
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
سخيف جدا كسر الثابت: هل يمكن أن تتغير سرعة الضوء في بدايات الكون؟
المؤلف:
جواو ماگیویجو
المصدر:
اسرع من سرعة الضوء
الجزء والصفحة:
ص9
2026-04-20
48
أنا فيزيائي بحكم مهنتي متخصص في الفيزياء النظرية، وباحث مؤهل بكل المقاييس. بضاعتي دراسات عليا ودرجة دكتوراه من كامبردج Cambridge، تلتها عضوية زمالة مرموقة في كلية القديس جون بكامبردج (وهي الزمالة التي نالها من قبل پول ديراك Paul Dirac وعبد السلام Abdus Salam)، ثم زمالة في البحث العلمي في الجمعية الملكية أعمل حالياً محاضراً (أي ما يعادل منصب أستاذ دائم في الولايات المتحدة في جامعة إمبريال كولدج Imperial College بلندن .
أقول ذلك مباشرة ودون مقدمات لا بغية التبجح، بل لأن هذا الكتاب يعالج رؤية علمية استثنائية أثارت جدلاً وخلافاً؛ فليس في نواميس العلم ما هو أرسخُ وأثبتُ من نظرية أينشتاين النسبية. ومع ذلك ففكرتي لا تقنع من التحدّي بما هو دونها؛ فقد ذهبتُ فيها أبعد مذهب قد يُنظر إليه على أنه محض انتحار مهني يُقدم عليه فيزيائي. لذلك لم يكن مستغرباً أن تستعمل إحدى الصحف العلمية الرائجة كلمة هرطقة heresy عنواناً لمقالة عن كتابي هذا.
إنَّ كثرة استعمال كلمة «الحَدْس» أو «الظنّ» أو «الافتراض speculation» لاستبعاد أفكار غير مقبولة لدى المرء، قد يحمله على الاعتقاد بأن ليس للحَدْس دورٌ في العلم والحقيقة أن العكس هو الصواب. ففي ميدان الفيزياء النظرية، ولاسيما في مجال علم الكون الذي أعمل فيه، أنفق وزملائي معظم أيامنا ونحن نحاول انتقاد النظريات السائدة وتَسَقط عيوب فيها، ثم دراسة النظريات الجديدة القائمة على الظنِّ والحَدْس، التي يمكن أن تستوعب المعطيات التجريبية بصورة أفضل. وقد عُرف عنا أنا نرتاب في كل ما طُرح في الماضي من نظريات، ونقدم خيارات جريئة بديلة، ونستمر في المناقشة وتبادل الآراء إلى ما لا نهاية، بعضنا مع بعض.
وقد صار هذا الأسلوب ديدني عندما غدوتُ طالب دراسات عليا في كامبردج سنة 1990، وأدركتُ فوراً أن على - بحكم كوني دارساً في العلوم النظرية – أن أقضي أغلب أوقاتي متآثراً مع أقراني: فكان الزملاء أحياناً يحلون محلّ التجارب في المناقشات. وفي كامبردج كانت تُعقد لقاءات أسبوعية غير رسمية كنا نتبادل فيها وجهات النظر في كل ما كان يشغل بالنا. وكان أيضاً ثمة ما يسمى باجتماعات علم الكون المتنقلة التي تغطي كامل المملكة المتحدة، يلتقي فيها أفراد من كامبردج ولندن وسُسكس Sussex لدراسة مشروعات تهمهم وتحيّرهم. وعلى المستوى اليومي كان مكتبي بجوه غير الرسمي، الذي يُشاركني فيه خمسة أشخاص آخرون على خلاف دائم يتصايحون في جدل متواصل لا يكاد يفتر.
