ما العمل؟ (ما العمل تجاه العلوم الزائفة؟)
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص106
2026-06-16
21
لا يثني اللوم وكشف الزيف مؤيدي النظريات المهمشة عن التمسك بآرائهم. هل هناك حلول أفضل إذن؟ طُرحت عدة اقتراحات على مدى العقود الأخيرة لمواجهة ما يُعتقد بأنه انتعاش للفكر غير التقليدي. (من الصعب التحقق مما إذا كان ينتعش أم لا).
نصَّت مجموعة من الاقتراحات على تشديد معايير النشر العلمي بشكلٍ جذري. يمكننا، من حيث المبدأ، أن نرفع معايير ما يُقبَل نشره إلى مستوًى مرتفع للغاية بحيث تُقبَل فقط النتائج التي تقترب كثيرًا من الإجماع العلمي. ولا شك في أن هذا سيؤدي إلى استبعاد الأفكار غير التقليدية، ولكنه سيخنق أيضًا تقريبًا أي تجديد؛ إذ لن تجتاز نظريات على غرار نظرية الكم والانجراف القاري هذا المعيار. من ناحية أخرى، يمكننا تخفيف معايير النشر العلمي للسماح ببعض التحقق — مثل مراجعة الأقران — ما قد يسمح أحيانًا بتسرب أفكار غير تقليدية. هذا هو المستوى الذي نعمل وفقًا له الآن، ونتيجة لذلك تتسرب الأفكار غير التقليدية إلى الأدبيات المنشورة، مثلما حدث مع أبحاث الإدراك الحسي الفائق. هل يمكننا أن نتدخل هنا لتحسين الوضع؟
لا أعتقد ذلك. لنفترض، على سبيل المثال، أننا أصررنا على قبول الأبحاث التي خضعت لمراجعة الأقران فقط دون غيرها. سيتسبب ذلك في استبعاد تقارير مراكز الأبحاث الخاصة بالإنكاريين، لكنه لن يستبعد ويكفيلد (الذي اجتاز مراجعة الأقران)، وسيضع العقبات في وجوه الفيزيائيين الحاليين الذين يقوم أغلب التواصل بينهم على تحميل المخطوطات غير المُراجعة على خادم الطبعات الأولية. ومع تزايد التخصص والالتزامات المتراكمة على وقت الباحثين المحدود، يبدو أن مراجعة الأقران غير قادرة على تلبية المتطلبات المعرفية المفروضة عليها. لم تنجح مراجعة الأقران قَط في كشف حالات الاحتيال؛ وظهور الدوريات المؤذية (التي لا تفرض أي معايير على المحتوى، وتستمر في العمل عن طريق فرض رسوم باهظة على المؤلفين)، والمقالات المكتوبة بواسطة كُتَّاب مجهولين بما يصب في صالح بعض الصناعات، والاختبارات الإحصائية الرديئة (التي أسفرت عن أزمة التكرار)، وما إلى ذلك، زاد من العبء المُلقى على كاهل نظامنا للنشر العلمي. مع ذلك، يبدو أن النظام يعمل جيدًا في المتوسط، حتى إن لم يكن مثاليًّا. كما أدت إضافة بيانات إلزامية عن مصادر التمويل وتضارب المصالح إلى تثبيط نشر بعض الأبحاث المشكوك في مصداقيتها. وربما كانت الطريقة الأكثر نفعًا هي تخفيف الضغوط على العلماء للنشر بكمٍّ متزايد وسرعة متزايدة، لأن هذا المتطلب يضعف قدرة النظام بأكمله على تقييم مصداقية النتائج، ويقدم في الوقت نفسه حوافز للأبحاث الزائفة أو غير الدقيقة. لا شك في أن هذا الإصلاح سيبطئ من وتيرة البحث العلمي (أو على الأقل معدل النشر العلمي)، الأمر الذي قد تصحبه نتائج مفيدة.
يُحوِّل تعديل معايير النشر الانتباه نحو العلماء؛ يمكننا بدلًا من ذلك التركيز على متلقي الأفكار غير التقليدية. في هذه الحالة، يمكن أن نتبع إصرار كارل ساجان وغيره من العلماء المرتبطين بمجموعة «لجنة التحقيق العلمي في مزاعم الظواهر الخارقة» الخاصة بكشف الزيف، وندعو إلى تحسين تدريس العلوم. تدريس العلوم أمر رائع، وأنا مؤيد له تمامًا. ولكن يبدو من غير المحتمل أن تؤدي التحسينات في الثقافة العلمية إلى القضاء على التيارات العلمية غير التقليدية. على سبيل المثال، تأمل حالة مؤيدي نظرية الأرض المسطحة: لقد تعلموا جميعهم في المدرسة أن كوكبنا كروي الشكل، ولكن لم يمنع ذلك من ولادة حركة جديدة. إن توسيع نطاق الثقافة العلمية لن يؤثر في جاذبية النظريات غير التقليدية في نظر الكثيرين، رغم أنه قد يغيِّر من المذاهب التي يجدونها جذابة، ربما المزيد من المزاعم بوجود بيج فوت، وربما مزاعم أقل عن علم الخيمياء.
لا تتطور العلوم الزائفة لأن الناس يفتقرون إلى المعلومات العلمية. بل إن المذاهب غير التقليدية تنتج عن عملية البحث العلمي النظامية، ولكنها تنفصل عن الإجماع العلمي في أثناء تحوُّلها، ثم تكتسب مؤيدين تدريجيًّا. ينضم بعض الناس إلى هذه الجماعات لمجرد أن يشعروا بالانتماء إلى مجتمع، وينضم إليها البعض الآخر لأنها تبدو لهم أكثر منطقية مما يقوله لهم مدرسو العلوم، وينضم البعض الثالث — مثل العلماء الممارسين الذين يؤيدون الإدراك الحسي الفائق — بدافع سعيهم الصادق لكشف الحقيقة.
كل من يُطلَق عليهم لقب علماء زائفين يعتقدون أنهم علماء حقيقيون. والسبب في انخراطهم في هذه الأنشطة ليس لأنهم مناهضون للعلم، بل لأنهم مؤيدون له. العلوم الزائفة هي ظل العلوم الحقيقية: إنها انعكاس للمجتمع العلمي. وكلما ارتفعت مكانة العلم، أصبح ظله أكثر حدة، وأصبح التيار غير التقليدي أكثر قوة. لذا، فإن الطريقة الوحيدة للقضاء على العلوم الزائفة هي التخلص من العلوم الحقيقية، ولا أحد يريد ذلك. ما العمل إذن؟ من شأن فهم المزيد عن العمليات التي تسهم في نشوء الأفكار غير التقليدية وتنوعها أن يساعدنا في التعامل مع تلك الحركات القليلة التي يمكنها أن تتسبب في أضرارٍ كبيرة على المستوى العام. أما بقيتها، فيمكننا اعتبارها ظاهرة نابضة بالحياة، لكن لا تمثِّل تهديدًا في أغلبها، للثقافة المعاصرة. فليست جميع الظلال تخفي وحوشًا.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة