جواز تغيير بعض الوصايا وإصلاحها
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص261-263
2026-06-17
28
قد يقضي بعض الأفراد حياتهم بالفلاح والصلاح من دون شك، لكنه عندما يصل إلى أرذل العمر نراه يُوصي بما يُثير الفِتَن ويُوقع الفساد ليصبح بعد ذلك ـ والعياذ بالله ـ من أصحاب السعير. وقد رُوي إنّ رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم حارما ورثته من كل شيء فبلغ ذلك النبي ﷺ فغضب من ذلك وقال: لقد هممت ألا أصلي عليه[1].
فإذا خاف المعنيون بالوصية من أن يقوم الموصي بالجنف في وصيته فيميل الى المعصية والاثم أو ينحرف فيها عن سبيل الحق بحيث يحرم الورثة من الارث أو الإيصاء بأكثر من الثلث أو الادعاء كذبا بأن عليه بعض الديون من أجل الإضرار بالورثة فلا مانع من أن يقوم أو لياء المتوفي بإجراء بعض الاصلاحات على الوصية وتغييرها دون أن يترتب على أي منهم إثما لقيامه بذلك. وكما قلنا فإن الاية السابقة حذرت من القيام بأي تغيير أو تعديل في الوصية لكن هذه الاية استثنت بعض أنواع التغيير والتبديل مثل أن يقوم الموصي بالايصاء بشيء منكر أو القول بما يحرف الوصية الى ذلك وفي هذه الحالة لا إثم على من يبادر الى تغيير هذه الوصية ووضعها على مسار المعروف سواء أكان المغير هو الوصي أو الوارث أو الشاهد أو المشرف أو أي شخص آخر بل يجب وجوبا كفائيا على كل من يقدر على تغيير الوصية التي تتضمن من ذلك الايصاء الجائر الذي ربما أدى الى قيام الفتنة أوزرع بذور الفساد وينبغي عليه إصلاحها بالنحو المطلوب لكن المسؤولية التي تقع على عاتق كل من الوصي والولي والحاكم هي أكبر من تلك التي تقع على الشاهد أو المشرف وأمثالها كما أن طريقة وأسلوب كل منهم في التغيير الاصلاحي ليسا متشابهين.
وبعبارة أخرى: فإن للحوادث المستقبلية ثلاث حالات بالنسبة للعالم بها بدقة: الحالة الأولى هي أن تكون الحادثة غير ذات أثر لكون الشخص العالم لا يعبأ بها ولا يأبه لها والحالة الثانية أن تكون الحادثة سعيدة وواعدة لكون الشخص المذكور سيستفيد منها وينتفع بها والحالة الثالثة أن تكون مخيفة ومروعة لأن الشخص المذكور سيتضرر بسببها وعلى هذا فإن المقصود بالخوف هو الحالة النفسية التي يتوقع فيها الانسان وقوع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة وهذا الخوف كما بينا متعلق بالمستقبل لا الماضي ولما كان الخوف هو من المستقبل وإيصاء الموصي هو حدث وقع الماضي فقد يتبادر الى الاذهان سؤال هو: كيف الايصاء الماضي مصدرا للخوف بينما يكون هذا المصدر متعلقا بالمستقبل؟
الجواب الأصح هو: إن كان إيصاء الموصي قد وقع في الماضي إلا أن العمل بذلك الايصاء وتأثيراته ظاهرة في المستقبل ولأن المستقبل هو وليد الحدث الماضي وكل حدث سيئ يقع في المستقبل يكون مصدره الماضي فإن الماضي وهو إيصاء الموصي يكون مصدر الخوف من المستقبل.
ومهما يكن من أمر فإن مصلحة المجمتع ونجاته من الفتنة والفساد هي مسؤولية تقع على عاتق الجميع ولهذا فإن أي شخص في المجتمع الاسلامي يكون قادرا على إزالة الفساد وإقامة دعائم الاصلاح يمكنه القيام بمثل ذلك التغيير والتبديل ولا إثم يقع عليه إطلاقا فيما قام به من تغيير في سير الوصية المضرة.
[1] الجامع لأحكام القرآن المجلد 2.1/ 235
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في المعاملات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة