمول.

وما ذكرناه يجده التالي للكتاب العزيز ، قال سبحانه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (72) : ومثله في سورة الزّمر ، الآية 38.

وقال سبحانه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (73).

وقال سبحانه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (74).

وهذه الآيات تعرفنا موقف الوثنيّين في مسألة التوحيد في الخالقية ، وأنّ تلك العقيدة كانت عامة للمشركين أو لأكثرهم في الجزيرة العربية.

نعم ، كان الاعتقاد بوجود مبدأين وخالقين لهذا العالم ، أحدهما : «يزدان» والآخر «أهريمن» أمرا مشهورا بين «الزرادشتيين» ولكن عقيدتهم تحيط بها هالة من الإبهام والغموض ، كعقيدة البراهمة والبوذيين والهندوكيين في هذا المجال والبحث فيه خارج عن إطار الموضوع وقد تقدم شيء عنهم آنفا.

وأمّا مسألة التوحيد في التدبير فلم تكن أمرا مسلّما عندهم ، بل الشرك في التدبير كان شائعا بين الوثنيين ، حيث كانوا يقولون بأنه ليس للكون سوى خالق واحد وهو موجد السّماوات والأرض وخالقهما ولكنه بعد أن خلق الكون فوّض تدبير بعض أموره إلى واحد أو أكثر من خيار خلقه ، واعتزل هو أمر التدبير. وهذه المخلوقات المفوّض إليها أمر التدبير كانت في نظر هؤلاء عبارة عن «الملائكة» و «الجنّ» و «الكواكب» و «الأرواح المقدسة» و... التي تكفلت كل واحدة منها تدبير جانب من جوانب الكون على حدّ زعمهم.

إنّ عبدة الكواكب والنجوم في عصر بطل التوحيد «إبراهيم» كانوا من المشركين في أمر التدبير ، حيث كانوا يعتقدون بأنّ الأجرام العلوية هي المتصرفة في النظام السفلي من العالم وأنّ أمر تدبير الكون ومنه الإنسان ، فوّض إليها فهي أرباب لهذا العالم ومدبرات له لا خالقات له (75). ولأجل ذلك نجد أنّ إبراهيم يرد عليهم بإبطال ربوبيتها عن طريق الإشارة إلى أفولها وغروبها ويقول : إذا كانت هذه الأجرام حسب زعمكم هي المدبرات للموجودات الأرضية ومنها الإنسان ، فيجب أن يكون لها إشراف دائم على المدبّرات ، واتصال دائم بالعالم السفلي الذي يقع تحت تدبيرها ولكنه لا يجتمع مع الأفول والغروب ، لأنهما يستلزمان غيبة المدبّر عن مدبّره بالفتح وجهله بحاله ، فيكون دليلا قاطعا على عدم كونها مدبّرة للموجودات الأرضية.

ولأجل أنّ شرك عبدة الأجرام كان شركا في الربوبية والتدبير نرى أنّ إبراهيم يستعمل في طرح عقيدتهم وردّها لفظ «الربّ». يقول سبحانه حاكيا عنه : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي) (76). وقال أيضا : (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي) (77). فاستعمل لفظة «الربّ» فيهما وفي غيرهما من الآيات الواردة في احتجاجه مع المشركين ، ولم يستعمل كلمة «الخالق» ، للفرق الواضح بين التوحيدين وعدم إنكارهم التوحيد الأول وإصرارهم على الشّرك في الثاني.

وأمّا لفظة «الرّب» في لغة العرب فهي بمعنى المتصرف والمدبّر والمتحمل أمر تربية الشيء ، وكأنه بمعنى الصاحب. وهذه ، أعني التدبير والتصرف ، من لوازم كون الشخص صاحبا ومالكا. فربّ الضيعة يقوم بأمرها ، وربّ البيت والغنم يقوم بالتصرف اللازم فيهما.

وباختصار ، إنّ في زعم المشركين أنّ مقام الخلق غير التدبير وأنّ الذي يرتبط بالله إنما هو الخلق والإيجاد وأمّا التدبير فيتعلق بموجودات أخرى غير الله سبحانه وتعالى. فهي المتصرفات فيه وقد فوّض إليها تدبير عالم الطبيعة ، وليست لله تعالى أية دخالة في أمر تدبير الكون وإدارته وتنظيم شئونه والتصرف فيه.

هذه حقيقة الشّرك في التدبير ووجه الفرق بينه وبين الشّرك في الخالقية ونرى ذلك الشّرك في كلام (عمر بن لحيّ) وهو أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أناسا يعبدون الأوثان وعند ما سألهم عن شئونها قالوا :

«هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها فأسير بها إلى أرض العرب فيعبدوه». فاستصحب معه صنما كبيرا باسم «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعى الناس إلى عبادته (78).

وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي : إنّه لا ينبغي لأحد أن يتصور أنّ الوثنية تعتقد بأنّ هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي ذاتها المتصرفة والمدبرة للكون إذ لا يصدر ذلك عن عاقل ، بل كانوا يعتقدون بكونها أصناما للآلهة المدبّرة لهذا الكون فوّض إليها إدارته. ولما لم تكن هذه الآلهة المزعومة في متناول أيديهم وكانت عبادة الموجود البعيد عن متناول الحسّ واللمس صعبة التصور ، عمدوا إلى تجسيد تلك الآلهة وتصويرها في أوثان وأصنام ورسوم وأجسام وقوالب من الخشب والحجر ، وصاروا يعبدونها عوضا عن عبادة أصحابها الحقيقيين وهي الآلهة المزعومة.

ثم إنّ الاعتقاد بربوبية غير الله سبحانه كما يتصور في مسألة التكوين فيعتقد المشرك بكون الملك أو الجنّ أو غيرهما متصرفا في العالم ، فكذلك يتصور في عالم التشريع. فمن أعطى زمام التشريع والتقنين أو الحلال والحرام إلى الإنسان فقد اتخذه ربّا لنفسه وصاحبا لها ، ولأجل ذلك نرى أنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ اليهود والنصارى اتخذوا الأحبار والرّهبان أربابا لأنفسهم ولم يكن الاعتقاد بربوبيتهم بصورة الاعتقاد بتصرفهم في العالم السفلي وإنما كان يتجلّى في اتخاذهم أربابا وأصحابا لأنفسهم في إطار التقنين ، فاستحلوا ما أحلّوه ، وحرّموا ما حرموه. يقول سبحانه : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) (79) ويقول عزوجل : (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ)(80).

وحصيلة البحث:

1 ـ إنّ ربوبيّة الله عبارة عن مدبريته تعالى للعالم لا عن خالقيته.

2 ـ دلّت الآيات التي ذكرناها على أنّ مسألة التوحيد في التدبير «لم تكن موضع اتفاق ، بخلاف مسألة «التوحيد في الخالقية» وأنّه كان في التاريخ ثمة فريق يعتقد بمدبريّة غير الله للكون كله أو بعضه ، وكانوا يخضعون أمامها باعتقاد أنها أرباب.

3 ـ وبما أنّ الربوبية في التشريع غير الربوبية في التكوين فقد تكون بعض الفرق موحدة في الثاني ومشركة في الأول فاليهود والنصارى تورطوا في «الشرك الربوبي التشريعي» لأنهم أعطوا زمام التقنين والتشريع إلى الأحبار والرهبان وجعلوهم أربابا من هذه الجهة ، فكأنهم فوّض أمر التشريع إليهم.

وبذلك يتجلّى أنّ التوحيد في الربوبية هو الاعتقاد بأنّ الخير والشرّ وتدبير الحياة والكون كلّها بيد الله سبحانه وأنّ الإنسان بل كل ما في الكون لا يملك لنفسه شيئا من التدبير ، وأنّ مصير الإنسان في حياته كلها إليه سبحانه ولو كان في عالم الكون أسباب ومدبرات له ، فكلها جنود له سبحانه يعملون بأمره ويفعلون بمشيئته. ويقابله الشرك في الربوبية وهو تصوّر أن هناك مخلوقات لله سبحانه لكن فوّض إليها أمر تدبير الكون ومصير الإنسان في حياته تكوينا أو تشريعا وأنّه سبحانه اعتزل هذه الأمور بعد خلقهم وتفويض الأمر إليهم. هذا خلاصة التوحيد والشّرك في مجال الربوبية وإنما الكلام في إقامة الدليل عليه :

أدلة التوحيد في الربوبية:

1 ـ التدبير لا ينفك عن الخلق: إنّ النكتة الأساسية في خطأ المشركين تتمثل في أنهم قاسوا تدبير عالم الكون بتدبير أمور عائلة أو مؤسسة وتصوروا أنهما من نوع واحد.

إنّ تدبيره سبحانه لهذا العالم ليس كتدبير حاكم البلد بالنسبة إلى مواطنيه ، أو ربّ البيت بالنسبة إلى أهله حيث إنّ ذاك التدبير يتمّ بإصدار الأوامر ، ولكن التدبير في الكون في الحقيقة إدامة الخلق والإيجاد وقد سبق أنّ الخالقية منحصرة في الله سبحانه فالقول بالتوحيد فيها يستلزم القول بالتوحيد في التدبير.

توضيح ذلك : إنّ كل فرد من النظام الإمكاني بحكم كونه فقيرا ممكنا فاقد للوجود الذاتي ، لكن فقره ليس منحصرا في وجوده في بدء تحققه وإنما يستمر هذا الفقر معه في جميع الأزمنة والأمكنة. فهو محتاج في إدامة وجوده بل حتى في علاقاته وروابطه وانسجامه مع مجموع العالم. وحقيقة التدبير ليست إلّا خلق العالم وجعل الأسباب والعلل بحيث تأتي المعاليل والمسبّبات دبر الأسباب وعقيب العلل ، وبحيث تظهر أجزاء الكون إلى الوجود وراء بعضها البعض تباعا ، وبحيث يؤثر بعضها في البعض الآخر حتى يصل كل موجود إلى كماله المناسب وهدفه المطلوب. فإذا كان المراد من التدبير هو هذا ، فهو بعينه عبارة عن مسألة الخلق ، فكيف يمكن أن نعتقد بأنّ التدبير مغاير للخلق ونعتبرهما أمرين مختلفين؟.

إن تدبير الوردة ليس إلا تكوّنها من المواد النيتروجينية الموجودة في التربة مع استنشاقها لثاني أو كسيد الكاربون من الهواء وامتصاصها لأشعة الشمس وحدوث سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية في خلاياها نتيجة ذلك ، لتنمو بالتدريج وتتفتّح وتخضر وتزهر. وليس كل منها إلا شعبة من الخلق. ومثلها الجنين مذ تكونه في رحم الأم ، فلا يزال يخضع لعمليات التفاعل والنمو حتى يخرج من بطنها ، وليست هذه التفاعلات إلّا شعبة من عملية الخلق وفرع منه وإيجاد بعد إيجاد.

ولأجل وجود الصلة الشديدة بين التدبير والخلق نرى أنه سبحانه بعد ما يذكر مسألة خلق السّماوات والأرض يطرح مسألة تسخير الشمس والقمر (81) الذي هو نوع من التدبير.

ومن هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع من الخلق وقد عرفت أن لا خالق إلّا الله.

2ـ وحدة النظام دليل على وحدة المدبّر:

إنّ مطالعة كل صفحة من صفحات الكتاب التكويني العظيم يقودنا إلى وجود نظام موحّد ، وكأنّ أوراق الكتاب التكويني ـ على غرار الكتاب التدويني شدّ بعضها إلى بعض بيد واحدة وأخرجت في صورة موحدة.

إنّ القوانين والسنن الحاكمة على الموجودات الطبيعية كليّة وشاملة ، بحيث لو أتيح لأحد أن يكشف ناموسا طبيعيا في نقطة من نقاط الكون فهو يكشف قانونا كليا سائدا على النظام من غير فرق بين أرضيّه وفلكيّه.

إنّ وحدة النظام وشمول السنن تقودنا إلى موضوعين :

1 ـ ليس للعالم إلّا خالق واحد.

2 ـ ليس للعالم إلّا مدبّر واحد.

وعند ذلك يتجلى مفاد قوله سبحانه : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (82).

إنّ جملة «له الخلق» إشارة إلى التوحيد في الخالقية.

وجملة «والأمر» إشارة إلى التوحيد في التدبير الذي هو نوع من الحاكمية.

وباختصار ، إنّ وحدة النظام وانسجامه وتلاحمه لا تتحقق إلّا إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبر واحد ، ولو خضع الكون لإدارة مدبرين ، لما كان من النظام الموحّد أي أثر لأن تعدد المدبّر والمنظّم ـ بحكم اختلافهما في الذات أو في المصنّفات والمشخصات ـ يستلزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والإدارة ، ويستلزم تعدد التدبير فناء النظام الموحد وغيابه.

وبعبارة أخرى ، إنّ المدبرين إن كانا متساويين من كل الجهات لم يكن هنا اثنينية في المدبر ، وإن لم يكونا متساويين بل كان هناك اختلاف بينهما في الذات أو في عوارضها ، فالاختلاف فيها يؤثر اختلافا في التدبير وهو خلاف الحسّ.

إلى هنا خرجنا بهاتين النتيجتين :

الأولى : التدبير نوع من الخلق ، والتوحيد في الثاني يلازمه في الأول.

الثانية : إن وحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتماسكه كاشف عن وحدة التدبير والمدبّر.

إجابة عن إشكال:

إنّ هناك إشكالا دارجا في الألسن وهو أنّ الأرباب المفروضين وإن كانوا متكثري الذوات ومتغايريها ويؤدي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها ، لكن من الممكن أن يتواطئوا على التسالم وهم عقلاء ، ويتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفظا على بقائه. هذا هو الإشكال.

وأمّا الإجابة فبوجود الفرق الواضح بين العقلاء والأرباب المفروضين فإنّ عمل العقلاء مبني على علومهم وليست هي إلّا قوانين كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم. فللنظام الخارجي نوع تقدم على تلك الصور العلمية وهي تابعة لنفس النظام الخارجي ، فعند ذلك يتصالح العقلاء المتنازعون حسب ما تنكشف لهم المصلحة ، فيأخذون بالطريق الوسط الذي تجتمع فيه مصالحهم وأغراضهم وغاياتهم. هذا هو حكم العقلاء المتنازعين أولا فالمتنازلين ثانيا حسب تطابق أعمالهم على النظام السائد.

وأما الأرباب المفروضون فالأمر فيهم على العكس لأن الكيفية الخارجية تتبع علمهم لما عرفت من أنّ التدبير ليس منفكا عن الخلق والإيجاد ، وليس شأنهم شأن مدراء الدوائر والمنشآت حيث إنّ شأنهم التبعية للسنن السائدة فيها كما عرفت ، فإنّ تدبير الآلهة تدبير تكويني ينشأ عن الخلق والإيجاد ولو بقاء لا حدوثا ، فعند ذلك يكون الخارج تابعا لعلمهم لا أنهم يتبعون السنن الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك فلا معنى للتوافق في التدبير.

وباختصار هناك فرق بين تدبير خال عن الإيجاد والخلق كرئيسين بالنسبة إلى مرءوسيهما ، فيمكن تصالحهما على كيفية الاستفادة منها ، وبين تدبير ملازم للخلق والإيجاد وإدامة الحياة واستمرار الوجود ، فالرئيس في الأول يقتفي السنن السائدة والرئيس في الثاني يوجد السنن ويبدعها.

3 ـ القرآن والتّوحيد في الرّبوبية:

إنّ القرآن الكريم ينكر أي مدبّر سوى الله تعالى ويستدلّ على ذلك ببرهان ذي شقوق وقد جاء البرهان ضمن آيتين ، تتكفل كل واحدة منهما ببيان بعض الشقوق منه ، وإليك الآيتين :

(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (83).

(وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (84).

وأمّا مجموع شقوق البرهان فبيانها بما يلي : إنّ تصور تعدّد المدبر لهذا العالم يكون على وجوه :

1 ـ أن ينفرد كل واحد من الآلهة المدبرة بتدبير مجموع الكون باستقلاله بمعنى أن يعمل كل واحد ما يريده في الكون دون ما منازع ، ففي هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير ، لأنّ المدبّر متعدّد ومختلف في الذات ، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).

2 ـ وإما أن يدبر كل واحد قسما من الكون الذي خلقه وعندئذ يجب أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلا وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام المشهود في الكون ، في حين أننا لا نرى في الكون إلّا نوعا واحدا من النظام يسود كل جوانبه من الذرّة إلى المجرّة وإلى هذا الشق أشار بقوله في الآية الثانية : (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ).

3 ـ أن يتفضل أحد هذه الآلهة على البقية ويكون حاكما عليهم ، ويوحّد جهودهم وأعمالهم ، ويسبغ عليها الانسجام ، وعندئذ يكون الإله الحقيقي هو هذا الحاكم دون البقية وإلى هذا يشير قوله سبحانه : (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ).

فتلخص أنّ الآيتين بمجموعهما تشيران إلى برهان واحد ، ذي شقوق تتكفل كل واحدة منهما ببيان بعضها.

التوحيد في التدبير في أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام):

جاءت الأحاديث عن أئمة أهل البيت (عليهم ‌السلام) حول هذا القسم من التّوحيد مركزة على الدلائل التي تقدم ذكرها.

يقول الإمام الصادق (عليه ‌السلام) : «فلما رأينا الخلق مسطما والفلك جاريا ، واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر ، دلّ صحة الأمر والتدبير ، وائتلاف الأمر على أنّ المدبر واحد» (85).

وسأل هشام بن الحكم الإمام الصادق (عليه ‌السلام) : «ما الدليل على أنّ الله واحد؟» قال : «اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال الله عزوجل : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) (86).

سؤال وجواب:

إنّ التّوحيد في التدبير وأنّه لا مدبر سواه لا يجتمع مع تصريح القرآن بوجود مدبرات في الكون يقول سبحانه : (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) (87) ويقول عزوجل : (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) (88). ولا شك أنّ هؤلاء الحفظة إذ يراقبون البشر ويحفظونهم من الشر ، فلا محالة يكونون مدبرين لهم بنحو ما.

والجواب عنه بما عرفته منا غير مرة من أنّ معنى التّوحيد في الخالقية أو الربوبية ليس كونه سبحانه خالقا لجميع الأشياء مباشرة وبلا سبب ولا مدبرا كذلك ، بل معناه أنّه ليس في الكون خالق أو مدبر مستقل سواه ، وأنّ قيام الأشياء الأخرى بدور الخلقة والتدبير هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه. والاعتراف بمثل هذه المدبرات لا يمنع من انحصار التدبير الاستقلالي في الله سبحانه. ومن له أدنى إلمام بألف باء المعارف والمفاهيم القرآنية يقدر على الجمع بين تلكما الطائفتين من الآيات كما أوضحنا ذلك عند البحث عن الخالقية ، ولأجل إيضاح الحال نأتي بكلام العلّامة الطباطبائي في المقام.

الملائكة وسائط في التدبير: الملائكة وسائط بينه تعالى وبين الأشياء بدءا وعودا ، على ما يعطيه القرآن الكريم ، بمعنى أنّهم أسباب للحوادث فوق المادية في العالم المشهود قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة ، وبعده.

أمّا في العود ، أعني حال ظهور آيات الموت وقبض الروح وإجراء السؤال وثواب القبر وعذابه ، وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك مجددا ، والحشر وإعطاء الكتاب ووضع الموازين ، والحساب ، والسوق إلى الجنة أو النار فوساطتهم فيها غنية عن البيان. والآيات الدّالة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها والأخبار المأثورة فيها عن النبي وأئمة أهل البيت (عليهم‌السلام) فوق حدّ الإحصاء. وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ودفع الشياطين عن المداخلة فيه ، وتسديد النبي ، وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار.

وأمّا وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة فيدل عليها قوله سبحانه : (وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً* وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً* وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً* فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) (89).

فإنّ المراد من «النّازعات» التي أقسم بها القرآن هو الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد ، و «غرقا» كناية عن الشديد في النزع. والمراد من «الناشطات» التي تخرج الأرواح برفق وسهولة. و «السابحات» النازلة من السماء مسرعة والسبح الإسراع في الحركة كما يقال للفرس سابح إذا أسرع في جريه. و «السابقات» نفس الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح و «فالمدبّرات أمرا» الملائكة المدبرة لأمور الكون.

فشأن الملائكة أن يتوسطوا بينه تعالى وينفذوا أمره كما يستفاد من قوله تعالى : (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (90).

وقوله : (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) (91).

ولا ينافي ما ذكرنا (توسطهم بينه تعالى وبين الحوادث وكونهم أسبابا تستند إليها الظواهر الكونية) إسناد الحوادث إلى أسبابها القريبة المادية فإنّ السببية طولية لا عرضية فإنّ السبب القريب سبب للحادث ، والسبب البعيد سبب للسبب.

كما لا ينافي توسطهم واستناد الحوادث إليهم ، استناد الحوادث إلى الله تعالى ، وكونه هو السبب الوحيد لها جميعا على ما يقتضيه توحيد الربوبية فإنّ السببية طولية كما سمعت لا عرضية. ولا يزيد استناد الحوادث إلى الملائكة استنادها إلى أسبابها الطبيعية القريبة ، وقد صدّق القرآن الكريم استناد الحوادث إلى الحوادث الطبيعية كما صدّق استنادها إلى الملائكة.

وليس لشيء من الأسباب استقلال في مقابله تعالى حتى ينقطع عنه فيمنع ذلك استناد ما استند إليه ، إلى الله سبحانه على ما يقول به الوثنية من تفويضه تعالى تدبير الأمر إلى الملائكة المقربين. فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال عن كل شيء من كل جهة ، فالملائكة ، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.

فمثل الأشياء في استنادها إلى الأسباب المترتبة : القريبة والبعيدة ، وانتهائها إلى الله سبحانه بوجه بعيد ، كمثل الكتابة يكتبها الإنسان بيده وبالقلم ، فللكتابة استناد إلى القلم ثم إلى اليد التي توسلت إلى الكتابة بالقلم ، وإلى الإنسان الذي توسل إليها باليد والقلم. والسبب الحقيقي هو الإنسان المستقل بالسببية من غير أن ينافي سببيته ، استناد الكتابة بوجه إلى اليد والقلم (92).

 

التوحيد في الحاكمية

(6)

انحصار حق الحاكمية في الله سبحانه

إنّ التوحيد في الحاكمية من شئون التوحيد في الربوبية فإنّ الربّ بما أنّه صاحب المربوب ومالكه ، وبعبارة ثانية خالقه وموجده من العدم ، له حق التصرف والتسلط على النفوس والأموال وإيجاد الحدود في تصرفاته. وهذا يحتاج إلى ولاية بالنسبة إلى المسلّط عليه ، ولو لا ذلك لعدّ التصرف تصرفا عدوانيا. وبما أنّ جميع الناس أمام الله سواسية ، والكل مخلوق ومحتاج إليه لا يملك شيئا حتى وجوده وفعله وفكره ، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات والأصالة ، بل الولاية لله المالك الحقيقي للإنسان والكون والواهب له وجوده وحياته كما يقول سبحانه : (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) (93).

والاستدلال بهذه الآية على انحصار الولاية في الله سبحانه مبني على أن يكون اسم الإشارة «هنالك» إشارة إلى الوقت الذي يتنازع فيه الكافر والمؤمن في هذه الدنيا ، وأن تكون الولاية بمعنى تولي الأمور فهو الذي يتولى أمر عباده (94).

وعلى هذا فالحاكمية خاصة بالله سبحانه وهي منحصرة فيه وتعد من مراتب التّوحيد ولك أن تستظهر هذه الحقيقة من الآيات التالية :

(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) (95).

(أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ) (96).

(لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (97).

هذا من جانب ، ومن جانب آخر إنّ وجود الحكومة في المجتمع أمر ضروري. والمراد الحكومة التي تصون الحريات الفردية إلى جانب المصالح الاجتماعية ، وتسعى إلى تنظيم الطاقات وتنمية المواهب ، وتوقف أبناء المجتمع على واجباتهم ، وتجري القوانين والسّنن الإلهية والبشرية. ومن المعلوم أنّ تجسيم الحكومة وتجسيدها في الخارج وممارسة الإمرة ليس من شأنه سبحانه بل هو شأن من يماثل المحكوم في الجنس والنوع ويشافهه ويقابله مقابلة الإنسان للإنسان. وعلى ذلك ، فوجه الجمع بين حصر الحاكمية في الله سبحانه ولزوم كون الحاكم والأمير بشرا كالمحكوم ، هو لزوم كون من يمثل مقام الإمرة مأذونا من جانبه سبحانه لإدارة الأمور والتصرف ، في النفوس والأموال ، وأن تكون ولايته مستمدة من ولايته سبحانه ومنبعثة منها ولو لا ذلك لما كان لتنفيذ حكمه جهة ولا دليل.

وإن شئت قلت ، إنّ المقصود هو حصر الولاية التي تنبعث منها الحاكمية في الله سبحانه ، لا حصر الإمرة والتصدي لتنظيم البلاد ، وإقرار الأمن في المجتمع. فالولاية وحق الحاكمية له سبحانه ، وعلى ضوء ذلك يجب أن يكون المتمثل بها منصوبا من قبله سبحانه باسمه الخاص أو بوصفه المخصوص.

ولأجل ذلك نجد أنّ أمة كبيرة من جنس البشر تولوا منصة الحاكمية من جانب الله سبحانه وإذنه الخاص ، يديرون شئون الحياة الاجتماعية للإنسان. وفي ذلك يخاطب الله نبيّه داود ويقول :

(يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)(98).

إنّ الآية الكريمة وإن كانت واردة في تنصيب داود على القضاء ، لكن نفوذ قضائه كان ناشئا من حاكميته الواسعة التي تشمل الحكم والإمرة بحيث كان نفوذ قضائه من لوازمها وفروعها. ولم يكن القضاء في تلك الأعصار منفصلا عن سائر شئون الحكومة ولم يكن شأن داود منحصرا في بيان الأحكام والمعارف ، بل كان يتمتع بسلطة تامة تشمل التنفيذية والقضائية ، بل التشريعية أيضا بوحي من الله سبحانه. يقول سبحانه : (وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (99).

قال العلّامة الطباطبائي : ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى قوله : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (100) .. فالحكم لله لا يشاركه فيه غيره على ظاهر ما يدل عليه غير واحد من الآيات ، غير أنه سبحانه ربما ينسب الحكم وخاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره ، كقوله تعالى : (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ)(101) ، وقوله للنبيّ : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) (102). وقوله تعالى : (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) (103) وقوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) (104) إلى غير ذلك من الآيات ، فإذا انضم هذا القسم من الآيات إلى القسم الأول الحاصر له بالله سبحانه يفيد أنّ الحكم الحق لله سبحانه بالأصالة وأوّلا لا يستقل به أحد غيره ، ويوجد لغيره بإذنه وبالعرض ثانيا ، ولذلك عدّ تعالى نفسه أحكم الحاكمين وخيرهم لأنه لازم الأصالة والاستقلال فقال : (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) (105) وقال : (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (106) ، وعمّ الحكم التكويني فلا يوجد ـ على ما أذكر ـ ما يدل على نسبته إلى غيره ، وإن كان معاني عامة الصفات والأفعال المنسوبة إليه تعالى لا تأبى عن الانتساب إلى غيره انتسابا إذنيا ، كالعلم والقدرة والحياة والخلق والرزق ، والإحياء والمشيئة التي انتسبت إلى غيره سبحانه في آيات كثيرة ، ولعل عدم نسبة الحكم التكويني إلى غيره سبحانه لحرمة جانبه تعالى ، لإشعار هذا الوصف بنوع من الاستقلال الذي لا مسوّغ لنسبته إلى هذه الأسباب المتوسطة. ونظيرها في ذلك ألفاظ البديع والبارئ والفاطر وألفاظ أخرى تجري مجراها في الإشعار بمعاني تنبئ عن نوع من الاختصاص ، وإنما كفّ عن استعمالها في غير مورده تعالى رعاية لحرمة ساحة الربوبية (107).

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ الحاكمية فرع الولاية على المحكوم ، ولا ولاية إلّا لله سبحانه. فلا حكومة إلّا له. غير أن تجسيد الحكومة في المجتمع ، بمعنى الإمرة عليه ، ليس من شئونه سبحانه ، بل يقوم به المأذون من جانبه إمّا بالاسم كما مرّ في حق داود ، أو بالوصف والعنوان كما هو الحال في حق العلماء والفقهاء الذين لهم الحكم والإمرة عند غيبة النبي أو الإمام المنصوص عليه بالاسم.

وعلى هذا فالحكومات القائمة في المجتمعات يجب أن تكون شرعيتها مستمدة من ولايته سبحانه وحكمه بوجه من الوجوه ، وإذا كانت علاقتها منقطعة غير موصولة به سبحانه فهي حكومات طاغوتية لا قيمة لها ، فلا حاكمية لأحد على أحد إلّا من حكّمه الله على الإنسان في ظل شروط خاصة من العدل والقسط ورعاية الأحكام الإلهية.

 

التّوحيد في الطّاعة

(7)

انحصار حق الطّاعة في الله سبحانه

إنّ انحصار حق الطّاعة في الله سبحانه من شئون انحصار الرّبوبية فيه سبحانه. فإنّ الربّ بما هو صاحب الإنسان ومدبر حياته ومخطط مساره ، وخالقه على وجه ، له حق الطاعة كما له حق الحاكمية ، فليس هناك مطاع بالذات إلّا هو فهو الذي يجب أن يطاع ويمتثل أمره ولا يجب إطاعة غيره إلّا إذا كان بإذنه وأمره.

وبعبارة أخرى ، إنّ المالك للوجود بأسره وربّ الكون الذي منه وإليه الإنسان يجب أن يطاع دون سواه. والمراد من الطاعة هو أن نضع ما وهبنا من الآلاء ، حتى وجودنا وإرادتنا ، في الموضع الذي يرضاه. والمروق من هذه الطّاعة عدوان على المولى وظلم له ، الذي يقبحه العقل.

وأمّا غيره تعالى ، فبما أنّه لا دخل له في وجود الإنسان وحياته ونعمه وآلائه بل هو أيضا إنسان محتاج مثله ، فلا يتصور له حق الطاعة إلّا إذا أمر المطاع بالذات بإطاعته.

ولأجل ذلك نجد الآيات على صنفين صنف يعرفه سبحانه مطاعا ويقول : (وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (108).

وصنف يعطف على إطاعة الله سبحانه إطاعة رسوله ولكن يجعل لزوم إطاعته مقيدا بإذنه سبحانه (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ) (109) ويقول : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) (110).

لا شك أنّ الرسول الأكرم (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) ، وأولي الأمر ، والوالدين ، وغيرهم يجب طاعتهم ، وتحرم معصيتهم ومخالفتهم ، لكن وجوب إطاعتهم إنما هو بأمر من الله سبحانه ولو لا أمره لما كان لأحد على أحد حقّ الطاعة وبذلك تقدر على تصنيف الآيات وجمعها.

نعم ، ليست طاعة الرسول منحصرة في سماع الأحكام التي جاء بها والعمل على طبقها ، بل للرسول الأعظم مناصب وراء بيان الوحي وتبيين الأحكام ، ووراء تعليم القرآن وتلاوة آياته ، ومنها إصدار الأوامر والنواهي إلى المؤمنين في مختلف شئون الحياة فإذا أمر بتجهيز الجيش والنفر إلى الجهاد ومكافحة الظالمين فله حق الطاعة عليهم ، ومن خالفه فقد خالف الرسول وعصاه. وهذا بخلاف ما إذا بلّغ الرسول أحكام الله ورسالاته إلى الناس كالصلاة والصيام فتركهما يعدّ معصية لله سبحانه لا معصية للرسول. فيجب على الموحّد الإمعان في هذه المجالات المختلفة ويعترف :

أوّلا : إنّ الطّاعة على وجه الإطلاق مختصة بالله سبحانه ولا طاعة لغيره بالذات.

وثانيا : إنّ الرسول الأعظم له مقامات فهو في مقام مبلغ وبشير ونذير ، كما في إبلاغ رسالاته. وهو في الوقت نفسه في مقام آخر آمر وناه له حق الأمر والنهي ، كما هو في مقام ثالث فاصل للخصومات وقاض بين الناس فيجب تنفيذ حكمه. وتمييز هذه المقامات غير خفي لمن أمعن وتدبّر.

 

التوحيد في التشريع

(8)

انحصار حق التقنين والتّشريع في الله سبحانه

إنّ التّوحيد في التشريع من فروع التّوحيد في الربوبية ، فإذا كان الله سبحانه هو الربّ والمدبّر والمدير للكون والإنسان ، والمالك والصاحب فلا وجه لسيادة رأي أحد على أحد. لأن النّاس في مقابلة سبحانه سواسية كأسنان المشط فلا فضل لأحد على أحد من حيث هو هو.

وبعبارة أخرى : إنّ المشرّع والمقنّن لا ينفك تشريعه وتقنينه عن إيجاد الضيق على الفرد والمجتمع ، فينهى عن شيء تارة ويسوّغه أخرى ، ويعاقب على العصيان والمخالفة. ومن المعلوم أنّ هذا العمل يتوقف على ولاية المقنن على الفرد أو المجتمع ولا ولاية لأحد على أحد إلّا الله سبحانه. فلأجل ذلك لا مناص من القول بأنّ التقنين والتشريع الذي هو نوع تدبير لحياة الفرد والمجتمع مختص بالله سبحانه وليس لأحد ذلك الحق.

وعلى هذا الأساس لا يوجد في الإسلام أي سلطة تشريعية لا فردية ولا جماعية ولا مشرّع إلّا الله وحده ، وأمّا الفقهاء والمجتهدون فليسوا بمشرعين بل هم متخصصون في معرفة تشريعه سبحانه ووظيفتهم الكشف عن الأحكام بعد الرجوع إلى مصادرها وجعلها في متناول الناس.

وأمّا ما تعورف في القرن الأخير من إقامة مجالس النواب أو الأمة أو الشورى في البلاد الإسلامية ، فليست لها وظيفة سوى التخطيط لإعطاء البرامج للمسئولين في الحكومات في ضوء القوانين الإلهية لتنفيذها. والتخطيط غير التقنين كما هو واضح.

وعلى ذلك فهناك مقنّن ومشرّع وهو الله سبحانه ، كما أنّ هناك مبيّن وكاشف عن القوانين وهو الفقيه ، وهناك جماعة الخبراء الواقفون على المصالح والمفاسد وشأنهم التخطيط والبرمجة في مجالات الزراعة والتنمية والاقتصاد والصناعة وغير ذلك ممّا لا تتم الحياة في هذه العصور إلّا به وهم نواب الأمة ووكلاؤهم في تلك المجالس.

ثم إنّ هناك آيات في الذكر الحكيم تدل بوضوح على اختصاص التشريع بالله سبحانه ، نذكر بعضا منها :

قال سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (111).

وقال سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (112).

وقال سبحانه : (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (113).

فهذه المقاطع الثلاثة تعرب عن انحصار حق التقنين بالله سبحانه وذلك لأنه يصف كل من حكم بغير ما أنزل الله تارة بالكفر وأخرى بالظلم وثالثة بالفسق ، فهم كافرون لأنهم يخالفون التشريع الإلهي بالرّد والإنكار والجحود ، وظالمون لأنهم يسلّمون حق التقنين الذي هو مختص بالله سبحانه إلى غيره ، وفاسقون لأنهم خرجوا بهذا الفعل عن طاعة الله تعالى.

وباختصار ، يعدّ الحكم صنفين : حكم الله تبارك وتعالى وحكم الجاهلية ويقول : (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (114).

«فالحكم حكمان ، حكم الله وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ بحكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية» (115).

وعلى ضوء ذلك فالسلطات التشريعية السائدة في العالم ، إذا كان تشريعها مطابقا لتشريع الله سبحانه فهو حكم الله ، ولو أضيف إلى المجالس فقد سبقه التشريع الإلهي ولم يكن حاجة لتشريعه. وإن كان على خلافه فهو حكم الجاهلية حسب النصّ الشريف.

نعم هاهنا أسئلة حول اختصاص التشريع بالله سبحانه نترك الإجابة عنها إلى الأبحاث الفقهية. ولكن نأتي بنكتة وهي أنّ حق التشريع على العباد من شئون الربوبية فمن أعطى زمام التشريع إلى غيره سبحانه فقد اتخذه ربّا ولو في بعض الشئون لا كلّها. ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه يرمي اليهود والنصارى بأنهم (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) (116) ولم يكن اتّخاذهم أربابا لأجل عبادتهم بل لأجل دفع حق التشريع إليهم.

روى الثعلبي في تفسيره عن علي بن حاتم قال : «أتيت رسول الله (صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله) وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي : يا علي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً) حتى فرغ منها فقلت له : إنّا لسنا نعبدهم فقال : أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه قال : فقلت : بلى. قال : فتلك عبادتهم».

وروي عن الباقر والصادق (عليهما ‌السلام) أنهما قالا : «أما والله ما صاموا ولا صلّوا ولكنهم أحلّوا لهم حراما وحرّموا عليهم حلالا ، فاتّبعوهم وعبدوهم من حيث لا يشعرون» (117).

 

التوحيد في العبادة

(9)

لا معبود سوى الله

التّوحيد في العبادة ممّا اتفق على اختصاصه بالله سبحانه جميع المسلمين بل الإلهيّين ، فلا يسجل اسم أحد في سجلّ الموحدين أو المسلمين إلّا أن يخصّص العبادة بالله وحده فلو عممها له ولغيره ، لا يكون مسلما ولا موحدا.

وهذه القاعدة الكلية لا يشك فيها أي مسلم ، كيف والقرآن يصرّح بأن الغاية والهدف الأسنى من بعث الأنبياء هو الدعوة إلى التوحيد في العبادة ، قال سبحانه : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (118). وشعار المسلمين من لدن بعثة النبي (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) إلى يومنا هذا هو تخصيص العبادة بالله سبحانه ، كيف وهم يقرءون في صلواتهم : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (119). وكانت مكافحة النبي (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) للثنويين تتركز على هذه النقطة غالبا كما هو ظاهر لمن راجع القرآن الكريم.

وبالجملة ، لا تجد مسلما ينكر أصل الضابطة والقاعدة بل الكل متفقون على صحتها قائلون بأنّ استحقاق العبادة من شئون الربوبية ، فمن كان ربّا فهو مستحق للعبادة ، وإذ لا ربّ سواه فلا معبود سواه. وإنما الكلام في تشخيص مصاديقها وجزئياتها عن غيرها ، وهذه هي المشكلة الوحيدة في هذا الفصل ، فإنّ جلّ من يعدّون بعض الأفعال عبادة لم يتوفقوا في تحديد العبادة تحديدا منطقيا يتميز به مصداق العبادة عن غيرها. فلأجل ذلك ضربوا الكل بسهم واحد فخلطوا العبادة بغيرها ، وأجروا على الكل حكم الشّرك. ومن هنا يجب على الباحث الكلامي تحديد مفهوم العبادة حتى يتميز مصداقها عن مصداق غيرها كالخضوع والتعظيم.

وهذا البحث هو البحث الرئيسي في هذا الفصل وليس للباحث غنى عنه ، ونحن نرسل الكلام في الموضوع لما نجد فيه من الأهمية الخاصة في هذه الأعصار.

ما هي العبادة؟ لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة كالماء والأرض ولكن مع وضوح مفهومها وحضور هذا المفهوم في الذهن يصعب التعبير عنه بالكلمات ، فكما هي واضحة مفهوما ، كذلك واضحة مصداقا بحيث يسهل تمييز مصاديقها عن مصاديق التعظيم والتكريم. فتقبيل العاشق دار معشوقته ، أو تراب قبرها بعد موتها لا يوصف بالعبادة ، كما أن ذهاب الناس إلى زيارة من يعينهم من الشخصيات ، والوفود إلى مقابرهم ، أو الوقوف أمامها احتراما لا يعد عبادة وإن بلغ من الخضوع ما بلغ. ولكن لكي نعطي ضابطة كلية لتمييز المصاديق نأتي بتعاريف ثلاثة تتميز بها العبادة عن التكريم والتعظيم وإليك بيانها.

التعريف الأول: العبادة هي : «الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بألوهية المخضوع له» (120) ويتضح صدق هذا التعريف ببيان أمرين :

الأول : إن العرب الجاهليين الذين نزل القرآن في أوساطهم وبيئاتهم ، بل كل الوثنيين وعبدة الشمس والكواكب والجن ، كانوا يعتقدون بألوهية معبوداتهم ، ويتخذونها آلهة صغيرة ، وفوقها الإله الكبير الذي نسميه ب «الله» سبحانه وتعالى.

الثاني : إنّ العبادة عبارة عن القول أو العمل الناشئين من الاعتقاد بألوهية المعبود ، وأنّه ما لم ينشأ الفعل أو القول من هذا الاعتقاد ، فلا يكون الخضوع أو التعظيم والتكريم عبادة.

أما الأمر الأول فيدل عليه آيات كثيرة نشير إلى بعضها ، يقول سبحانه :

(الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (121).

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) (122).

(أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى) (123).

(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً) (124).

فهذه الآيات تشهد على أنّ دعوة المشركين كانت مصحوبة بالاعتقاد بألوهية أصنامهم وقد فسّر الشرك في بعض الآيات ب «اتخاذ الإله مع الله» ، وذلك في قوله سبحانه : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ* الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (125).

وفي آية أخرى يفسّر حقيقة الشّرك ب «اعتقاد ألوهية المعبود» وذلك في قوله سبحانه : (أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (126). فجعل ملاك الشّرك الاعتقاد بألوهية غير الله والمراد من الشّرك هنا ، الشّرك في العبادة.

فبهذه الآيات ونظائرها يتجلى بوضوح تام أنّ شركهم كان بسبب اعتقادهم ألوهية معبوداتهم وبسبب هذا الاعتقاد كانوا يعبدونها ويقدمون لها النذور والقرابين وغير ذلك من التقاليد والسنن العبادية. وبما أنّ كلمة التّوحيد تهدم عقيدتهم بألوهية غير الله سبحانه ، كانوا يستكبرون عند سماعها كما قال عزوجل : (إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ) (127) أي يرفضون ما قيل لهم ، لأنهم يعتقدون بألوهية معبوداتهم أيضا ، ويعبدونها لأنها آلهة بحسب تصورهم.

ولأجل هذه العقيدة السخيفة كانوا إذا دعي الله وحده كفروا به ، وإذا أشرك به آمنوا كما قال سبحانه : (ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)(128).

وأما الأمر الثاني : فيدل عليه الآيات التي تأمر بعبادة الله وتنهى عن عبادة غيره ، مدلّلة ذلك بأنّه لا إله إلا الله كقوله سبحانه وتعالى : (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ)(129) ومعنى ذلك أنّ الذي يستحق العبادة هو من كان إلها ، وليس هو إلّا الله. وعندئذ فكيف تعبدون ما ليس بإله. وكيف تتركون عبادة الله وهو الإله الذي يجب أن يعبد دون سواه؟ وفي هذا المضمون وردت آيات كثيرة أخرى (130).

فهذه التعابير التي هي من قبيل تعليق الحكم على الوصف ، تفيد أنّ العبادة هي الخضوع والتذلّل النابعين من الاعتقاد بألوهية المعبود ، إذ نلاحظ بجلاء كيف أنّ القرآن استنكر عبادة المشركين غير الله بأنّ هذه المعبودات ليست بآلهة ، وأنّ العبادة من شئون الألوهية ، فإذا تحقق وصف الألوهية في شيء جازت عبادته واتخاذه معبودا. وحيث أنّ هذا الوصف لا يوجد إلّا في الله سبحانه وجب عبادته دون سواه.

فإلى هنا اتضح أنّ الحق في التعريف هو أن يقال : «إنّ العبادة هي الخضوع النابع عن الاعتقاد بألوهية المعبود» وإلى ذلك يشير العلّامة الحجة المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي في تفسيره المسمى ب «آلاء الرحمن» في معرض تفسيره وتحليله لحقيقة العبادة قا : «العبادة ما يرونه مشعرا بالخضوع لمن يتّخذه الخاضع إلها ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالألوهية» (131).

لقد صبّ العلامة البلاغي ما يدركه فطريا للعبادة في قالب الألفاظ والبيان. والآيات المتقدمة تؤيد صحّة هذا التعريف واستقامته.

التّعريف الثاني: العبادة هي : «الخضوع أمام من يعتقد بأنه يملك شأنا من شئون وجود العابد وحياته وآجله وعاجله».

توضيح ذلك : إنّ العبودية من شئون المملوكية ومقتضياتها ، فعند ما يحسّ العابد في نفسه بنوع من المملوكية ، ويحسّ بالمالكية في الطرف الآخر ، يفرغ إحساسه هذا ، في الخارج ، في ألفاظ وأعمال خاصة ، وتصير الألفاظ والأعمال تجسيدا لهذا الإحساس ، ويكون كل عمل أو لفظ مظهر لهذا الإحساس العميق ، عبادة.

ولا شك أن ليس المقصود بالمالكية ، مطلق المالكية ، فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لا يكون أبدا موجبا لصيرورة الخضوع عبادة. والبشر في عصور «العبوديات الفردية» بالأمس ، و «العبودية الجماعية» في الحاضر ، لا يعدون امتثالهم لأوامر أسيادهم عبادة. وإنما المقصود من المملوكية هنا ، القائمة على أساس الخلق والتكوين والتسلّط على شأن من شئون التكوين. فالمالكيات الحقيقية لها مناشئ مختلفة وهاك بيانها :

1 ـ قد يوصف بالمالكية لكونه خالقا ، ومن هنا يكون الله سبحانه مالكا حقيقيا للبشر لأنه خالقه وموجده من العدم. ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة عبيدا لله ، ويصفهم تعالى بأنه مالكهم الحقيقي وذلك لأنه خلقهم ، إذ يقول سبحانه : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) (132).

ولأجل ذلك أيضا نجده سبحانه يأمرهم بعبادة نفسه معللا بأنه هو ربّهم الذي خلقهم دون سواه ، إذ يقول : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (133) ويقول جل شأنه : (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (134).

2 ـ ويوصف بالمالكية لكونه رازقا ومحييا ومميتا ، ولذلك يحس كل إنسان سليم الفطرة بمملوكيته لله تعالى ، لأنّه سبحانه مالك حياته ومماته ورزقه. ومن هنا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية الله تعالى لرزق الإنسان وأنه تعالى هو الذي يميته وهو الذي يحييه ، ليلفته من خلال ذلك إلى أنّ الله هو الذي يستحق العبادة فحسب ، إذ يقول عزّ من قائل: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) (135). ويقول سبحانه : (هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ) (136) ويقول تعالى : (هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ) (137).

3 ـ ويوصف بها لكون الشفاعة والمغفرة بيده ، وحيث إنّ الله تعالى هو المالك للشفاعة المطلقة لقوله تعالى : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) (138) ، ولمغفرة الذنوب لقوله تعالى : (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) (139) ، بحيث لا يملك أن يشفع أحد لأحد من العباد إلّا بإذنه ، لذلك يشعر الإنسان في قرارة ضميره بأنّ الله سبحانه مالك مصيره من حيث السعادة الأخروية ، وإذا أحس إنسان بمملوكية كهذه ومالكية كتلك ، ثم جسّد هذا الإحساس في قالب اللفظ أو العمل ، كان عابدا له بلا ريب.

وإلى ذلك يرجع ما ربما يفسّر العبادة بأنّها خضوع أمام من يعتقد بربوبيته ، فمن كان خضوعه العملي ، أو القولي أمام أحد نابعا من الاعتقاد بربوبيته ، كان بذلك عابدا له. ويكون المقصود من لفظة «الرّب» في هذا التعريف هو المالك لشئون الشيء ، القائم بتدبيره وتربيته.

ويدل على ذلك أنّ قسما من الآيات تعلل الأمر بحصر العبادة في الله وحده بأنّه الربّ ، فمن ذلك قوله سبحانه : (وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (140). وقوله سبحانه : (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (141). وقوله سبحانه (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) (142). وغير ذلك من الآيات التي تجعل العبادة دائرة مدار الربوبية (143).

التعريف الثالث: ويمكننا أن نصبّ إدراكنا للعبادة في قالب ثالث فنقول : العبادة هي «الخضوع ممن يرى نفسه غير مستقل في وجوده وفعله ، أمام من يكون مستقلا فيهما». وليس الغني المستقل إلا الله سبحانه ، وقد وصف نفسه تعالى في غير موضع من كتابه بالقيوم قال عز من قائل : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (144) وقال سبحانه : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) (145). ولا يراد منه سوى كونه قائما بنفسه ، ليس فيه أيّة شائبة من شوائب الفقر والحاجة إلى الغير ، بل كل ما سواه قائم به.

وبعبارة أخرى : العبادة نداء الله تعالى وسؤاله ، والقيام بخضوع في محضره ، وطلب حاجات الدنيا والآخرة منه على أنه الفاعل المختار والمالك الحقيقي لأمور الدنيا والآخرة كلها ، والمتصرف فيها ، فلو نودي موجود آخر بهذا الوصف ، تماما أو بعضا ، فالنداء عبادة له وشرك فيه ، والمنادي مشرك بلا كلام. فالذي يجب التركيز عليه هو أن نعرف ما هو فعل الله سبحانه ، ونميزه عن فعل غيره وصلاحيته ، حتى لا نقع في ورطة الشرك عند طلب شيء من الأنبياء والأولياء وغيرهم من الناس ، فنقول :

إنّ من أقسام الشرك هو أن نطلب فعل الله تعالى من غيره. ومن المعلوم أنّ فعل الله تعالى ليس هو مطلق الخلق والتدبير والرزق سواء أكان عن استقلال أم بإذن الله لأنه سبحانه نسبها إلى غيره في القرآن ، بل هو القيام بالفعل مستقلا من دون استعانة بغيره ، فلو خضع احد أمام آخر بما أنه مستقل في فعله سواء أكان الفعل فعلا عاديا كالمشي والتكلم ، أم غير عادي كالمعجزات التي كان يقوم بها سيدنا المسيح (عليه ‌السلام) مثلا ، من خلق الطّير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإنباء بالمغيّبات ، يعدّ الخضوع عبادة للمخضوع له.

توضيح ذلك : إنّ الله سبحانه غني في فعله ، كما هو غني في ذاته عما سواه ، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت من دون أن يستعين بأحد ـ سواء في أفعاله المباشرية أو التسبيبية ـ أو يستعين في خلقه بمادة قديمة غير مخلوقة له. فلو اعتقدنا بأن أحدا مستغن في فعل العادي وغير العادي عمن سواه ، وأنّه يقوم بما يريد من دون استمداد واحتياج إلى أحد حتى الله سبحانه ، فقد أشركناه مع الله واتخذناه ندّا له تعالى.

فالملاك في هذا التعريف هو «استقلال الفاعل» في فعله ، وعدم استقلاله. والتوحيد بهذا المعنى مما يشترك فيه العالم والجاهل.

نعم ما يدركه المتألّه المثالي من التفاصيل في مورد الاستقلال في المعبود ، وعدمه في العابد على ضوء الأدلة العقلية والكتاب العزيز ، ممّا يدركه غيره أيضا بفطرته التي خلق عليها ، فلا يلزم من اختصاص فهم التفاصيل بهذه الطبقة (أي المتألّهين البصيرين) حرمان الجاهليين من فهم معاني العبادة ومشتقاتها الواردة في القرآن ومحاوراتهم العرفية ، فالعبادة بهذا المعنى ـ أي باعتقاد كون المعبود مستقلا ـ يشترك فيه العالم والجاهل ، والكامل وغير الكامل ، غير أنّ كل فرد من الناس يفهمه على قدر ما أعطي من الفهم والدرك كما قال سبحانه : (فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) (146) وحيث أنّ الدارج في ألسنة المتكلمين في المقام ، التعبير ب «التفويض» فلنشرح. مقاصدهم.

ما ذا يراد من التفويض؟

اتّفقت كلمة الموحدين على أنّ الاعتقاد بالتفويض موجب للشّرك ، وأنّ الخضوع النابع من ذاك الاعتقاد يعدّ عبادة للمخضوع له ، والتفويض يتصور في أمرين :

1 ـ تفويض الله تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والأنبياء والأولياء ، ويسمى بالتفويض التكويني.

2 ـ تفويض الشئون الإلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع ، والمغفرة والشفاعة ، مما يعد من شئونه سبحانه ويسمى بالتفويض التشريعي.

أمّا القسم الأول:

فلا شك أنّه موجب للشرك ، فلو اعتقد أحد بأنّ الله فوّض أمور العالم وتدبيرها من الخلق والرزق والإماتة ونزول الثلج والمطر وغيرها من حوادث العالم إلى ملائكته أو صالحي عباده ، فقد جعلهم أندادا له سبحانه ، إذ لا يعنى من التفويض إلّا كونهم مستقلين في أفعالهم ، منقطعين عنه سبحانه فيما يفعلون وما يريدون.

فالأمر دائر بين كون العبد ذا فعل بالاستقلال والانقطاع عن الله سبحانه (147) أو كونه ذا شأن بأمره تعالى وإذنه ومشيئته ولا قسم ثالث. والأول منهما هو التفويض. وأما الثاني وهو الاعتقاد بأنّ القديسين من الملائكة والجنّ أو الأنبياء أو الأولياء مدبرون للعالم بإذنه ومشيئته وأمره وقدرته من دون أن يكونوا مستقلين فيما يفعلون ، أو مفوّضين فيما يعملون ، فليس موجبا للشرك ، بل أمره دائر حينئذ بين كونه صحيحا مطابقا للواقع ـ كما في الملائكة ـ أو غلطا مخالفا له ، كما في الأنبياء والأولياء ، فإنهم غير واقعين في سلسلة العلل والأسباب بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النّظم. ومعلوم أنه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركا ، إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية ، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والأسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركا.

وقد مرّ أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعا من الاستقلال في الفعل وكانوا يتوجهون إليها على هذا الأساس. وقد جاء في السيرة أنه لما أصاب المسلمين مطر في الحديبية لم يبلّ أسفل نعالهم أي ليلا ، فنادى منادي رسول الله (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) مناديه أن ينادي ألا صلّوا في رحالكم. وقال (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) صبيحة ليلة الحديبية لما صلّى بهم : «أتدرون ما قال ربّكم». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال : قال الله عزوجل : «صبّح بي من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأمّا من قال : مطرنا برحمة الله وفضله ، فهو مؤمن بالله وكافر بالكواكب ، ومن قال : مطرنا بنجم كذا ـ وفي رواية بنوء كذا وكذا ـ فهو مؤمن بالكواكب وكافر بي» (148).

