..... ما هو عدد الطرق القابلة للتمييز التي يختلف بها مجتمع اليوم عن مجتمع ما قبل عام كامل؟، أو عن مجتمع ما قبل قرن من الزمان، أو عن مجتمع ما قبل ألف سنة من اليوم؟
إن قائمة المنجزات العلمية والطبية يمكن أن تقنع أي شخص بأننا نعيش اليوم في وقت استثنائي ومتفرّد وإنه لمن السهل ملاحظة ما هو الفرق، لكن التحدي يكمن في رصد الأشياء التي بقيت بلا تغيير.
وخلف كل التطوّر التكنولوجي، فقد بقينا بشراً وكائنات إنسانية، لا أكثر ولا أقل. وكلّنا مشاركون بصورة أو بأخرى في تاريخ الوجود الانساني على الأرض. وبصورة محددة، هناك قوة أساسية في المجتمعات المنتظمة قد بدأت بالتغير التدريجي. لكن الانسان المعاصر ما زال يسلك سلوكاً واضحاً ومفهوماً. على سبيل المثال؛ مازلنا نتسلق الجبال، ونفتعل الحروب ونتنافس على الجنس، ونبحث عن المتعة، وننشد القوة الاقتصادية والسياسية، ونتشكى من عدم فهم المجتمع و«الشباب اليوم» يبدون بلا اكتراث للوقت.
تصوّر أن النص التالي قد ورد في رقيم طيني آشوري، أكتشف في بلاد ما بين النهرين إن أرضنا تعاني التحلل والتفسخ هذه الأيام، ... الرشوة والفساد يشيعان، والأولاد ما عادوا يطيعون آباءهم، وكل شخص يريد أن يكتب كتاباً، ودلائل نهاية الزمان بدأت تظهر جلياً.....
إن الميل نحو تسلق الجبال، ربما لا يستهوي الجميع، لكن الميل الى المعرفة واكتشاف الأشياء، سيدفع عدداً كبيراً الى تسلق الجبال، وربما يدفع آخرين الى تجربة طريقة جديدة في طبخ الطعام. هذا الفضول وحب الإستطلاع يبدو أنه يستهوي الكثيرين. وكان هذا الميل هو المسؤول عن إحداث التغييرات في المجتمعات عبر العصور.
الاستكشاف يبدو أنه المشروع الوحيد الذي يبنى على ذاته، ويستمر عبر مثابرة الأجيال، نقلاً من جيل الى آخر، وهو ما يوسع الفهم البشري للكون باستمرار. إن هذا الأمر يصح بإطلاقه، سواء كانت حدود سعة الإدراك تنتهي عند الطرف الثاني من المحيط، أو عند الطرف الثاني من المجرة. والمقارنة العقلية تجعلك تزن الأمور والمعلومات والمعقولات بين ما تعرفه بالأساس، وما استكشفته للتو.
إن فعل الإستكشاف يمكن أن يتخذ عدة أشكال، فضلاً عن الشكل الذي توحي به الكلمة، والذي تختصره عبارة: «أنظر !، ماذا وجدت».
وعبر التاريخ، كان المستكشفون هم الذين مخروا عباب البحار والمحيطات، وحين وصلوا الى وجهتهم، كان بإمكانهم أن يروا بأعينهم، ويسمعوا بآذانهم، ويشمّوا ويحسوا كل ما هو جديد وظهر لهم للتو، والذي كان صعب المنال والوصول عند القواعد التي انطلقوا منها. وهكذا كان مستكشفو القرن السادس عشر، لكن حالما جرى استكشاف الأرض البعيدة، ورسمت الخرائط للأرض بدأت مرحلة أخرى تجاوزت مسألة استكشاف الأماكن الى مرحلة استكشاف المفاهيم.
وكان القرن السابع عشر قد شهد اثنين من أهم الاختراعات التي حفّزت الاستكشاف، وهما؛ المايكروسكوب، والتيلسكوب. لا أعني أنهما أهم الاختراعات، لكن على طريق الاستكشاف، كان ظهورهما علامة فارقة، ودافعاً مهماً لفهم العالم من حولنا الذي تقف عنده الحواس، سواء صغر هذا العالم أم كبر.
كان صانع العدسات وعالم البصريات الهولندي أنتوني فان ليفنهوك (Leeuwenhoek)، هو الذي صمم أول مجهر (مايكروسكوب) مختبري، الأمر الذي عد فتحاً في علوم الأحياء وإمكاناتها، بينما صمم غاليليو أول تيلسكوب بنفسه، وكان نواة لتطويرات مهمة تلت ذلك الاختراع.
وبعد ذلك، كانت الحقائق التي أثبتها غاليليو بأن الشمس لها بقع على سطحها، وأن الأرض لم تكن هي مركز الحراك النجمي والكوني، كانت كافية أن تثير حنق الكنيسة الكاثوليكية وتضعه تحت الإقامة الجبرية.
وصار المايكروسكوب، والتيلسكوب يمثلان تحدياً لحواس الانسان لنتذكر أن هذه الحواس هي التي هيكلت المعرفة السابقة عن الكون والتي جرى نسفها بعد اثبات أن الأرض ليست هي مركز الكون).