وكانت تلك الجلسات تقتصر أحياناً على مناظرات ذات صبغة عامة، كأن تنصرف إلى مناقشة مقالة بحثية تقدَّم بها أحدهم حديثاً؛ وقد تختلف عن ذلك أحياناً أخرى، فكنا نخرج من الغرفة، لا لنبحث في الأفكار الجديدة المستمدة من نتائج التجارب أو الحسابات الرياضية أو عمليات محاكاة الكومبيوتر، بل للاستغراق في التأمل والافتراض أي للبحث في أفكار لا تستند إلى عمل تجريبي منهجي أو حساب رياضي، رصين وإنما هي مجرد خواطر تدغدغ أذهاننا، انطلاقاً من معرفة عامة في الفيزياء النظرية.
إنها متعة حقيقية أن تفعل ذلك، ولاسيما عندما تثوب إلى نفسك فجأة فتصفع جنبيك بيدك ـ بعد طول أخذ وردّ تتمكن في نهايته من أن تقنع مَنْ حولك بصحة رأيك - مُدركاً أن خللاً بسيطاً جداً قد أفسد عليك تأملك، وأن كل ما كنت تقوم به خلال الساعة الماضية ليس إلا تضليلاً للمحاضرين جميعاً، أو العكس لقد كنتَ أنت ضحية تضليل واحتيال سخيف نتيجة خلل في حدس شخص آخر.
فلا غرو أن يولد هذا الجو المشحون بالجدل والنقاش ضغطاً كبيراً على طالب دراسات عليا مستجد. وقد يبلغ هذا الضغط حداً مخيفاً بنوع خاص عندما يتضح في غمرة نقاش ما، أن هناك من يفوقك براعة وحذقاً إلى حد بعيد يجعلك عاجزاً تماماً عن الثبات وخارج نطاق مقدرتك. وجامعة كامبردج بكل طبقات هيئتها التدريسية الدائمة لا تعوزها الشخصيات اللامعة والألمعية ممن يحبون التباهي ولفت الأنظار أولئك الذين لا يكتفون بتقديم الدليل على أنك على خطأ، بل يجعلونك تدرك كذلك كم هي تافهة تلك النقطة التي كبوت عندها، وأنها لا يمكن أن تفوت طالباً مبتدئاً متوسط القدرة في سنته الأولى من جامعة كامبردج دون كبير مشقة وبقدر ما كانت تلك المعاناة مثيرة لأعصابي لم تكن أبداً لتوهن عزيمتي أو تفتّ في عضدي، بل كانت حافزةً لي على الاستمرار، وعلى الشعور بأني ما لم أفكر بأمر مهم جديد ومبتكر، فلن أجد لنفسي مكاناً في المجتمع.
ومن الموضوعات التي كثيراً ما كانت تُثار في تلك اللقاءات مسألة التوسع الكوني inflation وهي من أكثر المفاهيم شيوعاً في علم الكون الحديث، وهو فرغ من الفيزياء يسعى إلى استكناه إجابات عن تساؤلات كثيرة عميقة من قبيل ما هو منشأ الكون؟ وكيف ظهرت المادة إلى الوجود؟ وكيف ستكون نهاية الكون؟ ومن المعلوم أن مثل هذه التساؤلات كانت لزمن طويل مرتبطة بالدين والأساطير والفلسفة، أما اليوم فقد وجدت لها تفسيراً علمياً يتمثل بنظرية الانفجار العظيم Big Bang التي تفترض كوناً متمدداً وُلِدَ من انفجار هائل.
والتوسع الكوني نظرية كان أول من أطلقها آلن گوث Alan Guth وهو فيزيائي متميز من معهد مساتشُستس للتكنولوجيا MIT. ثم أدخلت عليها تعديلات على أيدي ثلة من علماء، آخرين استجابة لما نسميه - نحن الفيزيائيين النظريين ـ (المشكلات الكونية). وعلى وجه التخصيص، فإن كل باحث في علم الكون اليوم يتقبل الفكرة القائلة إن الكون قد بدأ بانفجار عظيم؛ ومع ذلك فثمة جوانب من الكون لا يمكن تفسيرها استناداً إلى نظرية الانفجار العظيم هذه كما نفهمها نحن اليوم هذه المشكلات - باختصار - تتصل بالواقع المتمثل في أن نموذج الانفجار العظيم نموذج غير مستقر، لا يمكنه الاستمرار كما نراه اليوم إلا إذا رُسمت حالته الابتدائية الأولى عند لحظة الانفجار العظيم، بدقة بالغة. وبغير ذلك سرعان ما تتطوّر الانحرافات الطفيفة - من الوجهة السحرية للانحراف ـ إلى طامة كبرى (كاندثار مبكر للكون). ولا بد لهذه الحالة الابتدائية البعيدة الاحتمال أن تُدخل باليد لا أن تُستمد من أي عملية فيزيائية مادية قابلة للحساب. وقد وجد علماء الكون أن ذلك غير كاف أبداً.
تقضي نظرية التوسع بأنَّ الكون الفتي في مراحل نشأته الأولى قد توسع بسرعة أكبر بما لا يُقاس من سرعة توسعه الحالية (حيث صار حجمه متمدداً تمدداً انفجارياً). ونظرية التوسع توفّر خير جواب عن هذه المشكلات الكونية، وعن السبب الذي يجعل الكون يبدو بالمظهر الذي يبدو عليه اليوم؛ بل إن هناك من الأسباب ما يبعث على الاعتقاد أنها ربما كانت هي الضالة التي تحمل الجواب الصحيح على أن دليلاً تجريبياً على التوسع لم يتوفّر بعد، وهذا يعني وفقاً لأشد المعايير العلمية صرامة - أن التوسع الكوني في حد ذاته ما زال في حدود الظن.
وبرغم أن ذلك لم يمنع إقبال معظم العلماء على هذه النظرية، فإنَّ أوساط الفيزياء النظرية البريطانية لم تبلغ مبلغ الاعتقاد الجازم أن نظرية التمدد تمثل الجواب. سم ذلك ما شئت: سمه غلوّاً (علماً أن النظرية أطلقها أمريكي)، أو
سمه عناداً أو تصلُّباً، أو سمه إن شئت عِلماً؛ فأياً تكن التسمية، ما إن ينعقد أحد هذه الاجتماعات ويتحلق المؤتمرون طاولة البحث، حتى كان يبرز بالضرورة ـ موضوع التوسع، ويسود النقاش اعتقاد أن نظرية التوسع كما فهمناها لم تكن لترقى إلى مستوى القدرة على حلّ مشكلات كونية معينة بالغة الأهمية.
لم أكن في البداية أُولي هذا القدر من التفكير لقضية التوسع، ذلك لأنَّ خبرتي تتجه إلى مجال آخر مختلف نوعاً ما: العيوب الطبولوجية، وهي تفسير لنشأة المجرّات وسواها من بنى الكون. (لهذه العيوب صلة مشتركة بالتفسير الانفجاري لهذه البُنى، لكن من المؤسف أنها قاصرة عن تفسير المشكلات الكونية.) لكني بعدما سمعت مراراً وتكراراً أن ليس لفكرة التوسع أساس البتة في فيزياء الجسيمات المعروفة لنا، وأنَّ التوسع لم يكن أكثر من نجاح أمريكي على الصعيد العام (مع إدراك الطبيعة البشرية دوماً)، بدأتُ أنا أيضاً بالتفكير بإيجاد تفسيرات بديلة.
وقد لا يكون واضحاً لغير الخبير المتمرّس السبب في أن التوسع قد يحل المشكلات الكونية؛ بل وأقل وضوحاً السبب في صعوبة حلها دون الرجوع إلى التوسع. إلا أن الصعوبة الكبرى ماثلة لعالم الكونيات المحنك، وواضحة إلى درجة أن أحداً لم يفلح في الوقوع على نظرية بديلة. لقد كسبت نظرية التوسع تلقائياً. وكنتُ لسنواتٍ كثيرة أُفكر ملياً في إمكان وجود طريقة أُخرى، مهما كانت، لحل المشكلات الكونية.
كنتُ قد أصبحتُ في سنتي الثانية زميلاً في كلية القديس جون (والسادسة مقيماً في كامبردج عندما تراءى لي يوماً أنَّ الإجابة قد هبطت على من السماء. كان صباحاً ماطراً كثيباً (الطقس الإنكليزي (المعهود وكنتُ أسير عابراً الملاعب الرياضية للكلية أداري آثار الإسراف في الشراب، عندما أدركتُ فجأة أني لو تسنى لي الخروج على قاعدة واحدة بسيطة للعبة - وإن كانت مقدسة ـ لأمكنني
حل هذه المشكلات دون الرجوع إلى نظرية التوسع. الفكرة بسيطة جداً، وأبسط من نظرية التوسع. إلا أني شعرتُ فجأة بالقلق والتحسب من عرضها كتفسير؛ فهي تنطوي على شيء يُقارب الجنون بالنسبة إلى عالم متمرس. إنها تمس جوهر الفيزياء الحديثة في أرسخ قواعدها الأساسية: أن سرعة الضوء سرعة ثابتة.
ولو كان على كل تلميذ ألا يتعلّم إلا أمراً واحداً عن أينشتاين ونظريته النسبية، لكانت تلك المعلومة حتماً أن سرعة الضوء في الخواء ثابتة (*) . فالضوء في الخواء ينتقل بالسرعة نفسها بقطع النظر عن ظروف انتقاله. وهو مقدار ثابت يرمز إليه الفيزيائيون بالحرف C وتبلغ قيمته 300000 كيلو متر في الثانية (أو 186000 ميل في الثانية بالتعبير الأمريكي). وسرعة الضوء عماد علم الفيزياء، والركيزة الراسخة التي تنبني عليها كل النظريات الكونية الحديثة جميعاً، والمقياس المعياري الذي تُقاس عليه ظواهر الكون كافة.
في سنة 1887، وفي واحدة من أهم التجارب العلمية على الإطلاق، تمكن العالمان الأمريكيان ألبرت مايكلسن Albert Michelson وإدوارد مورلي Edward Morley من إثبات أن السرعة الظاهرية للضوء لا تتأثر بحركة الأرض. وكانت هذه التجربة مُحرجة جداً للجميع آنذاك؛ إذ ناقضت الفكرة التي تمليها الفطرة السليمة من أن السرعات تتزايد دوماً. فإن صاروخاً يُطلق من طائرة محلّقة ينتقل بسرعة أكبر من سرعة صاروخ يُطلق من الأرض، لأن سرعة الطائرة تزيد من سرعة الصاروخ. ولو رمينا جسماً إلى الأمام على قطار يتحرك، كانت سرعته بالنسبة إلى رصيف المحطة. هي سرعة ذلك الجسم مضافاً إليها سرعة القطار. وقد يُظَن أن الأمر ذاته ينطبق على الضوء، حيث ينتقل وميض ضوء يصدر عن قطار بسرعة أكبر ؛ وليس الأمر كذلك استناداً إلى نتائج تجارب مايكلسن ـ مورلي : ينتقل الضوء دوماً بسرعة ثابتة لا تتغير أبداً. وهذا يستتبع أني لو أخذتُ شعاع ضوء وطلبت إلى عدة راصدين يتحركون، أحدهم بالنسبة للآخر، قياس سرعة هذا الشعاع لاتفقوا جميعاً على سرعة ظاهرية واحدة!
وجاءت نظرية أينشتاين النسبية الخاصة (سنة 1905)، في جزء منها، استجابة لهذه النتيجة المذهلة فما أدركه أينشتاين هو أنه لو لم تتغير قيمة الثابت لترتب على ذلك أن شيئاً آخر يجب أن ينهار ذلك الشيء هو مفهوم المكان والزمان العام اللامتغير، وهذا مخالف للبداهة، وفي حياتنا اليومية يُنظر إلى المكان والزمان على أنهما يتصفان بالشمولية وعدم المرونة. أما أينشتاين فرأى في المكان والزمان (أو) الزمكان Space-Time شيئاً قابلاً للانثناء والتغير، يتمدد | ويتقلص تبعاً لحركات النسبية للراصد والمرصود، في حين أن الجانب الوحيد الذي لا يتغير من الكون هو سرعة الضوء.
ومنذ ذلك الحين أضحى ثبات سرعة الضوء جزءاً لا يتجزأ من صلب نسيج علم الفيزياء وطريقة كتابة المعادلات الفيزيائية، وحتى جملة الرموز المستعملة فلا جَرَمَ بعد ذلك أن ادعاء تغير هذه السرعة أمر غير وارد أصلاً في مفردات الفيزياء اليوم، بعدما أثبتت مئات التجارب صحة هذا المبدأ الأساسي، وأمست نظرية النسبية بحد ذاتها محور إدراكنا لآلية عمل الكون برمته، في حين أن فكرتي تنادي بخلاف ذلك تماماً: فهي نظرية في (السرعة المتغيرة للضوء).
ورحتُ أفترض وأحدس بصفة خاصة احتمال أن تكون سرعة الضوء في المراحل الأولى من نشأة الكون أكبر منها اليوم وقد أذهلني أن أجد أن هذه الفرضية تحلُّ على الأقل جزءاً من المشكلات الكونية دون الرجوع إلى نظرية التوسع. بدا لي بالفعل أنَّ حلّها مؤكَّد في ظل نظرية تفاوت سرعة الضوء. وبدا لي كأنَّ ألغاز الكون القائم على فكرة الانفجار العظيم تحاول أن تبلغنا بالضبط
أن سرعة الضوء كانت أكبر بكثير في باكورة الكون الفتي، وأنه كان لابد لعلم الفيزياء في بعض أبسط أساسياته أن يعتمد على بنية أغنى من نظرية النسبية.
وعندما طرحت حلّي للمشكلات الكونية أول مرة للمناقشة، ساد صمت يدل على ارتباك وبلبلة، وكنتُ أدرك أن أمامي عملاً كبيراً يترتب على إنجازه قبل أن تستطيع فكرتي تحقيق شيءٍ من القبول وأن فكرتي ستبدو غريبة ومُستهجنة تماماً، لكني كنتُ متحمساً لها. وعندما أعلمتُ بها أحد أخلص أصدقائي (وهو فيزيائي يحاضر حالياً في جامعة أكسفورد) لم أكن أنتظر منه استجابة فاترة؛ لكن ذلك ما كان: فلم أحظ حتى بتعليق، لا لأكثر من صمت تبعته همهمة حذرة. وبرغم محاولاتي الجاهدة لم أستطع استدراجه ليُناقشني فكرتي بالأسلوب الذي يتبعه العلماء النظريون في مناقشة أكثر آرائهم جموحاً.
وخلال الشهور القليلة التالية كنتُ كلما تحدثتُ بفكرتي إلى الناس من حولي حصلت على استجابات شبيهة بما سبق كانوا يكتفون بهز رؤوسهم، وفي أحسن الأحوال يقولون: «اسكت ولا تَكُن أحمق»، وفي أسوئها يأخذون موقفاً مُلْتَبِساً لا يدل على توجه معين - على الطريقة البريطانية ـ قائلين: «أوه، ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك». وعلى مدى السنوات الست الفائتة طرحت للنقاش أكثر ما يحق لي طرحه من الرؤى المتطرفة، ولم أقابل حيالها بهذا النوع من الاستجابة قط. لكني لما بدأت أسِمُ فكرتي هذه بالحروف VSL (وهي اختصار للعبارة الإنكليزية Varying Speed of Light التي تعني السرعة المتغيرة للضوء) خرج أحدهم عن صمته وقال: إن هذه الحروف ترمز إلى الكلمتين: سخيف جداً» Very Silly.
ولا يصح بحال أن تعد ما يحدث في اجتماعات كهذه جرحاً لمشاعرك، فإنَّ أيسر السبل للانفعال في العلم يكمن في أخذ ما تسمعه من تحديات لأفكارك ومواقفك على محمل الإهانة الشخصية، وذلك يشمل حتى تلك التحديات التي يعبر عنها أصحابها بالازدراء والحقد وحتى المواقف التي تكون فيها على يقين من أن الناس من حولك ينظرون إليك نظرتهم إلى مخبول أو مجنون. ذلك هو العلم كل فكرة جديدة هراءٌ لا معنى لها إلى أن يُكتب لها اجتياز مرحلة تحد ونقد لا هوادة فيها. ومع كل ذلك فإنَّ الدافع من فكرتي كان بالضبط شكي بجدوى نظرية التوسع من حيث هي.
وبقطع النظر عن عدد أولئك الذين عدّوا فكرة السرعة المتغيرة للضوء حماقة، ما انفكت الفكرة محلَّ احترامي وولائي؛ يزداد حبي لها وتمسكي بها كلما ازداد تأملي فيها. ولهذا عزمت أن أقوم لها وأصمد دفاعاً عنها وأنظر إلام تفضي.
وغَبَرَ حين من الدهر ولم تُفض بي إلى شيء. لكن هذا وارد في العلم؛ فلا ينهض مشروع إلا إذا توفّر له الفريق الملائم الذي يعمل أفراده يداً واحدة. انظر إلى منجزات العلم الحديث تر أنها ما تحققت إلا بالتعاون. وما كنتُ في أمس الحاجة إليه آنئذ هو الشخص المناسب المتعاون. أما عملي وحيداً فقد كان كمن يدور في حلقة مُفْرَغَة حول تفاصيل ليست في صلب الموضوع، ولا تتألف منها جملة متماسكة ذات معنى. وكان هذا الأمر كله قميناً بأن يدفع بي إلى حافة الجنون.
ومع ذلك، فقد كانت أبحاثي الأخرى تسير على ما يرام. وكم كان سروري عظيماً بعد نحو عام من ذلك أن أمنح لقب الزمالة fellowship في الجمعية الملكية، وهو أكثر منازل البحث مطلباً في بريطانيا، وربما في أي مكان، إذ يتوفر لك في ظله المالُ والحماية مدة قد تصل إلى عشر سنين، إضافةً إلى حريةٍ مُطْلَقَةٍ في التصرُّف والحركة. وعند هذه المرحلة أحسست أني قد أخذت حظي من كامبردج، وأنَّ الوقت قد حان للانتقال إلى مكان مختلف. وبسبب محبّتي للمدن الكبرى، فقد وقع اختياري على جامعة إمبريال كولدج في لندن، وهي من الجامعات الأولى في الفيزياء النظرية.
هناك، كان آندي البرخت Andy Albrecht وهو عالم الكونيات الأول في جامعة إمبريال كولدج حينذاك. ومع أنه واحد من مُبدعي نظرية التوسع، فقد كان يراوده منذ سنوات هذا السؤال: هل نظرية التوسع هي: فعلاً النظرية الصحيحة؟ وكانت مقالته البحثية عن نظرية التوسع هي أيضاً أول مقالة له على الإطلاق، كتبها عندما كان لا يزال طالب دراسات عليا. وكثيراً ما كان يقول متفكّها: ((إنَّ من غير الممكن أن تكمن الإجابة عن كل مشكلات الكون في أول مقالة تكتبها))؛ من أجل ذلك طفق يحاول أن يجد بديلاً لنظرية التوسع، لكنه كان - شأننا جميعاً - يخفق في مسعاه إخفاقاً وما لبثنا أن بدأنا العمل معاً في نظرية السرعة المتغيّرة للضوء. لقد وجدتُ فيه الشخص المتعاون المنشود.
أعقب ذلك سنواتٌ مُفْعَمَةٌ بنوع من الشَّدة والإثارة والاهتياج ما كنتُ لأتصور أبداً أن يكون العلم سبباً فيها. وكتابي هذا يروي في المقام الأول قصة تلك الرحلة وهي تنجلي وتنحل عقدها من برينستن إلى كُوا، ومن آسين إلى لندن. إنها القصة التي تحكي كيف يعمل العلماء معاً في علاقة حب وكراهية تنتهي في بعض الأحيان نهاية سعيدة؛ وكيف نمت الفكرة حتى اتخذت شكلها وأبعادها وبلغت مرحلةً تحوّلت فيها إلى مقالةٍ مكتوبة؛ وما لقينا من عنت ـ لما دفعنا ببحثنا إلى النشر ـ مع المحرّرين والزملاء الذين لم يكونوا مقتنعين أنَّ عملنا يستحق النشر؛ وأخيراً، إنها القصة التي تبين لماذا قد يثبت يوماً أن فكرتنا ليست فكرة مجنونة على كل حال؛ بل كيف يمكن أن يجد حدس نظري محض سنداً تجريبياً له يفوق ما تجده النظريات الأخرى التي هي أكثر قبولاً.
ولو رفضت فكرتي واستنكرت - وهو احتمال وارد إن لم يكن مظنَّةً مرجحة لا مع بضاعتي بالذات، بل مع أي عرض فكري أو كشف علمي جديد على وجه العموم ـ فإن لدي من الأسباب ما يجعلني أتمسك بالقول إنَّ قصّتي تستحق الإعلان على كل حال. إني أُريد أولاً أن أُفهم الناس الجانب العلمي لحقيقة الفكرة التي أطرحها - وهي فكرة تنافسية وعاطفية وشديدة الوقع ومثيرة لكثير من الجدل والناس على الدوام في جدال لا ينتهي بعضهم مع بعض، وكثيراً ما تتضارب آراؤهم وتتعالى أصواتهم بذلك. وأُريد أيضاً أن يُدرك الإنسان العادي من غير العلميّين أنَّ تاريخ العلم زاخر بالافتراضات والرؤى الظنية التي تبدو عظيمة أول وهلة، غير أنها تتكشف عن افتقار للحجة التفسيرية، فتنتهي إلى سلة مهملات الاستعلام العلمي. إن عملية وضع الفكرات الجديدة على محك الاختبار، ثم قبولها أو رفضها، هي باختصار مدار العلم كله.
على أن الأهم من ذلك هو أنَّ مجرَّد عرض فكرة السرعة المتغيرة للضوء سيدفعني، تلقائياً إلى الخوض في شرح النظريتين الخطيرتين اللتين تتناقض رؤيتي معهما أو تتخطاهما: نظرية النسبية ونظرية التوسع الكوني. ولعل من المفارقات أنك حينئذ ترى الأمور أوضح ما تكون. لقد كان شعوري على الدوام أن خير وسيلة لتفسير أكثر الأفكار تميزاً تكمن في إبراز أضدادها، إذ أن إخضاعها القسري لاختبار ينطوي على التشكيك (نظير الاستجواب في قاعة محكمة) خليق بإظهارها إلى الوجود على حقيقتها تماماً.
لهذه الأسباب مجتمعة أرى أنك خليقٌ أن تقرأ هذا الكتاب كله. حتى لو لم تتمكن نظرية السرعة المتفاوتة للضوء من إيصال هدفها في نهاية المطاف إليك. وغني عن القول إنَّ القصَّة تكون أكثر تشويقاً وإثارة لو أنها أصابت هدفها وآتت ثمارها، ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أكون بذلك زعيماً، مع أني أشعر أن هذا أمر ممكن.
في مقابل ذلك استجدت على مدى السنوات الماضية أُمور تومئ إلى أنَّ نظرية السرعة المتغيرة للضوء قد تصبح في يوم من الأيام هي الاتجاه السائد، شأن نظرية التوسع الكوني ونظرية النسبية على رأس هذه الأمور إن كثيراً من المهتمين قد شرعوا فعلاً بسبرها وعجم عودها، وفي العلم ينطبق القول الشائع: البهجة تزداد كلما ازداد عدد المشاركين ويُلاحظ على أرض الواقع أن عدد الأبحاث التي تُكتب عن نظرية السرعة المتغيرة للضوء يتنامى يوماً بعد يوم، بل أمست هذه النظرية جزءاً من الموضوعات التي تتناولها المؤتمرات العلمية، وبدأت تستقطب مجتمعاً مقبولاً من المؤيدين. وهذا بالطبع مصدر سرور عظيم لي شخصياً.
وبعد، فقد غدا لهذه النظرية أيضاً نواة كونية فبدأت بالفعل بحل مسائل أخرى. وأظهرت أحدث الاستطلاعات أنه كلما تقدمت معرفتنا في ميدان الفيزياء حتى شارفت الحدود القصوى، كان لدى نظرية السرعة المتغيرة للضوء ما تقوله في ذلك. فإذا تبين صحة نظريتي هذه، استتبع ذلك احتمال أن يكون للثقوب السوداء خصائص مختلفة تماماً عما نعلم، وللنجوم المرتصَّة حال أخرى مغايرة عند انقراضها فتندثر بطريقةٍ غريبة. ويشعر رائد الفضاء الجسور بأنه أفضل حالاً بكثير. وخلاصة القول إنَّ ثمة فيضاً من النشاط العلمي الذي يقود - كلما أُخضعت الفيزياء إلى ظروف غير اعتيادية ـ إلى نتائج وآثار جديدة متوقعة، مقرونة بـ C متغير. وفي ثنايا هذه التوقعات يبرز الأمل بأن تثبت صحة نظرية السرعة المتغيرة للضوء بالتجربة العملية.
غير أن أمراً أكثر أهمية قد يكون على وشك الوقوع؛ فقد أيقنا ـ على مدى العقود الماضية - أن إدراكنا للطبيعة ما زال قاصراً وغير مُكْتَمل، إذ من المعلوم أن نوعين من النظريات تحكمان الفيزياء الحديثة هما: نظرية النسبية Theory of Relativity ونظرية الكم Quantum Theory وكلُّ منهما تلقى نجاحاً في مجالها على حدة، ولكن عندما يحاول العلماء النظريون دمجهما في نظرية وهمية واحدة تسمى الثقالة الكمومية quantum gravity يكون الفشل الذريع. إنا نفتقر فعلاً إلى النظرية الموحدة المطلقة، وهي حُلُم أينشتاين الذي لم يتحقق، والمتمثل في إطار متماسك متساوق من العلم يجمع شتات مختلف الظواهر العلمية المعروفة جميعاً.
لقد أضحت نظرية السرعة المتغيرة للضوء جزءاً من هذا البحث. ولعل الثابت C المتغير هو العنصر الأساسي المفقود منذ زمن طويل، وهذا من الطريف الغريب: فلكي يتحقق حلم أينشتاين قد يجب أن نتخلى عن الأمر الوحيد الذي كان راسخاً لديه تماماً. فإن حصل ذلك، فقد تصبح نظرية السرعة المتفاوتة للضوء أكثر من مجرَّد ظاهرة حَدْسِ علمي، إذ من الممكن أن تعمق إدراكنا لآلية عمل الكون بصورة لم أكن لأتصورها أبداً.
الاكثر قراءة في مواضيع عامة في علم الفلك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)