وأمّا القسم الثاني:

وهو الاعتقاد بأنّ الله سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقاته بعض شئونه كالتقنين والتشريع والشفاعة والمغفرة ، فلا ريب أنه شرك بالله ، واتخاذ ندّ له كما يقول سبحانه : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) (149) والموجود لا يكون ندّا لله سبحانه ، إلّا إذا كان قائما بفعل أو شأن من أفعال الله وشئونه سبحانه مستقلا ، لا ما إذا قام به بإذن الله وأمره ، فلا يكون عندها ندّا ، بل عبدا مطيعا له مؤتمرا بأمره ، منفذا لمشيئته تعالى ، هذا.

وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى والعرب الجاهليين اعتقاد فريق منهم بأنّ الله سبحانه فوّض حقّ التقنين والتشريع إلى الرهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) (150) ، وأنّ الله فوّض حقّ الشفاعة والمغفرة اللذين هما من حقوقه المختصة به ـ إلى أصنامهم ومعبوداتهم ، وأن هذه الأصنام والمعبودات «مستقلة» في التصرف في هذه الشئون ، فهي شفعاؤهم عند الله ، ولأجل ذلك كانوا يعبدونها ، كما يقول عزّ من قائل : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) (151). ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لا يشفع أحد إلّا بإذن الله ، فلو كان المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن الله لما كان لهذا الإصرار على مسألة متفق عليها بين المشركين ، أيّ مبرر. على أن ذلك الفريق من الجاهليين إنما كانوا يعبدون الأصنام لكونها تملك شفاعتهم ، وأنّ عبادتها توجب التقرب إلى الله ، لا لكونها خالقة أو مدبرة للكون ، وفي هذا يقول القرآن الكريم حاكيا مقالتهم : (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى) (152).

زبدة المقال:

خلاصة القول في المقام ، إنّ أي عمل ينبع من الاعتقاد بأنّ الله سبحانه إله العالم أو ربّه أو غني في فعله ، ويكون كاشفا عن هذا النوع من التسليم المطلق ، يعد عبادة له ، ويكون صاحبه مشركا إذا فعل ذلك لغير الله.

ويقابل ذلك ، القول والفعل والخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد. فخضوع أحد أمام موجود وتكريمه ـ مبالغا في ذلك ـ من دون أن ينبع من الاعتقاد بألوهيته ، لا يكون شركا ولا عبادة لهذا الموجود ، وإن كان من الممكن أن يكون حراما. مثل سجود العاشق للمعشوقة أو المرأة لزوجها ، فإنه وإن كان حراما في الشريعة الإسلامية لكنه ليس عبادة بل حرمته لوجه آخر فالعبادة والتحريم شيئان.

ومن هذا البيان يتضح جواب سؤال يطرح نفسه في هذا المقام وهو : إذا كان الاعتقاد بالألوهية أو الربوبية أو التفويض ، شرطا في تحقق العبادة فيلزم من ذلك جواز السجود لأي شخص من دون ضمّ هذه النية.

ويجاب عليه : بأنّ السجود حيث إنّه وسيلة عامة للعبادة ، وحيث إنّ الله تعالى يعبد بها عند جميع الأقوام والملل والشعوب ، وصار بحيث لا يراد منه إلّا العبادة ، لذلك لم يسمح الإسلام بأن يستفاد من هذه الوسيلة العالمية حتى في الموارد التي لا تكون عبادة. وهذا التحريم إنما هو من خصائص الإسلام إذ لم يكن حراما قبله ، وإلّا لما سجد يعقوب وأبناؤه ليوسف (عليه ‌السلام) إذ يقول عزوجل : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) (153). ومن هذا القبيل سجود الملائكة لآدم كما يقول سبحانه : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ...) (154) فإنه لم يكن إلّا سجود تكريم واحترام.

قال الجصاص : «قد كان السجود جائزا في شريعة آدم (عليه ‌السلام) للمخلوقين ، ويشبه أن يكون قد كان باقيا إلى زمان يوسف (عليه ‌السلام) فكان فيما بينهم لمن يستحق ضربا من التعظيم ويراد إكرامه وتبجيله ، بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا ، وبمنزلة تقبيل اليد ، وقد روي عن النبي (عليه ‌السلام) في إباحة تقبيل اليد أخبار ، وقد روي الكراهة إلّا أنّ السجود لغير الله على وجه التكرمة والتحية منسوخ بما روت عائشة وجابر وأنس إنّ النبي قال : «ما ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» (155).

والحاصل : إنّ خضوع أحد أمام آخرين لا باعتقاد أنهم «آلهة» أو «أرباب» أو «مصادر للأفعال والشئون الإلهية» بل لأن المخضوع لهم مستوجبون للتعظيم لأنهم : (عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (156) ، ليس هذا الخضوع والتعظيم والتواضع والتكريم عبادة قطعا. وقد مدح الله تعالى فريقا من عباده بصفات تستحق التعظيم عند ما قال : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (157). وقال في اصطفاء إبراهيم : (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) (158). فهذه الأوصاف العظيمة توجب نفوذ محبتهم في القلوب والأفئدة وتستوجب احترامهم في حياتهم وبعد مماتهم. بل إنّ بعض الأولياء (عليهم‌السلام) فرضت على المسلمين محبتهم بنصّ القرآن إذ يقول سبحانه وتعالى : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (159).

وعلى ما ذكرنا لا يكون تقبيل يد النبي ، أو الإمام ، أو المعلم ، أو الوالدين ، أو تقبيل القرآن أو الكتب الدينية ، أو أضرحة الأولياء وما يتعلق بهم من آثار ، إلا تعظيما وتكريما ، لا عبادة.

إلى هنا تبينت واتضحت حقيقة العبادة بالتعريفات الثلاثة التي ذكرناها وأسهبنا في توضيحها ويمكنك بعد ذلك أن تعرف مدى وهن التعريفات الأخرى التي تذكر للعبادة ونذكر منها التعريفين التاليين :

تعريفان ناقصان للعبادة:

أ ـ العبادة : «خضوع وتذلّل». وقد ورد هذا التعريف في كتب اللّغة ، ولكنه لا يعكس المعنى الحقيقي للعبادة الذي نردده في قولنا : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). وإنما هو معنى مجازي لمناسبة ما يلازم العبادة الحقيقية عادة من إظهار الخضوع والتذلّل. وقد استعملت العبادة في هذا المعنى المجازي في القرآن الكريم في حكايته قول موسى (عليه ‌السلام) : (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) (160) ويدلنا على أنّ هذا المعنى ليس حقيقيا للعبادة أمران :

الأول : لو كانت العبادة مرادفة في المعنى للخضوع والتذلّل ، لما أمكننا أن نعتبر أي إنسان موحدا لله ، لأن البشر ـ بفطرته ـ يخضع لمن يتفوق عليه ، معنويا أو ماديا ، كالتلميذ يخضع لأستاذه ، والولد لوالديه ، والمحب لحبيبه ، والمستعطي لمعطيه.

الثاني : إنّ القرآن الكريم يأمر الإنسان بأن يتذلّل لوالديه فيقول : (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) (161) فلو كان الخضوع والتذلّل معناه عبادة من تذلّلت له ، لاستلزم الحكم بكفر من يبرّ والديه ، والحكم بتوحيد من يعق والديه.

ب ـ العبادة : «نهاية الخضوع».

لقد حاول بعض المفسرين بعد أن أدركوا نقصان تعريف اللغويين للعبادة ـ ترميم هذا النقص وإصلاحه ، فقالوا : «العبادة : نهاية الخضوع بين يدي من تدرك عظمته وكماله». وهذا التعريف يشترك مع سابقه في النقص والإشكال وذلك :

1 ـ لأنّ الله تعالى يأمر الملائكة بالسجود لآدم فيقول : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) (162) والسجود هو نهاية التذلّل والخضوع للمسجود له ، فإذا كان معنى العبادة هو نهاية الخضوع فإنه يستلزم القول بكفر الملائكة الذين سجدوا لآدم امتثالا لأمره تعالى مع ما رواه فيه من الاختصاص بعلم الأسماء كلها.

2 ـ إنّ إخوة يوسف ووالديه سجدوا جميعا ليوسف بعد استوائه على عرش الملك والسلطنة كما يقول تعالى : (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ، وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا) (163).

والرؤيا التي أشار إليها يوسف في الآية هي ما أشار إليه تعالى بقوله : (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (164).

3 ـ إنّ كل المسلمين اقتداء برسول الله (صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله) يقبّلون الحجر الأسود المستقر في زاوية الكعبة المشرّفة ، ويتبركون به ، ونفس العمل هذا يقوم به عبّاد الأصنام تجاه أصنامهم مع العلم أنّ عملهم ذلك شرك قطعا ، وعمل المسلمين توحيد قطعا.

إذن ليس معنى العبادة نهاية الخضوع والتذلّل ، وإن كان ذلك من أركانها ، ولكنه ليس الركن الوحيد لأن العبادة كما عرفت هي الخضوع والتذلّل المقرون بالاعتقاد الخاص «وهو الاعتقاد بألوهية المعبود» على ما عرفت ذلك مفصلا.

نتائج البحث:

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي : إنّ العبادة ليست سوى إظهار الخضوع أمام موجود يعتقد بأنّه إله أو ربّ أو مفوّض إليه الأفعال الإلهية ، فلو كان الخضوع خاليا عن هذا الاعتقاد فلا يعد عبادة ولا شركا فيها. وأمّا كونه جائزا أو لا ، نافعا أو لا ، فالكل خارج عن إطار البحث. وبذلك يتضح أنّ كثيرا من الموضوعات التي تعرّفها فرقة الوهابية عبادة لغير الله وشركا به ، ليس صحيحا على إطلاقه ، وإنما هو شرك وعبادة على وجه ، وخضوع عقلائي على وجه آخر. ولا يكون شركا إلّا إذا كان المخضوع له معنونا بأحد العناوين الثلاثة الآتية :

1 ـ إنّه إله ، ب ـ إنه رب ، ج ـ إنه مفوّض إليه فعل الإله.

ومن تلك الموضوعات :

1 ـ التوسل بأولياء الله.

2 ـ الاستعانة بأولياء الله في حياتهم.

3 ـ الاستعانة بأرواحهم بعد مماتهم.

4 ـ طلب الشفاعة منهم في الحياة والممات.

5 ـ استحلاف الله سبحانه بحق الأولياء.

6 ـ الاستغاثة بأولياء الله.

7 ـ الحلف بغير الله.

8 ـ الاعتقاد بالقدرة الغيبية لأولياء الله.

9 ـ التبرك والاستشفاء بآثارهم.

10 ـ النذر لأهل القبور.

وغير ذلك ما أوجد به الوهابيّون صخبا وهياجا بين السطحيين من المسلمين المتأثرين بأفكارهم.

فإن الكلمة الحاسمة في هذه الموضوعات من وجهة التوحيد والشرك هي محاسبة عقيدة القائم بهذه الأفعال والدقة فيما يعتقد به. فلو قام بها على أنّ أولياء الله آلهة (آلهة صغيرة وإن كان فوقها إله كبير) ، أو أنهم أرباب مدبرون ومديرون للكون كله أو بعضه ، أو أنهم مفوّض إليهم أفعال الله سبحانه ، فلا شك أنّ أقلّ عمل صادر من أي شخص بهذه النية ، حتى ولو كان كتقبيل الضريح ولمس القبر ، يتصف بالعبادة ، ويكون العامل مشركا غير موحد في العبادة.

وأمّا إذا قام بها مجردة عن تلك العقيدة ، بل بما أنهم عباد مخلصون مكرّمون ، كرّسوا حياتهم في طريق رضا الله سبحانه ، وقاموا ببذل النفس والنفيس في سبيله فلا يعد عبادة حتى ولو ركعوا وسجدوا لهم. وقد عرفت أنّ سجود الملائكة لآدم ويعقوب وأبنائه ليوسف كان مجسدا لأعظم خضوع وتعظيم ، ولم يكن شركا في العبادة. وأنّ العرب الجاهليين كانوا واقعين في حبائل الشرك لا لأجل الخضوع المجرد للأصنام والأوثان ، بل لأجل اعتقاد الألوهية والربوبية في حقهم واعتقادهم باستقلالهم بالنفع ونفوذ المشيئة. يقول سبحانه موبخا إيّاهم يوم القيامة على ما اعتقدوه للأصنام من الاستقلال في إيصال النفع ودفع الضرر : (أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ) (165). ويقول حاكيا اختصامهم يوم القيامة إنهم يخاطبون من اعتقدوا فيهم الربوبية وخصائصها : (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) (166) فانظر إلى هذه التسوية التي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب ويندم المجرم حين لا ينفعه ندم. فالتسوية المذكورة هي التي صيّرتهم مشركين ، سواء أكانت تسوية في جميع الصفات أو في بعضها.

وممّا يدل على اعتقادهم الربوبية في معبوداتهم ، قوله سبحانه : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) (167) ، وغير ذلك من الآيات الدّالة على أنهم كانوا يعتقدون في الأوثان والأصنام شيئا من الألوهية والربوبية ولمعة من التفويض. فلولا هذا الاعتقاد لما اصطبغ العمل بالشرك بل صار بين كونه أمرا عقلائيا مفيدا كما إذا كان الخضوع عن حق كالخضوع للأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء والآباء والمربّين ، وكونه عملا لاغيا غير مفيد إذا وقع في غير محله على ما عرفت.

فأنت بعد ما وقفت على تحديد العبادة تقدر على القضاء في المسائل السابقة المطروحة من جانب الوهابية.

 

التوحيد في الشفاعة والمغفرة و...

(10)

قد تعرفت على أهم أصناف التوحيد وأقسامه وأنّ الموحد الحقيقي من يوحّد الله تعالى في جميع المجالات سواء فيما كان راجعا إلى ذاته وصفاته أو إلى أفعاله أو إلى تخصيص العبادة به. هذا هو التقسيم الدارج بين المتكلمين لا سيما العدلية منهم ، فتراهم يقسّمون التّوحيد إلى المراتب المذكورة ويقولون : «ينقسم التّوحيد إلى : التوحيد الذاتي والتّوحيد الصفاتي والتّوحيد الأفعالي والتوحيد العبادي». ونحن حرصا على تفسير مراتب التوحيد فصلناه على النحو الذي تعرفت عليه. والذي يجب التنبيه عليه أنّ التوحيد في الخالقية ، والربوبية ، والحاكمية ، والتشريع من فروع التوحيد الأفعالي فهذا اللفظ يعمّ تلك الأقسام كلها التي ذكرناها ، كما يعمّ ما لم نذكر من أفعاله سبحانه ، كالمغفرة وحق الشفاعة وغيرهما. فمعنى التوحيد الأفعالي هو : تخصيص فعله سبحانه بذاته وأنّه لا يقوم به إلّا هو وعلى ذلك فلو كنّا في مقام التفصيل لوجب علينا أن نقول : إنّ الموحّد من يشهد بأنّ كل فعل يعد من خصائصه سبحانه لا يسند إلّا إليه ، سواء أكان من قبيل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والمغفرة وحق الشفاعة أو غيرها.

وإنما ذكرنا الشفاعة والمغفرة وخصصناهما بالذكر لوقوع الشرك فيهما بين المشركين في عصر الرسول (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) ، كما أنّ جماعات من المسيحيين مشركون في مجال المغفرة. فقد فوضت الطائفتان حق الشفاعة إلى بعض عباده سبحانه وعزلوه عن حقه ومقامه.

توضيح ذلك : إنّ هناك آيات تخص الشفاعة بالله لا يشاركه فيها غيره مثل قوله سبحانه : (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (168).

وقوله سبحانه : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (169) وغير ذلك من الآيات.

غير أنّ بعض المشركين كانوا يعبدون الأصنام معتقدين بأنّ الشفاعة حق مطلق لهم ، وأن الله فوّض ذلك الحقّ إليهم يقول سبحانه : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْوَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (170) وقال سبحانه : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ)(171).

فهاتان الآيتان تردان على المشركين بأنّ الأصنام لا تملك شيئا ، فكيف تشفع لهم؟! وقد أبطل سبحانه هذه المزعمة بصور مختلفة قال سبحانه : (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (172) وقال: (وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ) (173). فهذه الآيات التي مرّت عليك تخصّ حق الشفاعة بالله سبحانه وتسلب عن الأصنام حقّها. فمن زعم أنّ الشفاعة على وجه الملكيّة التامة بيد المخلوق فهو مشرك.

وأمّا من قال بأنّ هناك عبادا صالحين تقبل شفاعتهم عند الله في إطار خاص وشرائط معينة في الشفيع والمشفوع له بإذن منه سبحانه ، فهو لا ينافي اختصاص حقّ الشفاعة بالله سبحانه. كيف وقد ورد النصّ بشفاعة طائفة عند الله بإذنه قال سبحانه : (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (174).

وبذلك يظهر حال المغفرة. فإنّ المغفرة وحطّ الذنوب والتكفير عن السيئات حقه سبحانه. ومن زعم أنّ غيره سبحانه يملك أمر الذنوب ويغفرها ويكفر عنها فهو مشرك في مجال التّوحيد الأفعالي. وقد صرّح سبحانه في الذّكر الحكيم باختصاصها به قال عزوجل : (أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (175) وقال سبحانه : (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) (176). فالموحّد في هذا المجال لا يرى مثيلا لله سبحانه في أمر المغفرة. وأما الأنبياء والأولياء فلهم حقّ الاستغفار للمذنبين ، كما أنّ للمذنبين الرجوع إليهم والطلب منهم أن يستغفروا لهم قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (177). وقال سبحانه حاكيا عن أبناء يعقوب : (قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ* قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(178). ومع ذلك كله فالمغفرة بيد الله سبحانه.

هذا تمام الكلام في التوحيد بأقسامه ولنشرع في سائر صفاته الجلالية.

 

الصّفات السّلبية

(2)

ليس بجسم ولا في جهة ولا محلّ ، ولا حالّ ولا متّحد

اتفقت كلمة أهل التنزيه تبعا للأدلة العقلية والنقلية على أنّه سبحانه جميل أتم الجمال ، وكامل أشدّ الكمال لا يتطرق إليه الفقر والحاجة ، وهو غني بالذات ، وغيره محتاج إليه كذلك.

أمّا العقل ، فلأن كل متصوّر إمّا أن يكون واجب الوجود أو ممكنه أو ممتنعه. والثالث غير مطروح في المقام. والممكن لا يتصف بالألوهية ، فيبقى أن يكون واجب الوجود هو الذي تنتهي إليه سلسلة الموجودات. وما هو واجب الوجود لا يكون فقيرا ومحتاجا في ذاته وفعله ، لأنّ الفقر آية الإمكان.

وأمّا النقل ، فيكفي في ذلك ما ورد من الآيات من توصيف نفسه بالغناء قال سبحانه : (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (179).

إنّ معنى كون أسمائه وصفاته توقيفية ، لا يهدف إلّا إلى أنّه ليس لإنسان تسميته باسم أو وصف إلّا بما ورد في الكتاب والسّنة ، وأمّا تنزيهه سبحانه عن كل شين وعيب ، وعن كل ما يناسب صفة المخلوق فليس ذلك أمرا توقيفيا ، والتوقف حتى في تنزيهه سبحانه عن صفات المخلوقين ، ونقص الممكنات ، ليس أمرا توقيفيا ، وإلّا لكان معنى ذلك تعطيل باب المعارف. ومن يتوقف في تنزيهه عن هذه الصفات غير المناسبة لساحته سبحانه فهو معطّل في باب المعرفة ، عنّين في ذلك المجال قال سبحانه : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (180).

وعلى ذلك يترتب نفي كل صفة تناسب صفة الممكنات وكل نقص لا يجتمع مع الغنى ووجوب الوجود ، سواء أكان داخلا فيما عددناه في عنوان البحث أو خارجا عنه ، غير أنا توضيحا للبحث نشير إلى دليل كل واحد مما أوردناه في العنوان.

1 ـ ليس بجسم:

عرّف الجسم بتعاريف مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. وعلى كل تقدير فالجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق ، وعلى قول ما يشتمل على الأبعاد الأربعة بإضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية.

وهو ملازم للتركيب ، والمركّب محتاج إلى أجزائه ، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه ، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبّرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات.

وبدليل آخر ، إنّ كل جسم محتاج إلى الحيّز والمحل ، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب.

وبدليل ثالث ، إنّ الحيّز أو المحل ، إمّا أن يكون واجب الوجود كالحالّ ، فيلزم تعدد الواجب ، وإمّا أن يكون ممكن الوجود ، مخلوقا لله سبحانه فهذا يكشف عن أنه كان موجودا غنيا عن المحل والحيز فخلقهما ، فكيف يكون الغني عن الشيء محتاجا إليه.

2 ـ ليس في جهة ولا محل:

وقد تبين حال استغنائه عنهما مما ذكرنا من الدليل على نفي الجسمية فلا نعيد.

3 ـ ليس حالّا في شيء:

إنّ المعقول من الحلول قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية. وهذا المعنى لا يصحّ في حقه سبحانه لاستلزامه الحاجة وقيامه في الغير.

أضف إلى ذلك أنّ ذلك الغير إما ممكن أو واجب ، فلو كان ممكنا فهو مخلوق له سبحانه ، فقد كان قبل إيجاده مستقلا غير قائم فيه ، فكيف صار بعد خلقه قائما وحالّا فيه ، ولو كان واجبا يلزم تعدد الواجب وهو محال.

4 ـ ليس متّحدا مع غيره:

حقيقة الاتحاد عبارة عن صيرورة الشيئين المتغايرين شيئا واحدا ، وهو مستحيل في ذاته فضلا عن استحالته في حقه تعالى ، فإنّ ذلك الغير بحكم انحصار واجب الوجود في واحد ، ممكن. فبعد الاتحاد إمّا أن يكونا موجودين فلا اتحاد لأنهما اثنان أو يكون واحد منهما موجودا والآخر معدوما. والمعدوم إمّا هو الممكن ، فيلزم الخلف وعدم الاتحاد ، أو الواجب فيلزم انعدام الواجب وهو محال.

وبذلك تبين أنّ ما يدّعيه أصحاب الفرق الباطلة كالمسيحيين والحلوليين من المسلمين ، بل القائلين باتحاده سبحانه مع القديسين من الأنبياء والصلحاء والأقطاب وغيرهم ، كلها من شطحات الغلاة وإرجاف الصوفية أعاذنا الله من شرورهم.

ثم إن تنزيهه سبحانه بحجة نفي الحاجة لا ينحصر في ما ذكرناه في عنوان البحث بل كل صفة وتعريف لله سبحانه يستلزم تشبيهه بالمخلوقات ، فهو منفي عنه.

وبذلك يعلم صحة نفي التركيب عنه الذي تقدم بحثه في التّوحيد الذاتي الأحدي.

الكتاب العزيز ونفي الجسميّة:

إنّ التدبّر في الذكر الحكيم يوفّقنا على أنّه سبحانه منزّه عن كل نقص وشين ، وأنّه ليس بجسم ولا جسماني. وهذا المعنى وإن لم يكن مصرّحا به في الكتاب ، لكن التدبّر في آياته ، الذي أمرنا به في ذلك الكتاب في قوله سبحانه : (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (181). يوصلنا إلى ذلك. ولأجل إيقاف القارئ على موقف الكتاب في ذلك نشير إلى بعض الآيات :

1 ـ إنّ الذكر الحكيم يصف الواجب تعالى بقوله : (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (182) والآية صريحة في سعة وجوده سبحانه ، وأنّه معنا في كل مكان نكون فيه.

وما هذا شأنه لا يكون جسما ولا حالّا في محل أو موجودا في جهة. إذ لا شك أنّ الجسمين لا يجتمعان في مكان واحد وجهة واحدة ، فالحكم بأنّه سبحانه معنا في أي مكان كنا فيه ، لا يصحّ إلّا إذا كان موجودا غير مادي ولا جسماني.

ثمّ إنّ المجسّمة ، ومن يتلو تلوهم إذا وقفوا على هذه الآية يؤولونها بأنّ المراد إحاطة علمه ، لا سعة وجوده. ولكنه تأويل باطل لا دليل عليه. والعجب أنّ هؤلاء يفرّون من التأويل في الصفات الخبرية ، ويرمون المؤوّلة بالتعطيل مع أنهم ارتكبوا ما ألصقوه بغيرهم.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه صرّح بإحاطة علمه بكل شيء في نفس الآية ، وقال : (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها) فإذا لا وجه لتكرار هذا المعنى بعبارة مبهمة ، وعلى ذلك لا مناص من حمل الآية على سعة وجوده وإحاطته بكل شيء لا إحاطة حلوليّة حتى يحل في الأجسام والإنسان ، بل إحاطة قيّومية عبّر عنها في الآيات الأخر بقوله : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (183). أي قائما بالذات ، وسائر الأشياء قائمة به. فليست كل إحاطة ملازمة للحلول والاتحاد ، ولا يمكن أن يكون ما تقوم الأشياء بذواتها به غائبا عنها غيبوبة الجسم عن الجسم.

2 ـ يقول سبحانه : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (184).

والآية صريحة في سعة وجوده وأنّه موجود في كل مكان ومع كل إنسان لكن لا بمعنى الحلول بل إحاطة قيومية قيام المعلول بالعلّة ، والمعنى الحرفي بالمعنى الاسمي ، ومع ذلك فلا يصل الإنسان إلى كنه هذه الإحاطة وهذه القيومية. فالآية تفيد المعية العلميّة والمعية الوجودية ، فكلما فرض قوم يتناجون ، فالله سبحانه هناك موجود سميع عليم.

وبعبارة أخرى إنّه سبحانه وصف نفسه في الآية بالعلم بما في السموات وما في الأرض ، ثم أتى بقوله : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ) ، كالدليل على تلك الإحاطة العلمية ، فبما أنّه يسع وجوده كل مكان وجهة ، فهو عالم بكل ما يحويه المكان والجهة.

ومثل هذا لا يمكن أن يكون جسما ، لأنّ كل جسم إذا حواه مكان خلا منه مكان آخر.

3 ـ قال تعالى : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (185).

لمّا أمر سبحانه بالتوجه إلى القبلة ـ وربما أوهم ذلك أنّ الله في مكان يستقر فيه ـ دفعه سبحانه بقوله : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) أي لا يخلو مكان عن ذاته ووجوده.

فالمراد من الوجه هنا هو الذات ، قال ابن فارس : «وربما عبّر عن الذات بالوجه قال:

أستغفر الله ذنبا لست محصيه

                    ربّ العباد إليه الوجه والعمل» (186).

ولا ينحصر تفسير الوجه بالذات بهذه الآية بل هو كذلك في الآيتين التاليتين :

1 ـ قوله سبحانه : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (187).

2 ـ وقوله سبحانه : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (188).

والدليل على أنّ الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات ، لا العضو المخصوص ، واضح.

أمّا الآية الأولى ، فلأنّه سبحانه بصدد بيان أنّ كل شيء يهلك ويفنى إلّا نفسه وذاته. وهذا لا يصحّ إلّا أن يكون المراد من الوجه هو الذات لا العضو المخصوص.

وأمّا الآية الثانية ، فلأنّه وصف الوجه بقوله : (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ، بمعنى ذو الطّول والإنعام وما يقاربه. ومن المعلوم أنهما من صفات نفس الربّ لا من صفات الوجه ، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا ، بمعنى العضو المخصوص لوجب أن يقول : «ذي الجلال والإكرام» حتى يقع وصفا للربّ لا للوجه.

ويشهد على ذلك قوله سبحانه : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (189). فلما كان الاسم غير المسمى وصف الرب بقوله «ذي الجلال» ، ولم يصف الاسم به وإلّا لقال «ذو الجلال».

فإذا تبين أنّ الوجه في هذه الآيات بمعنى الذات ، أفهل يجتمع قوله (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) مع كونه جسما محددا في جهة خاصة وموجودا فوق العرش ، متمكنا فيه أو جالسا عليه ، وما أشبه ذلك ممّا يوجد في كلمات المجسّمة ومن هو منهم ، وإن كان يتبرأ من وصفه بالتجسيم.

4 ـ يقول سبحانه وتعالى : (فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (190).

إنّ الآية بصدد نفي التشبيه على الإطلاق ، وليس من كلمة أجمع من قوله سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). أو ليس القول بكونه جسما ذا جهة ومحل ، موجودا فوق العرش متمكنا فيه أو جالسا عليه ، تشبيه للخالق بالمخلوق؟ صدق الله العلي العظيم إذ قال : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (191). فما هذا الصمم والعمى في الأسماع والأبصار والقلوب؟!!.

نعم ، ربما يتوهم القاصر ، دلالة الآيتين التاليتين على كونه سبحانه في السماء وأنّه في جهة ، وهما قوله سبحانه : (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ* أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (192) ولكن المتأمل فيما تقدمهما من الآيات يخرج بغير هذه النتيجة فإنه سبحانه يقول قبلهما : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (193).

فهذه الآية تذكر نعمة الله سبحانه على أهل الأرض ببيان أنّه جعل الأرض ذلولا فسهل سلوكها ، وهيأ لهم رزقه فيها ، وعند ذلك ينتقل في الآية الثانية إلى ذكر أنّ وفرة النعم على البشر يجب أن لا تكون سببا للغفلة والتمادي والعصيان ، فليس من البعيد أن يخسف الأرض بهم ، فإذا هي تمور وتتحرك وترتفع فوقهم كما ليس من البعيد أن ينزل عليهم ريحا حاصبا ترميهم بالحصباء. فعند ذلك ، عند معاينة العذاب ، يخرجون من الغفلة ويعرفون الحق ، وهذا هو هدف الآيات الثلاث.

وأمّا التعبير ب (مَنْ فِي السَّماءِ) فيحتمل أن يراد منه من سلطانه وقدرته في السماء ، لأنه مسكن ملائكته واللوح المحفوظ ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. كما أنّ منها ينزل رزق البشر ، وفيها مواعيده : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) فيصح التعبير بمن في السّماء عن سلطانه وقدرته وكتبه وأوامره ونواهيه.

كما يحتمل أن يكون الكلام حسب اعتقادهم ، بمعنى أأمنتم من تزعمون أنّه في السّماء أن يعذبكم بخسف أو بحاصب ، كما تقول لبعض المشبّهة : «أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل».

وهناك احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من الموصول هو الملائكة الموكلون بالخسف والتدمير ، فإنّ الخسف والإغراق وإمطار الحجارة كانت بملائكته سبحانه في الأمم السالفة.

فبعد هذه الاحتمالات لا يبقى مجال لما يتوهمه المستدل.

أضف إلى ذلك أنه سبحانه يصرّح بكون إله السماء هو إله الأرض ويقول : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (194). فليس الإله بمعنى المعبود كما هو بعض الأقوال في معنى ذلك اللفظ ، بل «الإله» و «الله» بمعنى واحد ، غير أنّ الأول جنس والثاني علم. ولو فسّر أحيانا بالمعبود ، فإنّما هو تفسير باللازم ، فإنّ لازم الألوهية هو العبادة ، لا أنه بمعنى المعبود بالدلالة المطابقية.

فعلى ذلك فمفاد الآية وجود إله واحد في السماء والأرض وهذا يكون قرينة على أنّ المراد من قوله : (مَنْ فِي السَّماءِ) هو أحد الاحتمالات الماضية.

مكافحة علي (عليه ‌السلام) القول بالتجسيم:

إنّ عليّا (عليه ‌السلام) وسائر الأئمة من أهل البيت مشهورون بالتنزيه الكامل. وكانوا يقولون إنّه سبحانه لا يشبهه شيء بوجه من الوجوه ، ولا تدرك الأفهام والأوهام كيفيته ولا كنهه. ويظهر ذلك من خطبه (عليه ‌السلام) والآثار الواردة عن سائر أئمة أهل البيت (عليهم ‌السلام). وقد وقف على ذلك القريب والبعيد. قال القاضي عبد الجبار : «وأمّا أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) فخطبه في بيان نفي التشبيه وفي إثبات العدل أكثر من أن تحصى» (195).

روى المبرّد في الكامل : «قال قائل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : أين كان ربّنا قبل أن يخلق السّماوات والأرض؟ فقال علي (عليه ‌السلام) : أين ، سؤال عن مكان ، وكان الله ولا مكان» (196).

وقال البغدادي : قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : «إنّ الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته ، لا مكانا لذاته» ، وقال أيضا : «قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان» (197).

وقد بلغ بعلي (عليه ‌السلام) من الأمر أنّه كان يراقب العوام والسّوقة في مجالسهم وما يصدر منهم فدخل يوما سوق اللحامين وقال : «يا معشر اللحامين ، من نفخ منكم في اللحم فليس منّا. فإذا هو برجل موليه ظهره ، فقال : كلا والذي احتجب بالسبع. فضربه على ظهره ثم قال يا لحّام ، ومن الذي احتجب بالسبع؟ قال : ربّ العالمين يا أمير المؤمنين فقال : اخطأت ، ثكلتك أمك ، إنّ الله ليس بينه وبين خلقه حجاب ، لأنّه معهم أينما كانوا. فقال الرجل ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال : أن تعلم أنّ الله معك حيث كنت. قال : أطعم المساكين؟ قال : لا إنّما حلفت بغير ربّك» (198).

وهذه المعية التي ذكرها علي (عليه ‌السلام) قد وردت في آيات الذكر الحكيم ، منها ما سبق ومنها قوله تعالى : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ..)(199).

وقال (عليه ‌السلام) : «ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال «فيم؟» فقد ضمّنه. ومن قال «علام؟» فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة» (200).

وقال (عليه ‌السلام) : «الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه النواظر ، ولا تحجبه السواتر» (201).

وقال (عليه ‌السلام) : «ما وحّده من كيّفه ، ولا حقيقته أصاب من مثّله ، ولا إياه عنى من شبّهه ، ولا حمده من أشار إليه وتوهّمه» (202).

وقال (عليه ‌السلام) : «قد علم السرائر ، وخبر الضمائر ، له الإحاطة بكل شيء ، والغلبة لكل شيء والقوة على كل شيء» (203).

إلى غير ذلك من خطبه وكلمه في التنزيه ونفي الشبيه. ومن أراد الإسهاب في ذلك والوقوف على مكافحة أئمة أهل البيت (عليهم‌ السلام) لعقيدة التشبيه والتكييف والتجسيم، فعليه مراجعة الأحاديث المروية عنهم في الجوامع الحديثية (204).

 

الصفات السّلبية

(3)

ليس محلا للحوادث

اتفق الإلهيّون ما عدا الكرّاميّة على أنّ ذاته تعالى لا تكون محلا للحوادث ، ويستحيل قيام الحوادث بذاته. والدليل على ذلك أنّه لو قام بذاته شيء من الحوادث للزم تغيّره ، واللازم باطل ، فالملزوم مثله.

بيان الملازمة : إنّ التغير عبارة عن الانتقال من حالة إلى أخرى. فعلى تقدير حدوث ذلك الأمر القائم بذاته ، يحصل في ذاته شيء لم يكن من قبل ، فيحصل الانتقال من حالة إلى أخرى.

وأمّا بطلان اللازم : فلأن التغيّر مستلزم للانفعال أي التأثّر ، وإلّا لما حصل له ، والاستعداد يقتضي أنّ يكون ذلك الشيء له بالقوة ، وذلك من صفات الماديات ، والله تعالى منزّه عنها فلا يكون منفعلا ، ولا يكون متغيّرا ، ولا يكون محلا للحوادث.

وبعبارة ثانية : إنّ التغيّر نتيجة وجود استعداد في المادة التي تخرج تحت شرائط خاصة من القوة إلى الفعل. فالبذر الذي يلقى في الأرض ويقع تحت التراب ، حامل للقوة والاستعداد ، ويخرج في ظل شرائط خاصة من تلك الحالة ويصير زرعا أو شجرا. فلو صحّ على الواجب كونه محلا للحوادث ، لصحّ أن يحمل وجوده استعدادا للخروج من القوة إلى الفعلية.

وهذا من شئون الأمور المادية ، وهو سبحانه أجلّ من أن يكون مادة أو مادّيا.

وبالجملة ، لو وقفت الكرّاميّة على ما يترتب على قولهم من حلول الحوادث فيه من المفاسد ، لما أصرّوا على ذلك. فإن ظهور الحوادث في الذات ، سواء أكان بمعنى تغيّر الذات وصفاتها وتبدلها ، أو وجود الحركة فيها ، عبارة أخرى عن كون وجوده ذا إمكان استعدادي يخرج من القوة إلى الفعل ومن النقص إلى الكمال ، كخروج عامة الموجودات الإمكانية صوب الفعلية ، ونحو الكمال. ومن كانت هذه صفته يعدّ من الممكنات.

وهناك بيان آخر لهذا المطلب ، وهو أنّ وجوب الوجود يقتضي تحقق كل شئونه وكمالاته فيه طرّا ، وما لم يزل في طريق التكامل والتغاير ، لا يتصف بوجوب الوجود. إذن ، الوجوب يلازم الفعلية ويناقض التدرّج.

وعلى ذلك اعتمد المحقق الطوسي في التجريد (205).

 

الصفات السلبية

(4)

لا يقوم اللذة والألم بذاته

قد يطلق الألم واللذة ويراد منهما الألم واللذة المزاجيان. والألم حالة حاصلة من تغير المزاج إلى الفساد. واللذة حالة حاصلة من تغير المزاج إلى الاعتدال ، وعروض النشاط والسرور على الملتذ ، ومن كان متصفا بهما يجب أن يكون موجودا ماديا قابلا للانفعال. ومن المعلوم لزوم تنزيهه سبحانه عن المزاج والفعل والانفعال لاستلزامه توالي فاسدة لا تحصى.

وبالجملة ، فالألم واللذة من توابع المزاج ، منفيّان بانتفاء المتبوع.

وقد يطلقان ويراد منهما العقليان ، والمراد منهما إدراك كل قوة عقلية ما يلائمها أو ينافيها. فالقوة العاقلة لها كمال ولذّة هي إدراكها للمعقولات الكليّة. وإنكار ذلك مكابرة. فإن العلماء الغائصين في لجج التحقيق لهم لذات لا يختارون اللذات الحسية بأجمعها على أقل مسألة من مسائلها ، ويقابله الألم العقلي. ولأجل ذلك كلما كان المعقول أفضل وأتم ، كانت اللذة أبلغ وأوفر.

فلذا يكون إدراك القوة العقلية للمعقولات أتم من إدراك الحس للمحسوسات ، لأن القوة العقلية تصل إلى كنه المعقول وإلى ذاته وذاتياته ، فتكون اللذة العقلية أبلغ وأعظم من الحسية.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الألم على وجه الإطلاق منفي عنه سبحانه ، أمّا الألم المزاجي فلما عرفت ، وأمّا الألم العقلي فلأنه إدراك المنافي من حيث هو مناف. وهو مستحيل عليه سبحانه ، إذ لا منافي له لأن جميع ما عداه لوازم ومعلولات له ، والكل في قبضة قدرته ، مجتمع معه ، غير مناف له.

وأمّا اللذة العقلية فإن بعض الحكماء نسبوها إلى الله تبارك وتعالى قائلين بأنّه مدرك لأكمل الموجودات ـ وهي ذاته ـ فيكون متلذذا.

وبعبارة أخرى : إنّ واجب الوجود الذي هو في غاية الجمال والكمال والبهاء ، إذا عقل ذاته فقد عقل أتم الموجودات وأكمل الأشياء ، فيكون أعظم مدرك لأجلّ مدرك بأتم إدراك.

هذا ما عليه الحكماء. ولكن المتكلمين منعوا من توصيفه سبحانه باللذة على وجه الإطلاق مزاجيا كان أو عقليا ، ولعل عذرهم في ذلك كون أسمائه وصفاته أمرا توقيفيا.

أقول : لا شك أنّ إطلاق الملتذ على الله سبحانه لا يجتمع مع القول بتوقيفية أسمائه وصفاته ، وأما كونه مبتهجا بذاته ابتهاجا عقليا لإدراكه أتمّ الموجودات ، وملتذا في ظله ، فليس شيء يمنع منه. وإنّ الحقيقة شيء والتسمية شيء آخر.

 

الصّفات السلبيّة

(5)

امتناع رؤية الله سبحانه

اتفقت العدلية على أنّه سبحانه لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأما غيرهم ، فالكرّاميّة والمجسّمة الذين يصفونه سبحانه بالجسم ويثبتون له الجهة ، جوزوا رؤيته بلا إشكال في الدارين. وأهل الحديث والأشاعرة ـ مع عد أنفسهم من أهل التنزيه وتحاشيهم عن إثبات الجسمية والجهة له سبحانه ـ قالوا برؤيته يوم القيامة وأنه ينكشف للمؤمنين انكشاف القمر ليلة البدر ، تبعا لبعض الأحاديث ، واستظهارا من بعض الآيات وقد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالا مختلفة حول الرؤية ربما تناهز التسع عشر قولا ، وأوردها الواحدة تلو الأخرى وأكثرها لا يستحق الذكر.

ومن عجيب ما جاء في تلك الأقوال ما نقله عن «الضرار» و «حفص الفرد» من أنّ الله لا يرى بالأبصار ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسّة سادسة غير حواسنا ، وندرك ما هو بتلك الحاسّة. وقول البكرية : إنّ الله يخلق صورة يوم القيامة يرى فيها ويكلم خلقه منها. وقول حسين النجار إنه يجوز أن يحول العين إلى القلب ويجعل لها قوة العلم فيعلم بها ، ويكون ذلك العلم رؤية له (206).

وهذه الأقوال الثلاثة ، خصوصا الأخير منها إنكار للرؤية ، وإن جاء بها الأشعري في عداد الأقوال المثبتة لها. نعم ، ذكر أقوالا يشمئز الإنسان من سماعها مثلا : قال جماعة يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات. وأجاز عليه بعضهم الحلول في الأجسام وأصحاب الحلول إذا رأوا إنسانا يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه. وأجاز كثير ممن جوّز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياه. وغير ذلك من الأقوال السخيفة الساقطة التي نبتت في منابت الإعراض عن الأصول الصحيحة لتحليل العقائد.

ولنقدم البحث عن عقائد العدلية فإن في إثباتها كفاية لردّ سائر الأقوال وبيان وهنها. ولكن إكمالا للبحث نذكر بعده ما عليه الأشاعرة من التفصيل في الرؤية بين الدنيا والآخرة.

ما هي حقيقة الرؤية:

اختلف المتكلمون في حقيقة الإبصار تبعا للباحثين الطبيعيين والمشهور بينهم قولان :

الأول : خروج الشعاع على هيئة المخروط من العين بحيث يكون رأسه في العين وقاعدته منطبقة على المبصر. وهذا القول متروك بفضل ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة.

الثاني : انعكاس صورة المرئي على العين. وقد أوضحته الأبحاث العلمية بما حاصله أنّ الأشياء الخارجية ترى إذا وصل نورها إلى العين إما نورها النابع منها إذا كانت منيرة بنفسها كالشمس ، أو المنعكس عليها من مصدر منير إذا لم تكن منيرة كما هو الغالب. فإذا وصل النور إلى العين فإنه يخترق أوّلا القرنية وهي غطاء العين الخارجي شفافة ومحدّبة ، فينكسر ثم يعبر «العنبية» ، ويرد «العدسية» فينكسر مرة أخرى ويتمركز على طبقة حساسة داخل كرة العين تسمى الشبكية موجدا صورة مضيئة مقلوبة عن صورة المرئي الخارجي. ويتصل بهذه الشبكية أطراف أعصاب الرؤية ، فيوجب انطباع الأشعة على الشبكية تحريك تلك الأعصاب وإرسال التموّجات المناسبة للأشعة المنطبقة إلى الدماغ ، فيحللها الدماغ ويفسرها ويتعقلها بالشكل والصورة التي نعرفها.

هذا هو واقع الإبصار والرؤية ، فيجب أن يكون كل من النفي والإثبات على هذا المعنى الذي كشف عنه جهابذة العلم. وبذلك يعلم أنّ تفسير الإبصار ورؤيته سبحانه بالعلم به أو بإدراكه في القلب أو من طريق الشهود خروج عن البحث ونحن مركزون على إمكان رؤيته بهذه الأبصار التي يملكها كل إنسان ، لأنّ هذا هو محط البحث بين العدلية والأشاعرة فنقول :

يدل على امتناع الرؤية وجوه :

1 ـ إنّ الرؤية إنما تصح لمن كان مقابلا أو في حكم المقابل ، والمقابلة إنما تتحقق في الأشياء ذوات الجهة ، والله تعالى منزه عنها فلا يكون مرئيا.

وبعبارة أخرى : إنّ المراد من الرؤية إما حقيقتها ، أعني الإدراك بحس البصر ، وهو مستلزم لإثبات الجهة له تعالى بالضرورة ، سواء أقلنا بأنّ الإبصار يتحقق بانطباع صورة الشيء في العين أو بخروج الشعاع منها. وإما غير حقيقتها مما يعبر عنه بالإدراك العلمي والشهود القلبي وغير ذلك مما لا يعرف حقيقته إلا القائل به ، فهو حينئذ خارج عن محط البحث ومجال النزاع (207).

2 ـ إنّ الرؤية إما أن تقع على الذات كلها أو على بعضها. فعلى الأول يلزم أن يكون المرئي محدودا متناهيا محصورا شاغلا لناحية من النواحي ، وخلو النواحي الأخرى منه تعالى. وعلى الثاني يلزم أن يكون مركبا متحيزا ذا جهة إلى غير ذلك من التوالي الفاسدة ، المرفوضة في حقه سبحانه.

3 ـ إنّ الرؤية لا تتحقق إلا بانعكاس الأشعة من المرئي إلى أجهزة العين ، وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسما ذا أبعاد ، ومعرضا لعوارض وأحكام جسمانية ، وهو المنزه عن كل ذلك.

4 ـ إنّ الرؤية بأجهزة العين نوع إشارة إليه بالحدقة وهو سبحانه منزه عن الإشارة. فإنّ كل مرئي في جهة يشار إليه بأنه هنا أو هناك ، ويصح أن يقال : إنه مقابل للرائي أو في حكمه. وهذا المعنى منتف في حقه سبحانه.

إنّ مجموع الأدلة الأربعة تعتمد على أمر واحد وهو أنّ تجويز الرؤية على الله سبحانه يستلزم كونه جسما أو جسمانيا. فالأول يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم أن يكون ذا جهة وتحيّز. والثاني يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم تناهي ذاته إذا وقعت الرؤية على تمامها ، أو مركبة إذا وقعت على بعضها. والثالث يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم أن يكون جسما وذا عوارض جسمية. والرابع يعتمد على أنّ الرؤية تستلزم الإشارة إليه تعالى ، وهو فوق أن يقع في ذلك المجال. فروح الأدلة الأربعة يرجع إلى أمر واحد ، وهو أنّ تجويز رؤيته معناه كونه سبحانه موجودا متحيزا ومحدودا وذا جهة وعوارض جسمانية وقابلا للإشارة وكل ذلك مستحيل ، فتكون النتيجة امتناع وقوع الرؤية عليه.

ومبادي هذه البراهين أمور بديهية حسيّة يكفي في تصديقها تصور القضايا بموضوعاتها ومحمولاتها ونسبها.

محاولة فاشلة:

إنّ المتفكرين من الأشاعرة لما رأوا أنّ القول بإمكان رؤيته سبحانه يستلزم هذه المحاذير ويوجب خروج المجوّز عن صفوف المنزهين إلى عداد المجسمين ، حاولوا تصحيح مقولتهم بوجوه خارجة عن محل النزاع ، وإليك بعض ما ذكروه:

1 ـ قال الشهرستاني في نهاية الإقدام : «لم يصر صائر إلى تجويز اتصال أشعة من البصر بذاته أو انطباع شبح يتمثل في الحاسة منه وانفصال شيء من الرائي والمرئي واتصاله بهما ، لكن أهل الأصول اختلفوا في أنّ الرؤية إدراك وراء العلم أم علم مخصوص. ومن زعم أنّه إدراك وراء العلم اختلف في البنية ، واتصال الشعاع ، ونفي القرب المفرط ، والبعد المفرط ، وتوسط الهواء المشفّ (النور الحامل للصورة). فشرطها المعتزلة ونفوا رؤية الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة ، والأشعري أثبتها إثبات الجواز على الإطلاق ، والوجوب بحكم الوعد» (208).

يلاحظ عليه : إنّ الرؤية التي يدعيها أهل الحديث تبعا لما يروونه في هذا المجال ، ولما استظهروه من القرآن عبارة عن رؤية الله تبارك وتعالى بهذه الأبصار الحسية كرؤية القمر في ليلة البدر. وأما غير ذلك مما يدعيه العرفاء وأهل الكشف والشهود ، خارج عن محط البحث. ومن المعلوم أنّ الرؤية بهذا المعنى لا تتحقق إلا بالشرائط التي أطبق عليها علماء الطبيعة ، قديمها وحديثها ، مع اختلاف في تحقيق الشرائط وتحليلها ، فلو أريد من الرؤية غير هذا ، لما ورد النفي والإثبات على شيء واحد. وتمنّي الرؤية بلا هذه الشرائط كتمني رسم الأسد على عضد البطل من دون أن يكون له رأس ولا ذنب (209).

2 ـ قال الفاضل القوشجي بعد شرح معنى الرؤية إما بالارتسام أو خروج الشعاع : «إنا إذا عرفنا الشمس مثلا بحد أو رسم ، كان نوعا من المعرفة ، ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين ، كان نوعا آخر فوق الأول. ثم إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأوّلين نسميه الرؤية ، ولا يتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة ومكان. فمحل النزاع أنّ مثل هذه الحالة الإدراكية يصح أن تقع بدون المقابلة ، وتتعلق بذات الله منزهة عن الجهة والمكان، أولا؟» (210).

أقول : إنّ تمني الرؤية والإبصار بغير المقابلة والجهة مع تحققها بالعيون والأبصار ، أشبه بتمني وجود الشيء مع التأكيد على عدمه ، وهذا نظير أن يقال حقيقة المربع عبارة عن وجود أضلاع متصلة ، فهل يمكن أن تتحقق تلك الهيئة بدون الأضلاع (211).

ومن أمعن النظر في كتب الأشاعرة خصوصا القدامى منهم ، وبالأخص كتب أهل الحديث ، والحنابلة ، يرى أنهم يفرون من هذه المحاولات ولا يرون لها قيمة في أوساطهم ، وهم يتمسكون بالروايات وما استظهروه من الآيات ويحكمون بالرؤية الحقيقية كرؤية القمر.

قال الشيخ الأشعري في الإبانة : «وندين بأنّ الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله (صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله)» (212).

وقال في اللمع : «إن قال قائل : لم قلتم إنّ رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس. قيل له : قلنا ذلك لأنّ ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه ، لا يلزم في القول بجواز الرؤية» (213).

الأدلة العقلية للقائلين بالجواز:

إنّ الشيخ الأشعري استدل على جواز الرؤية بوجوه عقلية نقتطف منها وجهين :

الأول ـ قال : «ليس في جواز الرؤية إثبات حدث ، لأنّ المرئي لم يكن مرئيا لأنه محدث ، ولو كان مرئيا لذلك للزمه أن يرى كل محدث وذلك باطل عنده» (214).

يلاحظ عليه : إنّ الحدوث ليس شرطا كافيا في الرؤية حتى تلزم رؤية كل محدث ، بل هو شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط التي أشرنا إليها. وبما أنّ بعضها غير متوفر في الموجودات المجردة المحدثة ، لا تقع عليها الرؤية.

الثاني ـ قال : «ليس في اثبات الرؤية لله تعالى تشبيها» (215).

يلاحظ عليه : إنّ حقيقة الرؤية قائمة بالمقابلة أو ما في حكمها ، وهي لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان. وهو يستلزم كونه سبحانه ذا جهة ومكان ، فأي تشبيه أظهر من ذلك ، وكيف يقول : إنّ تجويز الرؤية لا يستلزم التشبيه؟! «ما هكذا تورد يا سعد الابل».

ثم إنّ أئمة الأشاعرة في العصور المتأخرة لما وقفوا على وهن الدليلين السابقين ، عدلوا إلى دليل عقلي آخر وحاصله أنّ ملاك الرؤية والمصحح لها أمر مشترك بين الواجب وغيره ، قالوا : «إنّ الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض ، ولا بد للرؤية المشتركة من علة واحدة. وهي إما الوجود أو الحدوث. والحدوث لا يصلح للعلية لأنه أمر عدمي ، فتعين الوجود. فينتج أنّ صحة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن» (216).

وهذا الدليل ، مع أنه لم يتم عند المفكرين من الاشاعرة ، ظاهر الضعف ، إذ لقائل أن يقول إنّ الجهة المشتركة للرؤية في الجوهر والعرض ليس هو الوجود بما هو وجود ، بل الوجود المقيّد بعدة قيود ، وهو كونه ممكنا ماديا يقع في إطار شرائط خاصة ، كشف عنها العلم في تحقيق الرؤية ، فإنّ الإبصار رهن ظروف خاصة. وادعاء كون الملاك هو الوجود بما هو وجود غفلة عما يثبته الحس والتجربة.

والعجب من هؤلاء كيف يدعون أنّ المصحح للرؤية هو الوجود مع أنّ لازمه صحة رؤية الأفكار والعقائد ، والروحيات والنفسانيات كالقدرة والإرادة وغير ذلك من الأمور الروحية الوجودية الّتي لا تقع في مجال الرؤية.

الأدلة النقلية للقائلين بالرؤية:

استدل القائلون بجواز الرؤية بآيات كثيرة ، المهم منها آيتان نذكرهما :

الآية الأولى : قوله سبحانه : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ* وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ* وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ* وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ* تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) (217).

قالوا : «إنّ النظر إذا كان بمعنى الانتظار ، يستعمل بغير صلة ، ويقال : «انتظرت». وإذا كان بمعنى الرؤية يستعمل ب «إلى». والنظر في هذه الآية استعمل بلفظ «إلى» فيحمل على الرؤية» (218).

وقد شغلت هذه الآية بال الأشاعرة والمعتزلة ، فالفرقة الأولى تصر على أنّ النظر هنا بمعنى الرؤية والثانية تصر على أنها بمعنى الانتظار لا الرؤية قائلة بأنه يستعمل بمعنى الانتظار مع لفظة «إلى» أيضا قال الشاعر :

وجوه ناظرات يوم بدر

                    إلى الرّحمن يأتي بالفلاح .

ولكن الحق أنّ الإصرار على أنّ النظر بمعنى الرؤية أو الانتظار يوجب كون الآية مجملة من حيث المراد ، مع أنها من المحكمات ولا إجمال فيها. والذي يبطل الاستدلال هو أنّ النظر سواء أكان بمعنى الرؤية أم بمعنى الانتظار لا يدل على أنّ المراد هو الرؤية الحقيقية ، ويعلم ذلك بمقارنة بعض الآيات المذكورة ببعضها ، وعندئذ يرتفع الإبهام عن وجهها. وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة :

أ ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ) يقابلها قوله : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ).

ب ـ (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) يقابلها قوله : (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ).

ولا شك أنّ الفقرتين الأوليين واضحتان جدا ، وإنما الكلام في الفقرة الثالثة فيجب رفع إبهامها عن طريق الفقرة الرابعة التي تقابلها.

وبما أن المراد من الفقرة الرابعة هو أنّ الطائفة العاصية التي عبّر عن صفتها بكونها ذات وجوه باسرة ، تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها ، يكون ذلك قرينة على المراد من الفقرة الثالثة ، وهو أنّ الطائفة المطيعة ذات وجوه ناضرة تتوقع عكس ما تتوقعه الطائفة الأولى ، وتنتظر فضله وكرمه. هذا هو الذي يستظهره الذهن المجرد عن كل رأي مسبق ، من مقابلة الآيتين.

وبعبارة أخرى : لا يصح لنا تفسير الفقرة الثالثة إلا بضد الفقرة الرابعة. فبما أنّ الفقرة الرابعة صريحة في أنّ المراد توقع العصاة العذاب الفاقر ، يكون المراد من الفقرة الثالثة توقع الرحمة والفضل والكرم حتى ولو كان النظر بمعنى الرؤية ، ولكن ليست كل رؤية معادلة للرؤية بالأبصار ، بل ربما تكون الرؤية كناية عن التوقع والانتظار مثلا يقال : «فلان ينظر إلى يد فلان» ويراد أنه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء وإنما يتوقع عطاء الشخص ، فما أعطاه ملكه وما منعه حرم منه. وهذا مما درج عليه الناس في محاوراتهم العرفية ويقال : «فلان ينظر إلى الله» ثم إليك. فالنظر وإن كان هنا بمعنى الرؤية لا الانتظار ، ولكنه كناية عن توقع رحمته سبحانه أولا ، وكرم الشخص المأمول ثانيا كما يقال : «يتوقع فضل الله سبحانه ثم كرمك».

والآية نظير قول القائل :

إني أليك لما وعدت لناظر

                    نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر.

فمحور البحث والمراد هو توقع الرحمة وحصولها أو عدم توقعها وشمولها ، فالطغاة يظنون شمول العذاب ، والصالحون يظنون عكسه وضده وأما رؤية الله سبحانه ووقوع النظر إلى ذاته فخارج عما تهدف إليه الآية.

هذا هو مفتاح حل المشكلة المتوهمة في الآية. فتفسير الآية برؤية ذاته غفلة عن القرينة الموجودة فيها.

وفي الختام نذكر نكتتين :

الأولى ـ إنّ هنا فرقا واضحا بين قولنا : «عيون يومئذ ناظرة» وقولنا : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ). فلو كان المراد رؤية ذاته سبحانه لناسب التعبير بالأول ، فالوجوه الناظرة غير العيون الناظرة ، والأول منهما يناسب التوقع والانتظار دون الثاني.

الثانية ـ قال الزمخشري في كشّافه : «وسمعت سرويّة مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ، ويأوون الى مقائلهم تقول : «عيينتيّ نويظرة إلى الله وإليكم» تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها (219).

الآية الثانية ـ قوله سبحانه : (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (220).

احتجّت الأشاعرة بهذه الآية بوجهين وإليك بيانهما :

الوجه الأول:

إنّ موسى (عليه ‌السلام) سأل الرؤية ، ولو كانت ممتنعة لما سألها ، لأنه إما أن يعلم امتناع الرؤية أو يجهله فإن علم فالعاقل لا يطلب المحال ، وإن جهله فهو لا يجوز في حق موسى ، فإنّ مثل هذا الشخص لا يستحق أن يكون نبيا.

ويلاحظ عليه : إنّ الاستدلال بآية واحدة ، وترك التدبّر في سائر الآيات الواردة في الموضوع ، صار سببا للاستظهار المذكور. ولو اطّلعنا على مجموع ما ورد من الآيات في هذه القصة ، لتجلى خطأ الاستظهار.

وإليك البيان :

إنّ الكليم (عليه ‌السلام) لما أخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه ، قالوا لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعت. فاختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه ، فخرج بهم إلى طور سيناء وسأله سبحانه أن يكلمه. فلما كلّمه الله وسمعوا كلامه ، قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم وعتوّهم واستكبارهم ، وإلى هذه الواقعة تشير الآيات الثلاث التالية :

1 ـ (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ، فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)(221).

2 ـ (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) (222).

3 ـ (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ) (223).

ثم إن الكليم طلب منه سبحانه أن يحييهم حتى يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إليهم ، فلربما قالوا إنك لم تكن صادقا في قولك إن الله يكلمك ، ذهبت بهم فقتلتهم ، فعند ذلك أحياهم الله وبعثهم معه ، وإلى هذا الطلب يشير قول الكليم في الآية الثالثة : (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) وعندئذ يطرح السؤال التالي : هل يصح أنّ ينسب إلى الكليم ـ بعد ما رأى بام عينه ما رأى القوم من الصاعقة والدمار إثر سؤالهم الرؤية ـ أنه قام بالسؤال لنفسه بلا داع وسبب مبرر ، أو إنه لم يسأل بعد هذه الواقعة إلا لضرورة ألجأته إليه؟

والجواب : إنّ الثاني هو المتعين ، وذلك لأنه (عليه ‌السلام) عرّف سؤال الرؤية بأنه فعل السفهاء في قوله : (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ) ، ومعه كيف يصح له الإقدام على الطلب بلا ملزم ومبرر. وعند ذلك يجب علينا أن نقف على العلّة الدافعة إلى السؤال.

الدافع إلى السؤال:

إنّ قومه بعد الإحياء طلبوا منه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتى تحلّ رؤيته لله مكان رؤيتهم ، فيؤمنوا به بعد إخباره بالرؤية ، وعندئذ أقدم الكليم على السؤال تبكيتا لهؤلاء وإسكاتا لهم وبما أنه لم يقدم إلا اثر الإصرار من جانبهم ، لم يوجّه إلى الكليم من جانبه سبحانه أي لوم وعتاب أو مؤاخذة وعذاب ، بل اكتفى تعالى بقوله :

(لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي). فلا يكون السؤال دليلا على إمكان الرؤية

وبعبارة أخرى : إنّ موسى كان من أعلم الناس بالله وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز ، ولكن ما كان طلب الرؤية إلا لتبكيت هؤلاء الذين دعاهم «سفهاء» وتبرأ من فعلهم. فبما أنهم لجّوا وتمادوا وقالوا بأنهم لا يؤمنون له حتى يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك ، وهو قوله : (لَنْ تَرانِي) فطلب موسى الرؤية ليتيقنوا ويزول ما دخلهم من الشبهة ، فلأجل ذلك قال : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) ولم يقل ربّ أرهم ينظروا إليك.

والعجب أنّ الآية على خلاف مطلوب الأشاعرة أدلّ ، فإنه سبحانه رد طلب الكليم بقوله : «لن تراني» و «لن» للتأبيد ، كقوله : (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) (224).

وهاهنا نكتة ينبغي التنبيه عليها وهي أنّ الميقات الوارد في قوله تعالى : (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (225) ، نفس الميقات الوارد في قوله سبحانه : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا) (226). ولم يكن لموسى مع قومه إلا ميقات واحد وقد وقعت الحادثتان فيه في ظرف واحد ، غير أن سؤال قومه رؤية الله كان قبل سؤال موسى الرؤية لنفسه.

الوجه الثّاني:

إنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو أمر ممكن في نفسه ، والمعلّق على الممكن ، ممكن.

يلاحظ عليه : إنّ المعلق عليه في قوله : (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) ليس هو إمكان الاستقرار، بل وجود الاستقرار وتحققه بعد تجلّيه ، والمفروض أنه لم يتحقق بعد التجلي. وإذا كان إمكان الرؤية معلقا على تحقق الاستقرار بعد التجلي فينتج أنّ الرؤية ليست أمرا ممكنا لفقدان المعلّق عليه وهذا نظير قول القائل :

ولو طار ذو حافر قبلها

                    لطارت ولكنّه لم يطر.

ثم إنّ الأشاعرة استدلت بعدّة أخرى من الآيات القرآنية ، نتركها للباحث الكريم. كما أنهم استدلوا ببعض الروايات نحن في غنى عن الإجابة عنها بعد دلالة العقل السليم والذكر الحكيم على امتناع الرؤية. ولكن إكمالا للبحث نأتي بأمرين :

الأمر الأول : جذور مسألة الرؤية:

إنّ مسألة الرؤية إنما طرحت بين المسلمين من جانب الأحبار والرهبان بتدليس خاص. فإنّ أهل الكتاب يدينون برؤيته سبحانه ، ويظهر ذلك لمن راجع العهد القديم وإليك مقتطفات منه :

1 ـ «رأيت السيد جالسا على كرسي عال ... فقلت : ويل لي لأن عينيّ قد رأتا الملك ربّ الجنود» (إشعيا 6 : 1 ـ 6). والمقصود من السيد هو الله جل ذكره.

2 ـ «كنت أرى أنه وضعت عروش وجلس القديم الأيام. لباسه أبيض كالثلج ، وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار» (دانيال : 7 : 9).

3 ـ «أما أنا فبالبرّ أنظر وجهك» (مزامير داود 17 : 15).

4 ـ «فقال منوح لامرأته : نموت موتا لأننا قد رأينا الله» (القضاة : 13).

5 ـ «فغضب الربّ على سليمان ، لأن قلبه مال عن الرب ، إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين» (الملوك الأول : 11).

6 ـ «قد رأيت الرب جالسا على كرسيه وكل جند البحار وقوف لديه» (الملوك الأول : 22).

7 ـ «كان في سنه الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين عند نهر خابور ، إنّ السموات انفتحت فرأيت رؤى الله ... إلى أن قال : هذا منظر شبه مجد الرب ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم» (حزقيال : 1 : 1).

والقائلون بالرؤية من المسلمين ، وإن استندوا إلى الكتاب والسنّة ودليل العقل ، لكن غالب الظن أنّ القول بها تسرب إلى أوساطهم من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان ، وربما صاروا مصدرا لبعض الأحاديث في المقام وصار ذلك سببا لجرأة طوائف من المسلمين على جوازها ، واستدعاء الأدلة عليها من العقل والنقل.

الأمر الثاني : الرؤية في كلمات أهل البيت (عليهم ‌السلام):

إنّ المراجع إلى خطب الإمام علي (عليه ‌السلام) في التوحيد وما أثر عن أئمة العترة الطاهرة يقف على أنّ مذهبهم في ذلك امتناع الرؤية وأنه سبحانه لا تدركه أوهام القلوب ، فكيف بأبصار العيون. وإليك نزرا يسيرا مما ورد في هذا الباب :

1 ـ قال الإمام علي (عليه ‌السلام) في خطبة الاشباح : «الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده ، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه» (227).

2 ـ وقد سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه ‌السلام): أفأعبد ما لا أرى؟ فقال : وكيف تراه؟ فقال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. قريب من الأشياء غير ملابس ، بعيد منها غير مباين (228).

3 ـ وقال (عليه ‌السلام) : «الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه النواظر ، ولا تحجبه السواتر» (229).

إلى غير ذلك من خطبه (عليه ‌السلام) المطفوحة بتقديسه وتنزيهه عن إحاطة القلوب والأبصار به (230).

وأما المروي عن سائر أئمة أهل البيت (عليهم ‌السلام) ، فقد عقد ثقة الإسلام الكليني في كتابه «الكافي» بابا خاصا للموضوع روى فيه ثمان روايات (231) ، كما عقد الصدوق في كتاب التّوحيد بابا لذلك روى فيه إحدى وعشرين رواية يرجع قسم منها إلى نفي الرؤية الحسية البصرية وقسم منها يثبت رؤية معنوية قلبية سنشير إليه وفي الكل نور للقلوب وشفاء للصدور (232).

الرؤية القلبية:

قد اثر عن أئمة أهل البيت رؤية الله سبحانه بالقلب وقد أثر في ذلك روايات يقف عليها المتتبع في توحيد الصدوق وغيره.

منها : ما رواه الصدوق عن الرضا (عليه ‌السلام) في خطبة له قال : «أحد لا بتأويل عدد ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجل لا باستهلال رؤية ، باطن لا بمزايلة» (233).

ومنها : ما رواه أيضا عن الصادق (عليه ‌السلام) في كلام له في التوحيد قال : «واحد ، صمد ، أزلي ، صمدي ، لا ظل له يمسكه ، وهو يمسك الأشياء باظلتها ، عارف بالمجهول ، معروف عند كل جاهل ، لا خلقه فيه ولا هو في خلقه» (234).

فقوله : معروف عند كل جاهل ، لا يهدف إلى المعرفة الحاصلة بالاستدلال لعدم ثبوت هذه المعرفة لكل جاهل جاحد ، فلا بد أن يكون المراد معرفة أخرى لا تزول صورتها عن الذهن.

إلى غير ذلك من الروايات التي مرّ بعضها (235). وأما البحث عن حقيقة تلك الرؤية القلبية التي هي غير الرؤية البصرية الحسية فموكول إلى محله الخاص.

 

الصّفات السلبيّة

(6)

ليست حقيقته معلومة لغيره

إن أدوات المعرفة للإنسان عبارة عن القوى العقلية التي تقوم بالتعرف على الشيء بالوقوف على حدود وجوده وماهيته. فإذا كان الشيء مركبا من وجود وماهية ، فالوقوف على حده تعرّف على كنهه. فإذا أردنا أن نعرف الإنسان لزم إعمال القوى العقلية حتى نقف على مرتبة وجوده وذاته وذاتياته التي جسّدها عروض الوجود عليها في الخارج. فيقال إنّ ماهية الإنسان هي الحيوان الناطق أي ذلك المفهوم عاريا عن الوجود والعدم ، الذي إذا عرضه الوجود في الخارج جسّده وحققه.

وأما حقيقة الوجود العارض فلا يمكن للنفس التعرّف عليها ، لعدم المسانخة بين أدوات المعرفة والمعرّف. فإن الإنسان إنما يحصّل المعرفة بفكره وذهنه والمفاهيم التي تلقي ضوءا على الخارج. ومثل ذلك لا يمكن أن يتعرف إلّا على ما يسانخه من المفاهيم والماهيات. وأمّا الوجود المحقق للماهية فسنخه سنخ العينية والواقعية والخارجية ، فلا يحصّل الإنسان واقعيته لعدم السنخية بين العاقل والمعقول.

ولأجل ذلك اتفق أهل المعقول على أن الإنسان يعرف ماهية الأشياء وحدودها لا حقيقة الوجود العارض عليها الذي ليس له واقعية إلا العينية الخارجية. فإذا كان هذا حال الوجود العارض للأشياء ، فكيف بالتعرف على وجوده سبحانه الذي هو وجود محض لا حدّ له ، وحقيقة خارجية لا ماهية لها. فليس في وسع الإنسان الذي تنحصر أدوات معرفته بالذهن والفكر والقوى الموجودة فيهما ، أن يتعرف على الحقيقة العينية الخارجية التي يمتنع أن تنعكس على الذهن وتتخذ منها صورة مسانخة لعمل الذهن.

وبعبارة أخرى : لو وقف الإنسان على مدى قدرته في التعرف على الحقائق وأدوات معرفته والقوى الموجودة في ذهنه لأذعن أنّ حقيقته سبحانه أعلى من أن تقع في إطار ذهن الإنسان وفكره. فالذهن يدرك المفاهيم والمعاني والصور التي لا عينية لها إلّا بالوجود ، والله سبحانه هو نفس الوجود ، فكيف يمكن للذهن أن يدرك حقيقة الشيء الذي ليس بين المدرك والمدرك أي سنخية. ولأجل ذلك تنحصر معرفة الإنسان بالله سبحانه بالعناوين والمعرّفات التي نسميها بالأسماء والصفات وهي لا توقفه على حقيقته تبارك وتعالى ، فإنها نوافذ على الغيب يشرف بها الإنسان البعيد عن ذلك العالم عليه إشرافا غير كامل ، فلا تعدو المعرفة الحاصلة بها عن التعرف بالاسم. يقول ابن أبي الحديد :

فيك يا أعجوبة الكو

                    ن غدا الفكر كليلا

أنت حيّرت ذوي اللّ

                    بـ وبلبلت العقولا

كلّما قدّم فكري في

                    ك شبرا فرّ ميلا

ناكصا يخبط في

                    عمياء لا يهدى سبيلا.

وبذلك يعلم صدق ما ذكرناه عند البحث عن الأسماء والصفات بأنّ الصفات الثبوتية لا تنحصر بالثمان المعروفة ولا الصفات السلبية بما ذكرناه ، بل الله جل جلاله موجود تام من جميع الجهات ، فكل كمال لا يشذ عن حيطة وجوده ، كما أنّ وجوده مقدس عن كل نقص يتصور (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (236).

__________________

 

(1) سورة النحل : الآية 36.

(2) شرح المنظومة ، ص 333.

(3) توحيد الصدوق ، ص 83 ـ 84.

(4) سورة الحج : الآية 62.

(5) سورة الرعد : الآية 16.

(6) سورة يوسف : الآية 39.

(7) سورة ص : الآية 65.

(8) سورة الزمر : الآية 4.

(9) الميزان ، ج 6 ، ص 88 / 89 ـ بتلخيص.

(10) توحيد الصدوق ، ص 33.

(11) وهنا يبحث عن العلة ما هي؟ أهي نفس الوجود العارض على الماهية أو وجود آخر. فإن كان الأول لزم الدور ، وإن كان الثاني لزم التسلسل. والتفصيل يؤخذ من محله. لاحظ الأسفار ج 1 ـ فصل في أنه سبحانه صرف الوجود.

(12) سورة التوبة : الآية 30.

(13) قصة الحضارة.

(14) سورة المائدة : الآية 75.

(15) سورة المائدة : الآية 17.

(16) سورة المائدة : الآية 73.

(17) ستوافيك أدلة استحالة كونه جسما أو جسمانيا وما يستتبعانه من الزمان والمكان والحركة.

(18) سورة البقرة : الآيتان 116 و 117.

(19) لاحظ (الميزان) ، ج 3 ، ص 287.

(20) لاحظ ما ذكره الأستاذ دام حفظه في موسوعته القرآنية (مفاهيم القرآن) ، ج 1 ، ص 264 ـ 272.

(21) سورة الإخلاص : الآية 1.

(22) توحيد الصدوق ، ص 283 ـ 284 ، طبعة الغفاري.

(23) توحيد الصدوق ، ص 83 ـ 84. وهذه المفاهيم العالية الواردة في هذه الأحاديث آية كون العترة الطاهرة وارثة لعلوم النبي الأكرم وكونهم خلفاءه في الأرض.

(24) مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 225.

(25) قد جمع الأستاذ دام حفظه كلمات المعتزلة في هذا المقام في محاضراته القيمة في الملل والنحل ، ج 2 الفصل السادس عند البحث عن كون علمه زائدا على الذات أو لا.

(26) اللمع، ص 30.

(27) الإبانة، ص 108.

(28) نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

(29) التوحيد للصدوق، ص 139.

(30) إنّ حياة المعتزلة العلمية تدل على أنّ رئيسهم واصل بن عطاء تتلمذ على أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية وهو على أبيه عن علي (عليه ‌السلام). وقد أوضح الأستاذ دام ظله انتهاء أصول المعتزلة إلى علي (عليه ‌السلام) في موسوعته الكبيرة «مفاهيم القرآن» فلاحظ ج 4 ص 379 ـ 381.

(31) لاحظ نظرية الأمر بين الأمرين في الفصل السادس من الكتاب.

(32) سورة الرعد : الآية 16.

(33) سورة الزمر : الآية 62.

(34) سورة المؤمن : الآية 62.

(35) سورة الأنعام : الآية 102.

(36) سورة الحشر : الآية 24.

(37) سورة الأنعام : الآية 101.

(38) سورة فاطر : الآية 3.

(39) سورة الأعراف : الآية 54.

(40) سيأتي البحث والتحليل في خصوص هذه الناحية في مباحث الجبر والتفويض في الفصل السادس من الكتاب ، بإذنه تعالى.

(41) سورة البقرة : الآية 22.

(42) سورة السجدة : الآية 27.

(43) سورة الرعد : الآية 4.

(44) سورة الروم : الآية 48.

(45) سورة النور : الآية 43.

(46) سورة الحج : الآية 5.

(47) سورة البقرة : الآية 261.

(48) سورة النمل : الآية 60.

(49) سورة لقمان : الآية 10.

(50) سورة لقمان : الآية 10.

(51) سورة لقمان : الآية 11.

(52) الميزان ، ج 15 ، ص 138.

(53) سيوافيك معنى أدقّ من السببيّة الطولية لخالقيته سبحانه عند البحث في الجبر والتفويض.

(54) سورة الرعد : الآية 16.

(55) سورة طه : الآية 50.

(56) سورة الأعلى : الآية 3.

(57) سورة الزمر : الآية 42.

(58) سورة الأنعام : الآية 61.

(59) سورة النساء : الآية 81.

(60) سورة الزخرف : الآية 80.

(61) سورة النمل : الآية 4.

(62) سورة الأنفال : الآية 48.

(63) سورة فصلت : الآية 25.

(64) سورة يونس : الآية 31.

(65) سورة النازعات : الآية 5.

(66) سورة الأنفال : الآية 17.

(67) البحار ، ج 5 ، ص 57.

(68) إن تفسير مسألة «الأمر بين الأمرين» وأنّ فعل العبد في حال كونه فعله ، فعلا لله سبحانه يختلف حسب اختلاف الأفهام في المقام ، فيفسره المتكلم على نمط يناسب أبحاثه ، فيصور كونه سبحانه فاعلا بالتسبيب من حيث أنه أعطى القدرة والحياة للعبد ، فلولاه لما قدر العبد على العمل ، وأما الحكيم الإلهي فيرى الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال ، وترتبها في القرب والبعد من الحق تعالى ، قائمة بذاته سبحانه ، فهو مع بساطته ينفذ نوره في الموجودات الإمكانية ، عامة. ولا يوجد ذرة من ذرات الأكوان الوجودية ، إلا ونوره محيط بها ، قاهر عليها وهو قائم على كل نفس بما كسبت وهو مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة. فإذا ، كما أنه ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه كذلك ليس في الوجود فعل إلّا وهو فعله ، لا بمعنى أنّ فعل زيد ليس فعلا له بل بمعنى أنّ فعل زيد مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعله سبحانه كذلك. فهو مع غاية عظمته وعلوه ، ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها ، كما أنّه مع غاية تجرّده وتقدسه لا يخلو منه أرض ولا سماء. فإذا نسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيحه ، كما أنّ نسبتها إلى الله تعالى كذلك. وتفصيل ذلك يأتي عند البحث في الجبر والتفويض.

(69) الملل والنحل ، ج 1 ، ص 98 ـ 99 نقل كلمة إمام الحرمين ، واليواقيت والجواهر للشعراني ، ص 139 ـ 141 ، ورسالة التوحيد ، ص 59 ـ 62. وقد جاء الاستاذ دام ظله بنص كلامهم في كتابه (أبحاث في الملل والنحل).

(70) سورة التوبة : الآية 14.

(71) لاحظ الميزان ، ج 9 ، ص 193 ـ 197.

(72) سورة لقمان : الآية 25.

(73) سورة الزخرف : الآية 9.

(74) سورة الزخرف : الآية 87.

(75) سيأتي البحث في التفويض عند البحث في التوحيد في العبادة.

(76) سورة الأنعام : الآية 76.

(77) سورة الأنعام : الآية 77.

(78) سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 79.

(79) سورة التوبة : الآية 31.

(80) سورة آل عمران : الآية 64.

(81) سورة الأعراف : الآية 54 ، سورة الرّعد : الآية 2.

(82) سورة الأعراف : الآية 54.

(83) سورة الأنبياء: الآية 22.

(84) سورة المؤمنون: الآية 91.

(85) توحيد الصدوق ، ص 244.

(86) المصدر السابق ، ص 250.

(87) سورة النّازعات : الآية 5.

(88) سورة الأنعام : الآية 61.

(89) سورة النّازعات : الآيات 1 ـ 5.

(90) سورة الأنبياء : الآيتان 26 و 27.

(91) سورة النّحل : الآية 50.

(92) الميزان ، ج 20 ، صفحة 183 ـ 184 بتلخيص.

(93) سورة الكهف : الآية 44.

(94) لاحظ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 472.

(95) سورة الأنعام : الآية 57.

(96) سورة الأنعام : الآية 62.

(97) سورة القصص : الآية 70.

(98) سورة ص : الآية 26.

(99) سورة البقرة : الآية 251.

(100) سورة يوسف : الآية 40.

(101) سورة المائدة : الآية 95.

(102) سورة المائدة : الآية 49.

(103) سورة المائدة : الآية 48.

(104) سورة المائدة : الآية 44.

(105) سورة التين : الآية 8.

(106) سورة الأعراف : الآية 87.

(107) الميزان ، ج 7 ، ص 116 ـ 117. وسيوافيك معنى الحكم التكويني عند البحث عن القضاء والقدر التكويني ، فإن الحكم التكويني هو القضاء التكويني.

(108) سورة البقرة : الآية 285.

(109) سورة النساء : الآية 64.

(110) سورة النساء : الآية 80.

(111) سورة المائدة : الآية 44.

(112) سورة المائدة : الآية 45.

(113) سورة المائدة : الآية 47.

(114) سورة المائدة : الآية 50.

(115) من لا يحضره الفقيه ، ج 3 ، ص 3.

(116) سورة التوبة : الآية 31.

(117) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 23. فاتخاذ الرّب وإعطاء زمام التشريع كان على وجه الحقيقة ، وفي تسمية ذلك عبادة نوع تجوّز وتوسع كما سيوافيك في معنى العبادة.

(118) سورة النّحل : الآية 36.

(119) سورة الفاتحة : الآية 5.

(120) سيوافيك فيما يأتي معنى الألوهية.

(121) سورة الحجر : الآية 96.

(122) سورة مريم : الآية 81.

(123) سورة الأنعام : الآية 19.

(124) سورة الأنعام : الآية 74.

(125) سورة الحجر : الآيات 94 ـ 96.

(126) سورة الطور : الآية 43.

(127) سورة الصافات : الآية 35.

(128) سورة غافر : الآية 12.

(129) سورة الأعراف : الآية 59.

(130) قد ورد هذا المضمون في عشرة موارد أو أكثر في القرآن الحكيم ويمكن للقارىء الكريم أن يراجع لذلك الآيات التالية الأعراف / 65 و 73 و 85 ، هود / 50 و 61 و 84 ، الأنبياء / 25 ، المؤمنون / 23 و 22 ، طه / 14.

(131) آلاء الرحمن، ص 57، طبعة صيدا. وقد طبع من هذا التفسير جزءان فقط.

(132) سورة مريم : الآية 93.

(133) سورة البقرة : الآية 21.

(134) سورة الأنعام : الآية 102.

(135) سورة الروم : الآية 40.

(136) سورة الروم : الآية 28.

(137) سورة يونس : الآية 56.

(138) سورة الزّمر : الآية 44.

(139) سورة آل عمران : الآية 135.

(140) سورة المائدة : الآية 72.

(141) سورة الأنبياء : الآية 92.

(142) سورة آل عمران : الآية 51.

(143) لاحظ الآيات الكريمات التاليات : يونس : الآية 3 ، الحجر : الآية 99 ، مريم : الآيتان 36 و 65 ، الزخرف : الآية 64.

(144) سورة البقرة : الآية 255 ، وآل عمران : الآية 2.

(145) سورة طه : الآية 111.

(146) سورة الرعد : الآية 17.

(147) وهو قسمان استقلال العبد في الأفعال الراجعة إلى تدبير العالم والحوادث الواقعة فيه وهو محل البحث. واستقلاله في أفعال نفسه كمشيه وتكلمه وهو ما يأتي البحث عنه في الجبر والتفويض وهو الفصل السّادس من الكتاب.

(148) السيرة الحلبية ، ج 3 ، ص 29.

(149) سورة البقرة : الآية 165.

(150) سورة التوبة : الآية 31.

(151) سورة يونس : الآية 18.

(152) سورة الزمر : الآية 3.

(153) سورة يوسف : الآية 100.

(154) سورة البقرة : الآية 34.

(155) أحكام القرآن ، ج 1 ، ص 32 لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصّاص المتوفى عام (370 ه‍ ق).

(156) سورة الأنبياء : الآيتان 26 ـ 27.

(157) سورة آل عمران : الآية 33.

(158) سورة البقرة : الآية 124.

(159) سورة الشورى : الآية 23.

(160) سورة الشعراء : الآية 22.

(161) سورة الإسراء : الآية 24.

(162) سورة البقرة : الآية 34.

(163) سورة يوسف : الآية 100.

(164) سورة يوسف : الآية 4.

(165) سورة الشعراء : الآيتان 92 و 93.

(166) سورة الشعراء : الآيتان 97 و 98.

(167) سورة البقرة : الآية 165.

(168) سورة الأنعام : الآية 51.

(169) سورة الزمر : الآية 44.

(170) سورة يونس : الآية 18.

(171) سورة الزّمر : الآية 43.

(172) سورة الانفطار : الآية 19.

(173) سورة البقرة : الآية 166.

(174) سورة طه : الآية 109.

(175) سورة الشورى : الآية 5.

(176) سورة آل عمران : الآية 135.

(177) سورة النساء : الآية 64.

(178) سورة يوسف : الآيتان 97 و 98.

(179) سورة فاطر : الآية 15.

(180) سورة الأنعام : الآية 91.

(181) سورة ص : الآية 29.

(182) سورة الحديد : الآية 4.

(183) سورة البقرة : الآية 255. وآل عمران : الآية 2.

(184) سورة المجادلة : الآية 7.

(185) سورة البقرة : الآية 115.

(186) المقاييس ، ج 6 ، ص 88 ، مادة «وجه». وغيره من المعاجم.

(187) سورة القصص : الآية 88.

(188) سورة الرحمن : الآية 27.

(189) سورة الرحمن : الآية 78.

(190) سورة الشورى : الآية 11.

(191) سورة الأنعام : الآية 91

(192) سورة الملك : الآيتان 16 ـ 17.

(193) سورة الملك : الآية 15.

(194) سورة الزخرف : الآية 84.

(195) فضل الاعتزال ، ص 163.

(196) الكامل ، ج 2 ، ص 59.

(197) الفرق بين الفرق ، ص 200.

(198) الغارات ، ج 1 ، ص 112.

(199) سورة النساء : الآية 108.

(200) نهج البلاغة ، الخطبة الأولى ، طبعة مصر.

(201) نهج البلاغة ، الخطبة 180 ، طبعة مصر.

(202) نهج البلاغة ، الخطبة 181 ، طبعة مصر.

(203) نهج البلاغة ، الخطبة 82 ، طبعة مصر.

(204) راجع توحيد الصدوق باب التوحيد ونفي التشبيه ، فقد نقل فيه (27) حديثا. وبحار الأنوار ، ج 3 باب نفي الجسم والصورة فقد نقل فيه (47) حديثا. والجزء الرابع منه. وبذلك تعرف مدى وهن الكلمة التي نشرتها جريدة أخبار العالم الإسلامي العدد (1058) من السنة الثانية والعشرين المؤرخ : 29 جمادي الأولى ، عام 1408 هجرية ، للشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن باز حيث نقد مقالة الدكتور محي الدين الصافي التي كتبها تحت عنوان «من أجل أن تكون أمة أقوى». وجاء في تلك المقالة «إنه قام الدليل اليقيني على أنّ الله ليس بجسم». فردّ عليه ابن باز بقوله : «هذا الكلام لا دليل عليه لأنّه لم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف الله سبحانه بذلك ونفيه عنه. فالواجب السكوت عن مثل هذا لأنّ مأخذ صفات الله جلّ وعلا توقيفي لا دخل للعقل فيه. فيوقف عند حدّ ما ورد في النصوص من الكتاب والسنة». ولا نعلّق على ذلك إلّا بقوله سبحانه : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، وأنّه نفس الدعوة إلى تعطيل عن المعارف والأصول ، على أنّك عرفت مفصلا تضافر النصوص. على تنزيهه سبحانه عن التجسم والتشبيه.

(205) لاحظ تجريد الاعتقاد ، ص 180 ، طبعة صيدا ، وإرشاد الطالبين ، ص 232.

(206) مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 261 ـ 265 و 314.

(207) لاحظ قواعد المرام في علم الكلام ، ص 76. أنوار الملكوت في شرح الياقوت ، ص 82.

(208) نهاية الإقدام ، ص 356.

(209) مثل يضرب لتمني الشيء المحال وأصل القصة : إنّ بطلا ورد كانا يريد أن يضرب على بدنه صورة الأسد. فكان كلما وخزه صاحب الدكان بالإبرة صرخ وقال : ما ذا تضرب؟ فيجيب : رأسه. فيقول : لا تضرب رأسه. فإذا وخزه أخرى صرخ وتأوّه وقال : ما ذا تضرب؟ فيجيب : ذنبه. فيقول : لا تضربه. وهكذا. فضرب به المثل.

(210) شرح التجريد للقوشجي ، ص 428.

(211) وقد جمع الأستاذ حفظه الله مجلس مع بعض فضلاء الشام فانجرّ البحث إلى إمكان الرؤية فقال الشيخ الأستاذ : إنّ تجويز الرؤية يستلزم تجويز المقابلة والجهة. فقال الشامي : كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا. فأجابه : ما ذا تريد من كلامك «كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا» ، فهل تريد أن الأشياء الدنيوية توجد في الآخرة بوجودات كاملة ، فهذا ما نعترف به. وإن أردت أنّ الأشياء الأخروية تضاد ماهياتها وحدودها ، الموجود في الدنيا ، فهذا مما لا يمكن التصديق به. فإنّ نتيجة ضرب اثنين في اثنين هو أربعة لا خمسة ، ولا يمكن تكذيب هذه القضية بحجة أنّ كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا. فإنّ هناك قضايا قطعية وعلوما ضرورية صادقة في النشأتين من دون أن يختص امكانها بواحدة منهما. فالدور والتسلسل محالان في الدنيا والآخرة ، وقاعدة كل ممكن يحتاج إلى علّة صادقة في كلتا النشأتين فالتمسك بهذا الكلام نوع فرار من البحث والتحقيق.

(212) الابانة ، ص 21.

(213) اللمع ، ص 61 بتلخيص.

(214) اللمع ، ص 61 و 62.

(215) اللمع ، ص 61 و 62.

(216) تلخيص المحصّل ، ص 317. وغاية المرام ، ص 160 ، وشرح المواقف ، ج 8 ، ص 115. وشرح التجريد للقوشجي ، ص 431.

(217) سورة القيامة : الآية : 20 ـ 25.

(218) شرح التجريد للقوشجي ، ص 334. وغيره.

(219) الكشاف ج 4 ، ص 662.

(220) سورة الأعراف : الآية 143.

(221) سورة البقرة : الآية 55.

(222) سورة النساء : الآية 153.

(223) سورة الأعراف : الآية 155.

(224) سورة الحج : الآية 73.

(225) سورة الأعراف : الآية 143.

(226) سورة الأعراف : الآية 155.

(227) نهج البلاغة ، الخطبة 87 طبعة مصر المعروف بطبعه عبده. والأناسي جمع إنسان ، وإنسان البصر هو ما يرى وسط الحدقة ممتازا عنها في لونها.

(228) نهج البلاغة ، الخطبة 174.

(229) نهج البلاغة ، الخطبة 180.

(230) لاحظ الخطبتين 48 و 81 من الطبعة المذكورة.

(231) الكافي ، ج 1 ، ص 95 ، باب إبطال الرؤية.

(232) التوحيد ، الباب 8 ، ص 107 ـ 122.

(233) التوحيد ، باب التوحيد ونفي التشبيه ، الحديث 2 ، ص 37.

(234) التوحيد باب التوحيد ونفي التشبيه ، الحديث 15 ، ص 57.

(235) لاحظ التوحيد باب 8 ، الحديث 2 و 4 و 5 و 6 و 16 و 17 و 20 يقول الصدوق : «وقد تركت إيراد بعض الروايات في هذا المضمار خشية أن يقرأها جاهل بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عزوجل وهو لا يعلم».

(236) سورة الرحمن : الآية 78.

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد