لمَّا كان في دولة تشي رجل فقير
كان في دولة تشي رجل يُدعى «فنغ شوان» وكان فقيرًا، عاجزًا عن اكتساب الرزق، فطلب من الناس أن يدلُّوه على بيت شوكون عساه أن يجد عند بابه ما يتقوَّت به، (فكان له ما أراد) فلمَّا سأله شوكون عما يطيب له من هوايات مُسلية، أجابه بأن ليس له شيء من ذلك، فسأله عما يُجيد من مهارات أو حِرف وقُدرات، فأجابه بالرد نفسه، فضحك شوكون ووافق على استضافته، ووقع في ظن الحاضرين [التابعين والعاملين في منزل شوكون] أن سيدهم قد أبدى الموافقة استصغارًا لشأن ذلك المُعدم، فألقوا إليه بأردأ الطعام.
الجزء الثاني من الفصل نفسه
وما كاد «فنغ شوان» يستقر بصحبة أتباع شوكون، حتى صار يقف مستندًا إلى الأعمدة الضخمة في فناء المنزل مُتقلدًا سيفًا قديمًا، يهزُّه عاليًا ويرفع صوته بالغناء الصادح: (… عودي بنا أيتها الأيام، عُد بي أيها السيف السقيم نفرش الطرقات، ونطعم طعامًا أزكى فلا خير في وليمةٍ لا تسد رمقًا!) وراح الخدم إلى سيدهم شوكون يقصون عليه ما حدث من أمر الغناء المذكور، فأمرهم بأن يُقدموا له أطيب الطعام على نحو ما يفعلون مع كل النازلين في دار ضيافته العامرة، وما هي إلا أيام قليلة حتى أصبح فنغ شوان ذات صباح مُمسكًا بسيفه مرددًا صوته بأغنية يقول فيها: (إيه يا سيفي القديم، أما آن لنا أن نعود، لكن كيف نعود راجلين حفاة وليس ما يحملنا من عربات مطهمة وجياد؟!) فسخر منه السامعون، وعجبوا من أمره وأبلغوا سيدهم شوكون بما تغنَّى به «فنغ شوان» فأمرهم أن يُجهزوا له عربة فخمة تُقله إلى أي مكان يشاء شأنه في ذلك شأن كل ضيف كريم.
فلما ركب الضيف العربة رفع سيفه عاليًا وساق إلى منزل أحد أصدقائه القدامى حيث التقى به وقال له: «قد نزلت على شوكون فأكرمني وأحسن إليَّ كما يصنع مع أكرم ضيوفه.» وما هي إلا بضعة أيام حتى وقف ثانية وسط الدار ورفع سيفه يتغنَّى بصوت مسموع: (أما قلت لك عد بي أيها السيف … فما النفع إذا شبعتُ وجاعت عيالي؟!) فلما سمعه الحاضرون ضجروا وقاموا عنه استياء ونفورًا مما بدا من جحوده وجشعه، وسألهم شوكون عما إذا كانوا يعرفون له أقارب أو ذوي صلة فأجابوا بأن ليس له سوى أمٍّ أقعدها العجز والكبر، فأرسل إليها شوكون طعامًا وكسوةً وأجزل لها العطاء فلم يدع لها حاجة إلا قضاها، وهنالك أمسك فنغ شوان عن الغناء وهجره بالكلية.
الجزء الثالث من الفصل نفسه
فلمَّا كان صبيحة ذات يوم علَّق شوكون إعلانًا كبيرًا على جدار دار الضيافة، يطلب فيه إلى النزلاء الكرام أن: «يتقدم من له معرفة بالحسابات التجارية وذلك لعمل تصفيات للديون بمنطقة «شودي» فذهب فنغ شوان ووقَّع باسمه أسفل الإعلان موضحًا مقدرته على القيام بهذا العمل، فلما اطلع شوكون على التوقيع أخذته الدهشة وسأل عمن يكون صاحب هذا الاسم؟» فأجابه خاصته قائلين بأنه ذلك الرجل صاحب «السيف القديم» المُقيم عندك المُتغني بأغنيات (عد بنا أيها السيف، عودي أيتها الأيام …) فضحك شوكون قائلًا: «فالرجل صاحب علمٍ ومهارة إذن، وقد أسأت إليه دون حتى أن أعرف له وجهًا [لم أقابله مرة واحدة!].» ثم استدعاه، فلمَّا مثل بين يدَيه قام إليه شوكون مُعتذرًا، قائلًا: «قد شغلتني عنك المشاغل، أرهقتني لواعج القلق وألوان الهموم، فقد انغمست في شئون العمل حتى تغافلت عمَّن يقتضي الواجب صلتهم، والحفاوة بهم، فلا تحملنَّ عليَّ إصرًا لِما بدر من إساءة، ولا تحجبنَّ عني أمرًا لسابق جفوة بيننا، واصدُقني القول إن كنت راضيًا بالقيام على جباية الضرائب المُقررة على منطقة شودي.» فلما أقر فنغ شوان أمامه برغبته المُخلصة في القيام بهذه المهمة أوكل إليه شوكون إتمام الأمر وهيَّأ له عربة وجهزه بما يلزم من كسوة وأغطية وفرش، ودفع إليه مستندات الديون، فلمَّا حانت ساعة توديعه وقد خرج إلى السفر، سأله فنغ شوان قائلًا: «فماذا تريد أن أشتري لك بعد تصفية الديون؟» فأجابه: «أترك لك تقدير هذا الأمر، فتدبَّر وانظر ما الذي ينقصني من متاع فابتعه لي.»
الجزء الرابع من الفصل نفسه
وانطلقت العربة براكبها فنغ شوان إلى منطقة شودي، فما إن بلغت الرحلة نهايتها حتى أوفد فنغ شوان إلى الأهالي بعض الكتبة والموظفين ليبلغ المُطالبين بسداد الديون بالحضور إليه، فلمَّا اجتمعوا لدَيه أمر بمراجعة سندات الديون وصكوك القروض، فانشغلوا بذلك وقتًا غير قليل، حتى إذا فرغوا من المُراجعة [وأبلغوه بالحصر الشامل لجميع المُستندات] نهض واقفًا وأعلن باسم شوكون التنازل عن جميع المُستحقَّات المالية من ديون وقروض وخلاف ذلك [باعتبارها] منحة لا تُرد، ويسقط عن الأهالي — بموجب ذلك — واجب السداد، ثم إنه جمع الصكوك والسندات وأشعل فيها النار حتى احترقت عن آخرها، وانطلقت أفواه الناس بالهتاف والدعاء بطول البقاء.
الجزء الخامس من الفصل نفسه
ركب فنغ شوان عربته، وأسرع عائدًا إلى عاصمة تشي، فبلغها مع انبلاج الصبح، وذهب من فوره لمقابلة شوكون الذي أخذته الدهشة من سرعة إنجازه للمهمة الشاقة الموكولة إليه، وأسرع ليرتدي أبهى حلله، وتناول قبعته وخرج إليه، فسأله عن سر ذهابه وعودته بهذه السرعة الفائقة، وعما إذا كان قد حصَّل الديون المُستحقة، فردَّ عليه بالإيجاب، فعاد شوكون يسأله عما اشتراه لأجله بقيمة ما تم تحصيله، فأجابه فنغ شوان قائلًا: «كنت قد تركت تقدير ما ينبغي شراؤه من متاع ضروري لبيتك، فلما تأملتُ الأحوال جيدًا، نظرت فوجدتُ لديك أكداس الذهب والفضة، وفي حظائرك ما لا يُحصى من الخيل والجياد، بينما قد ملكت يمينك صفوفًا متراصَّة من السرائر والمَحظيات والجواري الحِسان، ولم يعُد ينقص بيتك من المتاع شيئًا سوى البر والعدل والإحسان، فاشتريتُ لك منه الشيء الكثير.» فسأله شوكون: «ماذا يعود عليَّ من ذلك؟» فأجابه: «قد نظرتُ فوجدتُ إقطاعك بمنطقة شودي ضئيلًا للغاية [كأنه بيت عائلة قليل المساحة متواضع الأركان ومع ذلك] فأنت لا تبذل للمُقيمين هناك ما يليق من الرأفة والعناية الواجبة بوصفك الأب الحاني والسيد الحامي حِمى قومه، بل تتعامل معهم بمنطق التاجر الساعي وراء الربح، [ولكي أُصحح مفهوم العلاقة] قررتُ أمرًا من تلقاء نفسي، لكني تحدثتُ باسمك فأمرت بحرق المُستندات والصكوك، وتنازلتُ عن الديون المطلوبة، وجعلتها منحة للأهالي، فتهللوا وهتفوا لكم بدوام العز والبقاء، فكانت تلك أحسن وسيلة للفوز بخير متاعٍ وهو العدل.» فابتأس شوكون، وقال ساخطًا: «فالأمر إذن، ما قد حصل!»
الجزء السادس من الفصل نفسه
فلمَّا دارت دورة الأيام، وانقضى من الزمان عام، حدث أن التقى شوكون بملك تشي، فقال له جلالته أثناء اللقاء إنه لم يعد من المقبول أو اللائق [حسب الأصول] بالنسبة له وهو الرجل الجالس على عرش تشي بأن يستبقي إلى جواره الرجل نفسه الذي عمل رئيسًا للوزراء إبَّان حكم والده الملك الراحل [وكان المقصود من ذلك تنحية شوكون عن منصبه] فلم يكن أمام شوكون إلا أن يذهب إلى إقطاعيته الكائنة بمنطقة شودي، فبينا هو على الطريق وقبل أن يبلغها بحوالي مائة لي تقريبًا، خرج الأهالي واصطفُّوا على جانبي الطريق يحملون صغيرهم ويسندون كبيرهم في انتظار وصوله، فمال شوكون على فنغ شوان وقال له: «ها قد رأيت بعيني رأسي اليوم ما اشتريتَه لي بالأمس من الرحمة والعدل.» فأجابه قائلًا: «الأرنب الماكر يحفر لنفسه ثلاثة جحور لينجوَ من خطر الموت مرة واحدة، وليس لك إلا جُحر واحد، فلا أظنُّك تهنأ بالأمان يقظانًا أو تحلم بالهناءة نائمًا، فائذن لي أن أُهيئ لسيادتك الجُحرَين الباقيَيْن.» وهكذا أعطاه شوكون خمسين عربة وخمسمائة (جين) [مائتي جنيه] من الذهب والفضة وأوفده إلى دولة وي [الواقعة غرب البلاد] ليقوم بالمناظرات والدعايات السياسية اللازمة لإتمام خطته، فلمَّا التقى فنغ شوان بجلالة الملك هوي — حاكم وي — قال له: «قد بلغك أن دولة تشي قامت بإبعاد رئيس وزرائها شوكون ونفيه في البلاد، فأول من تستضيفه من الدول ستتمكن من تحقيق موارد مالية وفيرة وتأسيس جيش قوي.» وبالفعل فقد استجاب ملك وي لهذا التصوُّر وقام بإخلاء أرفع منصب قيادي في حكومته وذلك بنقل رئيس الحكومة من مكانه ليتولَّى منصب قائد عام القوات المسلحة وأوفد بعثة تحمل مائة عربة فخمة وهدايا ثمينة إلى شوكون، بالإضافة إلى خطاب تكليف رسمي له من قبل الملك، وأسرع فنغ شوان بالسفر إلى شودي ليقول ﻟ «شوكون»: «إن ألف جين من الذهب [خمسمائة وزنة] هدية لها قيمتها بمناسبة تكليفك لدى البلاط الملكي وكذلك فإن مائة عربة تجرها جياد مُطهمة تعد صلة كريمة وسفارة راقية، ولا بد أن دولة تشي قد بلغتها أنباء ذلك [الكرم ذائع الصيت].» وتردد الرسل ذهابًا وإيابًا بين ملك وي والسيد شوكون دون أن يبدي هذا الأخير أية موافقة على التكليف الموجَّه إليه، أما ملك تشي فقد أحس بالارتباك هو ورجال دولته عندما بلغتهم هذه الأخبار، وأسرع جلالته بإيفاد «تايفو» [أحد كبار الموظفين] إلى شوكون مُحمَّلًا بأكثر من ألف جين ذهبًا، وعربتَين مزخرفتَين على نحو بديع، وسيفًا بحمَّالة وخطاب اعتذار من جلالته شخصيًّا، موقِّعًا عليه بإمضائه، ونص الخطاب جاء فيه: [اعلم أنه قد جانبنا الصواب فيما قرَّرناه بشأنك، ولئن كنتُ قد أسأت إليك فقد حلَّ عليَّ سخط الأسلاف، ووقعت في شَرك الضلال بما دبَّره حسَّادك ومُبغضوك، وبعد، فحاضِرُ صفحك أنبلُ من سابق إساءتي إليك، وأرجو أن تحضرك ذكرى من تقدَّسَت أضرحتهم من سادتنا الملوك الأقدمين (وأستحلفك بتلك الذكرى) أن ترجع إلى بلدك، لتقوم على شأن الآلاف المؤلَّفة من بني وطنك] هنالك أسرع فنغ شوان إلى شوكون لينصح له بأن يبادر إلى تقديم طلب عاجل للملك يرجوه فيه أن يُرسل إليه بأواني القرابين المقدَّسة الخاصة بأضرحة أجداده من الملوك السابقين؛ كي يُلحقها بما ينوي أن يُشيده من معابد ملكية في شودي، فلما تم بناء المعابد ذهب فنغ شوان إلى شوكون ليقول له: «قد صارت لك الآن ثلاثة جحور، فطِب نفسًا واهدأ بالًا ونم قرير العين.»
الجزء السابع من الفصل نفسه
وبقي شوكون في منصبه رئيسًا لوزراء البلاد فوق العشر سنوات، مرت بغير أدنى قدْر من القلاقل أو الاضطرابات فكان الفضل في ذلك لما سار عليه من انتهاج السياسات والخطط التي وضعها فنغ شوان.