
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
التوسع الانفجاري للكون: حلّ أزمة التناقض بين فيزياء الجسيمات والانفجار العظيم
المؤلف:
جواو ماگیویجو
المصدر:
أسرع من سرعة الضوء
الجزء والصفحة:
ص133
2026-04-20
49
في أواخر السبعينيات من القرن الماضي كان علمُ الكون أقرب إلى العبث، وكانت فيزياء الجسيمات قد أحرزت تقدماً غير مسبوق في تفسير بنية المادة عن طريق فصل جُسيماتها الأساسية والحقول التي تتوسط تفاعلات تلك الجسيمات. واستعمل علماء الفيزياء مسرعات accelerators مكنتهم من اصطناع حوادث تصادم دقيقة بين الجُسَيمات، تضع نظرياتهم على محك الاختبار. وفي حين كانت تلك المسرعاتُ الضخمة تستنزف مبالغ طائلة من الأموال العامة،
فإن ثمة إجماعاً على أنه إنفاق مشروع؛ آيةُ ذلك النتائجُ الباهرة التي: التي تحققت كثمرة لنظريات كانت في معظمها متساوقةً مع نفسها، وتجارب عملية أُجريت في المسرعات لتعزّز صحة تلك النظريات إلى حد بعيد.
لكن الفيزيائيين كانوا كلما حاولوا المزج بين الجملة الهائلة للمعرفة، التي تُجسدها فيزياء الجسيمات ونظرية الانفجار العظيم للكون، لم يخرجوا إلا بمحض توافه لا قيمة لها، علماً بأنَّ ذلك المزج - من حيث المبدأ ــ حري بأن يكون ذا معنى، بل وأن يكون ضرورةً منطقية، لأنَّ وجه الكون الأول البالغ الحرارة كان يجب أن يؤدي دور مسرع قوي عالي الطاقة، فتتولد جسيمات جديدة في الكون الفتي، تماماً كما تتولد من طريق حوادث الصدم العالية الطاقة في المسرعات. لكن الواقع كان أقل من ذلك بكثير.
كان اهتمام علماء الكون منصباً بصورة خاصة على نوع واحد من الجسيمات هو ما يسمى أحادي القطب المغنطيسي magnetic monopole، الذي لم يكن قد شوهد في المسرعات بعد، إلا أنه كان متوقعاً بالاستدلال من قرائن أساسية جرى تحقق صحتها. ويستوجب المنطقُ أن تتولد أحاديات القطب المغنطيسي في البدايات الأولى لنشأة الكون الوليد ولكن ما مدى غزارة إنتاج الكون الأول لهذه الجسيمات يا تُرى؟ وهل هي عرضة للاضمحلال فور إنتاجها؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فهل من المحتمل وجود بقايا أو مُخلفات من أحاديات الأقطاب ما زالت تسبح من حولنا بانتظار أن يكتشفها عالم مستقص؟ وترقى أصول هذه التساؤلات إلى اكتشاف الأشعة الكونية cosmic rays في الثلاثينيات من القرن الماضي. وتتألف الأشعة الكونية في المقام الأول من جُسَيماتٍ تولدت ضمن مجرتنا وذات طاقات أدنى بكثير من طاقات (أحاديات القطب المغنطيسي)، إلا أنها أعلى إلى حد بعيد من طاقة المسرعات العاملة عند اكتشاف الأشعة الكونية وكان پول ديراك Paul Dirac قد تنبأ في كامبردج آنذاك بوجود المادة المضادة antimatter، لكن إنتاجها كان فوق إمكانات المسرعات المتاحة في ذلك الوقت. ويُذكر في هذا السياق أنَّ المادة المضادة قد اكتشفت أولاً وبالذات في الأشعة الكونية، قبل سنواتٍ كثيرة من إنتاجها على الأرض.
وكان القصد واضحاً: إذ لم يكن علماء فيزياء الجسيمات في بعض الأحيان بحاجة إلى مسرعات عالية الطاقة لإنتاج جسيمات جديدة، بل إن نظرة إلى السماء كانت تكفي لإمدادهم بوابل من الجسيمات العالية الطاقة بفضل الكون. ولعلَّ هذا الأسلوب نفسه ينسحب على مستويات طاقة أعلى كثيراً من طاقة الأشعة الكونية. ولربما أدّى الكونُ الناشئ بحد ذاته دور مسرع عالي الطاقة، قادر على توليد جسيمات مازلنا قاصرين عن توليدها على الأرض، من قبيل أحادي القطب المغنطيسي.
ومع ذلك فقد بقي السؤالُ الكبير ماثلاً كم ينبغي أن تكون غزارة بقايا أحاديات الأقطاب تلك؟ هنا تبدأ المشكلة لأنّ الفيزيائيين ما إن يُدخلوا أعداداً على المسألة حتى يخرجوا منها بنتيجةٍ لا معنى لها . إن فيض أحاديات الأقطاب الذي خلفته تلك المرحلة المبكرة الحارّة للكون هو من الغزارة والوفرة ما يحـمـل عـلـى الاعـتـقـاد بـأن لا شيء في الكون سوى أحاديات الأقطاب المغنطيسية. إذن لا بد أن ثمة خللاً ما في فيزياء الجسيمات أو في كونيات الانفجار العظيم.
في تلك الظروف شعر العلماء بشيء من الارتباك؛ فقد كانت لديهم نظريتان ناجحتان جداً تقوم إحداهما على فيزياء الجسيمات وتقوم الأخرى على كون الانفجار العظيم، وكلتاهما مقبولتان في مجاليهما. وأدركوا أن هاتين النظريتين لا بُدَّ منطقياً أن تتداخلا عند نقطة معيَّنة، ولكن حيثما كان التداخل لم يفض إلى شيء على كل حال. وفي إطار الأجواء السائدة في السبعينيات لم يكن عجباً أن تلقى مسؤولية هذه المشكلة كاملة على علم الكون؛ فقد أُشيع آنذاك أن علم الكون غير منسجم مع فيزياء الجسيمات»، وهذه إشارة ضمنية إلى أن علم الكون ليس جديراً بأن يؤخذ على محمل الجد.
لقد بدا الأمر وكأن الكون قد تنازعت في خلقه الهتان على طرفي نقيض! في أواخر السبعينيات من القرن الماضي كان آلن گوث الشاب قد عُرِف بوصفه عالماً في فيزياء الجسيمات، فترتب عليه ألا يضيع وقته في علم الكون. لكن التوفيق لم يكن حليفه؛ فقد كتب عدة مقالات لم يُكترث لها، حتى إنه اليوم يعترف بنفسه بأن مقالاته الأولى كانت تنحو إلى الخروج عن الموضوع.
ثم إنه بلغ مرحلة من حياته كفيزيائي ينبغي عليه فيها أن يتولى وظيفة دائمة أو يُفصل من العمل فصلاً تعسُّفياً. هذه الظاهرة الجائرة من الازدواجية كثيراً ما تصيب معظم الناس في مطلع الثلاثينيات من أعمارهم وهي ليست شائعة كثيراً خارج الأوساط الفيزيائية. وإليك الحقائق في صباح جميل تغلق سوقُ العقود المؤقتة أبوابها في وجه الفيزيائي العجوز، فإذا لم يفلح في الحصول على وظيفة في هذه المرحلة فإنه يلتحق عادةً بعالم المال ويشعر بالإحباط بقية حياته.
وإذ قصرت مقالات آلن عن النجاح، فلم تكن الأمور مبشرة بخير له. ومن السهل أن يقرأ المرء مسحةً من البأس في كتاباته اللاحقة عن تلك الأيام السوداء. لكن الإنسان بطبعه كثيراً ما يُقدِم على عمل متهور عندما تتقطع به الأسباب ويجد نفسه وقد أُحيط به. في ذلك الوقت اتَّخذ آلن قراراً حاسماً يُفضي إلى اكتشاف ظاهرة التوسع الانفجاري، وهو الانقطاع إلى ما بات معروفاً باسم «كونيات الجسيمات Particle Cosmology. ولم يكن يعرف شيئاً في علم الكون آنئذ، بل إنه وجد نفسه يلج ميداناً يفرّ الفيزيائيون منه فرارهم من شرّ مستطير. ومما زاد الطين بلة أنه لم يقنع بأقل من العمل في مسألة الجُسَيم الأحادي القطب المغنطيسي.
عمل آلن بالتعاون مع زميل له يدعى هنري تاي Henry Tye، وتناولا المسألة بأسلوب غير تقليدي، فبدأ البحث عن نماذج في فيزياء الجسيمات لا تقود إلى كون محشو بأحاديات الأقطاب المغنطيسية. قد يبدو هذا بسيطاً، إلا أنه ـ بإنعام النظر فيه ـ ليس كذلك. لقد ذهب منطقهما خلافاً للتوجهات السائدة في ذلك الوقت، فراحا يستعملان علم الكون لتعلم المزيد من فيزياء الجسيمات، كما لو كان علم الكون يتمتع بدرجة عالية من الوثوقية تؤهله لذلك الغرض. ولو أنهما قاما بهذا العمل قبل بضعة قرون وفي مكان آخر، لكانا محل اهتمام محاكم التفتيش.
وبغية تنفيذ برنامجهما كان عليهما دراسة تفاصيل عملية إنتاج القطب الأحادي دراسة دقيقة. وقد استتبع ذلك امتلاك خبرة عريضة في مضمار ما يُسمى انتقال الطُّور phase transition في فيزياء الجسيمات، وهي العملية المولدة لأحاديات القطب المغنطيسية في الكون الفتي. ولا ريب في أنك مطلع على مفهوم انتقال الطور في سياق الماء الذي يمكن أن يتخذ شكلاً صلباً (جليد)، أو سائلاً (ما يخرج عادةً من الصنبور أو غازياً (بخار). تُعرف هذه الأشكال الثلاثة للماء عموماً بالأطوار phases، ويمكن الانتقال من طور إلى طور عن طريق تغيير درجة الحرارة؛ مثال ذلك تحول الماء من شكله السائل إلى بخار يغليه، أو من شكله السائل إلى جليد بتجميده.
كانت أحاديات الأقطاب المغنطيسية تتولد بفعل عمليات انتقال الطور المؤثرة في المادة التي تؤلّف الجُسيماتِ الأساسية، ولكن عند درجات حرارة انصهارية تبلغ 1 متبوعاً بـ 27 صفراً. وكان وجود عمليات نقل الطور ضرورةً وجزءاً لا يتجزأ من نظريات فيزياء الجسيمات الناجحة جداً حينذاك. ومن البديهي أن ليس بإمكانك قطعاً بلوغ درجات حرارة كتلك باستعمال موقدك المنزلي ولا حتى أقوى المسرعات وأعلاها قدرةً، ثم فأنت محق في أن تعتقد بعجز أي إنسان عن إذابة جليد كهذا بالغ من التجمد الغاية. لكنك إذا اتَّخذتَ عمره مقارباً للانفجار العظيم، فقد يوفر الكونُ المتوسع الموقد» الملائم القادر على توليد مثل هذه الظروف الممعنة في التطرف. وإذا كان الكون المتوسع حجماً والمتقادم عُمراً يُمكن أن يتبرَّد، فذلك يدلّ بالمقابل، على أن الكون الأول كان حاراً جداً.
وقد توصل آلن وهنري وآخرون من قبلهم إلى نتيجة أعلى دقة، وهي أن الكون كان أشد حرارة من الدرجة اللازمة للأزمنة كلها قبل 0, (اكتب 19 صفراً بعد الفاصلة العشرية ثم 1) ثانية بعد وقوع الانفجار العظيم. لذلك فإن الجسيم (الصلب سيشبه حمماً سائلة في هذه الأثناء). ومع توسع الكون وانخفاض درجة الحرارة سيتجمد سائل الجُسَيم البدائي إلى مادة صلبة تؤلف الجسيمات التي نعرفها. وطبقاً لهذا القياس تكون أحاديات الأقطاب المغنطيسية شبيهة بأكياس بخارية صغيرة جداً أشبه بالضباب، تمثل مخلفات الطور الحار وقد احتسبت داخل لبوب دقيقة. والمشكلة هنا هي أن هذا الضباب البدائي كان أقرب إلى مستحلب لقذائف مدفعية فائقة الكتلة. كيف لنا إذن أن نتحاشى كوناً مملوءاً بصهارة غليظة من أحاديات الأقطاب الفائقة الوزن؟
بعد كثير من الإصابة والخطأ اكتشف آلن وهنري مخرجاً ممكناً؛ إذ خلصا إلى أن الكون في بعض النماذج الجُسَيمية يتبرد تبرداً مفرطاً «supercool» وهذا يعني ببساطة أن الماء السائل النقي قد يحتفظ بخاصية سيولته تحت درجة التجمد. والواقع أن بالإمكان تبريد الماء إلى درجة أدنى من 30 مئوية، إلا أن السائل المبرد بإفراط يتميز بدرجةٍ كبيرة من عدم التوازن، بحيث يُسبب أقل ارتجاج انفجار بلورات الجليد ويمكن ملاحظة أمثلة على ماء وسوائل أخرى مفرطة التبرُّد في الطبيعة؛ فعلى سبيل المثال قد يتبرَّد دم السناجيب القطبية المسبيتة (شتاء) إلى ثلاث درجاتٍ دون الصفر المئوي، ويستمر مع ذلك في التدفق لأنه مازال سائلاً، إلا أنه يكون عرضة للتجمد لأقل اضطراب قد يصيبه، فيتسبب في موت السنجاب. لذلك ينبغي الحرص على عدم إزعاج السناجيب القطبية في أثناء سُباتها.
قد تحدث عملية مشابهة في فيزياء الجسيمات، وقد ادعى هنري وآلن خطأ أن التبرد المفرط ربما يُبعد خطر حدوث فيض في أحاديات الأقطاب). ونشرا مقالة يشرحان فيها اكتشافهما. ومع أن هذه المقالة خاطئة في جوهرها، فقد قَدَحَتْ آثارها الجانبية» زنادَ ثورة في علم الكون. وواقع الأمر أنهما، بينما كانا يستعدان لتقديم مقالتهما، وقع حدثان مثيران لآلن أديا إلى الاكتشاف الاتفاقي للكون الانفجاري التوسع.
فقد تخلّى هنري عن صحبة آلن وتركه وشأنه. وكان هنري تحت وطأة ضغط كبير للتوقف عن العمل في كل هذا العبث الذي لا طائل تحته، إذ يذكر الن أن عالماً متقدماً كان قد نصح هنري آنئذ أن عمله في أحاديات القطب لن يفيده في الحصول على ترقية وظيفية كان قد تقدَّم لطلبها. وقد ارتكب هنري خطأ فادحاً بإصغائه إليه. إنَّ على المرء أن يفترض عموماً أن هؤلاء الناس مصابون بالخرف! وهكذا تخلّى هنري عن متابعة العمل الذي كان يُطوره مع آلن عندما بلغ مرحلته الحاسمة.
ولا شك أن الن كان تحت وطأة ضغوط مشابهة إن لم تكن أكبر. إنه لم يكن يُخاطر بترقية وظيفية، إذن لهان الأمر، بل كان على شفا خسارة سيرته العلمية. أما وقد أصبح الآن وحيداً، فقد قاده تهوره إلى المتابعة، ربما ـ ومن حيث لا يدري - تطبيقاً لمثل پرتگالي سائر يقول: «جميل بالمرء أن يتم ما قد بدأ». وفي تلك المرحلة كانت سيرة آلن تشهد تحولاً خطيراً وَجَدَ معه أن من الأولى له أن يُتابع فيما هو فيه حتى النهاية.
وكان هنري قبل أن ينهي عمله مع آلن قد أثار مسألة أساسية لم تكن معروفة بعد، تتصل بالخصائص التثاقلية للمادة المفرطة التبرد، فكان على آلن الآن أن يستنبط ماهية الثقالة التي يمكن أن تنبثق من هذا الشكل غير الاعتيادي للمادة.
عند هذه النقطة بالذات توصل آلن إلى اكتشاف مذهل؛ فقد وجد أن المصير المفرط التبرد في نظرياته الجُسَيمية هو مادة متوترة تنافريةٌ من الناحية التثاقلية، كان سلوكها مطابقاً لثابت كوني! وهي إلى جانب ذلك لا تشبه تماماً لامدا حقيقية، بل لامدا مؤقتة تظلُّ في حالة انفتاح في أثناء تبرد الكون. وهكذا تعود غلطة أينشتاين الكبرى من جديد.
وخلافاً لهنري، فإنَّ آلن لم تخدعه غرائزه. لقد أدرك على الفور أن اكتشافه يحمل بصمات واضحةً لفتح مُبين واستخفّه الفرح، فبادر في اليوم التالي لإعلام أحد زملائه اللامعين عما جادت به قريحته من أفكار. ولا غرو أن يقابل اندفاعه بفتور ورد يقول: «تعلم يا آلن أنَّ المهم في الأمر. هو أن نتقاضى مالاً مقابل ذلك.» حقاً، لم يكن آلن هو الوحيد الذي يجانبه التوفيق بادئ الأمر في لمس الأثر البعيد الباهر الذي تحققه الفكرة الجديدة.
وحسناً فعل آلن أن تجاهل كل التعليقات والمواقف، فما لبث أن أحرز اكتشافاً آخر يفوق سابقه، وهو أنَّ الكونَ المفرط التبرد، بثابته الكوني المؤقت، يقدم حلاً للألغاز الكونية جلها. وبذلك انقلب الخصمان اللدودان ـ فيزياء الجسيمات وعلم الكون - بعد لأي إلى صديقين متحابين متقاربين. وبتقاربهما ظهر أنَّ فيزياء الجسيمات هي الحلقة المفقودة اللازمة لتفسير الأسرار التي لم تُبث بعد من علم الكون المتصل بالانفجار العظيم.
وللكون المفرط التبرد علاقة عابرة مع الثابت الكوني، هي بمنزلة عبث مؤقت مع: غلطة أينشتاين الكبرى. وقد أطلق الن على هذا الحدث من عُمر الكون الوليد اسم التوسع الانفجاري inflation. وتعود أصول هذه التسمية إلى أن الثابت الكوني تنافري من الناحية التثاقلية ويتسبب في تمدد الكون بسرعة كبيرة جداً، بحيث يتسارع الاندفاع نحو الخارج مُتمدّداً أسرع فأسرع، بدلاً من أن يتباطأ كما يفعل عادةً بوجود قوة الثقالة الطبيعية الجاذبة. وهكذا يتعاظم حجم الكون (إضافة إلى كل المسافات الفاصلة بين الأجرام المشاركة في التوسع الكوني) بدرجة كبيرة خلال هذا الحدث القصير في عُمر الكون. وهنا برز تعبير التوسع الانفجاري»؛ فمادام الكون محكوماً بالمادة المفرطة التبرد، يتوسع حجمه توسعاً انفجارياً.
يُشبه التوسع الانفجاري بحقن الكون الوليد بعقار السرعة، وكأن الاتحاد المفرط التبرُّد للآلهتين المتخاصمتين (حتى الآن) قد نَعِم بالأمفيتامين، الذي حمل الكون على التوسع انفجارياً، لا على التمدد تمدداً اعتيادياً، علماً بأن فورة التمدد المبكرة للكون تنتهي نهاية مفاجئة حالما تتجمد المادة الجُسَيمِيَّة المفرطة التبرد في خاتمة المطاف. ثم إن الكون يستعيد هوية الانفجار العظيم الحار المميّزة له، ويستأنف التمدد المتباطئ سلوكه المعتاد.
إلا أن لهذه العلاقة المبكرة مع غلطة أينشتاين الكبرى نتائج مثيرة على المراحل اللاحقة من عُمر الكون. ففي تلك الليلة الطويلة التي اكتشف فيها آلن الكون الانفجاري التوسع خلص إلى أن مظاهر عدم الاستقرار المألوفة لنموذج الانفجار العظيم قد غدت مستقرَّةً في ظلّ التوسع الانفجاري، إذ أصبح التسطح (لا حبل البهلوان البعيد الاحتمال) هو المسار الذي يترتب على الكون الانفجاري التوسع أن يسلكه حتماً وستنفتح الآفاق لتجعل الكون المرئي كله في حالة احتكاك، حيث يتقارب ما كان يبدو مزيجاً مختلطاً من جزائر مفككة غير متساوقة ليصبح كلاً متجانساً بديعاً. وفي الوقت الذي تخلى فيه الكون عن المرحلة الانفجارية التوسع كان مهيَّاً تماماً ليجوز حبل البهلوان بنجاح دون أن يسقط. وهكذا قدم التوسع الانفجاري للكون حلاً لمظاهر عدم الاستقرار لكونيات الانفجار العظيم وأوشكت أن تلحق بأبي الهول وألغازه الهزيمة ولكي ندرك كيف يَحُلُّ التوسع الانفجاري مشكلة الأفق، أبدأ بالإقرار بأني أطرح المسألة حتى الآن طرحاً مبسطاً. وكثيراً ما يكون التبسيط أمراً لا بد منه إذا كانت الغاية مناقشة مسألة فيزيائية دون الرجوع إلى الرياضيات. ومسألة الأفق بالصورة التي طرحتها عليك صحيحة نوعياً، وتنطبق على نماذج الانفجار العظيم، بل وحتى على تغير سرعة الضوء، إلا أنها مع ذلك لا تثبت في حالة التوسع الانفجاري بسبب بروز نكتةٍ دقيقةٍ فيها. عندئذٍ يغدو واضحاً لنا في تعريفنا لبعد الأفق horizon distance كنا تُغفل دوماً علاقة التفاعل بين التوسع وانتقال الضوء، ويُمهد التنبه إلى هذا الجانب السبيل وصولاً إلى الحل الانفجاري لمشكلة الأفق.
تذكر أن مشكلة الأفق تنشأ من أنَّ الضوء و(أي تفاعل مهما كان)، في وقت ما يمكن أن يكون قد قطع مسافة محدودةً منذ حادثة الانفجار العظيم. لذلك يتجزأ الكونُ الفتي إلى آفاق أو مناطق كلُّ منها غير مرئي للآخر. هذا التجزؤ المختلط من، الآفاق المفككة يمثل مصدر إزعاج لعلماء الكون، ويحول دون الوصول إلى تفسير فيزيائي يستند إلى حوادث تفاعل فيزيائي، لتساؤلات من قبيل: لماذا كان الكون الأول مطرداً في بداية نشأته؟
إنَّا نُفضّل أن يكون الاطرادُ الكوني ناشئاً عن دخول الكون بكامله في حالة احتكاك، وبذلك تكون درجة حرارته متوازنة في كل أرجاء الفيض المتجانس. إلا أن الكون الوليد بدلاً من ذلك ينقسم إلى عددٍ كبير من المناطق لا رابط بينها. ومن المعلوم أنه لا يمكن بلوغ الاطراد الكامل ـ في إطار نظرية الانفجار العظيم القياسية ـ إلا عن طرق الضبط الدقيق للحالة البدائية للكون، أي بالتنسيق الدقيق لكل هذه المناطق المنفصلة لكي تتلقى خصائص واحدةً تماماً للانطلاق. واضح أن هذا التفسير مصطنع ومتكلف، وليس التفسير المنطقي على الإطلاق، وهو أقرب ما يكون إلى إقرار بالهزيمة.
ولكن ما حجم الأفق في الحقيقة؟ ذكرنا سابقاً أن نصف قطر الأفق هو المسافة التي قطعها الضوء منذ الانفجار العظيم وهذا يعني بأقصر طرائق الحساب أن نصف قطر الأفق للكون الذي عمره سنة واحدة هو سنة ضوئية واحدة، وهي المسافة التي يقطعها الضوء على مدى سنة واحدة، ولكن هل هذا صحيح تماماً؟
الجواب لا، بسبب النكتة الدقيقة التي نبهتك إليها. إلا أن الانتقال في كون متوسع يستتبع مفاجأة تتمثل في أن المسافة اعتباراً من نقطة الانطلاق أكبر من المسافة المقطوعة، بالنظر إلى أن التوسع لا يني يمط الحيز المقطوع. قس على ذلك سائقاً ينتقل بسرعة 100 كيلومتر في الساعة مدة ساعة واحدة. صحيح أن هذا السائق قد قطع 100 كيلومتر، ولكن لو أنَّ الطريق قد تطاول في تلك الأثناء لكانت المسافة من نقطة الانطلاق أكبر من 100 كيلومتر حتماً.
أو تصور طريقاً سريعاً كونياً، يمكن أن يكون حقيقية لو أن الأرض تتوسع جداً. إن رحلة بين مدينتي لندن ودرم Durham قد تُظهر على عداد المسافات أن مسافة 300 ميل قد قُطعت، في حين أن المسافة الفعلية بين بمعدل سريع المدينتين عند نهاية الرحلة ربما تكون 900 ميل.
وفي كون عمره 15 بليون سنة، ربما يكون الضوء قد انتقل مسافة 15 بليون سنة ضوئية منذ الانفجار العظيم، إلا أن المسافة إلى نقطة انطلاقه ربما تقدر بنحو 45 بليون سنة ضوئية. وهذه هي الأرقام التي تظهر فعلاً من حسابات حقيقية. وبسبب من هذه الظاهرة الخاصة، فإن حجم الأفق الحالي يبلغ ثلاثة أضعاف التوقع الساذج.
لكن هذه الحقائق لا تغير من جوهر ظاهرة الأفق horizon effect في نماذج الانفجار العظيم. وبالفعل فإن الأفق أكبر من التقدير المتوقع الساذج، ويمكن البرهان على أن الأفق يتزايد مع الزمان وهنا يكمن سر مشكلة الأفق. حجم ومعنى ذلك أن الأفق كان صغير الحجم في الماضي مقارنة بحجمه الحالي، وأنه مازال بإمكاننا أن نخلص إلى أن الأجرام النائية تُرى اليوم على الحال الذي كانت عليه منذ زمن بعيد، حين كان الأفقُ أصغر بكثير، وقد يكون أُفق كل منها اليوم خارج أُفق الآخر. وهنا تبرز الصفة المحيرة للتجانس الملحوظ للكون النائي في الماضي، ذلك لأن مناطقه المختلفة غير محتك بعضها ببعض، سواء بوجود ظاهرة «التضاعف الثلاثي» triplication effect هذه أم في غيابها.
ومع ذلك فإنَّ المحاكمة المنطقية المتقدمة لا تصح إلا في حالة توسع طبيعي متباطئ، ولا تثبت في حالة توسع انفجاري متسارع، لأن المسافة التي يقطعها الضوء في هذه الحالة منذ بدء التوسع الانفجاري تصبح لانهائية. ولهذا السبب يُطلق على ظاهرة التوسع الانفجاري ـ أو المتسارع ـ أحياناً اسم التوسع الضوئي الفائق superluminal expansion، وهي تسمية قد لا تكون دقيقة تماماً، إلا أنها بلا شك، موحية والفكرة المهمة هنا أن الضوء ـ في إطار التوسع "الأمفيتاميني" - ينتقل مسافة محدودة، لكنَّ التوسع يعمل «أسرع من الضوء»، مستمراً إلى ما لانهاية في مط المسافة الفاصلة بين شعاع الضوء ونقطة الانطلاق. وهكذا يفتح التوسع الانفجاري الآفاق. إن الكون المرئي اليوم بأكمله كان قبل التوسع الانفجاري جزءاً صغيراً جداً من الكون في حالة احتكاك سببي causal contact وما كان يبدو مناطق منفصلة يُحتمل أن تكون قد تواصلت إحداها بالأخرى. ووصلت إلى درجة حرارة موحدة، بأسلوب يشبه ما يحدث عند مزج ماء بارد وآخر حار للحصول على ماء فاتر ذي درجة حرارة واحدة في كل أجزائه. ثم إن هذه الرقعة الصغيرة المتجانسة قد تعاظمت بفعل فورة من التمدد الانفجاري متحولة إلى منطقة هائلة الاتساع أكبر بكثير من الـ 45 بليون سنة ضوئية التي لا نستطيع رصدها اليوم. ويُذكر أن مشكلة الأفق لا تظهر إلا إذا سلمنا بتوسع انفجار عظيم حارّ قياسي منتظم رجوعاً عبر الزمن ووصولاً إلى اللحظة «صفر». فإذا أدخلنا - بدلاً من ذلك - حقبة وجيزة من التوسع الانفجاري في عُمر الكون الحديث النشأة لتمكنا من حل مشكلة الأفق.
أما مشكلة التسطح flatness problem فهي الفريسة التالية للتوسع الانفجاري. وقد رأينا آنفاً أنَّ للثابت الكوني خصائص غير اعتيادية تختلف عن كل ما نعرفه من خبرات حياتنا اليومية؛ فمن صفاته أنه تنافري من الناحية التثاقلية، وهو إلى جانب ذلك يُبدي نمطاً آخر من السلوك الغريب يتمثل في أن كثافة طاقته لا تخف بفعل التوسع، بل تبقى ثابتة.
وتصبح الأشكال المعتادة للمادة أقل تركيزاً إذا وضعت داخل علبة، ثم توسع حجم العلبة متيحاً لمحتوياتها الانتشار بداخلها. وكما يصح ذلك على رقائق الذرة المحمصة، يصح على الغبار الكوني الذي تقدم ذكره. فإذا ضاعفت حجماً مقداره متر مكعب واحد ويحتوي على كيلوگرام واحد من الغبار الكوني، انخفضت كثافته إلى النصف. صحيح أنه مازال لديك كيلوگرام واحد من الغبار، إلا أن كثافته أصبحت نصف کیلوگرام لكل متر مكعب لما صار الغبار يشغل ضعفي الحجم.
وليس الأمر كذلك. مع لامدا: ففي ظروف مماثلة سيبقى لديك 1 كيلوگرام لكل متر مكعب من لامدا في أرجاء الحجم الذي لديك وهو 2 متر مكعب، حيث أنك خرجت بـ 2 کیلوگرام من لامدا حين لم يكن في بادئ الأمر سوى 1 كيلوگرام. إن علبة من لامدا تحتوي على العدد نفسه من الكيلوگرامات في كل متر مكعب، حتى عند مضاعفة حجمها لكي تتسع لضعفي الكتلة أو الطاقة الأوليتين. وقد تقدم لنا أن هذه السمة غير الاعتيادية ناشئة عن أن لامدا مادةً متوترة جداً، حيث يعمل التوسع على تنشيط فيض لامدا ومده بالطاقة، بصورة تشبه ما يراكمه شريط مطاطي من طاقةٍ عند نَشْرِه. ولكن في حين لا يتجاوز الأثر في الشريط إسهاماً محدوداً جداً في طاقته الداخلية، فإنَّ توثرَ لامدا عال جداً بدرجةٍ تحمل تراكم طاقة التوثر على تعويض خفّة التركيز المرافق للتوسع؛ فالتوسع يُخفف من تركيز طاقة لامدا، ثم يسد التوتر النقص تماماً.
إنَّ هذا التباين بين سلوك لامدا والمادة الاعتيادية هو الذي أدى إلى بروز مشكلة الثابت الكوني؛ إذ إنَّ وجود أثارة ضئيلة من لامدا ما يلبث أن يفضي إلى كون ليس فيه إلا لامدا. أما التوسع الكوني فيضمن أن كل كمية المادة الطبيعية سيخف تركيزها، في حين تبقى كثافة لامدا. ثابتة. وسرعان ما سيخلو الكون إلا من لامدا التي ستحكم الكون إلى الأبد.
ومسألة لامدا شبيهة من بعض الوجوه بمشكلة التسطح؛ فكلتاهما تبرزان من نزعة تحكمية للتقوس أو للامدا. ولعلك تذكر أن مشكلة التسطح هي عدم توازن نموذج فريدمان المسطح؛ فالنماذج الكونية المتجانسة قد تكون مسطحة أو كروية أو مفتوحة (تسمى أيضاً شبه كروية). وقد وُجد أن النماذج الضئيلة التكور يتزايد تقوسها أكثر فأكثر وبصورة عنيفة، إلى أن تنغلق على نفسها في حادثة انكماش عظيم مثيرة. وتمعن النماذج المفتوحة في انفتاحها إلى حد يجعلها تنتهي إلى خواء عقيم خلو من أي مادة. وفي الحالتين كلتيهما ينزع وليس الأمر كذلك مع لامدا ففي ظروف مماثلة سيبقى لديك 1 كيلوگرام لكل متر مكعب من لامدا في أرجاء الحجم الذي لديك وهو 2 متر مكعب، حيث أنك خرجت بـ 2 کیلوگرام من لامدا حين لم يكن في بادئ الأمر سوى 1 كيلوگرام. إنَّ علبة من لامدا تحتوي على العدد نفسه من الكيلوجرامات في كل متر مكعب، حتى عند مضاعفة حجمها لكي تتسع لضعفي الكتلة أو الطاقة الأوليتين.
وقد تقدم لنا أن هذه السمة غير الاعتيادية ناشئة عن أنَّ لامدا مادةً متوترة جداً، حيث يعمل التوسع على تنشيط فيض لامدا ومده بالطاقة، بصورة تشبه ما يراكمه شريط مطاطي من طاقة عند نَشْرِه. ولكن في حين لا يتجاوز الأثر في الشريط إسهاماً محدوداً جداً في طاقته الداخلية، فإن توثر لامدا عال جداً بدرجةٍ تحمل تراكم طاقة التوتر على تعويض خفّة التركيز المرافق للتوسع؛ فالتوسع يُخفف من تركيز طاقة لامدا، ثم يسد التوتر النقص تماماً.
إنَّ هذا التباين بين سلوك لامدا والمادة الاعتيادية هو الذي أدى إلى بروز مشكلة الثابت الكوني؛ إذ إنَّ وجود أثارة ضئيلة من لامدا ما يلبث أن يفضي إلى كون ليس فيه إلا لامدا. أما التوسع الكوني فيضمن أن كل كمية المادة الطبيعية سيخف تركيزها، في حين تبقى كثافة لامدا ثابتة. وسرعان ما سيخلو الكون إلا من لامدا التي ستحكم الكون إلى الأبد.
ومسألة لامدا شبيهة من بعض الوجوه بمشكلة التسطح؛ فكلتاهما تبرزان من نزعة تحكمية للتقوس أو للامدا. ولعلك تذكر أن مشكلة التسطح هي عدم توازن نموذج فريدمان المسطح؛ فالنماذج الكونية المتجانسة قد تكون مسطحة أو كروية أو مفتوحة تُسمّى أيضاً (شبه كروية). وقد وُجد أن النماذج الضئيلة التكور يتزايد تقوسها أكثر فأكثر وبصورة عنيفة، إلى أن تنغلق على نفسها في حادثة انكماش عظيم مثيرة. وتمعن النماذج المفتوحة في انفتاحها إلى حد يجعلها تنتهي إلى خواء عقيم خلو من أي مادة. وفي الحالتين كلتيهما ينزع التقوس إلى الهيمنة على المادة، ويكون النتاج شيئاً مختلفاً تماماً عن الكون الذي نعيش فيه.
هذه خلاصة للأفكار التي سبق أن أوردناها. لكني أحب أن أسترعي انتباهك الآن إلى أمر مهم لم أتطرق إليه من قبل، ذلك أن مشكلتي التسطح ولامدا تتعلقان بطبيعة التقوس ولامدا النزاعة إلى التحكم في المادة الاعتيادية خلال عملية التوسع الكوني. ولكن ما شأن المماحكة بين التقوس ولامدا فيما بينهما؟ وكيف يمكن أن تتفاعل مسألتا الثابت الكوني والتسطح؟
وجد آلن كوث أن أحد الخصمين يقضي على الآخر: فنزعة التقوس التحكمية لا قبل لها بقوة لامدا الكبيرة وخلص إلى أن الكون المسطح لا يفقد توازنه إلا في حالة الصراع بين التقوس والمادة الطبيعية. أما في مواجهة لامدا فالتقوس هو الخاسر حتماً، بحيث يكون الكون المسطح (وكذلك الكون الذي تتحكم فيه لامدا) هو السائد. ويبدو وكأن التقوس يصبح. مخففاً فعلاً عن طريق التوسع، ولكن بدرجة أقل من المادة الطبيعية. وبذلك يتحكم التقوس بالمادة الطبيعية، ويكون في الوقت نفسه محكوماً بشيء غير مخفّف بفعل التوسع إطلاقاً، مثل مادة فائقة التبرد أو ثابت كوني.
لكن التوسع الانفجاري، وخلافاً للامدا، الحقيقي، ليس «دكتاتوراً»، بل إنَّ لامدا الانفجاري التوسع هو تقليد زائف لدكتاتورية حقيقية تنهي تسلطها طوعاً عندما تتجمد المادة الفائقة التبرُّد أخيراً. أما التوسع الانفجاري فيمثل دكتاتورية لامدا متنكرة، لامدا مؤقت يضمحل إلى مادة اعتيادية عند انتهاء دوره. ولكن مادام هذا المظهر من الدكتاتورية نافذاً، تكبح فاعلية «مستبد» أقل ضراوةً وهو التقوس. وعند انتهاء هذه المهمة تعود الأمور إلى نصابها.
ويتحول «الدكتاتور» إلى مادة طبيعية وإشعاع في الكون. وهذا بعينه هو الحل العبقري لمشكلة التسطح في كون انفجاري التوسع.
يمكن إذا شئت إعادة صوغ هذه النتائج باستعمال أوميكا: وهي النسبة بين الطاقة التثاقلية والطاقة الحركية في التوسع الكوني، بالقول إن أوميكا المساوية للواحد عادت متوازنة بمقتضى قاعدة لامدا، إلا أنها تحولت إلى ما يطلق عليه العلماء اسم الجاذب attractor انظر الشكل .1.6 وهذا صحيح سواء أكان لدينا لامدا حقيقي أم لامدا مؤقت (أي توسع انفجاري)، وذلك مشروط فقط بأن يكون لامدا ذا توثر عال جداً، من ثم غير مخفّف بفعل التوسع.
ثم يتذكر آلن مناظرة ديك التي حضرها منذ زمن طويل، والتي كان ديك قد ذكر فيها أن استمرار بقاء الكون الذي عُمره ثانيةً واحدة حتى اليوم استلزم أن تقع قيمة أوميگا ما بين 0.99999999999999999 و1.00000000000000001. وسرعان ما اكتشف أن مقداراً صغيراً جداً من التوسع الانفجاري يُخفف التقوس بحيث تقع قيمة أوميكا للكون الذي عمره ثانية واحدة ما بين (اكتب عدة صفحات من التسعات) 0, و(اكتب عدة صفحات أخرى من الأصفار وأتبعها بواحد إلى يمينها)1. لقد كان التوسع الانفجاري أسلوباً فاعلاً جداً لكبح التقوس وفرض درجة الضبط اللازم لحل مشكلة التسطح.
ومع نهاية التوسع الانفجاري يضمحل الكون الفائق التبرد إلى مادة وإشعاع كون الانفجار العظيم الحارّ الطبيعي، ويتوقف الثابت الكوني المؤقت، ويفسح التوسع الأمفيتاميني» الجموحُ المجال للتوسع المتسارع النظامي الخاص بالثقالة الجاذبة. ويستأنف المسار الطبيعي للانفجار العظيم وقد تخلص من أسوأ معوقاته، فلم تعد مصادفة أنَّ الكون متجانس عبر آفاق كثيرة غير مترابطة؛ فجميع هذه الآفاق المنفصلة قد اجتمعت الآن في بوتقة واحدة. وعادت مظاهرُ عدم التوازن في نماذج الانفجار العظيم المسطحة منها لا تؤلف مصدر قلق، فقد انضبط الكون تماماً بتأثير زمن من التوسع الانفجاري أضفى عليه عند ولادته التوازن اللازم له لمواجهة مظاهر الاختلال التي قد تطرأ عليه في مستقبل عمره.
والمسألة الوحيدة التي لم يحلها التوسع الانفجاري هي بالطبع مسألة لامدا نفسه، التي يقوم عليها التوسع الانفجاري إلى حد ما. فإذا وُجِدَ ثابت كوني دائم إضافة إلى لامدا المؤقت الذي وفّرته المادة المفرطة التبرد، تعذر كبح الثابت الكوني عن طريق التوسع الانفجاري. هذا مع العلم بأن كثافة طاقة لامدا الزائف والحقيقي تبقى في عملية التوسع ثابتةً وبنسبة معينة لا تتغير. ويظل الخطر ماثلاً من أن لامدا حقيقياً قد يتحكم بالكون في أي وقت بعد التوسع الانفجاري.
نفسه، التي يقوم عليها التوسع الانفجاري إلى حد ما. فإذا وُجِدَ ثابت كوني دائم إضافة إلى لامدا المؤقت الذي وفّرته المادة المفرطة التبرد، تعذر كبح الثابت الكوني عن طريق التوسع الانفجاري. هذا مع العلم بأن كثافة طاقة لامدا الزائف والحقيقي تبقى في عملية التوسع ثابتةً وبنسبة معينة لا تتغير. ويظل الخطر ماثلاً من أن لامدا حقيقياً قد يتحكم بالكون في أي وقت بعد التوسع الانفجاري.
شكل 1. عندما تكون أوميكا مساوية الواحد يتحول الكون إلى جاذب في أثناء التوسع الانفجاري، وبذلك يحلُّ هذا التوسع مشكلة التسطح.
لكن المعركة لم تحسم بعد على الجبهات الأخرى كلها، فكانت الاستراتيجية الجريئة تقضي بالاستعانة بأحد ألغاز الانفجار العظيم في حلّ سائر ألغازه. وهذا يعني من بعض النواحي قلب أبي الهول على نفسه؛ فأبو الهول لم يُهزم تماماً، بل لحق به أذى كبير، ولم يبق معه إلا سلاح واحد فقط. وذلك هو الإنجاز اللافتُ الذي حققته النظرية الانفجارية للكون.
قبل أن أغلق ملف التوسع الانفجاري دعني أضف أخيراً أن كون آلن گوث الفائق التبرد قد تكشف عن أنه ليس إلا مسانداً لنموذج التوسع الانفجاري الحقيقي. وقد تبين أن الاقتراح الأولي لكوث كان يُعاني خللاً تقنياً لا يُرجى إصلاحه. لكن ذلك لا يهم أحداً مادام أنه حاز الفكر الأساسية، وإن لم يكن قد اتَّخذ صيغته النهائية مجسدةً. ومن المؤسف حقاً أن الفضل كثيراً ما يُنسب لا إلى أولئك الذين يخرجون بتصور لنظرية جديدة، بل إلى الذين يأتون بعد ذلك ويُحسنون مظهر التفاصيل الدقيقة لما اكتشفه غيرهم. وقد عبر لي سمولين Smolin Lee هذا التناقض متمثلاً بحالة روّاد ومزارعين» يستأثر فيها المزارعون عن وحدهم بكامل الفضل لاكتشاف مناطق جديدة. غير أن هذه النزعة المؤسفة لم تَسْرِ على التوسع الانفجاري، فكأن من اكتشف المنطقة الجديدة قد نال شرف اكتشافه الذي يستحقه أوفر ما يكون.
وتوخياً للإنصاف في مسألة التوسع الانفجاري، لا بد من الإقرار بأنَّ مَنْ خلف آلن گوث قدَّمَ أكثر بكثير من مجرد إضفاء لمسات خارجية نهائية على مكتشف معلوم. فقد أنفق علماء الفيزياء سنواتٍ من الجهد المضني في تصويب مواطن الخلل في مقترحات آلن الأولى إلى أن انتهوا إلى نتائج نوعية مبتكرة، مقارنةً بما اقترحه آلن أولاً. وهؤلاء الفيزيائيون هم: پول ستاینهاردت Paul Steinhardt ومعاوني المستقبلي آندي البرخت Albrecht Andy الذي لم يكن آنذاك أكثر من طالب دراسات عليا. ويُشار إلى أن آلن گوٹ زين كتابه النفيس الكون الانفجاري التوسع The Inflationary Universe بصور للعلماء الذين أسهموا في إيجاد نظرية التوسع الانفجاري، ما خلا هذا الرجل الأدنى مرتبة ـ آندي.
وقد استعاضت نماذج التوسع الانفجاري اليوم عن التبرد الفائق بآليات أخرى أكثر فاعلية لتوليد التوسع؛ فهي تُدخل في العادة حقلاً خاصاً هو "وحدة التوسع الانفجاري Inflationary قادراً على استنباط زمن للتوسع الكوني الانفجاري وحل المشكلات الكونية كلها (باستثناء مسألة لامدا) دون الدخول في الحمأة التي ترتب على أول نموذج لآلن مواجهتها. لكن من المؤسف أن أحداً لم ير وحدة التوسع هذه قط.
ولوضع الأمور في نصابها أضيف أن مشكلة أحادي القطب، التي كانت مصدر قلق كبير لآلن گوث بادئ الأمر، لم تعد مشكلة كونية حقيقية، وهي تؤدي هنا أيضاً دوراً مسانداً لفكر عليا. لكن من المفارقات أن تكون نماذج الفيزياء الجسيمية، وليس علم الكون هي الملومة في ظهور المشكلات الأولى لأحاديات القطب ومَن يدري، فقد يُنظر إلى الألغاز الكونية نفسها يوماً على أنها مجرد عوامل مساندة لا أكثر. لقد حركت هذه الألغاز عقول العلماء، لكن نظريات الكون الفتي التي تصوّروا أنها كفيلة بحل هذه الألغاز تجاوزت كثيراً بواعث اهتمامهم المبدئي. ولا شك أنَّ هذا ينطبق على التوسع الانفجاري، لكنه موضوع آخر قد يستغرق منا كتاباً كاملاً لو أردنا الخوض فيه.
وأختتم الحديث هنا بالقول: إن آلن لم يصبح: قط شخصاً مرفوضاً في ميدان الفيزياء ولم يلبث العلماء، بعد تردُّدٍ مبدئي مبرر، أن أدركوا كوامن التوسع الانفجاري الذي حقق بين عشية وضحاها نجاحاً باهراً إلى درجة كانت معها أرقى الجامعات الأمريكية قبل نشر مقالة آلن في الصحافة العلمية بزمن طويل) تتنافس على إدراجه في عداد كوادرها الثابتة. لعلك تلاحظ الآن أن لدي بعض النزعات الفوضوية، أو أني على الأقل أستنكر الحدود الصارمة للمؤسسة التي غالباً ما نجد أنفسنا مُلزمين بأن نودع فيها روح إبداعاتنا. إلا أني لست شديد التمسك بذلك أو الالتزام به شخصياً. إنك لتجد أن المرموقين من الناس يصيبون نجاحاً في بعض الأحيان بمحض المصادفة، وما نجاح آلن گوث في عمله بعد أن اتَّبع سبيل التوسع الطائش إلا دليلاً على ذلك.
مرت السنون، وما انفك رواج نظرية التوسع الانفجاري بين الفيزيائيين في تنام مستمر. وفي خاتمة المطاف أمسى التوسع الانفجاري نفسه هو المؤسسة. وشيئاً فشيئاً صار السبيل الوحيد المقبول اجتماعياً لممارسة علم الكون، واستبعدت كل المحاولات للالتفاف عليه باعتبارها بعيدة عن ميزان العقل والمنطق.
ولكن ليس على سواحل جلالة الملكة إليزابيث الثانية على كل حال!
الاكثر قراءة في مواضيع عامة في علم الفلك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)